من بيت جن إلى غزة.. خارطة المقاومة في مواجهة مشاريع الهيمنة

تستعرض الحلقة قراءة شاملة للمشهد الإقليمي والدولي، انطلاقًا من شرارة الأمل التي فجّرتها بلدة بيت جن في جنوب سوريا. يرى صباحي أنّ مواجهة أهالي البلدة للعدوان الإسرائيلي تمثّل نموذجًا مضيئًا لقدرة الشعوب على كسر الهيمنة، مؤكدًا أن محاولات نتنياهو لتوسيع الاحتلال وإقامة "حلف الأقليات" ومحاصرة سوريا محكومة بالفشل، كما فشلت سابقًا مشاريع مشابهة في لبنان وغزة. وتنتقل الحلقة إلى لبنان، حيث يشدد صباحي على أنّ المقاومة هناك قدّمت نموذجًا فريدًا في التضامن مع غزة، ودافعت عن الأرض بصلابة رغم الكلفة البشرية العالية. ويؤكد أن وعي الشعب اللبناني وتماسك الدولة والجيش والمقاومة أفشل المخططات الإسرائيلية. وتتوسع الحلقة نحو فنزويلا، حيث ينتقد صباحي قرار ترامب حظر الرحلات الجوية إليها، مشيرًا إلى أن فنزويلا كانت دائمًا إلى جانب الحقوق الفلسطينية. كما تتناول الحلقة غزة وقرار مجلس الأمن الأخير، الذي يعتبره صباحي مجرد هدنة مفروضة ووضع القطاع تحت وصاية دولية ونزع سلاح المقاومة.

نص الحلقة

 

حمدين صباحي: تحية عربية طيبة.

 باتساع الدنيا المقاومة باقية. في الغرف المغلقة للمستكبرين المهيمنين، بالذات في واشنطن وتل أبيب، تُرسم الخطط وتحاك المؤامرات، وعلى الأرض تُنفَّذ ضد الشعوب التي يريدون إخضاعها، نهب ثرواتها، وانتزاع إرادتها وكرامتها.

وعلى اتساع الأرض المقاومة حاضرة باقية في الشعوب، في الضمائر، في العقول، وفي الزنود. العافية في بيت جن، في سوريا، في لبنان، في كاراكاس، وفي غزة. المقاومة باقية، قد تكون أقل عدداً وأقل عدة، لكنها أكثر تعبيراً عن الحق، عن العدل، عن قيم الخير والجمال في هذا العالم. هذه مقاومة حاضرة باقية تستحق أن نحتفي بها، وأن نتضامن معها، وأن نقول: إن المقاومة قادرة على أن تنتصر مهما كانت الصعاب.

 

حمدين صباحي: إشارات الأمل لا تنقطع دائماً، مهما كانت العتمة كابسة على الشعوب، مهما كانت العواصم التي تتهيأ للهيمنة على العالم وتهيئ لأنفسها أنها قادرة على فرض هذه الهيمنة. عندها قوى وأسلحة وحيل، والشعوب قادرة على المواجهة.

طاقة المقاومة في كل الأرض عبر كل التاريخ استطاعت أن تصد هذا التغول الوحشي للمهيمنين والمستعمرين والظلمة في كل العصور. ونحن في لحظة تتجلى فيها إشارات للأمل. الإشارة الأحدث التي من واجبنا ومن حقنا أن نفرح بها ونحتفي جاءتنا من بيت جن. بيت جن: القرية السورية، بوابة للجنوب نحو الجولان في ريف دمشق. قرية كما كل القرى: بسيطة، أصيلة، سورية. عددُها ليس كبيراً: 15000، لكنها كانت قادرة على أن تعطي يوم الجمعة الماضي إشارات أمل وتفتح طاقة نور حتى نتنبه إلى أن قدرة الأمة على المقاومة أكبر وأقدر من خطط الصهاينة ضدها.

حتى نفهم دلالة ما أنجزته بيت جن، نحتاج أن نعود قليلاً أسبوع واحد قبل ما حدث في بيت جن من مواجهة عظيمة للصهاينة. قبلها بأسبوع واحد، كان نتنياهو يقتحم الجنوب كما اعتادت قواته، ومعه وزير الدفاع ووزير الخارجية، في دلالة على أن هذه ليست زيارة تفقد عسكري لقواته التي تحتل مساحات معتبرة من جنوب سوريا، بل في إشارة أنه هو يدير الموقف السياسي السوري أيضاً.

