لبنان بعد عام على لحظة المصير.. جرائم مستمرة وأهداف لم تتحقق

عام مر على تلك اللحظة التي تبدل عندها كل شيء.. لحظة انتقلت فيها الحرب من غزة إلى عمق لبنان.. من مشاهد الإبادة إلى معركة فرضت معادلات جديدة في الإقليم. عام على العدوان الذي ظنت إسرائيل أنه سيعيد رسم الخريطة.. وسيسقط قوة المقاومة.. ويغير وجه لبنان والمنطقة.لكن الحرب انتهت.. ولم تنته في الآن نفسه.

نص الحلقة

 

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا، عام مرّ على تلك اللحظة التي تبدّل عندها كل شيء، لحظة انتقلت فيها الحرب من غزة إلى عمق لبنان، من مشاهد الإبادة إلى معركة فرضت معادلات جديدة في الإقليم.

عام على العدوان الذي ظنّت إسرائيل أنه سيعيد رسم الخريطة وسيُسقط قوة المقاومة ويغيّر وجه لبنان والمنطقة، لكن الحرب انتهت ولم تنتهِ في الآن نفسه.

الغارات ما زالت تنتقل بين الجنوب والبقاع، الاغتيالات لم تتوقف، والضغط الأمريكي الإسرائيلي يحاول إعادة فرض الأهداف التي فشلت في تحقيقها في الميدان.

عام بعد اللحظة المصيرية، وما زالت آثار الحرب ترسم يومياً أمناً وسياسةً واقتصاداً ومصيراً بمعادلات الردع في لبنان والمنطقة كلها.

في هذه الحلقة نعود إلى تلك الأيام، إلى ما سبق الحرب وما حملته من حسابات، إلى أهداف العدوان وسقف المشروع الذي ظهر فوق دخان المعارك،

وإلى النتائج التي ما زالت حية حتى يومنا هذا؟

في جنوب يواصل النزف، وفي شرق أوسط يعاد تشكيله تحت الضغط التطبيعي والتهديد بالحرب.

لبنان بعد عام على لحظة المصير: جرائم مستمرة وأهداف لم تتحقق، في دوائر القرار اليوم.

أهلاً بكم.

 

كمال خلف: مشاهدينا، يرافقنا في دوائرنا الثلاث بعناوينها الدكتور طلال عتريسي، الخبير بالشؤون الإقليمية. دكتور طلال، حياك الله.

 

طلال عتريسي: أهلاً وسهلاً، شكراً جزيلاً.

 

كمال خلف: سنكون معك في ضيافتك اليوم في دوائر القرار، لنمرّ على عناوينها، وسأبدأ من العنوان الأول. مشاهدينا، للدائرة الأولى: "من الإسناد إلى الانفجار، الطريق إلى الحرب".

 

كمال خلف: دكتور طلال، مشاهدينا سأبدأ هذه الدائرة بتقرير ربما يسلّط الضوء على تلك الأيام، وكيف بدأت حرب الإسناد وإلى ماذا انتهت. نتابع التقرير:

 

تقرير:

منذ الأيام الأولى للعدوان على غزة، كانت المجازر الإسرائيلية تُنقل على الهواء: أطفال يُنتشلون من تحت الركام، نساء وشيوخ يتحولون إلى أشلاء، مستشفيات تقصف ومدارس تُدمَّر. وعلى الرغم من حجم الفاجعة، وقف العالم عاجزاً، صامتاً، متفرجاً. في هذا الفراغ الأخلاقي، اتخذ حزب الله قراره بالإسناد المباشر: قراراً عقائدياً والتزاماً أخلاقياً ووطنياً لكسر العزلة عن شعب يُباد أمام العالم.

ومع إعلان الحزب فتح جبهة الدعم، بدأ المشهد يتغيّر. فما كانت البداية عمليات مدروسة لإشغال إسرائيل ومنعها من التفرّغ لغزة، تحول تدريجياً إلى معركة ردع واسعة ضربت مواقع استراتيجية إسرائيلية ومنظومات الدفاع ومراكز حيوية في العمق.

في المقابل، أدركت إسرائيل أن استمرار الإسناد يعني فشلاً حتمياً في غزة.

هنا بدأ التصعيد النوعي، تمثّل باغتيالات دقيقة لقادة عسكريين في الحزب وضربات موجعة لوحدات النخبة.

ثم العملية الأخطر: تفجير الآلاف من البايجرات داخل لبنان، في سابقة أمنية كشفت حجم الاختراق وحقيقة النوايا. كانت تلك الرسالة الأولى: أن الحرب قادمة، وإن لم تُعلن بعد.

وبينما كان لبنان يعيش على حافة الانفجار، جاءت الضربة التي هزّت المنطقة كلها: اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.

كان ذلك الحدث نقطة تحول مركزية، أزالت آخر الخطوط الحمر بين المواجهة المحدودة والحرب الشاملة. لم تمضِ أيام حتى تبعته ضربة أخرى استهدفت تفكيك القيادة العليا: اغتيال السيد هاشم صفي الدين.

وبذلك انتقل الصراع من حرب ظلّ إلى مواجهة مفتوحة. في تلك اللحظة، أعلنت إسرائيل عملياً نقل الحرب من غزة إلى لبنان.

وتحوّل قرار الإسناد إلى قرار دفاع وطني، إلى منع إسقاط لبنان. وتحوّلت المعادلة من منع الإبادة في غزة ومنع هزيمة المقاومة إلى لحظة بدأ فيها العدوان الواسع.

هكذا، من قرار منع انكسار غزة على لبنان، تشكّلت البيئة التي انفجرت فيها الحرب، وسط مسرح إقليمي مضطرب وتخلي دولي مريب وتصعيد إسرائيلي منهجي ودعم أمريكي لا محدود.

ومقاومة قرّرت أن لا تقف متفرجة، سواء على الإبادة في غزة أو على استباحة لبنان، مهما كانت الأثمان.

