مقابلة مع السفير الفرنسي في لبنان هيرفي ماغرو

في بلدٍ تتشابك فيه الأجندات الإقليمية والدولية، تبرز أسئلة المرحلة الثقيلة: ما موقع لبنان في العين الفرنسية، وكيف تنظر باريس إلى مسار المواجهة بين لبنان و"إسرائيل"، وهل تعيد صياغة أولوياتها وسط التطورات والتغيّرات؟

نص الحلقة

 

روني ألفا: في بلد يعيش على حافّة الاحتمالات، يصبح البحث عن نقطة توازُن فعلاً يومياً، وجغرافيا لبنان الضيّقة تتحوّل إلى مساحةٍ واسعةٍ للصِراعات وبالمفاوضات أيضاً، التي يبدو أنها بدأت صباح اليوم.

في هذه الرُقعة الصغيرة، يحضر الجيش اللبناني بوصفه أحد أعمدة الدولة، فيما تتقاطع فوقه إرادات دولية وإقليمية، ويقف على خطوط تماس سياسية وأمنية لا تهدأ.

وبين العتمة والتقشّف والانهيار، تخرج فرنسا — الشريك التاريخي — بوصفها أحد أبرز الداعمين للمؤسّسة العسكرية والثقافة الفرنكفونية العزيزة على قلوب اللبنانيين، عبر مؤتمرات ومُبادرات ووعود تبدو أحياناً أكبر من قُدرة الواقع على استيعابها. لكن دعم الجيش ليس سوى فصل واحد.

قبل عام تماماً، وُقّع اتفاق وقف الأعمال العدائية على الجبهة مع إسرائيل. اتفاق لم يُنهِ القلق، بل أعاد ترتيبه في خلفية المشهد.

تعمل لجنة مُراقبة وقف النار التي صارت إطاراً للتفاوض اليوم بمُشاركة من باريس والولايات المتحدة الأمريكية تحت ضجيج الطائرات من جهة وضغوط الدبلوماسية من جهة أخرى.

وبين دعم الجيش ومُراقبة الهدنة، تبرز احتمالات أية مفاوضات مقبلة مع لبنان وإسرائيل أسئلة كثيرة؟

ماذا تريد فرنسا فعلاً من دورها في لبنان؟ وما الذي تستطيع أن تقدّمه؟ وما الذي لا تستطيع؟

وهل ترى باريس في لبنان مساحة نفوذ؟ أم مسؤولية تاريخية؟ أم محاولة أخيرة لوقف انزلاق المنطقة نحو المجهول؟

هذا المساء، نحاور السفير الفرنسي في لبنان، السيّد هيرفي ماغرو، لنفهم لا المواقف فحسب، بل لنفهم المنطق الذي تقف عليه هذه المواقف أيضاً، لنقترب من الدور الفرنسي بين السياسة والثقافة والأمن، بين الدعم والمصالح، وبين ما يُقال وما يُخطّط له في الغُرف المُغلقة.

أهلاً بكم، سعادة السفير هيرفي ماغرو؟

 

هيرفي ماغرو: مساء الخير، وأهلاً بكم في قصر الصنوبر.

 

روني ألفا: سعادة السفير، نحن نشكر ضيافتكم الكريمة في قصر الصنوبر، ونبدأ بالسؤال الداهِم: بيان من رئاسة الجمهورية اللبنانية يُفيد بأن إطار المفاوضات مع كيان الاحتلال — وعادة نسمّيه كذلك في لبنان — انطلق، وبالتالي هناك مندوب لبناني غير عسكري سُمّي في هذه اللجنة. وبالتالي، نحن أمام مرحلة جديدة في النزاع مع كيان الاحتلال.

ما رأيكم بهذا التطوّر البارز في لبنان، من أن التفاوض — على الأقلّ على المستوى الشكلي — قد بدأ مع كيانٍ ما زلنا قانوناً وشعبياً نقول بأنه كيان مُحتلّ للبنان؟

 

هيرفي ماغرو: بداية، كما ذكرتم في مقدّمتكم، لقد مضى عام على اتفاق إنهاء الأعمال العدائية، وهذا يسمح لنا بأن نتوقّف على ما حصل منذ ذلك الحين.

