"داعش".. تنظيم من دون جغرافيا
رغم الضربات الدولية المتواصلة، يعاود تنظيم "داعش" الظهور بصيغ جديدة، مستندًا إلى شبكات لامركزية وانتشار متشعّب يمتد من أفريقيا إلى آسيا وأوروبا وأستراليا. بين "الإرهاب" الفردي والعمليات المنسّقة، يطوّر التنظيم تكتيكاته ويغيّر جغرافيته بحثًا عن فراغات أمنية ومساحات نفوذ جديدة. فكيف يعيد "داعش" تدوير نفسه؟ وما دلالات تطوّره الهيكلي وتوسّعه المكاني؟ وأي مفارقة استراتيجية تفرضها هذه التحوّلات على جهود مكافحة "الإرهاب"؟
نص الحلقة
مايا رزق: لم يظهر فجأة، ولم يُولد عام 2014 كما يعتقد كثيرون. داعش قصة بدأت قبل ذلك بعقد كامل، في لحظة أعقبت اجتياحًا أمريكيًّا وانهيار دولة وصعود فوضى.
مايا رزق: عام 2003، الغزو الأمريكي للعراق، سقوط نظام صدّام حسين، تفكيك الجيش وحل مؤسسات الدولة، وطفرة من التطرف والتفجيرات والقتل.
مايا رزق: يُقال إن أبو مصعب الزرقاوي، مؤسّس جماعة التوحيد والجهاد، الذي بايع تنظيم القاعدة وأنشأ أحد فروعه في العراق، هو الأب الروحي وواضع حجر الأساس في ما سيُعرف بعد ذلك بسنوات بـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام" – داعش.
دخل الزرقاوي السجون العراقية، مارس سلطته على عدد كبير من المعتقلين، حيث قيل إنه أسس خلايا موالية لأفكاره. أفكار سرعان ما تجلّت بأعمال إرهابية متنقّلة على الجغرافيا العراقية، إلى أن قتلته غارة أمريكية في يونيو 2006.
لكن فكر الزرقاوي بقي، فيما بدّل التنظيم جلده وانتظر اللحظة الحاسمة للظهور، وسّع انتشاره ليصل سوريا الممزقة، بقيادة ظلّت خفية إلى حين انتشار هذا الفيديو:
أبو بكر البغدادي: "إن إخوانكم المجاهدين، قد منّ الله تبارك وتعالى عليهم بنصر وفتح، فسارعوا إلى إعلان الخلافة وتنصيب إمام. وهذا واجب على المسلمين، واجب قد ضُيّع لقرون. لقد ابتُليت بهذه الأمانة – أمانة ثقيلة – فوُليت عليكم. فإن رأيتموني على حقّ فاعنوني، وإن رأيتموني على باطل فانصحوني وسدّدوني، وأطيعوني ما أطعت الله فيكم."
مايا رزق: في يونيو 2014، سقطت الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وأُعلنت الخلافة.
مايا رزق: حدود مفتوحة، سلاح، فوضى، ومَسرح مثالي للتمدد: العراق وسوريا. باختصار، داعش في أوج قوته يسيطر على ثلث العراق وأجزاء واسعة من سوريا، ويتمتع بعائدات نفطية بملايين الدولارات، والأهم: تدفّق آلاف المقاتلين.
مايا رزق: أمام هذا الإجرام غير المسبوق، كان لا بد من وضع حد لهذا التمدد.
مايا رزق: أمريكا أعلنت عن تحالف دولي وبدأت الضربات الجوية التي تزامنت مع جهود قوات محلية على الأرض، أدت أخيرًا إلى تحرير الموصل في العراق.
مايا رزق: وتهاوى التنظيم كأحجار الدومينو. فبعد الموصل، تحرّرت الرقة، وتبخّرت الدولة الإسلامية مع سقوط الباغوز في مارس عام 2019، التي اعتبرت آخر جيب لداعش في سوريا.
مايا رزق: أكتوبر 2019، قُتل أبو بكر البغدادي في إدلب السورية، وقيل إن داعش انتهى، بعدما وضع ما تبقّى من مقاتليه – أو وضعوا – في مخيم الهول.
لكن ما قيل شيء، وما عرفه العالم بعد ذلك حقيقة مغايرة مقلقة: خلايا نائمة استيقظت ونفّذت اغتيالات وهجمات خاطفة في العراق وسوريا، =إضافة إلى فروع خارجية أكثر نشاطًا: داعش خراسان، داعش غرب إفريقيا، داعش الصومال وغيرها.
مايا رزق: إنها العودة لتنظيم لا أرض يحكمها، لكنه يتمدد عبر القارات. فكيف عاد؟ ومن أين يستمد قوته؟ وهل الهزيمة كانت حقيقية أصلًا؟
مايا رزق: داعش العودة... تنظيم بلا جغرافيا. اذهب أعمق، تفهم أكثر.
مايا رزق: أهلاً ومرحباً بكم، مشاهدينا الكرام. يسرّني أن ينضم إلينا من عمّان الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية الأستاذ حسن أبو هنية. أهلاً ومرحباً بك.
وسيَنضم إلينا بعد قليل من واشنطن الضابط في الـCIA السابق جون كرياكو.
أبدأ معك، أستاذ حسن. اليوم، عندما نقول "تنظيم داعش"، كيف يمكن تعريفه؟ هل نتحدث عن نفس التنظيم الذي يقول عنه مثلاً الكاتب الأمريكي مارك دالا، الذي يقول بأن داعش وُلد من رحم السجون الأمريكية في العراق؟
حسن أبو هنية: طبعًا، هذا جزء من الرواية. لكن هناك رواية أخرى، ربما ضابط الاستخبارات لا يرغب في الحديث عنها.