 

كمال خلف: دكتور طلال، بعد عام على تلك الحرب، ذلك العدوان، ونحن الآن في ذكراه، لا تزال بعض الأسئلة تتردد عن تلك المرحلة. سنحاول مناقشتها وبحثها في هذه الدائرة وفي الدوائر الأخرى، لكن سنبدأ من نقطة البداية: 7 أكتوبر، الطوفان. "الطوفان هنا بدأت الحكاية".

لم يكن حزب الله على علم بالطوفان، وقد عبر عن ذلك سماحة السيد الشهيد السيد حسن نصر الله في أكثر من خطاب.

هل هنا بدأت نقطة الجدل في التعامل مع 7 أكتوبر وتبعاته؟ أن العملية لم تكن منسقة، وبالتالي لم يكن التعامل معها منسقاً. هل هذه لحظة فارقة منذ البداية؟

 

طلال عتريسي: طبعاً، استعادة تجربة الحرب بعد عام كامل، قيل الكثير خلال هذا العام وكتب الكثير، سواء من الجانب الإسرائيلي كان هناك تحليلات كثيرة حول الفشل الاستخباري والأمني والتنسيق بين الجهات المختلفة ونجاح 7 أكتوبر، وقيل أيضاً من الأطراف الأخرى: من جهة المقاومة، كيف فُجئت بالعملية وكيف تصرفت، وكيف تشكّل محور المقاومة أو جبهة المقاومة تشكّلت أثناء الحرب.

وهذه مسألة دقيقة، بمعنى أنه سابقاً، قبل السابع من أكتوبر، كان في كلام نظري عن وحدة الساحات، وكان كلام تهديدي إلى حد كبير، بمعنى أنه إذا شننتم حرباً فإن الساحات المختلفة ستشتعل، وسيأتي مقاتلون من كل المناطق وكذا، لكن عملياً لم يكن هناك فعلاً وحدة ساحات. وحدة الساحات أو محور المقاومة وجبهة المقاومة الموحدة.

 

كمال خلف: هل يمكننا القول أن وحدة الساحات كان مشروعاً لم يكتمل في ذلك الوقت عندما بدأ السابع من أكتوبر؟

 

طلال عتريسي: تماماً، كان رؤية، رؤية نظرية، مفهوم، مصطلح، توجه، لكن 7 أكتوبر وما حصل بعدها حوّل هذا المفهوم، هذه الرؤية، إلى واقع عملي اضطر أن ينشأ بسرعة مع لحظ التباين بين كل جبهة من جبهات هذه الجبهة الشاملة.

 

كمال خلف: هذا دكتور تفسير أننا انتقلنا بالخطاب من وحدة الساحات إلى مفهوم الإسناد؟

 

طلال عتريسي: هذا له علاقة بالجبهة اللبنانية، لأنه مفترض أنه إذا أردت أن تشنّ حرباً شاملة على الكيان الإسرائيلي، سواء كان هو المبادر أو هو السبب أو أعطى فرصة أو كانت حماس هي التي أطلقت هذه الحرب، هذا يفترض أنه يكون هناك خطة لكل المحور: تندلع الحرب في مكان ما، الجبهة في لبنان هذا واجبها، الجبهة في اليمن تفعل كذا، الجبهة في العراق تفعل كذا، إيران التي ترعى هذا المحور تفعل كذا. يجب أن يكون هناك حتى أداء منطقي وطبيعي، لكن هذا الأمر لم يكن موجوداً إلى حد كبير.

ربما كان هناك تصورات كذا، لكن أيضاً كل طرف كان لديه واقع مختلف: العراق وضعه كان أصعب من اليمن، الحشد والعمليات التي كان يقوم بها، لبنان وضعه الداخلي، حزب الله المقاومة، وضعها الداخلي يختلف عن وضع اليمن في انقسام واتهامات، إيران وضعها الإقليمي والدولي يختلف عن وضع حزب الله.

وبالتالي، نعم، المحور واجه هذا التعقيد وهذا الاختلاف، ومع ذلك حاول قدر الإمكان أن يعمل بانسجام إلى الحد الممكن.

النقطة التي بتقديري الأهم، والتي قيل الكثير فيها: أن الحرب على لبنان - طالما نحن نتحدث عن جبهة الإسناد - لأن هناك رأي حقيقة انتشر كثيراً وكان اتهاماً: أنه لولا حرب الإسناد لما حصلت الحرب الإسرائيلية على لبنان.

 

كمال خلف: صحيح، هذا من ضمن الأسئلة التي طرحت؟

 

طلال عتريسي: قوية.

 

كمال خلف: خلال العام الماضي.

 

طلال عتريسي: أنه أنتم تتحملون المسؤولية، وأنتم فعلتم بلبنان كذا وكذا.

 

كمال خلف: صحيح؟

 

طلال عتريسي: واقعاً، الحرب على لبنان كانت قادمة. حرب الإسناد بتقديري أخّرت الحرب سنة على لبنان.

 

كمال خلف: فتحت الطريق؟

 

طلال عتريسي: لأن...

 

كمال خلف: حرب الإسناد أخّرت الحرب على لبنان سنة، وإلا كان في قرار بالحرب؟

 

طلال عتريسي: أخّرت الحرب على لبنان سنة، وكان في قرار بالحرب.

 

كمال خلف: الدليل على ذلك؟

 

طلال عتريسي: الدليل على ذلك أن النقاش في 8 أكتوبر نُشر، وكان رأي غالانت، ولم يوافق عليه فلان وفلان، يجب أن نبدأ بلبنان، أن نضرب حزب الله، أن نضرب القوة الأقوى، ثم ننتقل إلى حماس. نتنياهو قال: لا، هذا سيؤدي لتدمير في تل أبيب وكذا وكذا. 

النقطة الثانية، أو المؤشر الثاني الأقوى من هذه النقطة، هي عمليات البايجر. البايجر يحتاج تحضيرها إلى سنوات، وهم اعترفوا بهذا: "نحن نعمل منذ سبع سنوات على البايجر".

 

كمال خلف: إذاً، الحرب كانت تُحضَّر على جبهة لبنان؟

 

طلال عتريسي: تمام. وبالتالي كان بانتظار الظرف المناسب. المعادلة كانت: حتى طوفان الأقصى، احتواء الردع متبادل، كان من لبنان ومن إسرائيل، واحتواء التهديد. وإسرائيل غير مستعجلة على الحرب، لأنها كانت تعمل للتحضير للحرب على لبنان وعلى إيران. تبين من حجم الخرق الذي ظهر بإيران تحديداً، عمل سنوات، ليس عمل ما بعد طوفان الأقصى.