بالطبع، اليوم عُقِدَ اجتماع للآلية أو الميكانيزم، وهذا يحمل دلالة كبيرة، وتحديداً في اللحظة التي نجتمع فيها اليوم.

منذ البداية، شاركت فرنسا في هذه الآلية، ومنذ البداية دعت فرنسا كذلك إلى مشاركة أطراف سياسية في هذه الآلية.

كما تعرفون، هذه الآلية تتّسم =بشكلٍ أساسي بطابع عسكري، وتهدف إلى الجَمْع بين المسؤولين والضبّاط العسكريين من مختلف البلدان المعنية.

لكن منذ التطوّرات التي حصلت، نعرف أنه لا بدّ وأن يشهد الاجتماع على مستوى هذه الآلية على القيام ببعض اللقاءات السياسية. فنعرف أن كل ما يُناقش على المستوى العسكري له تأثيرات على المستوى السياسي.

لذلك، من الطبيعي بالنسبة إلينا اليوم أن نشهد على أشخاصٍ مُشاركين من مختلف أنحاء البلاد يشاركون على المستويات كلها، وليس فقط على المستوى العسكري.

بالتالي، ما يحدث اليوم هو بالطبع تقدّم وتطوّر، ولكن نحن نعمل على هذا التطوّر أساساً منذ إطلاق هذه الآلية، لأنه يبدو لنا في ظرفٍ مُعقّد كهذا الذي نعيش فيه أنه لا يمكن أن نكتفي فقط بالمُناقشات العسكرية، ولكن لا بدّ كذلك من وجود ممثّلين سياسيين.

 

روني ألفا: سعادة السفير، أشرتم في مَتْنِ جوابكم إلى أمرٍ لفت انتباهي كثيراً، وهو الانتقال من الناحية التقنية العسكرية الفنية — إذا صحّ التعبير — إلى الناحية السياسية.

ما تقولونه ليس كلاماً سياسياً أو دبلوماسياً عادياً، فهو لديه وَقْع سياسي كبير في لبنان على خلفية الانقسام العمودي في الرأي، هناك آراء في لبنان تقول إن هذا التفاوض يجب أن يكون محدوداً على المستوى التِقني، فيما الآخرون ربما يُغالون في مواقفهم ويقولون على المستوى السياسي.

هل تعتقد بأن فتح المجال أمام المستوى السياسي التفاوضي قد يُفضي إلى اتفاق تطبيع أو سلام مع كيان ما زلنا قانوناً وشعبياً نقول بأنه كيان مُحتلّ للبنان؟

 

هيرفي ماغرو: أعتقد أنه لا بدّ وأن نفرّق بشكلٍ واضحٍ بين المفاوضات السياسية بين البلدين وبين عمل الميكانيزم أو الآلية.

ما يحدث اليوم هو بكل بساطة أن النِقاشات التي كانت تدور على المستوى العسكري والتقني لها جانب سياسي ضروري، فلا بدّ من أن تُطرَح مسائل عدّة على الجبهة السياسية.

بالتالي، بالنسبة إلينا، لم نخرج عن النطاق المُعْتَمد بداية لهذه الآلية. لذلك، المشاركة حصلت على المستوى المدني، وشارك مدنيون في أعمال الآلية. لذلك، لسنا في صَدَد الحديث عن مفاوضات مباشرة بين البلدان المعنية.

لكن ما يحدث اليوم بكل بساطة هو أننا شَهِدنا على تبادُل على المستوى العسكري وبمشاركة لممثّلين مدنيين من البلدان المختلفة. لكن من جديد — وأنا أؤكّد على هذه النقطة — ما يحدث يبقى في الطارئ الطبيعي.

فهذا هو ما عقدنا على الاستماع إليه منذ البداية كفرنسا في إطار عمل هذه الآلية، حيث تحدّثنا عن ضرورة وجود هذا البُعد في هذا النقاش الذي هو عسكري بشكلٍ بديهي.

لكن كما قلنا، لا بدّ من الاضطلاع على وجهات النظر المختلفة، ولا بدّ من العمل كذلك على المستوى المدني لمواصلة تبادُل الآراء.