زيارة نتنياهو ووزيري حربه وخارجيته كانت تكريساً لخطة إسرائيل في أنها توسع مساحات احتلالها في الأرض السورية، وتقيم منطقة عازلة في سوريا، كما تفعل أيضاً في جنوب لبنان، وكما تفعل في غزة، تسور نفسها بسياج تتوهم أنه هو الذي سيحفظ أمنها. سياسة الاختراق الدائم للصهاينة لسوريا أرضاً وجواً، التي تماثل ما تقوم به ضد لبنان وليس جنوبه فقط، بل كل لبنان، رغم الاتفاقية التي مرّ عليها سنة وهي وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر في العام الماضي، كما تفعل في غزة رغم وقف إطلاق النار أيضاً فيه، وتكرر اعتداءاتها. هذا العدوان المستمر والاحتلال واقتطاع الأرض وإقامة مناطق عازلة من حولها كسياسة ممنهجة للتوسع العدواني الصهيوني.

ذهب نتنياهو مع وزيريه حتى يستعرض كالديك الرومي بخيلاء زائف قدرته على أنه يهيمن على سوريا، ويرسل رسالة من هذه الزيارة ليقول إن الإرادة الصهيونية هي التي ستحدد مسار سوريا الآن ومستقبلها.

لاحظ أن هذه الزيارة تمت في الوقت الذي كان ترامب في البيت الأبيض يستقبل محمد بن سلمان ولي العهد السعودي. السعودية الطامحة لدور في سوريا، التي لعبت دوراً رئيسياً في رفع العقوبات عن السلطة المؤقتة في سوريا، ومن هيّأت الأرض لتسويق هذه السلطة الجديدة دولياً، والتي نجحت في أن يستقبل ترامب أحمد الشرع في البيت الأبيض. السعودية التي كانت تعتقد أنها قادرة على أن تكون التي تقطف ثمار التغيّر الذي تم في سوريا، وتكون صاحبة الكلمة الأولى فيها.

في وقت ما كان ولي عهدها يجلس مع ترامب، كان نتنياهو بكل قوته العسكرية والدبلوماسية موجوداً في الجنوب في سوريا، يلقي خطاباً ويعقد مؤتمراً صحفياً ويؤكد مشروع الهيمنة، كما لو أنها رسالة: الكلمة في سوريا لإسرائيل وليس للسعودية ولا أمريكا، وليس للاعبين المتكاثرين على سوريا، وطبعاً الأهم من كل ذلك ليس للسلطة السورية ولا للشعب السوري.

نتنياهو في زيارته أيضاً للجنوب كان يؤكد أو يقوي قلب ما يسميه هو "حلف الأقليات" من سوريا، الذي يسعى نتنياهو لتكوينه من بعض السوريين، مستغلاً تعقيدات في الوضع الداخلي السوري، حتى يقيم مجموعات يريد لها أن تكون عملاء لإسرائيل على حساب المصلحة الوطنية الفلسطينية، بمكافآت هشة من حماية مفتعلة وتسوير وهمي. يتوهم نتنياهو أنه يستطيع شراء بعض السوريين بأنه هو يدعمهم على حساب وطنيتهم لسوريا.

طبعاً المحاولة هذه محكوم عليها بالفشل. وكل محاولات إسرائيل بأنها تقيم سياجاً حولها ليس فقط من الجغرافيا المحصنة بالاحتلال العسكري، بل من شراء بعض الضعفاء محلياً، محكوم عليها. اختبرتها في لبنان قبل ذلك في ما سمّته "جيش لبنان الجنوبي"، الذي مرّ به أسماء كأنطوان لحد وسعد حداد، والذين انتهوا نهاية تليق بهم، ديسوا بالأقدام من الشعب اللبناني وهو يتحرر من الاحتلال الإسرائيلي ومن عملائه.

نفس ما يحاولون فعله حالياً في غزة، يحاولون فعله بطريقة متهافتة، وينشئون مجموعات "أبو شباب" و"أبو شيوخ" وغيرها من أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ارتضوا أن يُباعوا. لكن هم هؤلاء: الإفراز الذي يقول أنهم استثناء، يثبت أصالة جموع الشعب.