 

كمال خلف: دكتور، لأنني سأتكلم لاحقاً عن الحرب، لحظة الحرب، لكن نحن نتحدث عن اللحظة السابقة.

في اللحظة السابقة، ما جرى من اغتيالات لقادة الصف الأول في المقاومة ومن اختراقات، مردُّه أن إسرائيل كانت تُحضّر لهذه الحرب قبل سنوات، ونفّذت أثناء الحرب، وليس تدحرج إسناد أدى إلى انكشاف المقاومة؟

 

طلال عتريسي: طبعاً، أبداً. أعتقد هذا ليس الإسناد، لأن الإسناد لا يجعل الإسرائيلي يُحضّر لحرب خلال أسابيع، أبداً. والدليل أن هذه الاغتيالات تحتاج إلى رصد من السنوات ومتابعة ومن التقدير.

 

كمال خلف: كان هناك بنك أهداف جاهز، اضطرت إسرائيل لاستخدامه لأنه حصلت حرب إسناد، وكانت تخطط للاستهداف؟

 

طلال عتريسي: موجود، أبداً. ولو لم تحصل حرب الإسناد، لكانت الحرب قادمة. لا نعرف بعد شهر، 2، 3، 4، لكن الحرب في الذهن الإسرائيلي.

وكان هناك كلام نُشر، بعض المعلقين وبعض مراكز الدراسات في داخل الجيش، مركز دادو الاستراتيجي وغيره وغيره، أنه كنا نُحضّر لضربة استباقية ولتوجيه نحو أهداف واضحة وإنجازها بسرعة قدر الإمكان. هذا كان التحضير. وبالتالي، خطاب المقاومة ما بعد الحرب لم يبلور تماماً أن الحرب كانت قادمة.

 

كمال خلف: سنتحدث عن موضوع الخطاب في نقطة مهمة.

لكن دكتور طلال، ونحن نتحدث أيضاً عن تقييم هذا العام، هل كان فعلاً هناك عدم تقدير دقيق أو فعلي أو سوء تقدير من أقطاب محور المقاومة للمدى الذي يمكن أن تذهب فيه إسرائيل في هذه الحرب؟

هل فُجِئوا بالمدى الذي ذهبت فيه إسرائيل، سواء كان الاغتيالات أو مدة الحرب أو طريقة الحرب أو غيرها؟

باعتقادك، ألم يكن هناك تقدير إلى أين ستذهب إسرائيل في هذه الحرب؟

 

طلال عتريسي: أعتقد أنه كان هناك تقدير أن إسرائيل تريد الحرب، ولكن لا نريد أن نعطيها المبرر. هذا يفسر أو يعطي إجابة عن كثير من التساؤلات: أنه لماذا لم يتم الرد على اغتيال فلان، على اغتيال فلان في سوريا، في لبنان، في كذا.

كان هناك اعتقاد عند حزب الله وعند إيران بأن إسرائيل تسعى لجرّنا للحرب، ونحن لا نريد أن نُنجرَّ للحرب. ونقل حتى عن السيد الشهيد أنه: أنا لا أريد أن أرى في لبنان ما حصل في غزة، ولهذا السبب — وهذا كلام دقيق، أنا سمعته — ولهذا السبب كان التعامل، بمعنى عدم إتاحة الفرصة للحرب الواسعة أمام إسرائيل، عدم إعطاء المبرر أو الذريعة.

لذلك، بعد اغتيال الشهيد شكر، بقوا حوالي ثلاثة أسابيع لاختيار رد لا يجعل إسرائيل تنتقم انتقاماً واسعاً. ممكن الناس العاديين مثلنا: لماذا؟ وكان يجب أن يقصفوا ويدمروا تل أبيب.

 

كمال خلف: هذا يعني أن العكس تماماً: كان هناك تقديرات لدى المقاومة للمدى الذي سوف تذهب فيه إسرائيل، وبالتالي كان هناك نوع من الحسابات أن لا تذهب إسرائيل إلى ذلك؟

 

طلال عتريسي: تماماً، وكان هناك حرص على عدم إعطاء الفرصة.

أنا باعتقادي أن نتنياهو نقل الحرب من الإطار المحدود والضيق، ونقل الحرب من داخل غزة إلى الاشتباك مباشرة مع محور المقاومة، عندما اغتال شكر واغتال إسماعيل هنية في نفس الليلة. هو نقل الاشتباك مع قيادة المحور، ولم يبقَ محصوراً بالرد هنا وهناك أو بالاشتباك مع كذا.

 

كمال خلف: وهذه كانت نقطة مفصلية؟

 

طلال عتريسي: هذه كانت نقطة مفصلية. هو قال: إنه انتقل، أنا أريد الاشتباك معكم، لهذا ذهب إلى الاغتيالات.

 

كمال خلف: هنا دكتور أيضاً من الأمور التي نُوقشت في العام الماضي أن حزب الله عندما حصل الطوفان في السابع من أكتوبر لم يبادر إلى الهجوم على الجبهة الشمالية، وكان الإسرائيليون يتوقعون أن حزب الله قد يشن هجوماً عنيفاً على الجبهة الشمالية ويستغل حالة الارتباك في الجنوب للتقدم شمالاً وربما تنفيذ ما كان يتدرب عليه طوال سنوات، وهو السيطرة على بعض المواقع الجغرافية في الشمال الفلسطيني.

دكتور، لماذا لم يحصل هذا؟ وكان أول خطاب للأمين العام بعد الطوفان بعد 25 يوماً على الطوفان قال: نحن نتجه لاستراتيجية النقاط وليس للضربة القاضية والحسم.

