الأمن القومي العربي: اختبار النار

تبحث الحلقة في التحوّلات الإقليمية والدولية انطلاقًا من ذكرى انتصار مصر عام 1956، بوصفها نموذجًا لإرادة الشعوب في مواجهة الهيمنة، وتناقش التحوّل في الاستراتيجية الأميركية نحو مبدأ «أميركا أولًا» وتراجع الاهتمام بالشرق الأوسط مقابل إعادة ترتيب أولوياتها العالمية. إقليميًا، تتناول تعقيدات المرحلة الثانية من اتفاق غزة في ظل المماطلة الإسرائيلية واستمرار العدوان، وتداعيات اللقاء المرتقب بين ترامب ونتنياهو على ملفات غزة وسوريا ولبنان وإيران. كما تسلّط الضوء على الموقف المصري من السودان واعتباره قضية أمن قومي، مع رفض التقسيم والوجود الأجنبي، والتأكيد على حماية وحدة السودان وأمن مصر.

نص الحلقة

 

حمدين صباحي: تحية عربية طيبة. 

اليوم 23 ديسمبر، يوم محفور في ذاكراتي أنا وجيلي وأجيال عديدة: عيد النصر، عيد بورسعيد والسويس. المعركة التي أنهت عصر الإمبراطوريات الكبرى – بريطانيا وفرنسا – هذه الحرب التي 

 شنّوها ومعهم إسرائيل على مصر بعد أن أمّمت قناة السويس لتبني السد العالي. انتصرت مصر أولًا بشعبها وبجسارة قيادتها، عندما وقف جمال عبد الناصر على منبر الأزهر وقال: "سنقاتل ولن نستسلم أبدًا".

وبعروبتها، بالذين وقفوا معها من المحيط للخليج، يدافعون عن مصر وحريتها ضد إنكلترا وفرنسا وإسرائيل في عدوانهم الثلاثي. لو كان الأمر توازن قوى، لكان على مصر أن تستسلم، كما طلب البعض من جمال عبد الناصر.

الإرادة التي صنعت انتصار 56، وانتصار 56 هو الذي صنع موجة تحرر من الاستعمار القديم في العالم، وهو كان صفحة فارقة في تاريخ مصر وفي تاريخ الأمة العربية.

اليوم لن نتحدث عن هذه المعركة، لكن ستبقى في ذاكرتنا، في وعينا، ونحن نتحدث عن وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي صدرت هذا الشهر، وعن مباحثات ترامب-نتنياهو القادمة في نهاية هذا الشهر، وعن غزّة وما تعنيه، وعن السودان وموقف مصر الحازم لصالحه. كل هذا، نحن نود أن نتذكر أن نصر 56 الذي صنعته مصر وصنعه أجدادنا، يمكن لأبنائنا أيضًا أن يصنعوا مثله وأعظم.

 

حمدين صباحي: استراتيجية الأمن القومي الأمريكي صدرت في بداية هذا الشهر. تحول كبير فيما تطرحه الإدارة الأمريكية عن نفسها وعن دورها في العالم. في هذه الاستراتيجية، أمريكا دولة ترعى مصالحها فقط، دولة ليست لها رسالة في العالم، كما قدّمت الولايات المتحدة نفسها إلى الدنيا، وبالذات منذ الحرب العالمية.

نحن أمام "أمريكا أولًا"، مصلحة أمريكا ليست أولًا فقط، ربما تكون أولًا وأخيرًا. تحولات كبيرة في الوثيقة التي أصدرها ترامب هذا الشهر تؤدي إلى إعادة النظر في دور أمريكا في الدنيا، وهي مختلفة اختلافًا بيّنًا عن نفس الوثيقة بنفس العنوان التي تصدر عن كل إدارة أمريكية جديدة.

وهذا إلزام بموجب قانون الأمن القومي الذي صدر سنة 86، ومنذ ذلك الوقت، كلما يأتي رئيس جديد، يصدر هذه الاستراتيجية للأمن القومي، حتى يقول ما هي رؤيته لمصالح أمريكا وأمنها ودورها في العالم.

نحن أمام بلد لا يردّد ما قاله رؤساء سابقون عن رسالة أمريكا في نشر الديمقراطية. لا، حاليًّا ترامب بطريقة واضحة يقول: كل نظام في أي دولة هو حر في شعبه. أنا لن أدافع عن الديمقراطية، ولن أدعو للديمقراطية. إذا أي نظام قام بتحسينات، سنبقى نقول له: شكرًا.

إذًا، أمريكا الآن ليست داعية للديمقراطية. أمريكا الآن عليها أن تحافظ على مصالحها، أي هيمنتها على العالم. وفي هذا تحول كبير في السياسة، على الأقل المعلَنة، للإدارة الأمريكية.

أول هذه الملامح: انتقال تركيز أمريكا من الشرق – بالذات في بحر الصين والصراع ضد الصعود الهائل للصين – نقل نقطة التركيز هذه إلى الغرب، نصف الكرة الغربي. أول ما تطرحه هذه الوثيقة من مهام على الولايات المتحدة هي ضمان هيمنتها على النصف الغربي من الكرة الأرضية.