في فلسطين كما في لبنان، كما في سوريا، وفي تاريخ سوريا، زيارة نتنياهو للجنوب، فضلاً عن أنها كانت ترسل إشارة أن السيادة للصهاينة ستكون على مساحات من الأرض وعلى كل الجو، وسيمضي في ممر داود الذي يريده، ويقيم تحالف الأقليات الذي يخطط له بإرادة صهيونية، كما كانت هذه الرسالة واضحة كان لديه أيضاً رسالة إضافية للداخل الإسرائيلي حتى يطمئنه أنه مقتدر ومهيمن، ويهيئ نفسه للانتخابات القادمة التي تقول استطلاعات الرأي أنه مهدد فيها بالسقوط، ويحاول أن يحصن موقعه في التنافس القادم في الانتخابات في الكيان الصهيوني.

الرسائل التي حملها نتنياهو بنفسه وبوزيريه وبما أثاره من ضجة بهذه الزيارة - رسائل الهيمنة - أبلغ وأقوى وأعظم وأصلب ردّ عليها كان ببيت جن.

بيت جن التي قدمت نموذجاً في التصدي الشعبي، يكسر مخططات إسرائيل ويضرب خيال نتنياهو في الصميم. كسرته بيت جن. بيت جن عندما دخلتها دورية صهيونية بزعم أنها تريد اعتقال بعض أبنائها، لم تكن مجرد قرية طيبة مستكينة يتفسّح فيها دوريات الصهاينة ويخطفوا من شاءوا ويعتقلوه آمنين. لا، بيت جن أعطتهم درساً بالرصاص الحي، تصدت شعبياً، وأمطرت دورية الصهاينة بوابل من الرصاص، أصابت بالتقديرات الراجحة 6 من ضباط وجنود جيش الاحتلال الصهيوني، أكرهتهم على الانسحاب. وإسرائيل كعادتها انتقمت من القرية، وفي هذا التصدي قدمت بيت جن 13 شهيداً على سبيل التأكيد، و20 في بعض الاحتمالات.

هنا نحن أمام تصدي شعبي. عندما يكون هناك قوة احتلال، لا تستسلم الشعوب. إذا كانت الدولة قادرة على القيام بواجبها كدولة في أن تحمي أرضها وشعبها وتدافع عن سيادتها وتتولى التصدي للعدوان، يكون الشعب خلفها. إذا تخلّت الدولة عن أداء هذا الدور ضعفاً أو عجزاً أو تواطؤاً، الشعب لا يقبل تواطؤ حكامه، ولا يعيش في ظلال خنوعهم إذا كانوا مضطرين. الشعب لديه قواعده، لديه قيمه، لديه غيرته على نفسه، لديه حميته الوطنية. كل هذا تجلى في بيت جن، وقدمت فيها العريس الشهيد حسن السعد، اسم يستحق أن يلمع في ضمائر الناس. كل فترة تقدم أمتنا نماذج: قد تكون فردية، وقد تكون محدودة، لكن دلالاتها واسعة، عامة، ملهمة.

نحن نتذكر محمد صلاح، الجندي المصري الذي تصدى في سيناء لجنود العدو الصهيوني، جندي بسيط، شاب 22 سنة، كما حسن السعد في بيت جن 26 سنة. هؤلاء أولاد الأرض العربية في سيناء أو بيت جن، في مصر أو سوريا، في فلسطين أو في لبنان، في كل مكان. ولادة، ولادة الأمة. هذا محمد صلاح فرد، لكنه معنى أكبر من أن يكون واحداً، هو أمة. وهو أحدث سلسال طاهر، من سعد إدريس حلاوة، إلى سليمان خاطر، إلى أيمن حسن، مروراً بأبطال ثورة مصر الذين قادهم محمود نور الدين وخالد جمال عبد الناصر. نماذج فردية نعم، لكن معبرة عن ضمير أمتها أكثر مما يعبر الحكام، ملتصقة بكرامة أوطانها أكثر مما تقول الأبواق الرسمية. وهذا الذي شهدناه في بيت جن.