لذلك، لا يمكن اليوم أن نتحدّث عن مفاوضات ستُفضي إلى شيءٍ آخر سوى مُراعاة كذلك البُعد المُكرّس في الآلية أساساً.

 

روني ألفا: سعادة السفير، طبعاً يبدو لي من خلال إحاطتكم الدقيقة بتفاصيل ما يحدث — ربما في لجنة الميكانيزم — أنكم على دراية تامة، وأن دولتكم الكريمة على دراية تامة بالتحضيرات ربما التي أفضت إلى هذا النبأ الذي صحا عليه اللبنانيون اليوم، وهو الميكانيزم وإطار التفاوض.

ما هو الدور الفرنسي الذي لعبته دولتكم ودبلوماسيّتكم ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في تحضير أرضيّة هذا التفاوض الذي شهدنا عليه صباح اليوم؟

 

هيرفي ماغرو: لهذا صراحة شدّدت على النقطة السابقة في الإجابة.

منذ البداية، ونحن نرى أنه لا بدّ من أن تكون لهذه الآلية أبعاد مدنية أكثر. فنحن نعرف أساساً أن البُعد العسكري ليس قادِراً على اتّخاذ القرار في كل الملفات المطروحة. فلا بدّ من وجود كذلك تبادُل على مستوى آخر في مرحلةٍ ما. كما تعرفون، لست دبلوماسياً في أول العُمر، ولكن نعرف أنه في عام 1996 كانت هناك آلية المُراقبة التي تشكّلت على أثر الأحداث في قانا. وحتى في تلك الآلية، كان يوجد بُعدان: بُعد عسكري، ولكن كذلك بُعد سياسي من خلال اجتماعات للسفراء في قبرص، وهذه الاجتماعات دامت سنوات عديدة.

بكل بساطة، لأنه عندما نواجه صعوبة في مرحلةٍ أخرى، لا بدّ من الحديث عنها كذلك على المستوى السياسي.

وبالنسبة لنا، ما يحدث هو التطوّر الطبيعي للأمور.

ولذلك، منذ البداية أكّدنا على هذا الأمر على مستوى الأمريكيين، وكذلك على مستوى العلاقات مع =الآخرين، أكّدنا على ضرورة وجود بُعد سياسي مُكرّس في عمل هذه الآلية، بهدف مناقشة الصعوبات المختلفة المطروحة على مستوى غير المستوى العسكري البَحْت. بالتالي، ما يحدث هو استمرار طبيعي لعمل الآلية.

 

روني ألفا: دعني أفهم، سعادة السفير، أكثر أيضاً — رغم أنكم وضّحتم التفاصيل أكثر — هل تقصدون بالإطار السياسي للمفاوضات وجود سلطة سياسية في لبنان تُعطي مشروعيّة القرارات التقنية التي يمكن أن تُتّخذ في نهاية التفاوض؟ أم أنكم تتطلّعون إلى دورٍ سياسي يتعدّى الحدود التقنية؟ هنا يكمُن السؤال الذي ينعكس — إذا صحّ التعبير — على الاستقرار السياسي الداخلي في لبنان، على ضوء الانقسام العمودي الذي تحدّثنا عنه في بداية الحلقة؟

 

هيرفي ماغرو: أعتقد أننا ما نشهده بكل بساطة هو تطبيق لعمل الآلية المُتوقّع لها.

بالطبع، كلما طرأت صعوبة — والصعوبات مُتوقّعة — نعرف أن الآلية تنشط بشكلٍ كبير، ونعرف أن كذلك البعض لديهم أفكار مُسبقة بشأن عمل هذه الآلية، لكنها تعمل بشكلٍ مستمرٍ، تحديداً بالنسبة إلى فكّ بعض العُقِد بين الأطراف.

لذلك، كلما طرأت صعوبة، لا بدّ من وجود مساحة للتبادُل والنقاش على مستوى غير المستوى العسكري البَحْت.

لذلك، هذا ما يحدث اليوم، وهذا هو واقع ما حصل على مستوى عمل الآلية من خلال هذه التبدّلات التي اقترنت بشكلٍ أساسي بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية.