هنا، كيف كان يفكر الحزب؟ هل فعلاً أضاعت المقاومة في لبنان فرصة استغلال ما جرى في السابع من أكتوبر بتوجيه ضربة والتحرك بكل قوة في الشمال؟

 

طلال عتريسي: طبعاً، هناك نقاش كثير حول هذه المسألة. البعض يقول أنه كان يجب أن تذهبوا إلى الحرب المفتوحة، وأن الأمور ستتغير أكثر. البعض يقول لا، هذا التقدير كان صحيح وسليم.

لكن مجريات الأمور كانت دقيقة جداً. أنا أقول: لنفهم كيف اتُخذ القرار، بدأ الرد من جانب المقاومة في لبنان في مزارع شبعا.

 

كمال خلف: الأراضي اللبنانية المحتلة.

 

طلال عتريسي: الأراضي اللبنانية المحتلة، بمعنى أنه نحن يحق لنا أن نضرب في المواقع المحتلة في لبنان. هذا يراعي الوضع الداخلي اللبناني الذي لا يزال لغاية الآن يتحدث ويتهم الخ...

ثانياً، فتح الحرب المباشرة من لبنان ربما كان هذا مطلباً فلسطينياً أيضاً، كما نُقل أيضاً أن قيادة حماس طلبت من السيد في اليوم التالي: "ننتظر منكم أن تفتحوا...". خطاب الضيف الشهير أيضاً كان دعا الأمة لتدخل في الحرب.

لكن عطفاً على النقطة الأولى، فتح الحرب الشاملة من جانب حزب الله يحتاج إلى تنسيق إقليمي. أنت لا تستطيع أن تفتح حرباً شاملة من لبنان، بغض النظر عن الوضع الداخلي اللبناني وعما يمكن أن يحصل بأهل الجنوب تحديداً. أنت تخوض معركة إقليمية، وأنت تخوض معركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يحتاج إلى تنسيق وترتيب، كما ذكرنا، لم يكن موجوداً. وبالتالي كان القرار: لا، نحن لا نستطيع أن ندخل.

 

كمال خلف: يمكن أن نعتبر ذلك من سلبيات عدم التنسيق قبل السابع من أكتوبر؟

 

طلال عتريسي: أولاً، النتيجة: لأنه لم يكن أحد يتوقع أن تحصل مثل هذه العملية وتفرض أن يكون هناك تنسيق. والتنسيق عادة يحدث أثناء الحرب، ليس بالضرورة أن يكون نظرياً ويطبّق كما هو نظرياً.

 

كمال خلف: دكتور، سأنتقل للدائرة الثانية، لنبحث فيها أيضاً، مشاهدينا، أهداف الحرب المعلنة: "مشروع التغيير الكبير".

 

كمال خلف: أيضاً، مشاهدينا، هذه الدائرة تبدأ بتقرير يتحدث عن تلك الأهداف التي تحدث عنها قادة إسرائيل بأنفسهم. نتابع.

 

تقرير:

السيد حسن نصر الله: "وطبعاً كان المطلوب في إدارة هذه المعركة، إدارة جبهة الإسناد اللبنانية، مطلوب أكثر من أي معركة أخرى: حضور ذهني وأعصاب هادئة وتروٍّ وحكمة وشجاعة وصلابة".

 

عام مضى، لكن الأيام التي ما زالت مستمرة حتى الآن تضع لبنان أمام تحدي المسار والمصير.

في لحظات الحرب الأولى، لم تخفِ إسرائيل حقيقة ما تفعل. لم تتوارَ خلف الجمل الدبلوماسية. خرج قادتها واحداً تلو الآخر يتحدثون بلغة الجزم عن تغيير جذري في لبنان.

"القضاء على حزب الله وفتح الباب لشرق أوسط جديد"، كانت العملية بالنسبة لهم أبعد من حدود الجنوب وأكبر من حسابات الردع.

كانت محاولة لاستعادة هندسة المنطقة من بوابتها الشمالية: مشروع سياسي عسكري متكامل كتبته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ووقّعته واشنطن بلا تردد، وتم الإعلان عنه مراراً على لسان نتنياهو.

في تلك الأيام بدا واضحاً أن الحرب لم تكن رداً على صواريخ أو ضمن اشتباك حدودي معتاد، بل كانت فصلاً جديداً من مشروع أوسع، مشروع سعى لتحويل لبنان إلى نقطة كسر في معادلة الإقليم.

ففي نظر تل أبيب، لبنان هو الخاصرة التي إن انكسرت انعكس معها عمود الجبهة الممتد من غزة إلى طهران.

ومع تقدم العمليات، اتضحت الأهداف الحقيقية بلا مواربة: ضرب قيادة حزب الله السياسية في لعبة الإخضاع والإركاع.

 

"مواطن لبناني: نحن بالنتيجة أبناء هذه الأرض. هذه الأرض يجب أن يكون أهلها فيها. وإذا أنا سأغيب وغيري سيغيب، هذه الأرض لا تعمر. والأرض لا تعمر إلا بأهلها".

 

كان السقف مرتفعاً، أعلى من أي حرب خاضتها إسرائيل ضد لبنان منذ عام 82. سقف هندسته واشنطن بوضوح حين ربطت الحرب في لبنان بمعارك غزة وشجّعت على إكمال المهمة تحت شعار إعادة رسم الشرق الأوسط.

لم تكن البيئة الداخلية اللبنانية بعيدة عن أهداف إسرائيل وواشنطن. في تلك المرحلة، تحرك بعض الأطراف المحلية بحماسة وكأن الحرب فرصة لإعادة صياغة موازين القوى والحكم في البلد.

استُثمر القصف في السياسة، واستعرت حرب التأييس وحملات الإعلام الرخيص، واستُثمرت الدماء في ترويج خيار الاستسلام وتغيير الهوية وترويج نظرية أن كل شيء انتهى.

 

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون:

أقف الآن أمامكم متحدثاً عن السلام والتنمية وحقوق الإنسان، فيما بعض أهلي يُقتلون، ومناطق من أرضي محتلة، ووطني وشعبي معلقان بين الحياة والموت.

 

لكن وسط كل هذه المشاريع، كان هناك واقع لا يمكن تجاهله: لبنان، بكل تناقضاته، لم يكن أرضاً رخوة، ومعادلة المقاومة، بكل ما تحمله من أثقال وجراح عميقة، كانت صعبة الكسر.