المقصود بالنصف الغربي: الأمريكتين الشمالية والجنوبية. بما أن الولايات المتحدة في الشمال، فهي تريد الجنوب – كل أمريكا الجنوبية – تكون تحت هيمنة أمريكية، من دون السماح لأي قوة منافسة في العالم بأن تتقدم أو تتوغل أو حتى تضع أقدامها داخل هذه القارة الشاسعة – أمريكا الجنوبية.

أعطت الوثيقة أولوية لهذه السيطرة، وترامب سمّى هذا الكلام باسمه: "إن هذا تعديل ترامب لمبدأ مونرو".

مونرو، كما أسلفنا في لقاء سابق في هذا البرنامج، هو الرئيس الخامس للولايات المتحدة، والذي أصدر مبدأ وانتسب إلى اسمه سنة 1823، وكان مضمونه أن أمريكا تريد أن تحرر أمريكا اللاتينية من أوروبا، وبالذات من إسبانيا التي كانت هي القوة الأكبر والأكثر ممارسة للنفوذ والسيطرة في أمريكا الجنوبية.

طبعًا، تكشف أن هذه كانت مجرد حجّة أمريكية لطرد دول الاستعمار الأوروبي حتى تحل محلها هيمنة أمريكية، وليس حتى تحرر دول أمريكا الجنوبية.

اليوم، بعد 202 سنة من صدور مبدأ مونرو، ترامب يضيف تعديله – أو "التعديل الترامبي" – على مبدأ مونرو. هذا التعديل أو الملحق أو الصياغة الترامبية لمبدأ مونرو تعيد وضع السياسة الخارجية لأمريكا من الآن رسميًّا، ليكون تركيزها الأول على نصف الكرة الغربي.

فنزويلا هي نموذج لتطبيق هذا المبدأ الآن. الجيوش الأمريكية تستعد، والبوارج الأمريكية – بما فيها أكبر حاملة طائرات، جيرالد فورد – موجودة مرابطة في حصار بحري معلن على فنزويلا لتمنعها من تصدير نفطها، ولتحارب – كما يدّعي ترامب – المخدرات التي تُصدّر إلى الولايات المتحدة.

الـCIA  وهي وكالة المخابرات الأمريكية تلقت تعليمات بالعمل داخل فنزويلا. يعلن ترامب عن مكافأة 50 مليون دولار لمن يأتيه برأس القائد الفنزويلي المستقل مادورو. يعلن ترامب أن النظام الحاكم في فنزويلا إرهابي – يلصق فيه صفة الإرهاب – كأية منظمة، في سابقة تاريخية أن توصف دولة مستقلة ذات سيادة ونظامها المنتخب بأنه منظمة إرهابية.

 

=طبعًا، حتى نكتشف حجم التناقض في هذه الوثيقة: في موقع آخر منها، ترامب يتحدث عن أن لن ننظر إلى العالم باعتباره صراعًا ما بين اتجاهات قائمة على الأيديولوجيا. يود أن يقول: لم تعد أيام صراع الرأسمالية مع الاشتراكية، أو صراع نمط الحياة الأمريكي القائم على الليبرالية والحريات في مواجهة نمط حياة وأسلوب إدارة للمجتمعات آخر. لا يقول: أنا لا أود دخول هذه اللعبة مجددًا، سأتوقف عن ممارسة دوري في العالم على أساس التقسيم الأيديولوجي، وسأنظر لكل دولة في العالم باعتبارها دولة مستقلة ذات سيادة، ولها الوحدة في النظام الدولي الذي أتعامل معها وحدة الدولة ذات السيادة.

ومع ذلك، الدولة ذات السيادة التي هي فنزويلا تُضرب سيادتها جهارًا نهارًا بتهديدات أمريكية، واستعدادها لشن حرب عليها، وإعلان عزمها على تغيير نظامها السياسي الذي اختاره شعبها.

لكن فنزويلا هي مجرد باب لأمريكا اللاتينية. والتهديد الأمريكي لن يقتصر عليها. صلابة وقوة الشعب الفنزويلي، والموقف العظيم للرئيس مادورو في مواجهة تهديدات أمريكا، هي تعبير عن صراع حقيقي دائم تاريخي ما بين طموح الاستقلال عند شعوب أمريكا اللاتينية وجشع ورغبة في الهيمنة من الإدارة الأمريكية.

الآن، هذه الوثيقة تضع هذا الشغف الأمريكي في كل أمريكا اللاتينية، بدءًا من فنزويلا وليس انتهاءً بها، باعتباره هذه الأولوية رقم 1 في الأمن القومي الأمريكي، كما حددته هذه الوثيقة.

ثانيًا: يقدم ترامب في هذه الوثيقة مفهوماً أنه ليس لديه حلفاء ينفق عليهم لتأمينهم. من يريد أمريكا أن تشارك في تأمينه، لا ينتظر من أمريكا أمنًا يدفع ثمن تأمين أمريكا له.

طبعًا، زيارة ترامب التي ما زلنا نتذكرها للخليج، التي حصد فيها تريليونات، قال فيها بوضوح: "من يريد أن تدافع عنه أمريكا عن أمنه، يدفع لأمريكا ثمن قيامها بدورها كحارس لهذا الأمن".