بيت جن علامة مضيئة، وهي مصدر إلهام في المستقبل. لماذا؟ لماذا هي مصدر إلهام؟ لأن التجارب تقول لنا: إن حدثاً مهما كان صغيراً، وعدداً مهما كان قليلاً، يستطيع أن يواجه الظلم مهما كانت عدته وعتاده. تذكروا أن هذا العدو الصهيوني ذات يوم، في الـ82، دخل لبنان ودخل بيروت، وبيروت تصدت له. بيروت العظيمة هزمت العدوان، أجبرته كُرهاً على أن ينسحب. بات الصهاينة يقفون بميكروفونات في الشوارع يقولون: "يا أهل بيروت، لا تطلقوا علينا النار، فنحن منسحبون" هناك توسل. هذه مقاومة شعبية، والمقاومة هذه متواصلة. وهذه المقاومة هي التي كسرت اتفاق 17 أيار وأسقطته. والمقاومة هذه هي التي ولدت من رحم هذه المرحلة من احتلال العاصمة، ولدت نسخة جديدة من المقاومة كانت أكبر وأجدر وأصلب، وأذاقت هذا العدو هزائم حقيقية وحققت انتصارات وتحرير للأرض.

لذلك نحن نحتفي ببيت جن ونحييها، ونحييها لأنها بالنسبة لنا وجه سوريا المضيء، وجه سوريا المقاوم، وجه سوريا الحبيبة، قلب العروبة. بيت جن تقول هذه الرسائل، ونحن نتلقاها بتفاؤل وفرح وأمل: في الإمكان أن نكسر إرادة الصهاينة في سوريا، وأن نكسر إرادة الاستكبار في كل مكان.

 

هيثم منّاع - عضو الكتلة الوطنية السورية: العلاقة بين حكومة الأمر الواقع، الجماعة صاحبة القرار في هذه الحكومة، والإسرائيلي قديمة منذ عام 2014. ونعرف اجتماعاتهم في عام 2014: 59 اجتماعاً بين الطرف الإسرائيلي وجبهة النصرة. القصة قديمة، لكن استمراريتها بالتأكيد تدخلت فيها أطراف أكيدة. وأثناء مجزرة غزة، عملية الإبادة الجماعية التي قام بها الإسرائيلي، كان هناك صمت، صمت كامل. هذا بالعكس علناً نتخلص من كل شيء شكلاً أو مضموناً له علاقة بمحور المقاومة.

هم بالنسبة لهم هذا المحور بالأساس "محور شيعي"، مكفّر. بالتالي استمرارية العلاقة تجلّت عندما وصلوا. بالنسبة للإسرائيلي جاءته فرصة من السماء ليضع حدّاً لكلمة "السيادة السورية". لم تعد هناك سيادة، هذه أولاً. لفكرة الوحدة، وحدة الأراضي السورية، ثالثاً لفكرة وجود جيش سوري وطني على حدوده الشرقية. كل هذه المسائل مسائل مهمة بالنسبة للإسرائيلي، لكن بالنسبة لنا هي قضية وجود وليست قضية حدود كسوريين.

مع الإسرائيلي الاتفاق موجود وليس غائباً، وجرت عدة تحضيرات له. اليوم من يؤخّره هو الإسرائيلي. في مشكلة حقيقية اليوم: هي مشكلة سوء الإدارة، عدم السيطرة على كل الأراضي السورية، وتصعيد الشحن الطائفي. تخوّف الإسرائيلي من أن يوقع مع هؤلاء الذين يمكن، بعد أشهر، لا يكونوا موجودين.

 

حمدين صباحي: لبنان يواصل صموده. هو نقطة مشتعلة، وكم كانت مشتعلة دائماً في الصراع ما بين الرغبة في الهيمنة والحق في التحرر والاستقلال، والحق في المقاومة المشروعة للاحتلال، للعدوان. لبنان الذي مقاومته الجسورة العظيمة ساندت غزة على مدار سنتين، قدمت فيها نموذجاً لشراكة حقيقية بالدم والسلاح والأرواح مع غزة، وقدمت شهداء عظماء على طريق القدس، على طريق التحرير، على طريق فلسطين، وعلى طريق صون استقلال وكرامة لبنان.

من قدّم الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، وهذا الرهط العظيم من المؤمنين بحق شعبنا في الحرية، وأول هذه الحرية تحرير فلسطين، في الذود عن التراب الوطني للبنان، عن استقلال لبنان. بعد سنتين من هذا العطاء والتحمل والثمن الغالي الذي دفعه لبنان مقاومةً وشعباً، وصلنا إلى وقف إطلاق نار. نحن الآن بالضبط بعد تمام عام على وقف إطلاق النار. في وقف إطلاق النار، نفس الحقائق في طبيعة الكيان الصهيوني تتكشف: أنه عدواني، لا يريد سلاماً، ولا يحترم اتفاقاً، عدو ليس له كلمة، وليس له أخلاق إنسانية، وليس لديه احترام لأي صيغة من القانون الدولي.