لذلك، لسنا في صَدَد الحديث عن مرحلة مختلفة من عمل الآلية، وهذه مسألة لا بدّ وأن نؤكّد عليها بشكلٍ واضح. إذا ما طرأت مرحلة مختلفة على مستوى التفاوض، لا شكّ في أنها ستحصل بشكلٍ مختلف.

لكن لا بدّ كذلك للسلطات اللبنانية وكذلك الأطراف الآخرين أن يفكّروا عند ذاك بالشكل الذي ستتّخذه أية مفاوضات مختلفة.

لكن اليوم، لا زلنا في صَدَد الحديث عن الآلية نفسها في بُعدها المُتّفق عليه، وهي تواصل عملها بشكلٍ طبيعي، مع ضرورة تكريس هذا البُعد السياسي في عملها.

 

روني ألفا: سعادة السفير، دعني أعود قليلاً إلى لجنة الميكانيزم وإلى دور اليونيفيل في المرحلة الأخيرة، وطبعاً أنتم جزء لا يتجزّأ من اليونيفيل عبر كتيبة فرنسية تقوم بمهامها في الجنوب اللبناني.

اليونيفيل أفادت بأن خروقات إسرائيل واضحة للقرار 1701 ولاتفاق وقف الاعتداءات الذي أبرم في 27 تشرين الثاني 2024.

هل تعتقدون بأن إسرائيل مسؤولة عن خرق الـ1701، وأن أولى موجِباتها ضمن لجنة الميكانيزم هو تطبيق القرار 1701، وبالتالي تطبيق كل مُنْدَرجات اتفاق وقف إطلاق النار المُبْرَم السنة الذي بموجبه هي ملزمة — من دون أية مفاوضات مُسْبقة أو مشروطة — بالانسحاب من النقاط التي ما زالت تحتلّها وبتحرير الأسرى اللبنانيين من سجونها؟

 

هيرفي ماغرو: بالنسبة إلينا، الوضع واضح تماماً، وقد أكّدنا على هذا الموقف. لا شكّ في أن الطرفين لديهما التزامات مُحدّدة.

بالنسبة إلى إسرائيل، لقد قلنا ذلك سابقاً: لا بدّ وأن ترحل إسرائيل عن النقاط الخمس المحتلّة على طول الحدود اللبنانية، وهذا أمر واضح تماماً بالنسبة إلينا.

في الوقت عينه، لا بدّ من الكفّ عن أيّ انتهاك للسيادة اللبنانية، على الأشكال التي نراها مؤخّراً من خلال الضربات الجوية وحتى من خلال عمليات التوغّل المُتكرّرة.

لذلك، على هذا المستوى، لقد أكّدنا على هذا الأمر مراراً كذلك خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وبصورةٍ موازية، من الواضح كذلك نؤكّد على أن اتفاق وقف الأعمال العدائية قد تحدّث عن ضرورة استعادة الحكومة اللبنانية لكامل سيطرتها على السلاح على كل الأراضي اللبنانية، ولا بدّ من التحقّق من ذلك.

بالتالي، بعض الأفعال التي قامت بها إسرائيل قد ندّدنا بها سابقاً، وقد طالبنا إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية. وتوجد كذلك حاجة لتتقدّم الحكومة اللبنانية في فرض سيطرتها وسلطتها المُطلقة على السلاح في البلد.

ولذلك، بتنا في مرحلة حيث أنه من المهمّ للبنان أن يتقدّم على هذين المستويين بأسرع وقت ممكن، وهكذا نواصل جهودنا.

 

روني ألفا: وهل تعتقدون، سعادة السفير، بأن لبنان — بحسب ما أتى على لسان الحكومة اللبنانية والرئيس اللبناني على أكثر من مرحلة وفي أكثر من موقف — أن لبنان طبّق مُندرجات اتفاق وقف الأعمال العدائية، وأن الجيش انتشر، وأنه لا دلائل على وجود أيّ ظهور مُسلّح في جنوب الليطاني؟

 

هيرفي ماغرو: أعتقد أنه فيما نتحدث اليوم، لا وجود بعد لخلاصة نهائية قد خرجت بعد.