لكن أوروبا؟ نفهم أن يقوم بهذا مع الخليج، لكن مع أوروبا؟ العلاقة التاريخية: أوروبا مهاجروها أنشأوا أمريكا، والتي أمريكا في مشروع مارشال الشهير أعادت بناءها بعدما لحق بها من دمار بعد الحرب العالمية الثانية.

أمريكا الآن تتنكر لتاريخ طويل من علاقة التحالف الوثيق على كل المستويات مع أوروبا، ومن شراكتهم في دفاع واحد يعبّر عنه منظمة حلف الناتو، ويقول عن أوروبا أن تتحمّل تكاليف حماية نفسها، ويتطاول أيضًا على أوروبا ويقول إنها باتت عجوزًا وحضارة تتجه إلى الضمور.

هذا التنكّر الأمريكي الجديد في اللغة وفي الممارسة – وهذه الوثيقة يمكن أن نعتبرها بداية لشقّ سوف يتّسع ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وما بين أوروبا.

طريقة حل الصراع على أوكرانيا هي أحد مظاهر هذا الشقّ الذي سيتّسع ما بين الإدارة الأمريكية وما بين أوروبا. لن يعود – بفهم ترامب – من دور للولايات المتحدة الأمريكية في حماية الأمن الأوروبي إلا بقدر ما يدفع الأوروبيون كلفته أو يتحمّلون عواقبه.

ثالثًا: الصين في هذه الوثيقة ليست بالصورة التي صوّرتها نفس الوثيقة عندما صدرت في كل الإدارات السابقة، وآخرها أوباما وبايدن. الصين ليست عدوًّا تدخل معه الإدارة الأمريكية في صراع حتى "كسر العظم". لا، في خفض في الرؤية وفي اللهجة وفي الصياغة لطبيعة الصراع، وهو أقرب إلى أن يكون صراعًا ذا طابع اقتصادي تجاري تكنولوجي أكثر منه صراعًا عسكريًّا.

والعلاقة في هذا الصراع أو الذي يمكن أن نقول إن وصفه الأدق في هذه الوثيقة أنه تنافس محموم أكثر منه صراع على المصادر، هو أن تمد أمريكا إلى الصين يدًا فيها مساحة من التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي، وتمارس عليها ضغوطًا أو تتقبّل ضغوطًا منها بقدر ما ترد الصين.

ولأول مرة، هذه الوثيقة تخرج إمكانية الصراع العسكري من أن يكون في بؤرة الاهتمام، وتقدّم عليه الصراع الاقتصادي والتكنولوجي والتجاري.

ثم روسيا: لم تعد في هذه الوثيقة روسيا عدوًّا، كما كانت دائمًا في مراحل سبقت في التاريخ الأمريكي. روسيا الآن الحديث عنها هو حديث عن شريك محتمل في استقرار يريده ترامب للعالم. هذا الشريك المحتمل يبقى شريكًا على جدول الأعمال الأمريكي، حتى لو هو يحتل أوكرانيا، حتى لو في حال عداء مع أوروبا، حتى لو أن ترامب قدّم مشروعًا للسلام في أوكرانيا مستجيبًا لما طلبه بوتين وأكد عليه، بما فيه أن يُضمّ الأراضي التي يعتبرها روسية تقليديًّا تاريخيًّا – وهي جزء من أوكرانيا الحالية رسميًّا – ويدفع ترامب في اتجاه تنازل أوكرانيا عن هذه الأرض لصالح روسيا.

هذه علاقة جديدة لم تكن قائمة وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي في عهد بايدن أو مَن سبقه من الرؤساء.

ثم نأتي لبيتنا، نحن، لمكاننا: للشرق الأوسط. أمريكا ترى أن هناك ثلاثة أسباب جعلت من الشرق الأوسط في الإدارات السابقة كلها نقطة اهتمام رئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية. في سببين منهما – من وجهة نظر هذه الوثيقة – لم يعودوا موجودين.

السبب الأول: النفط. إن هذه المنطقة التي تؤمن إمدادات العالم وأمريكا منه من الطاقة، بسبب أنها غنية بالنفط والغاز.

رأي هذه الوثيقة الآن أن أمريكا لم تعد تحتاج، أمريكا تنتج نفطها وتصدّره، ستعظم صناعاتها، عادت للوقود الأحفوري بعد حظر عليه من قبل، وستتوسّع فيه. إذا، أمن الطاقة الأمريكي لم يعد محتاجًا دول الخليج. هذا سبب أن أمريكا تكون لا تعطي نفس الاهتمام للشرق الأوسط.

السبب الثاني: أنها كانت نقطة صراع ما بين أيديولوجيتين كبيرتين – رأسمالية وشيوعية – في زمن القطبية الثنائية والحرب الباردة. والآن، رأي هذه الوثيقة أن هذا الصراع لم يعد مهمًّا أصلًا. أمريكا لا تنظر للعالم على أساس الصراع حول النظام الحاكم: هذا اشتراكي أو رأسمالي، ديمقراطي أو ديكتاتوري. لم يعد هذا موضوع اهتمام ترامب ولا هذه الوثيقة، كما تؤكد وتصيغ سياسة الأمن القومي.