بلطجي مفترس يستخدم أدوات القوة والعنف لتحقيق أغراضه، والجور والظلم لكل من يقف في طريقه. خلال هذه السنة، التزمت الدولة اللبنانية والتزمت المقاومة، وأخذ حزب الله موقفاً مسؤولاً وطنياً، وناضل سياسياً مراعياً لكل الاعتبارات: أنه يحترم ما وقّعت عليه الدولة اللبنانية من اتفاق. وما كان المقابل؟ المقابل: مزيد من غطرسة القوة، ومزيد من العدوانية من الجانب الصهيوني. خلال هذا العام، بإحصاء رسمي من الدولة اللبنانية، العدو الصهيوني اخترق اتفاق وقف إطلاق النار 5110 مرات: براً وبحراً وجواً، فيهم 160 خرقاً بحرياً، و2130 برياً، و2800 جوياً، وأوقع بهذه الاختراقات 335 شهيداً من الشعب والجيش والمقاومة.

هذه طبيعة هذا العدو كما تجلى خلال عام من وقف إطلاق النار. هذا ليس وقفاً لإطلاق النار، بل حرب من نوع آخر، حرب تخوضها إسرائيل بتعمّد، تُديم فيها حالة الاشتباك. طرف واحد ملتزم: هو لبنان جيشاً ومقاومةً ودولةً. وطرف منحل ومتحلل: هو إسرائيل.

ما الذي تريده إسرائيل؟ هل نزع سلاح حزب الله هو مطلب رئيسي للعدو الصهيوني؟ هو الهدف الوحيد؟ لا. أهداف إسرائيل تتجاوز ذلك. إسرائيل تريد تقييد هذا النموذج اللبناني القادر على أن يُدير التعدد والموسيقي اللبناني والتنوع بقدر من الحكمة والمرونة والعملية والمبدئية، خليط من هذه المعاني. لبنان استطاع أن يحافظ على نفسه متماسكاً وموحداً وقادراً على أن يتماسك ولا يستجيب لعوامل الضغط التي تريد أن تفكّك لبنان.

الحقيقة أن هدف إسرائيل هو أن تدفع لبنان إلى احتراب داخلي، اقتتال لبناني-لبناني، حرب أهلية جديدة. لبنان الذي ذاق مرارة الحرب الأهلية وتعلّم درسها غير مهيأ لأن يعيد إنتاج هذا الخطأ مرة ثانية. كل أطرافه أينما كانت درجات الاتفاق والخلاف فيما بينها تعرف أن السلم الأهلي هو شرط بقاء لبنان. وكل لبناني أينما كان انتماؤه الداخلي أو توزيعه على خريطة التنوع اللبناني يعرف ذلك.

لكن إسرائيل لا تستريح ولبنان متماسك. لا تستريح في وجود مقاومة. لا تستريح في وجود دولة. لا تستريح في وجود جيش. لا تستريح في وجود سلم أهلي. أهداف إسرائيل في لبنان تتجاوز نزع السلاح.

ونزع السلاح هو مطلب جائر فاجر لدولة محتلة. طالما هناك احتلال، لا بد أن تكون هناك مقاومة. هذا القانون الدولي. هذه الشرعية الدولية. هذا المعنى البسيط للحق قبل القانون الدولي والشرعية الدولية: الاحتلال مباشرة يساوي مقاومة.

نحن أمام تغول صهيوني غير مسبوق وعنجهية لا يمكن قبولها. والذي يواجه هذه العنجهية هو لبنان كله لأن الشعب اللبناني حريص على أرضه واستقلاله وكرامته.

إسرائيل الآن، بعدما كانت محتلة 5 تلال، أصبحوا ثمانية بعد الخط الأزرق الذي هناك خلفه أراضٍ لبنانية منها شبعا والغجر. فالآن تبني جداراً جديداً داخل الخط الأزرق في الجنوب اللبناني. جدار تريد منه أن تضمن مساحات من الأرض اللبنانية.