ولذلك، ومع انتهاء أيام الحرب، اتضح أن ما كان يُراد فرضه عبر القوة لم يتحقق لا بالنار ولا بالدعم الأمريكي ولا بانتظار من يلتقط الفرصة في الداخل.

فالمشروع كان أكبر من قدرة إسرائيل، وأعمق من اللحظة، وأعقد من أن يُحسم بحرب خاطفة.

 

كمال خلف: دكتور، عن الأهداف: الأهداف التي أُعلنت مع بداية الحرب، أعلنها نتنياهو بشكل كامل: تغيير جذري في لبنان، تغيير شكل الشرق الأوسط انطلاقاً من لبنان. الأهداف المعلنة وما تحقق منها بعد الحرب، كيف تقيم موضوع الأهداف الإسرائيلية؟

 

طلال عتريسي: لا أفَصّل. عندما نحاول أن نقرأ الإعلان عن هذه الأهداف، لا أفَصّل عن الشعور الاستراتيجي الذي حصل في داخل الكيان بعد طوفان الأقصى، والذي قال نتنياهو وغير نتنياهو: "نحن نخوض معركة وجودية". إن ما حصل هو تهديد وجودي. هذا شعور حقيقي: أن هناك فلسطينيين من الداخل لأول مرة قاموا هم بعملية هجوم ناجحة. كل الأجهزة — واليوم بدأ الكلام والمحاسبات — شعروا أن هناك تهديداً حقيقياً لاستمرار هذا الوجود الاستيطاني.

لذلك، المشروع المقابل: لا، نحن نريد أن نتوسع وأن نحتل وأن نقضي على كل التهديد، وصولاً إلى رأس التهديد، وهو إيران.

فُتِح مشروع واسع كبير لتعويض هذا الشعور بالخوف، لأن الكيان الإسرائيلي يعيش دائماً على جزء من الشعور بالخوف للتماسك الداخلي، وجزء من إعطاء الشعور بالقوة حتى لا ينهار المجتمع.

أنا أؤكد أنهم عاشوا خوفاً حقيقياً، اضطر معه نتنياهو إلى أن يعلن أنه يريد تحقيق أهداف كبرى في المنطقة.

 

كمال خلف: دكتور، ما اعتبروه إنجازات في لبنان — الاغتيالات — هل هي من فتحت شهية نتنياهو للذهاب والإعلان عن أهداف تغيير وجه المنطقة؟ أم أن الأهداف بالأساس كانت موجودة عند الإسرائيليين ضمن الخطط الاستراتيجية، وحانت لحظتها، وليست نتيجة ما حققوه في الحرب؟

 

طلال عتريسي: عادة، حسب ما يعرف الإنسان ويتعلم من القراءة والتجارب، أنه قد يكون هناك أهداف محدودة في الحرب. إذا تحققت، تتدحرج الأهداف وتتوسع.

الإسرائيلي في الـ82 كان هدفه طرد منظمة التحرير من الجنوب. عندما شعر أن الأمر يسير وسهل، وصل إلى بيروت: صور، صيدا، بيروت... لا شيء يمنع، لكن ربما لم يكن في التخطيط أنه يصل إلى بيروت.

اغتيال القادة طبعاً هو موجود على بنك الأهداف، ويبدو في متابعة ومعرفة، وهذا تبين لاحقاً أنه كان هناك رصد دقيق وهناك ثغرة على المستوى الأمني.

لكن هو كان يتوقع — يبدو، وهذا الكلام أيضاً قيل — أن اغتيال القادة واغتيال السيد، الذي ترافق مع 1600 غارة على منشآت حقيقية، وضرب جزء من القدرات، هذا سيخلق هدف توسع والوصول واحتلال كامل الجنوب.

 

كمال خلف: كانوا يتوقعون أن الأمور سوف تنتهي؟

 

طلال عتريسي: تماماً.

 

كمال خلف: يتفكك حزب الله، يتلاشى، وبالتالي ندخل إلى لبنان، أو أقل تقدير نجري التغيير اللازم في لبنان بطريقتنا؟

 

طلال عتريسي: تنتهي الحكاية وتنتهي مسألة المقاومة، ويدخل إلى الجنوب من دون مقاومة. هذا كان التوقع، وتوقع منطقي: أنك أنت ضربت القيادة — القيادة التي هي عصب هذه المقاومة — وقيادات عسكرية الصف الأول كلها تقريباً، وقصفت جزءاً من المنشآت والصواريخ. منطقياً تقول: نستطيع أن ندخل.

 

كمال خلف: طبعاً مع ضخ إعلامي كان، وخطاب هزيمة، وكل هذه المسائل؟

 

طلال عتريسي: الذي حصل هنا بالأهداف: أن هذا الأمر لم يتحقق، فكانت صدمة للإسرائيلي. بظل هذا الإنجاز الكبير الذي يفتح الأبواب واسعاً أن تدخل، تتصادم بأنك لا تستطيع أن تتقدم. بهذا المعنى، هذا انتصار.

 

كمال خلف: المعارك البرية هي من حددت مسار الأهداف ومصيرها بالنسبة للإسرائيليين؟

 

طلال عتريسي: تماماً، تماماً.

 

كمال خلف: أوقفت المشروع بالكامل؟

 

طلال عتريسي: اصطدم بإرادة غير عادية. حقيقة، أنا متأكد أن الإسرائيلي يرى الأمور بهذه الطريقة، ليس أننا نحن ندافع ومتحمسون. لا، في 70000 جندي لم يتمكنوا من البقاء في قرية أو مدينة: الخيام الصغيرة أو في قرى أخرى. أيام أو ساعات القتال الحقيقي، المواجهة الحقيقية، إرادة القتال الحقيقية بين 70000 جندي وبين بضع مئات أو آلاف من المقاتلين، كانت في الـ66 يوماً هذا القتال الحقيقي.

 

كمال خلف: هنا للتاريخ، دكتور، نستطيع أن نقول أن بضعة مقاتلين على القرى الأمامية أوقفوا مشروعاً كان يمكن أن يغيّر هوية لبنان بالكامل؟

 

طلال عتريسي: تماماً. وما يحصل اليوم هو جزئي، وبهدف التعويض. وإلا كانوا وصلوا إلى بيروت أيضاً وغيّروا كل شيء.