لذلك، الشرق الأوسط لم يعد نقطة صراع ما بين معسكرين في العالم. هو الآن – بحسب الوثيقة – المفروض أن يكون نقطة شراكة وتجارة ومصالح اقتصادية.

النقطة الثالثة هي ما تزال موجودة، وهي أن العلاقة ما بين إسرائيل والوطن العربي والإقليم من حول الوطن العربي هي علاقة لا تزال عدائية، رغم محاولات الإدارة الأمريكية، وبالذات ترامب – الذي هو صاحب مشروع الصلح الإبراهيمي أو الاتفاقات الإبراهيمية – هو يرى أن هذه النقطة المعلقة، وسيديرها ترامب – بحسب هذه الوثيقة – بمزيد من الضغوط من دون التورط في الحرب.

الوثيقة هذه تقول: لا نريد جنود أمريكا أن ينزلوا في أي مكان ويُعرضوا للقتل. لا نريد مزيدًا من التدخل الأمريكي. لا نرى أمريكا تضحي بإمكانياتها على الإطلاق أو تدخل حروبًا من أجل حروب تسميها عقيمة وطويلة المدى.

وهذا متغير أيضًا، أيضًا أمريكا لا تريد إنشاء ديمقراطية لأحد. وهذا بشرى سيئة لبعض القوى التي استعانت كثيرًا بأمريكا، باعتبار يديها الطويلة ستمكنها من تغييرات داخل أقطارها، بعضهم من المجتمع المدني والـNGOs، وبعضهم من قوى معارضة. لم تعد أمريكا مستعدة من الآن لأن تمد يدًا أو تدفع قرشًا لأحد. فالذي يريد الآن أن يدافع عن الديمقراطية، عليه أن يسترد قدرته على أن يدافع عنه وطنيًّا وليس بعون أجنبي.

 

عبدالله السناوي – مفكر وكاتب مصري: ترامب بالتجربة في ولايته الأولى، وفي السنة الأولى من ولايته الثانية، هو رجل صفقات وليس رجل أفكار ولا رجل استراتيجيات.

فبالتالي، أن تُنسب إليه أفكار مبعثرة نشأت في ظروف أو أخرى، وتراجع عن بعضها، ثم عدل ببعضها الآخر، تنسفها إلى الفكرة الاستراتيجية الحاكمة، أعتقد هذا إضاعة وقت. باستثناء علامات، طبعًا، كلنا مركّزون معها: هو تماهي إدارته أكثر من أي رئيس أمريكي آخر مع المشروع الصهيوني. من العلامات المهمة أنه يعطي أهمية قصوى للفناء الخلفي للولايات المتحدة – إلى أمريكا الجنوبية – يحاول أن يقول في سياساته تجاه فنزويلا إنها تنبع عن استراتيجية.

طبعًا، في دوافع واضحة: كراهية اليسار بشكل عام – هو يعبر عن تيار شعبوي يميني – وهناك أمر آخر: مطامعه في ثروات فنزويلا النفطية. ويحاول أن يضفي عليها صفة المبادئ. ما في مبادئ ولا غير مبادئ، ويمكن أن تنتهي الأزمة بصفقة ما. وإذا لم يكن هناك صفقة، فضربة عسكرية.

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، هو لخّصها في ما يعنيه: "الصفقة" في الموارد المالية الهائلة في دول الخليج، وكيفية نزحها إلى خزائن الولايات المتحدة الأمريكية.

فبالتالي، وضع استراتيجيته على أساس منطقة محددة في الشرق الأوسط – منطقة الخليج – وفي موضوع واحد محدد فيها: الثروات النفطية الهائلة وعوائد النفط.

نفس الأمر في تصوره لأفريقيا: تصوره سطحي. لا يمكن لإدارة دولة كبرى كالولايات المتحدة أن تعالج بها مشاكل متفاقمة في القارة التي لا يمكن تجاهل ثقلها وتأثيرها في المعادلات الدولية.

أنت أمام توحش قوة لا توجد أفكار ولا تصورات ولا يُعتد بها في قراءة السياسات الأمريكية. أنا أفضل أن نقرأها كما هي: سياسات العدوان والتعالي بمنطق الصفقات.

 

حمدين صباحي: أصبحنا على موعد مع المرحلة الثانية من اتفاق السلام في غزّة. هذا الاتفاق المفخّخ الذي أعلن وتم تسليم الرهائن وتبادل الأسرى المحررين في سجون العدو الصهيوني مع رهائنه والجثث.

والمفترض أن ندخل إلى المرحلة الثانية، ونتنياهو يماطل. غزّة العظيمة الآن لا تزال عرضة لعدوان صهيوني مستمر: قرابة 1000 خرق لوقف إطلاق النار، اعتداءات نسف، واجتمع على أهل غزّة العظماء الصابرين الباسلين نار القصف الصهيوني مع موجة البرد والمطر التي اقتلعت خيامهم، وهم الآن في عراء البرد. بالإضافة للعدوان، حجم المساعدات التي دخلت لا يزيد عن ربع المفترض – بحسب الاتفاق – أن يدخل. معابر مغلقة.