كما تعرفون، بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية، في شهر آب (أغسطس) وسبتمبر (أيلول)، اخترنا الحديث عن نهاية هذا العام في نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) بهدف سَحْب السلاح، وسنتابع هذه التطوّرات.

لقد اطّلعنا على بعض التصريحات التي صدرت في هذا السياق، بما في ذلك تصريحات أمريكية وإسرائيلية، وكذلك سمعنا مؤخّراً تصريحات صادرة عن الجيش اللبناني.

بالتالي، المهمّ هو أن تفعل الآلية بشكلٍ كامل، وأن يتمكّن الجيش اللبناني من الاضطلاع بكامل دوره بمساعدة اليونيفيل، بهدف البتّ بشأن فعّالية إجراءات نَزْع السلاح في نهاية المطاف.

لكن ما يُقلقنا هو مواصلة هذا الجَدَل حتى الآن، ولذلك حتى الآن لم نحصل على تأكيد مُبْرَم وواضح على أن الأمر قد حُسِم وتحقّق وأُنْجِز على الأرض.

نحن نتابع الأمر بالطبع عن كَثَب — على مستوى الآلية وعلى مستوى السلطة اللبنانية والشُركاء الآخرين — لكي نتمكّن من التوصّل إلى فكرة واضحة بشأن مستوى نَزْع السلاح الذي تحقّق، تحديداً في جنوب لبنان، آملين أن نتوصّل إلى النتيجة المُتوخاة في نهاية هذا العام.

 

روني ألفا: سعادة السفير، دعني أعود إلى الاهتمام الفرنسي وإلى الدعم الفرنسي للمؤسّسة العسكرية اللبنانية، وقد سمعنا مراراً على لسان الدبلوماسية الفرنسية والرئاسة الفرنسية بأن فرنسا مُهتمّة بدعم المؤسّسة العسكرية، وأنها تُجْمِع على عَقْد مؤتمرات دولية لدعم المؤسّسة العسكرية، لدعم الاقتصاد اللبناني.

هل تعتقدون أن هناك شروطاً أو تمنّيات أو ممرّاً إلزامياً لعقد مثل هذه المؤتمرات تتعلّق بالإصلاحات الداخلية، بما يجب أن تفعله الحكومة اللبنانية؟

 

هيرفي ماغرو: لا بدّ وأن نلحظ بداية أن كل هذه الأفكار تتأتّى من حقيقة هي أن فرنسا تقف إلى جانب اللبنانيين. وهذه قاعدة أساسية في السياسة الفرنسية. نحن هنا حاضرون لكي نواكب اللبنانيين ونساعدهم مهما كانت الظروف. وكما تذكرون، ربما بعد فترة وجيزة من انطلاق النزاع، قمنا في باريس بتنظيم مؤتمر حول تقديم المساعدة الإنسانية إلى لبنان وإلى القوات المسلّحة اللبنانية، وقد نظّمنا هذا المؤتمر في غضون أسابيع قليلة بعد بدء النزاع. ولقد لاقى المؤتمر نجاحاً كبيراً، وشَهِد على مشاركة واسعة، لأن ذلك يندرج في إطار القُدرات الفرنسية على تعبئة المجتمع الدولي دعماً للبنان. ونحن دوماً =مُستعدّون لكي نُعيد الكرّة. نحن دائماً جاهزون لكي ننظّم هذه الفعّاليات وهذه الأنشطة، مثلاً تنظيم مؤتمر لمساعدة الجيش اللبناني، وكذلك مؤتمرات داعِمة للاقتصاد اللبناني وآيلة إلى التعافي.

بالنسبة إلى القوات المُسلّحة اللبنانية، نحن في صَدَد مناقشة الأمر مع الشركاء الأساسيين لكي نُحدّد الموعد الذي يمكن أن ينعقد فيه هذا المؤتمر ومكان انعقاده.

دول كثيرة اليوم تدعم القوات المسلّحة اللبنانية — بالطبع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ليس بالسرّ، الجميع يعرف ذلك — ودول كثيرة في الاتحاد الأوروبي تدعم الجيش اللبناني، وأنا دائماً أذكّر بهذا الأمر. لكن أعتقد أن في لبنان البعض يُقلّل من أهمية الدعم الأوروبي للبنان.