لذلك، هناك فرق بين البطولات والصمود غير العادي الذي حصل خلال شهرين، وبين البطولات الإسرائيلية التي جرت بعد وقف إطلاق النار من دون أي رادع.

 

كمال خلف: دكتور، هنا أيضاً في نقطة مهمة: دور الداخل. لاحظنا أثناء الحرب أن هناك من حاول التقاط اللحظة وتقديم نفسه كبديل للسلطة التي كانت والحكومة التي كانت قائمة. وكأن أيضاً جرى تعويل إما من الداخل - وأنا هنا أسأل ولا أطلق أحكاماً — أن قوى داخلية عوّلت على ما تقوم به إسرائيل لإحداث تغيير جدي، أو أن إسرائيل حاولت أن تعوّل على حالة داخلية لزيادة الارتباك في الداخل وتحقيق الأهداف.

كيف ترى أيضاً هذه المسألة؟ لأنه أيضاً كانت من سمات تلك الأيام، دكتور، أنه هناك قوى تحركت وقالت: "الموضوع انتهى".

 

طلال عتريسي: لا يزال لغاية اليوم هذا الخطاب موجود.

 

كمال خلف: صحيح.

 

طلال عتريسي: وبعض القوى تقول: هي تعتبر نفسها انتصرت، وتريد أن تعكس ما تسميه انتصاراً على التوازنات الداخلية.

لبنان أيضاً توازناته هشّة ودقيقة. لا أحد يستطيع أن يتلاعب بها بسهولة، ولو بتغيير مدير عام، فما بالك بتغيير توازن طائفي وطوائف كبرى في البلد.

كان هناك توقع يبدو عند بعض الأطراف. والسؤال الذي يُطرح: أنه لنفترض أن الإسرائيلي حقق انتصاراً — لستَ أنت صانع الانتصار — هذا الفريق السياسي اللبناني يتصرف على أساس أنه منتصر، لكن فعلياً ليس هو من حقق الانتصار.

لكن كان هناك رهان يبدو إسرائيلياً أيضاً، كما جرى سنة 82، لكن نتائج الـ82 ليست كما نتائج الـ2024. الأمر مختلف تماماً. إسرائيل لم تصل إلى بيروت. إسرائيل قبلت وقف إطلاق النار، ثم انقلبت عليه.

نتنياهو، أنا أذكر تماماً عندما قال: قبلنا بالـ1701، ثلاث بنود، ومن ضمنها أن الجيش منهك، موجود النص. وبالتالي، هو الآن يريد أن يكمل المعركة. والأهداف لم تحقق إلا إذا أكمل المعركة، ويستطيع أن يستثمرها في الداخل، وتستطيع قوى الداخل المنسجمة مع هذا التوجه الإسرائيلي الأمريكي أن تقول: نعم، أنا سأكون البديل، أو أنا أريد الاستثمار، أو أنا أريد أن آخذ السلطة بكاملها. بَقوا حتى اللحظة الأخيرة يقولوا: لننتخب رئيس جمهورية من دون الثنائي.

 

كمال خلف: صحيح.

 

طلال عتريسي: حتى اللحظة الأخيرة. وهذا أمر جهل بتركيبة لبنان وتوازناته.

 

كمال خلف: دكتور، أنا سأذهب إلى فاصل، وبعده الدائرة الثالثة. لكن قبل الفاصل، أثار الانتباه أن وقف إطلاق النار حصل في لبنان — سنناقش ما بعد وقف إطلاق النار في الدائرة الثالثة — وسقط النظام في سوريا.

من هنا، إسقاط النظام في سوريا كان عملية مرتبة دولياً وإقليمياً؟

 

طلال عتريسي: واضح.

 

كمال خلف: جرى هنا الربط بين سقوط النظام ووقف إطلاق النار في لبنان. أيضاً، لا يزال محل جدل بين الباحثين: إن كان ضمن الأهداف الإسرائيلية أن كان تعويضاً عما جرى في لبنان أو استكمالاً لتحقيق الأهداف في لبنان عبر إسقاط النظام في سوريا وبالتالي حصار المقاومة؟

 

طلال عتريسي: مشروع إسقاط النظام في سوريا مشروع قديم، من عشر سنوات، ومنذ العام 2011. والهدف منه كان فعلياً هو محاصرة المقاومة وقطع نفوذ إيران وحضورها في المنطقة من خلال سوريا. هذا مشروع حدثت مواجهة له، تأخير له، عرقلة له، لكن في نهاية الأمر، فشلت المحافظة على هذا النظام. لم تتحقق، وربح المشروع الآخر لأسباب، كما تفضلتم: تدخل إقليمي إسرائيلي.

أنا أعتقد أن الخسارة الكبرى في هذه المعركة على المستوى الاستراتيجي هي خسارة سوريا وخسارة السيد نصر الله. هؤلاء ركيزتين أساسيتين. صحيح أن السيد شخص، لكنه أساس، أساس على كل المستويات: المعنوية والفكرية والسياسية والثقافية. وامتداد تاريخ الانتصارات أيضاً مرتبط بالسيد. وهذا لا يقلل من أهمية كل القيادات العسكرية التي ساهمت، لكن هو كشخص، على مستوى المنطقة، على مستوى زرع ثقافة الاعتزاز والقدرة على صناعة النصر، هذا أمر مهم. لأنه اليوم...

 

كمال خلف: شخصية كانت تمثل عامل جذب مهمة لقوى المقاومة؟

 

طلال عتريسي: تماماً. كل المنطقة، العالم العربي والإسلامي اليوم، بغيابه، البعض يعمل على ثقافة الهزيمة: "خلص، انتهت المسألة". لذلك، أعتبر أن هذين العاملين مهمين. كانا بمحاولة نقل المعادلة إلى معادلة "خلص، لنسلم". وهذا لم يكن يسيراً حتى على تمرير هذا المشروع. لأنه لغاية الآن، في ضغط شديد أمريكي إسرائيلي مع إعلام نفسي لتمرير المشروع. معنى ذلك أن المشروع يواجه صعوبات وعقبات.