إذًا، غزّة رغم الاتفاق لا تزال تعاني.

في ظل هذا المناخ، جلس واتكوف في ميامي الجمعة الماضية مع ممثلين عن مصر وقطر وتركيا حتى يبحثوا في المرحلة الثانية. والخلافات واضحة:

أولًا: الانسحاب. إسرائيل الذي كان من المفروض أن تنسحب =قواتها إلى الخط الذي سُمّي "الخط الأصفر". كل يوم تتغوّل في غزّة بعد هذا الخط الأصفر، كل يوم تزحزح هذا الخط.

طبعًا، هي محتفظة بحوالى 53% من مساحة غزّة وراء هذا الخط الأصفر، والمفترض هذه مرحلة مؤقتة، ثم تنسحب تمامًا من كل القطاع في حال نجاح المرحلة الثانية.

لكن الخلاف على الانسحاب كان واضحًا في اجتماع ميامي يوم الجمعة الماضي. لا تزال إسرائيل تناور، تماطل، تريد أن تقدم المزيد من الأرض. ووجهة النظر واضحة من الأطراف العربية – مصر وقطر وتركيا – في ضرورة الالتزام بهذا الخط لحين إتمام الانسحاب.

الخلاف الثاني حول ما يُسمّى بـ"قوة الاستقرار" التي أقرها مجلس الأمن. وهناك تفسيران واضحان:

تعريف إسرائيلي: إن هذه قوة آتية لكي تفرض السلام. يعني ماذا؟ تفرض تنزع سلاح المقاومة.

وهناك تعريف واضح عربي إسلامي – وحماس مع هذا التعريف – إن هذه قوة حفظ سلام، ليست مهمتها أن تنزع أو تدخل في اشتباكات مع المقاومة. مهمتها أن حالة الاتفاق الذي أُقر في مجلس الأمن – ترعاه، أن لا يوجد طرف يعتدي على الآخر. يعني عمليًّا تكون شاهدًا على خروقات إسرائيل وتمنعها أيضًا.

مصر وقطر وتركيا تطلب بطريقة واضحة – كما حماس – أن هذه القوة تكون محددة المدة وليس مفتوحة. هذه ليست قوة احتلال بديل دولي مكان الاحتلال الإسرائيلي، ولا قوة تقوم بمهام لصالح إسرائيل من دون كلفة على إسرائيل. هذه قوة مؤقتة تحفظ السلام حتى انتهاء مدتها، ما لم يُجدّد لها مجلس الأمن.

ضمن هذا التصور، رُفض تقريبًا من كل الدول التي اجتمعت في شرم الشيخ على المشاركة في هذه القوة، ربما باستثناء إندونيسيا وأذربيجان اللتين عبرتا عن إمكانية المشاركة. ولا توجد أية جهة تريد أن تشارك قبل أن تتوضح بطريقة ليس فيها شك أن هذه ستكون قوة حفظ سلام.

هناك أيضًا خلاف حول مفهوم نزع السلاح، لأن في تصور ثانٍ هذا السلاح يُجمَّد، يُحفظ بضمانات دولية إلى حين استقرار الوضع في غزّة، لا أن يُنزَع ويُستولى عليه من المقاومة.

هذه الخلافات متفجرة، لكن التفاوض الجاري الآن هو الذي سيقرر أي التفسيرين سيفرض نفسه: تفسير نتنياهو المتغوّل المماطل الذي يريد تكريس الاحتلال ويديم الحرب، أم تصور إقرار سلام يعطي لغزّة فرصة أن تأخذ نفسًا بعد هذه المواجهة الضارية، وأنها تحرّر كل شبر من غزّة من الوجود العسكري الصهيوني وتدير بنفسها وبإرادتها.

قد نلاحظ أن هذا التفاوض كلما تشدّد من الجانب العربي، كلما أمكن أن يحقق نتائج. لأول مرة، واتكوف بيانه بعد هذه المحادثات لا يتحدث علنًا عن نزع السلاح – لأول مرة لا يأتي على ذكره – لأن في تفاوض يحاول أن يكسر التغوّل الإسرائيلي هذا.

كما حصل في قصة بلير الذي =كان مقترحًا في البداية باعتباره هو سيكون هو المدير الفعلي لغزّة من خلال مجلس السلام الذي سيرأسه ترامب. الآن تمت تنحية اسم بلير، ولم يعد يُذكر.

حتى نقول: نحن في خضم تفاوض صعب، وفي ظروف قاسية جدًّا على أهلنا في غزّة.

إذا كان هناك أمر واجب أن نلتفت إليه الآن أن نتذكره أن ندعو إليه، فإنه رغم هذا الاتفاق المفخّخ، السلام لم يحلّ على غزّة، والعدوان الصهيوني لم يتوقف على غزّة، والمعابر لم تُفتَح.