الجيش الإسرائيلي الذي عجز بقده وقديده وعتاده وسلاحه أن يتقدم في الجنوب اللبناني، ووُجِه ببسالة الجنوب وشراسة مقاوميه البُسَّل من حزب الله الذين قهروه وأعجزوه عن التقدم ولو لأمتار في الجنوب اللبناني، هذا الجيش الصهيوني الآن، بعد اتفاق وقف إطلاق النار، يقدم في ظل وقف إطلاق النار ما عجز عنه في الحرب، ويبني جداراً! كيف لأي لبناني له ضمير وغيرة على وطنه أن يقبل بهذا العدوان والاحتلال - احتلال الأرض - فضلاً عن الاختراق المتكرر بالاعتداءات، الأكثر من 5000؟

الشعب اللبناني في مجمله لا يقبل هذا الاحتلال لأرضه. الجيش اللبناني في موقفه المعلن بحزم ضد هذا الاحتلال. رئيس الجمهورية موقفه السياسي قاطع مع ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من كل شبر في لبنان، وهو موقف الرئاسات الثلاث في الدولة اللبنانية.

قائد الجيش الذي تحمل ما فعلته إسرائيل وأمريكا - هذا الثنائي - من إلغاء زيارة كانت مقررة له لواشنطن لأنه وصف إسرائيل بوصفها الحقيقي: "العدو".

هو قائد الجيش اللبناني يصف إسرائيل: ماذا يوصف غير "العدو"؟ ما هو وصف أدق لإسرائيل أدق من "العدو"؟ هو من الذي قتل بعد الاتفاق 18 جندياً من الجيش اللبناني ضمن 335 شهيداً؟ هذا العدو.

من يستولي على الأرض اللبنانية ويحتلها ويرفض أن ينسحب؟ هذا العدو.

من الذي مسيراته وغاراته يومياً فوق الرؤوس تروع اللبنانيين وتقتلهم، مدنيين وجنود، جيش ومقاومة؟ هذا هو عدو. ما العدو أكثر منه؟

وعندما ترفض الغطرسة الأمريكية توصيف إسرائيل بالعدو، علينا أن نعرف: هذا القائد هو تعبير عن ضمير لبنان وعن كرامة جيشه وعن موقف متّسق ومحترم يستحق التحية، وبالذات عندما رفض تفتيش بيوت في الجنوب، وكان من الوعي السياسي، فضلاً عن الانضباط العسكري، بحيث يقول: لن أسمح باقتتال ما بين الجيش اللبناني وما بين الشعب اللبناني وأهل الجنوب. ثم إني لست منفذاً لأوامر إسرائيلية صهيونية تحدد لي أين أبحث ولا أبحث.

والحقيقة أن كل ادعاءات إسرائيل لم تثبت على الإطلاق، بشهادة لجنة "الميكانيزم" التي هي مشكّلة لكي تدير أساليب التحقق من وتنفيذ قرار مجلس الأمن وفقاً للاتفاق.

المقاومة على موقف ثابت أصيل: لن نفرّط في سلاحنا قبل أن ينتهي الاحتلال الصهيوني للتراب اللبناني، كل شبر في التراب اللبناني.

لبنان في موقف الصواب، جيْشاً ومقاومةً وشعباً: لا نزع للسلاح قبل إخراج الاحتلال، لا انجرار لحرب أهلية.

وفي هذا يستحق لبنان كل دعم عربي وإنساني، لأن لبنان كان ويبقى وسيظل نقطة مضيئة لشرف المقاومة ضد تغول المستكبرين.

 

حمدين صباحي: من لمعة الأمل في بيت جن، إلى وقوف لبنان العتيد في وجه الأطماع الصهيونية، إلى كاراكاس، إلى فنزويلا، إلى حيث يتكرر نفس القانون: قوى مستكبرة تريد أن تهيمن، وشعب حر يريد أن يحفظ لناسه كرامته واستقلاله وثرواته.

ترامب، كما لو أنه قاطع طريق، قرر أول أمس حظر جميع الرحلات الجوية الذاهبة إلى فنزويلا. هل من المنطقي أن تكون سلطة دولة ما، حتى لو هي الولايات المتحدة الأمريكية، قادرة على أنها تنتزع حق القرار باسم الإنسانية كلها، وتفرض حظراً جوياً على دولة؟ ولماذا؟ ما هو السبب؟ حجة باهتة خائرة خائبة اسمها أصلاً: "نحن نحمي أنفسنا من تجارة المخدرات"، تجارة المخدرات التي أمريكا وأجهزتها الاستخباراتية كانت وربما الآن تديرها في أقطار أخرى من العالم. وهذه حكاية فيها تفاصيل طويلة تاريخية وثابتة.