على مستوى ممثّلي الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، لا بدّ أن نؤكّد على أن الاتحاد الأوروبي هو من كبار داعمي لبنان على المستويات كافة، بما في ذلك على المستوى العسكري، إلى جانب وجود بعض البلدان العربية — ومنها بلدان الخليج — التي تدأب على مساعدة الجيش اللبناني.

بالتالي، هذا المؤتمر يهدف إلى إطلاق زُخم جديد ومواكبة استراتيجية الجيش اللبناني في إطار المساعي التي يبذلها لكي يُعيد انتشاره في جنوب لبنان، ولكن أيضاً لنتمكّن معاً من التفكير في مختلف الاحتياجات التي تقترن بهذا الجيش لإعادة =انتشار قوّاته في جنوب لبنان. ولكن كذلك احتياجات الجيش اللبناني في كل الأراضي اللبنانية. والهدف كذلك هو أن نفكّر كيف لنا أن نساعد على نحوٍ أفضل قوات الأمن الداخلي. فنعرف اليوم أن الجيش اللبناني هو رُكن أساسي في الأمن اللبناني، ولكن توجد كذلك مهام أخرى لا بدّ وأن توكَل لقوى الأمن الداخلي. وإذا ما أردنا للجيش اللبناني أن يتمكّن فعلاً أن يستعيد الدفّة في إدارة مهامه بشكلٍ طبيعي، لا بدّ من أن نعزّز قُدرات قوى الأمن الداخلي.

هذا ما يهدف إليه هذا المؤتمر — له بُعد استراتيجي — يهدف إلى إرساء وتحقيق انتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي، ودعم هذا الانتشار، ودعم قوى الأمن الداخلي التي تحتاج بشكلٍ كبيرٍ إلى هذا الدعم.

هذا ما نسعى إلى مناقشته مع الشُركاء المختلفين لتنظيم المؤتمر في أقرب أجل ممكن، بهدف مواكبة عملية انتشار الجيش اللبناني.

ومن ثم، بالنسبة إلى المؤتمر الاقتصادي، سبق وأن أعلنا الأمر، والتزم الرئيس الفرنسي بتنظيم هذا المؤتمر. لكن يعتمد تنظيمه كذلك على الظروف في لبنان، في السياق الذي نعيشه حالياً في لبنان، حيث كما تعرفون تُدار نقاشات في البرلمان، وأحياناً يتعطّل عمل البرلمان، وهو لا يجتمع حالياً، ولا تُعْتَمد بعض القوانين. ونحن بانتظار بعض الإصلاحات. لذلك، سيكون من الصعب علينا صراحة أن ننظّم هذا النوع من المؤتمرات وأن ندعو الجهات المانحِة من دون اسيتفاء بعض الشروط الأساسية، منها بشكل أساسي: إصلاح القطاع المصرفي. فلكي تحقّق هذه المساعدة الفعّالية المطلوبة، لا بدّ وأن يعمل القطاع المصرفي بشكلٍ طبيعي.

ناهيك عن إصلاح القضاء — وهذه نقطة أساسية — وقد رأينا ذلك خلال زيارة الحَبْر الأعظم، كم أن مسألة القضاء غالية على قلوب اللبنانيين، وكيف ذهب قداسة البابا إلى المرفأ للقاء أهالي ضحايا انفجار المرفأ. بالتالي، رُكن الإصلاح القضائي أساسي بالنسبة إلينا.

ناهيك عن مواصلة النقاش مع صندوق النقد الدولي، ليس لكي نفرض على لبنان خطّة صادرة عن صندوق النقد الدولي، وهذه مسألة لا بدّ وأن نؤكّد عليها: المسألة ليست هنا.

المسألة هي التوصّل إلى خطّة لبنانية يمكن لصندوق النقد الدولي أن يدعمها إذا أن تكون هذه الخطّة مِلكاً للبنانيين، وأن تستوفي بعض المعايير الاقتصادية والمالية، وأن تكون نابِعة عن اللبنانيين أنفسهم، ولكن أن تلقى دعم صندوق النقد الدولي.