وهذه نقطة خلاف أيضًا، لأن مصر موقفها واضح: لا بدّ من فتح المعابر، ونفس موقف حماس في الاتجاهين، ومن دون أي تدخل إسرائيلي، ومع انسحاب إسرائيل التام من فيلادلفيا أو صلاح الدين.

وهذه الخلافات في مستوى التفاوض لا يمكن أن تنتهي إلى الحد الأدنى من المصلحة الفلسطينية من دون قوة عربية، وفي أولها مصر، تدعم هذا الاتجاه.

 

تقرير:

لم يمضِ أسبوع على طوفان الأقصى حتى قفز إلى المخططات الإسرائيلية مقترح التهجير نحو سيناء، باعتباره الخيار الأكثر تفضيلًا من منظور أمني إسرائيلي من بين 3 مقترحات لوزارة الاستخبارات.

لكن المخطط ليس نتيجة لهجوم السابع من أكتوبر، بل أُخرج من أدراج قديمة تعود إلى نشأة الكيان وما بعده من عقود: قدّم وتهجير عبر الحروب العدوانية، وصولًا إلى حصار القطاع.

مراكز أبحاث صهيونية أوصت بالتهجير إما إلى مصر وإما إلى دول أخرى بغطاء "الحلول الإنسانية"، حتى قبل حرب الإبادة بسنوات طوال. أما بعدها، فسرعان ما تلقّف هذا المخطط دونالد ترامب حين عودته إلى البيت الأبيض.

رفضت مصر والعرب حينذاك. فالقطاع لأهله تحت أي ظرف كان، سواء كان حصارًا أم إبادة أم تطهيرًا. وفشلت المساعي الأمريكية والإسرائيلية، إذ إن التهجير نكبة جديدة وتهديد أمني لا يمكن قبول تمريره بتاتًا.

هو ظلم لا يمكن أن تشارك مصر فيه.

السيسي: ترحيل وتهجير الشعب الفلسطيني من مكانه هو ظلم لا يمكن أن نشارك فيه.

 

قال ذلك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ردًّا على دعوة الرئيس الأمريكي.

ومن واشنطن، أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي توافقًا عربيًّا كاملًا على رفض التهجير من غزّة.

إنه خط أحمر يمس الأمن القومي المصري. هذا هو الموقف الرسمي للقاهرة، في مقابل محاولات إسرائيلية أمريكية لتبرير الخطة تحت عناوين إنسانية أو أمنية، من قبيل تصوير غزّة تهديدًا وجوديًّا لها.

كما يغلف مسعى التهجير بضرورات عسكرية، حيث جرى تسويق التهجير كإجراء مؤقت، رغم غياب ضمانات العودة حتى بعد وقف إطلاق النار.

تريد تل أبيب فتحًا أحادي الاتجاه لمعبر رفح من القطاع إلى مصر بغير رجعة. لكن الرفض المصري للتهجير قاطع وراسخ، وقد شدّد عليه الرئيس السيسي، مشيرًا إلى حتمية بدء عملية إعادة الإعمار.

ويستمد الموقف المصري صلابة أكثر من تحركات دبلوماسية حثيثة جرت في صعد عربية وإسلامية ودولية، بينها التحالف العالمي لحل الدولتين.

وقد عبر هذا التحالف في اجتماعاته عن رفضه القاطع للتهجير، والتهجير جريمة حرب وضد الإنسانية، فضلاً عن كونه تصفية للقضية الفلسطينية ونسفًا لذاك الحل ذاته، ومسببًا لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وتلك كلها من دوافع الرفض الدولي.

 

حمدين صباحي: بعد ستة أيام من اليوم، ترامب سيكون مع نتنياهو، سيستقبله. وهذا سيكون خامس لقاء بينهما، أكبر عدد من الزيارات في التاريخ من رئيس وزراء الكيان الصهيوني لإدارة أمريكية خلال 9 أشهر. هذا لقاء هام، لأنّه ستترتب عليه نتائج تتعلق بمجمل وطننا العربي وقضاياه.

نتنياهو مصرّ على التهجير. ومن العلامات البارزة في إصراره على التهجير أنه يلحّ على فتح معبر رفح في اتجاه واحد – اتجاه الذي يذهب ولا يعود، اتجاه يخرج من غزّة لا يعود إليها. طبعًا، مصر ترفض هذا الأمر.

بالمناسبة، سمعنا أنباء كثيرة عن رغبة ترامب في أن يعقد لقاءً بين نتنياهو والرئيس السيسي، ومصر رفضت إلى الآن هذا اللقاء.

والسبب الرئيسي أن مصر اشترطت أن يعلن نتنياهو بطريقة قاطعة أنه سيتخلّى عن مشروعه لتهجير الفلسطينيين. وطبعًا، نتنياهو ليس مستعدًّا أن يعلن هذا. بالعكس، هو يعمل ضد هذه الإرادة العربية التي عبرت عنها مصر، وبسببها رفضت عقد هذا اللقاء حتى هذه اللحظة.

لكن على جدول لقاء ترامب-نتنياهو قضايا أخرى، منها أن اجتماع 19 ديسمبر بين واتكوف وممثلي مصر وقطر وتركيا ونتائجه الذي يتعلق بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة سيكون جزءًا رئيسيًّا من الحوار ما بين رئيس وزراء الصهاينة والرئيس الأمريكي.