المسألة ليست أن ترامب يخشى على أمريكا من تهريب المخدرات. المسألة أن ترامب لا يطيق أن يرتفع رأس مثل رأس مادورو كرئيس مستقل لا ينحني أمام سطوة الهيمنة الأمريكية. المسألة أن أمريكا تريد خاضعين في العالم. المسألة أن أمريكا تريد أن تفرض إخضاعاً بالقوة لكل شعوب الأرض لصالح مزيد من النهب الأمريكي للثروات، والنفوذ الأمريكي المهيمن، والقرار الأمريكي الذي يسري على الكل، ليس لمصلحة الإنسانية، بل لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية.

نحن أمام نموذج فجّ في محاولات أمريكا كقوة للهيمنة، أن تفرض إرادتها قصراً، عُنوةً، على شعب هو شعب فنزويلا. وطبعاً هذه ليست الحالة الوحيدة.

فنزويلا عندما تقول "لا" للهيمنة الأمريكية، عندما ترفع رأسها وصوتها وتقول: نفطي لي ولشعبي، ثرواتي لي ولخير ناسنا، سياستي لي وأنا صاحبة القرار، الحقيقة أنها تعبر عن نقطة مقاومة مضيئة على خريطة العالم الآن.

فنزويلا تستحق وتحتاج أوسع دعم إنساني، أوسع دعم من كل الحريصين على السلام والعدل في هذا العالم، أوسع دعم من الذين لا ينطقون منطق الاستسلام المفروض بقوة أمريكا الذي تريد أمريكا أن تفرضه.

نحن في وطننا العربي جربنا مع الصهاينة والأمريكان، وهم عدو واحد مزدوج، ماذا يعني أن نُحرم من حقوقنا، وماذا يعني أن تسيل دماءنا، وماذا يعني أن تُنهب ثرواتنا. تاريخ الأمة العربية مع النهب الاستعماري طويل كما معظم شعوب الجنوب.

وفنزويلا لم تتأخر في لحظة عن أن تكون واقفة بصلابة مع حقنا في فلسطين. فنزويلا اتخذت مواقف لصالح الشعب الفلسطيني وضد الصهاينة، ربما أكثر تقدماً من بعض حكامنا العرب.

فنزويلا الآن عنوان لمقاومة مشروعة من أجل العدل في العالم. وكل التضامن معها، وهذا التضامن أوجب على كل عربي.

 

حمدين صباحي: بيت جن، لبنان، كاراكاس، غزة عاصمة المقاومة، ومصر النور العظيم في صمودها الأسطوري وبسالتها وصبرها وتحملها وكبريائها.

غزة كانت موضوع قرار مجلس الأمن الذي كان تشريعاً دولياً لخطة ترامب التي تأسس عليها وقف إطلاق النار، ليس في الخطة التي صنعت سلاماً مفخخاً هشاً، وليس في قرار مجلس الأمن الذي أعطى صيغة قانونية. لا يوجد في الاثنين شيء يستحق أن نعوّل عليه سوى وقف إطلاق النار، وقف المقتلة، وقف الإبادة الجماعية.

وهذا بحد ذاته كان هدفاً بعد سيل الدم الغزير من فلسطين في غزة، جعل الجميع يقول "نعم" لهذا وقف إطلاق النار.

لكن هذا لا يغلق عيوننا عن العيوب الجوهرية في الخطة، في الاتفاق، وفي قرار مجلس الأمن. من بين هذه العيوب أن غزة توضع تحت وصاية دولية—كأننا نعود لعصر الاستعمار والوصاية والانتداب.

مجلس السلام الذي سيترأسه ترامب لا يمكن الثقة فيه أنه حريص على حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية. هو يريد أن يكون مرحلة تعزل غزة عن الضفة، تقسم فلسطين فعلياً، تقيم إعماراً مشروطاً بنزع المقاومة، وليس فقط السلاح: السلاح والفكرة والرأي والكلمة، وربما حتى يحاولوا مصادرة المشاعر.

وهذا هو مكمن الفشل الذريع لهذه الإرادة الأمريكية الصهيونية.