 

كمال خلف: لا يمر حتى هذه اللحظة، مشاهدينا.

سنتوقف مع فاصل، ثم نعود مرة أخرى إلى دوائر القرار. ابقوا معنا.

 

كمال خلف: تحية من جديد، مشاهدينا، في دوائر القرار: "لبنان بعد عام على لحظة المصير: جرائم مستمرة وأهداف لم تتحقق".

أعود وأرحب بضيفي الدكتور طلال عتريسي، الخبير في الشؤون الإقليمية. حياك الله مرة أخرى، دكتور طلال؟

 

طلال عتريسي: شكراً جزيلاً.

 

كمال خلف: ومعنا إلى الدائرة الأخيرة في حلقة الليلة: "بعد عام، أي مستقبل للمواجهة؟"

مشاهدينا، في هذه الدائرة، كما اعتدنا في بعض الحلقات، سنطرح ورقة الأسئلة على ضيفنا. عموماً، كلها ستتعلق بالمستقبل، بالمرحلة المقبلة، وتقييم كل ما جرى في المرحلة السابقة.

سأبدأ ورقة الأسئلة بالسؤال الأول: بعد عام على وقف إطلاق النار، هل انتهت الحرب أم أخذت أشكالاً أخرى، أم هي هدنة مؤقتة؟

السؤال الثاني: هل الغارات والاغتيالات جزء من استراتيجية إسرائيلية لفرض شروط ما بعد الحرب، أم محاولة لتعويض إخفاقات العام الماضي؟

السؤال الثالث: هل الضغط الأمريكي على لبنان والمقاومة قادر على تغيير المعادلة؟

هل إسرائيل قادرة على شنّ حرب جديدة واسعة على لبنان، أم أنها تستخدم التهديد فقط كورقة سياسية ونفسية؟

هل يمكن لحزب الله إعادة بناء معادلة ردع جديدة في الظروف الراهنة؟

ما هي مآلات محاولة توظيف نتائج الحرب داخلياً من قبل خصوم الحزب في الداخل؟ هل تتجه المنطقة نحو مرحلة كسر محور المقاومة عبر التطبيع والضغط الاقتصادي؟ وهل ينجح هذا الاتجاه؟

دكتور طلال، سنبدأ بالسؤال الأول: بعد عام على وقف إطلاق النار، هل انتهت الحرب أم أخذت أشكالاً أخرى، أم نحن في هدنة مؤقتة؟

 

طلال عتريسي: الحرب لم تنتهِ بشكل كامل. الهجمات الواسعة والقصف والتقدم البري، طبعاً هذا توقف على كل الجبهات، هذا على جبهة اليمن توقف، وعلى جبهة إيران توقف، وعلى الجبهة اللبنانية توقف لغاية الآن.

على الجبهة اللبنانية فقط هناك عمليات اغتيال، وهذه عمليات حربية، وهذا عدوان على لبنان. الحرب لم تتوقف ضمناً. جزء منها هدنة مؤقتة، لكل طرف يحاول إعادة بناء قدراته. الإسرائيلي يعيد النظر، والمقاومة تعيد النظر. لهذا السبب، الحرب لم تتوقف.

 

كمال خلف: من أسئلة المستقبل أيضاً: هل الغارات والاغتيالات جزء من استراتيجية إسرائيلية لفرض شروط ما بعد الحرب، أي استكمال أهداف الحرب، لكن عبر هذه الطريقة التي يستخدمها الإسرائيليون الآن، أم محاولة لتعويض ما أخفقت عنه إسرائيل خلال العامين؟

 

طلال عتريسي: لا أعتقد أن الاغتيالات ستؤدي إلى فرض شروط جديدة. لا يمكن، لأنه خلال الحرب حصل ما هو أقصى وأقصى بالمعنيين، ولم يؤدِ إلى النتائج السياسية المطلوبة.

الاغتيالات لها علاقة بالمفهوم الاستراتيجي الإسرائيلي الجديد، الذي يقول: إن فترة احتواء الردع انتهت، واحتواء التهديد انتهت. نحن في استراتيجية منع بناء القدرات. هذه هي الاستراتيجية اليوم التي تحكم الإسرائيلي.

يعني: اغتيال قادة أو أفراد أو أشخاص، هذا لأنهم جزء من بناء القدرات. أعتقد هذه هي الاستراتيجية الإسرائيلية. لن تغيّر في المعادلة السياسية.

 

كمال خلف: الضغط الأمريكي قادر على تغيير المعادلة؟

 

طلال عتريسي: الأمريكي يضغط منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، بأشكال مختلفة، بشخصيات مختلفة. معادلة الداخلية اللبنانية: صار هناك محاولات لتغييرها، لفرضها، لم تنجح لغاية الآن.

في صعوبات، في ضغوط كبيرة، في تهويل نفسي وإعلامي، لكن لغاية الآن التهويل مستمر. يعني أن المعادلة لم تمرّ بسهولة، وربما لن تمرّ بهذه السهولة.

 

كمال خلف: إسرائيل قادرة على شنّ حرب واسعة على لبنان؟ ستشن هذه الحرب؟

 

طلال عتريسي: من حيث المبدأ العام، قادرة. لكن السؤال: إذا شنّت مثل هذه الحرب، لتحقيق أي أهداف؟ ماذا يعني؟

هل تريد أن تدخل أيضاً براً بآلاف الجنود لنزع سلاح حزب الله؟ أو أنها تريد أن تدخل لتغيير المعادلة السياسية في لبنان؟

أعتقد الإجابة عن السؤال تتعلق بالموقف الأمريكي، لأنه مثل هذه الحرب اليوم، في ظل الرؤية الترامبية للمنطقة أنه نحن نريد تحقيق إنجازات، لديه انتخابات نصفية قادمة. السؤال يتعلق: إذا استطعنا الإجابة عما يريده الأمريكي، هل تشن حرباً واسعة أم أنها لا تكتفي كما هو الأمر اليوم بمنع بناء التهديد؟

 

كمال خلف: هل يمكن لحزب الله إعادة بناء معادلة ردع جديدة في ظل ظروفه الراهنة؟

 

طلال عتريسي: أعتقد أنه صار أكثر قدرة على بناء قدرة دفاعية وليست ردع.