طبعًا، ترامب يريد – وأنا باعتقادي أنه مصرّ – على إتمام اتفاق غزّة، لأن هذا أصبح مرتبطًا باسمه وبسعيه لتصوير نفسه كرجل سلام، ولتعويض حلمه الذي فات في الدورة الماضية أن ينال نوبل – يحصل عليها في السنة المقبلة.

فهو مصرّ، أينما كانت التفاصيل، أن المرحلة الثانية من اتفاق غزّة تتم. وهذا أيضًا موضع خلاف مع نتنياهو.

سوريا أيضًا هي موضوع للبحث على المائدة الثنائية – على مائدة اللقاء – لأن لا يخفى على أحد ما تفعله إسرائيل في سوريا: قضم أراضٍ ضمّ، ورغبة في مزيد من التوسع، وتهديدات بقصف حتى العاصمة. الذي نُقل عن باراك في زيارته الأخيرة أنه قال لإسرائيل ممنوع تقصفوا دمشق.

لكن سوريا ليست فقط دمشق. سوريا هي ما يتم ممارسته من عدوان صهيوني مستمر عليها إلى الآن، واحتلالها للجنوب.

طبعًا، نتنياهو يمكن أن يذكر ترامب بأنه وافق من قبل على ضم الجولان.

بالمناسبة، ترامب خرج مجددًا ليقول: أنا أعطيت الجولان لإسرائيل، وهو يساوي تريليونات، ولم آخذ أي أمر – صفقة عقارية سياسية – أهدى من لا يملك. ترامب الجولان العربية إلى سوريا للعدو الصهيوني مجانًا.

وطبعًا، من المؤسف أن هناك صمتًا سوريًّا على مثل هذا التصريح، وسكوتًا يثير الريبة والشكوك أن هناك تواطؤًا على ضياع الجولان من دون أن تجد سلطة في سوريا تدافع عنه وتشدد على أنها جزء لا يتجزأ من الأرض السورية، وأنه لا يمكن التفريط فيها أو التنازل عنها – كما توحي أحداث كثيرة وتفاصيل عديدة نسمعها حتى الآن.

والغد محاولة إعادة رسم خريطة سوريا من دون أن يكون الجولان جزءًا منها. هذا سيكون أيضًا موضوعًا ما بين ترامب ونتنياهو في لقائهما بعد ستة أيام.

ثم لبنان: وإسرائيل قالت ما لم تنزعوا سلاح حزب الله حتى آخر السنة – 31 ديسمبر، بعد أكثر قليلاً من أسبوع سأتولى نزع السلاح بطريقة صعبة في أحيائها. باستعداد الصهاينة لعدوان على لبنان.

طبعًا، منسوب هذه التهديدات أو لغتها انخفض منسوبها قليلاً في الأيام الماضية، لكن يبقى أن هذا سيبقى على جدول الأعمال، ويبقى أن نتذكر.

ومن موضوع إيران: أضافه نتنياهو على جدول أعمال لقائه أو أجندة لقائه بترامب.

نتنياهو يريد الحرب، لأن الحرب في كل الجبهات أو على أي جبهة ممكنة من الجبهات هي ضمان لاستمراره في السلطة وقدرته على تجديد انتخابه، وهي أيضًا ضمان لأن يتفادى مصيره في السجن الذي ينتظره بتهم معروفة.

إذا كانت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي استعرضناها في بداية هذا اللقاء تتحدث عن خفض منسوب التدخل الأمريكي والاشتباك في حروب وكلفتها، فمفترض أن ترامب يقمع هذه الرغبات المتزايدة متعددة الاتجاهات لدى نتنياهو في إشعال حروب أو الاستمرار في مزيد من الحروب، بما في ذلك أن يعتدي على إيران مجددًا.

 

أحمد العطاونة: نتحدث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب والخطة الأمريكية تجاه قطاع غزّة.

وإليك مجموعة من التحفظات والمخاطر:

أولًا: النقطة الأساسية أو الخطر الأساسي هو الوصاية الدولية على الشعب الفلسطيني وعلى قطاع غزّة، حيث إن هذه الخطة تقتضي تشكيل مجلس سلام وإدارة تنفيذية وقوات حفظ سلام أيضًا دوليًا، تُخرج الفلسطينيين تقريبًا بشكل كامل من مشهد قطاع غزّة ومشهد الحكم فيه. هذه نقطة في غاية الأهمية.

النقطة الثانية: إدارة قطاع غزّة المحلية الذاتية الفلسطينية – حتى اللحظة شكلها غير معروف، صلاحياتها ومرجعيتها القانونية، وهي معزولة تمامًا عن المؤسسة السياسية الفلسطينية.