مصائر الشعوب لا تحددها قرارات ولا توقيعات على ورق، ولا اتفاقيات، ولا قرارات مجلس الأمن. الشعوب تحدد إرادتها: بجسارتها، بعقيدتها، بكلمتها، بضميرها، بوعيها، وبنضالها المشروع حتى تنال حريتها.

كم من أوراق في تاريخ الدنيا عبرت عن اتفاقيات وتم اجتيازها بعد أن تعدلت موازين القوى؟ القاعدة: لا سلام يدوم ما لم يكن عادلاً. في هذه الأرض، لا سلام ممكن دون أن تعود الأرض لأصحابها. الحق لناسها. فلسطين لفلسطينييها ولأمتها العربية. فلسطين عربية من النهر للبحر.

قبل ذلك، نحن ندخل في حالة من حالات الهدنة المؤقتة كالذي يجري في غزة الآن.

طبعاً إسرائيل توفر علينا أن نشرح، لأنها تخترق اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتعتدي يومياً على غزة وعلى رفح، وتخترق الخط الأصفر وتزيحه.

وطبعاً هي خبيرة بخطوط: خط أخضر في الأرض المحتلة في فلسطين التاريخية، وخط أزرق في لبنان، وخط أصفر في غزة. ومهما تعددت الألوان، كل هذه الخطوط تضعها إسرائيل لتجتازها وتخترقها وتلتهم مزيداً من الأرض.

أيضاً الأمة، الشعب، الناس، أصحاب الحق، لا يعترفون بهذه الخطوط. وحين يمكنوا، سيجتازون هذه الخطوط ومن وضعها.

قرار مجلس الأمن يضع وصاية دولية وهذا مرفوض.

قرار مجلس الأمن يقر نزع سلاح المقاومة وهذا مرفوض وغير مشروع.

قرار مجلس الأمن يفصل غزة عن الضفة وفلسطين موحدة: قدساً وضفة وغزة.

قرار مجلس الأمن يجعل من الفلسطينيين إدارة ذاتية محلية منزوعة الصلاحية والحق. الذي لا يحق شيء غيره: أن فلسطين لن تحكم إلا بالفلسطينيين.

طبعاً التأمل: ما الذي أوصلنا لهذا الاتفاق؟ عبر كثيرة، لكن أهمها أن خذلان النظام الرسمي العربي للمقاومة العظيمة التي خاضت طوفان الأقصى في كل جبهاته، وبالذات في غزة هذا الخذلان هو الذي أوصلنا لهذا القرار.

لو وجدت فلسطين من النظام الرسمي العربي دعماً سياسياً فقط، ولن أقول عسكرياً، ما كان يمكن أن تؤول نتائج طوفان الأقصى لهذا الاتفاق المعادي لحقوق الفلسطينية.

أخيراً: لما كل هذا القرار بعد التعديلات التي حاولت الدول العربية والإسلامية أن تدخلها عليه، كل كلامه عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته يكون مجرد أنه سيكون بحثاً عن مسار لحل في هذا التهافت. والحقيقة هذا التهافت ليس تهافت المقاومة، ولكن تهافت الأنظمة.

غزة ببسالتها وبدرها، الضفة بمقاومتها ضد القضم والضم، القدس ببسالة صمودها ضد التهويد، فلسطين وقد أصبحت راية في العالم بأسره، وعلماً ترفعه الإنسانية، فلسطين وغزة في القلب، ستبقى تقاتل، تصمد، تصبر، تستعد.

وفي يوم من الأيام، كل هذه الاتفاقيات ستلقى مصيرها عندما تمكن هذه الأمة من أن تستجمع طاقاتها، وتسترد عافيتها وإرادتها، وتتحرر في قرارها، وتضع نفسها في الموضع الصحيح كأمة تقاوم الظلم وتناضل كما يليق بها لتسترد حقوقها، كامل حقوقها.

 

حمدين صباحي: لا تخافوا. ما في حبس يسع كل الناس. يعتقلوا كثير، يبقى كثير. وبمن بقي سنكمل. غمر الطوفان الأرض وأعادها، من بقي؟ هدمت الحروب المدن وعمرها، من بقي؟ استعبد الظلام الناس وحرروهم، من بقي؟ بدنا نكمل المشوار. كثر، قلّة نكمل. بمن بقي نكمل. بمن بقي.