لماذا؟ لأن هذا الصندوق لا يختصر دوره على المُقدّرات المالية التي سيقدّمها، بل يتعلّق دوره كذلك بالمصداقية التي سيضفيها على هذه الخطّة — وهذه نقطة أساسية بالنسبة إلى الجهات المانِحة — بهدف التقدّم أكثر في مساعدة لبنان.

وبالتالي، مؤتمر الأطراف أو الجهات المانِحة يُعتبر هاماً جداً بالنسبة إلينا، فمن خلال هذه الأطراف يمكننا لاحِقاً أن نواظب على المساعي لاجتذاب الرساميل الخاصة.

كما تعرفون، جرى تنظيم مؤتمر بيروت 1 الشهر المنصرم من جانب الحكومة اللبنانية، مع إمكانية تنظيم مؤتمرات أخرى لاجتذاب الاستثمارات الخاصة، ونرى أن هذا هو المطلوب، هذا هو المسار الصحيح.

لكن بداية، لا بدّ من أن نحرص على أن يكون لبنان على طريق العمل الطبيعي. وهذا ما نسعى إلى تحقيقه، ولكن الأمر يتطلّب وجود كذلك بعض المعايير الأخرى المُستوفاة والشروط المُحقّقة.

بالتالي، هذا المؤتمر مطلوب بشكل أساسي، لأننا كذلك بحاجةٍ إلى الجهات المانِحة الأخرى لكي تساعدنا في هذا المسعى، ولا بد ّمن استيفاء بعض الشروط ليتمكّن هؤلاء من المُشاركة في هذا المسعى الجماعي لدعم لبنان.

 

روني ألفا: سعادة السفير، اسمح لي بأن أطرح السؤال الأخير على حضرتكم، وقد لفتني خلفي ومن حولي لوحات مائية لزوجتكم ماريا ماغرو، وقد لفتني الإبداع، إبداع هذه اللوحات.

هل تعتقدون أن السيّدة ماغرو قادرة أيضاً أو مهتمّة أيضاً برسم ما يتعلق بصمود لبنان، خاصة في الجنوب اللبناني، وتنقل هذه الصورة الصامِدة عن لبنان الدولة، ولبنان الشعب، ولبنان الجيش، ولبنان المقاومة، ولبنان الناس العاديين، إلى بلدها الأمّ في فرنسا؟

 

هيرفي ماغرو: بداية، لن أجازِف وأتحدّث باسم زوجتي. هي فنّانة وتعتمد بالطبع على إلهامها.

لكن أعتقد أن كل عمل — كل لوحة — تقدّمها زوجتي تتحدّث فيها عن الرِباط وعن العلاقة القائمة بين فرنسا ولبنان. وقد رأيتم ذلك بعينكم من خلال هذه اللوحات، كيف أنها اعتمدت على عوامل تميّز هذا الصرح — قصر الصنوبر — الذي يشكّل القلب النابض الذي يرمز للعلاقة بين فرنسا ولبنان. ومن هنا جرى الإعلان عن لبنان الكبير في عام 1920. وبالتالي، عندما نستقبل الضيوف، الضيوف لا يأتون فقط إلى قصر الصنوبر كأيّ مكان عادي، بل يأتون إلى المكان الذي ولِدَت فيه هذه العلاقة التاريخية، وحيث ولِدَ لبنان.

وهذه مسألة أكرّرها على مسامِع الأصدقاء اللبنانيين دوماً: لا أعرف إنْ كان قصر الصنوبر هو أجمل قصور العالم أو أجمل قصور فرنسا، لكنه بالتأكيد فريد من نوعه، ولا وجود لقصر رديف له. فهنا ولِدَت هذه العلاقات بين هذين البلدين.

ولذلك، يضطلع هذا القصر بدور هام للغاية، ولذلك من المهمّ أن يبقى هذا القصر مفتوحاً على الأصدقاء اللبنانيين، لأنه قصرهم كذلك. إلى جانب ذلك، أعتقد أن زوجتي قد قدّمت لوحات أخرى كثيرة خارج القصر.

 

روني ألفا: سعادة سفير فرنسا في لبنان، هيرفي ماغرو، شكراً لوقتكم ولإتاحتكم لهذه المقابلة.

 

هيرفي ماغرو: شكراً لكم.