النقطة الثالثة: القوات الدولية التي يتم الحديث عنها وتسمّى "قوات الاستقرار الدولية". ما هي طبيعة هذه القوات؟ تشكيلتها؟ وما هي المهام المنوطة بها؟ هل ستأتي للاشتباك مع القوى والفصائل الفلسطينية وتنوب عن قوات الاحتلال في مواجهة الفصائل الفلسطينية؟ أم هي قوات للفصل بين الطرفين وتثبيت الاستقرار والأمن ووقف إطلاق النار في قطاع غزّة؟

حتى اللحظة أيضًا، هنالك خلاف وخلاف جوهري حول تشكيلة وطبيعة هذه القوات.

ومستقبل قطاع غزّة السياسي: هل سيتم فصل قطاع غزّة بشكل كامل عن المشروع الوطني الفلسطيني لصالح عزله تحت وصاية دولية، وبالتالي تقييد المشروع الوطني الفلسطيني وفكرة الدولة الفلسطينية؟

ثم الحديث عن سلاح المقاومة ونزع السلاح: هذه قضية في غاية الحساسية، وهي أيضًا قضية إشكالية.

إذ تصر الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية على موضوع نزع السلاح، في حين أن هنالك إجماعًا فلسطينيًّا على أن سلاح المقاومة هو سلاح شرعي، وهو مرتبط بالتحرير الوطني الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية.

كل هذه القضايا قضايا إشكالية. الفلسطينيون لديهم وجهة نظر مغايرة تمامًا عن وجهة النظر الإسرائيلية.

الوسطاء العرب والمسلمون يبدو أقرب إلى الرؤية الفلسطينية منهم إلى الرؤية الأمريكية والإسرائيلية.

لذلك، التحديات أمام تطبيق المرحلة الثانية كبيرة وكبيرة جدًّا.

 

حمدين صباحي: السودان =الحبيب الذي تتواصل فيه مأساة إنسانية وسياسية من دون أفق للحل.

وجهت مصر في ما يخص السودان بيانًا من الرئاسة المصرية بالغ الأهمية، لأنه يعبر عن موقف واضح، ويمكن أن يُبنى عليه مستقبلاً.

بيان الرئاسة جاء بمناسبة زيارة الفريق البرهان ولقائه مع الرئيس السيسي يوم 18 ديسمبر هذا الشهر.

نحن أمام موقف مصري حددت فيه مصر خطوطًا حمراء في السودان:

خطّت مصر لا للتقسيم في السودان، ولا لميليشيات موازية تنتزع السلطة أو تعلن أنها بديل عن السلطة، لا لوجود أجنبي في السودان.

أهمية أن مصر تحزم أمرها في بيان صادر عن الرئاسة في مصر له علاقة في أن الأوضاع في السودان تفاقمت: حرب لا تنتهي، تدخل أجنبي واضح، وأدوار إقليمية مثيرة للريبة لا تهدد السودان فقط، بل تهدد أمن مصر مباشرة.

جنوب مصر الآن مفتوح لميليشيات وقوات عابرة، وإمكانيات التهريب، مخاطر محدقة بالسودان وبمصر.

هذه الرسالة المصرية – التي فيها لغة أكثر وضوحًا وحزمًا – تعني أنها موجهة لأطراف عدة في نفس الوقت: موجهة للسودان لتطمئن الشعب السوداني أن مصر معه، وللمؤسسات الدولة السودانية والجيش السوداني بأن مصر تدعمه. لكنها أيضًا موجهة لبعض القوى الإقليمية التي تتدخل في السودان وترعى الانقسام والاقتتال فيه، أن مصر قد تصمت لبعض الوقت، لكنها لا تسمح بتهديد مصالحها.

هي رسالة أيضًا للداخل المصري أن السلطة في مصر واعية لحدود أمنها القومي، ولن تجلس دائمًا مكتوفة اليد في مواجهة التهديدات.

اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان التي وقّعت سنة 76، هذه الاتفاقية تضع على عاتق مصر مسؤولية أن تساهم في حفظ أمن واستقرار السودان، وأن تحمي وحدته، وأن تصون مصالحه.

مصر تمد يديها للجميع من دول عربية ومن دول في الإقليم – ما عدا إسرائيل طبعًا – وهي ترحب بكل يد تمد لها للخير وبالتعاون.

لكن لو كانت هذه اليد – حتى لو لها مساحات من التعاون مع مصر – ستمتد لكي تهدد أمن مصر، وتبقى جزءًا من طوق وحزام النار حول مصر، وتضعف قوة ومناعة مصر، فبهذا البيان مصر تقول لها: "ارتجعي".

مصر تستطيع أن تردع. فإذا بعض هذه الأيادي أمعنت في العدوان على أمن مصر، فمصر أيضًا تستطيع أن تقطع هذه اليد.

 

حمدين صباحي: أمانة عليك أمانة يا مسافر بورسعيد، أمانة عليك أمانة لتقبل كل يد حاربت في بورسعيد.

الأرض الغالية، بسها الدنيا تتحدث عنها، جاء الغريب يدوسها، الكل قام يصونها. بقت أرض البطولة والعزة والرجولة. سلّم على كل شارع دافع عنه شبابه، وهات لي وانت عائد شوية من ترابه، تراب أرض الجدود، وفيه دم الشهيد. أمانة عليك أمانة لتبوس لي كل يد حاربت في بورسعيد.