في السابق، في المرحلة الماضية، نعم كان هناك قدرة ردع حقيقية. الإسرائيلي لا يضرب خوفاً من الرد الفعلي.

اليوم، هذه القدرة لم تعد موجودة تماماً. القدرة اليوم دفاعية، وقيادة حزب الله تؤكد على التعافي الدفاعي، بمعنى أنه يستطيع أن يدافع عن نفسه، أن يحمي نفسه، أن يوقِع خسائر بالطرف المهاجم، لكنه لا يستطيع أن يمنع الهجوم من الطرف الإسرائيلي كما كان الأمر في السابق.

 

كمال خلف: إذاً، هذه المعادلة الجديدة. مستقبل هذا الجدل الداخلي المستعر في لبنان؟

 

طلال عتريسي: الجدل الداخلي، حقيقة، جزء منه يتماهى تماماً مع الطلبات الأمريكية والإسرائيلية، وجزء منه فيه عدم فهم بالجوانب السيكولوجية والنفسية.

لأن الضغط على بيئة كاملة — ليس على الحزب أو على الثنائي — هذا الضغط وهذا التهديد وهذا الانتقاد للعقيدة، وهذا التلميح بأنكم أصولكم إيرانية وأنتم يجب أن تغادروا أو أو أو...

هذا لا يفك هذه البيئة، بالعكس، يؤدي إلى مزيد من التماسك والصلابة. وهذا يجعل موضوع الفصل بين المقاومة وبين البيئة أكثر استحالة. وبالتالي، هذا الخطاب الداخلي...

 

كمال خلف: قد يؤدي إلى عزل البيئة لاحقاً؟

 

طلال عتريسي: يستحيل.

 

كمال خلف: يستحيل عزل البيئة يؤدي إلى احتكاك أهلي، قد يذكر بالحرب الأهلية؟

 

طلال عتريسي: من جهة البيئة، ومن جهة الحزب، ومن جهة أمل، ومن جهة الثنائي، هناك قرار واضح بعدم الانجرار إلى أي مشكلة أهلية أو عدم الصدام مع الجيش.

أنا أيضاً أضيف أن هذه الأطراف السياسية، لأكثر من سبب، تعيش الآن حالة من الأزمة. لكنها كانت تفتقر — وبغض النظر عن كل ما حصل — لأنها كانت تعتقد أن ما تحدثنا عنه: الإنجازات التي حصلت والاغتيالات ستؤدي...

 

كمال خلف: سيستثمرونها؟

 

طلال عتريسي: تماماً، بسهولة، وأنه ينتهي الأمر، وينزع السلاح، ونحكم نحن لبنان، ويأتي فلان وفلان رئيس وكذا وكذا.

مرت سنة، لم يتحقق شيء فعلي. وبالتالي، هذا يفسر الخطاب المتوتر والشتائم والاتهامات، لأنه يعتقد أن الوقت ليس في مصلحته.

 

كمال خلف: سأطرح السؤال الأخير الآن: هل تتجه المنطقة نحو مرحلة كسر محور المقاومة عبر تعميم نموذج التطبيع السياسي والاقتصادي وترويج مثل هذا الخطاب؟

 

طلال عتريسي: الرغبة في التطبيع، الرغبة الأمريكية تحديداً، ربما أكثر من الإسرائيلية، الإسرائيلي لم يعد يهتم كثيراً باتفاقيات أمنية أو تطبيع وكذا. هو يعتبر أنه يفرض نفسه بقوة على دول المنطقة.

 

كمال خلف: ولديه مفهومه بموضوع التطبيع؟

 

طلال عتريسي: التطبيع وكذا لم يعد "أرض مقابل سلام" أو "سلام مقابل سلام"، لأن هناك قوة تفرض السلام.

لكن قد لا يكون هذا الموقف الأمريكي تماماً. المنطقة، نعم، قد تتجه. البعض نحو التطبيع أو تشارك دول أخرى في اتفاقات إبراهام، لكن ستبقى المنطقة منقسمة. لن يكون هناك موقف واحد في كل المنطقة: "كله مع التطبيع".

لا، هناك دول، ومنظمات، وأحزاب، وحركات تقف ضد التطبيع. يبقى هناك انقسام فكري، ثقافي، سياسي، استراتيجي حول هذه النقطة.

 

كمال خلف: انتهت الأسئلة، دكتور.

لكن أيضاً سؤال، ورقة جاءت لزيلنسكي، 28 نقطة أوكرانيا، ورقة لغزة حاول فرضها الأمريكيون.

لبنان سيكون استثناءً من هذه الأوراق التي تأتي وتقول للأطراف إما أن توقعوا، وليس هناك أي بديل آخر، أو تواجهوا الجحيم، أو تواجهوا العقوبات أو الخ... كما فعلت الإدارة في أوكرانيا وفي غزة؟

 

طلال عتريسي: التهديد الأمريكي بالجحيم بدأ منذ زمن، وكان ترامب يتراجع.

 

كمال خلف: لكن ممكن أن تأتي ورقة للبنان؟

 

طلال عتريسي: لغاية الآن، هناك آراء مختلفة. الحقيقة، حتى في الداخل الإسرائيلي، هناك — حتى في الداخل الإسرائيلي — مجلس الأمن القومي ينصح بتعامل مختلف مع لبنان: بتعامل بعدم الضغط، وإتاحة الفرصة أمام الحكومة وأمام الرئيس لتنمية المناطق الجنوبية وعدم بقاء الاحتلال.

هذا توجه، وهناك توجه: لا تهديد وكذا وما شابه ذلك. هذا الأمر غير محسوم في الحقيقة.

 

كمال خلف: دكتور طلال عتريسي، الخبير في الشؤون الإقليمية، شكراً لحضورك هنا في الاستوديو. سعدنا جداً بأن تكون معنا في دوائر القرار.

 

طلال عتريسي: شكراً.

 

كمال خلف: مشاهدينا، "دوائر القرار" انتهى لهذا الأسبوع.