لأن داعش – تنظيم الدولة الإسلامية – نعلم أنه هو فرع منشق عن تنظيم القاعدة، عن الجهادية العالمية. وهذه الجهادية العالمية تشكّلت بسبب سياسات الولايات المتحدة الأمريكية.
بمعنى: بدأت القصة مع انهيار الاتحاد السوفياتي والبحث عن بديل جديد، في إطار ما يسمّى الأحادية القطبية الأمريكية ونزعة الهيمنة، مع صعود المحافظين الجدد وبدء البحث عن عدو جديد وغزو مناطق جديدة. وهذا هو الظرف العالمي المرتبط بالعولمة.
وهناك الظرف الإقليمي الذي هو أيضًا مرتبط بقضية الهيمنة الأحادية الأمريكية، وهو إسرائيل – هذا الكيان الاستيطاني الاستعماري المدعوم بلا حدود، كما شاهدنا في حرب الإبادة الأخيرة من قبل دولة الإبادة. أيضًا، لا يوجد هناك أي حل على الإطلاق، وهناك هيمنة وهناك توسع.
وبالتالي، مرتبط هذا العامل الإقليمي بالعامل الدولي، وهو مرتبط أيضًا بالعوامل المحلية في العالم العربي والإسلامي، التي هي أيضًا أنظمة استبدادية ديكتاتورية مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
إذاً، هذا الظرف الجيوسياسي الدولي والإقليمي والمحلي هو الذي أظهر تنظيم القاعدة والجهادية العالمية، ثم تنظيم داعش الذي بدا أكثر راديكالية وأكثر عنفًا في العالم.
هذا هو الظرف الحقيقي للنشوء. وبالتالي، السياسات الأمريكية هي التي خلقت العنف البُنيوي الكافي لظهور الجهادية العالمية وتنظيم الدولة.
مايا رزق: إذا ما أردنا أن نعرفه اليوم تحديدًا، وعندما نقول بأن داعش كان جزءًا من ظاهرة جيوسياسية، لماذا يطل هذا التنظيم برأسه مجددًا الآن في هذا التوقيت؟ هل يعود لأنه قوي؟ هل يعود لأنه يُسمح له بالعودة؟ ما هي الثغرات التي يستثمر بها هذا التنظيم اليوم؟
حسن أبو هنية: بالتأكيد، دائمًا نقول إن قوة تنظيم داعش – الدولة الإسلامية – هي قوة موضوعية أكثر من قوة ذاتية.
=هو لديه قوة ذاتية، ولكن قوته الموضوعية هي الأساس. بمعنى: الاختلالات الجيوسياسية، كما حدث عندما صادف أول مرة – كما ذكرتم في التقرير – مع أبو مصعب الزرقاوي، كان هناك احتلال أمريكي وتلاعب بالهويات الإثنية والعرقية والدينية والمذهبية. وبالتالي، تطلب الأمر مكافحة، مواجهة هذا الاحتلال.
بالتأكيد، كان هناك حركة مقاومة ليس فيها تنظيم التوحيد والجهاد في البداية.
الزرقاوي، قبل أن يعلن سنة 2004 بيعته للقاعدة وتحوّله إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وكانت هناك عشرات المجاميع التي تقاوم الاحتلال الأمريكي.
وهو ما دفع في النهاية الاحتلال الأمريكي، وبالتالي أصبحت – مع هذه السياسات، سياسات خيار السلفادور ومحاولة إشعال حرب طائفية – الولايات المتحدة الأمريكية جعلت من كل المكونات المناهضة في النهاية ترتبط أو تنضم إلى تنظيم داعش.
نعلم أن كثيرًا من ضباط الجيش العراقي السابق – نستطيع أن نسمّيه – كثير من أسماء قيادات المجلس العسكري، أبو عبد الرحمن البلاوي، أبو مسلم التركماني، كانوا من القيادات، حامد الزاوي، أبو عمر البغدادي، كانوا من الضباط الكبار في الجيش العراقي. وبالتالي، الأخطاء ليست أخطاء، هي خطايا.
=لم يكن موجوداً تنظيماً، أي وجود للقاعدة أو السلفية الجهادية في العراق. لكن الضغوط التي خلقها الاحتلال الأمريكي هي التي اضطرت كثيرًا من الناس، وهناك عدم وجود خيارات.
إذاً، الظروف الموضوعية هي التي تعطي تنظيم الدولة أو داعش أو القاعدة قبلة الحياة. وهذا ما حدث وتكرر مرة أخرى مع الربيع العربي، كما انقلب...
مايا رزق: أريد أن أسألك عن موضوع الربيع العربي تحديدًا. أذكر جيدًا عندما بدأت شرارة الربيع العربي، قلت وقتها إنه "ربيع الجهاديين" تحديدًا، وكأنك استشرفت صعود الدولة الإسلامية أو صعود داعش.
الآن، هل الديناميكية الجيوسياسية التي نشهدها في غرب آسيا تشكل بيئة مثالية – ربما – أو محفّزة لصعود هكذا حركات، وتحديدًا داعش اليوم؟
حسن أبو هنية: بالتأكيد، وهذه هي ولادة ثالثة ستكون لهذه التنظيمات، تتخلى عن النكاية وعن التمكين، وتعمل على دمج الأبعاد.
سوف نرى الآن في مناطق بدأت إرهاصاتها في إفريقيا مثلاً، في السيطرة على مساحات ربما تتجاوز 30% من حجم القارة: سواء في ولاية وسط إفريقيا، أعتقد خلال عام ستكون هناك سواء الحركات المرتبطة بالقاعدة "نصرة الإسلام والمسلمين"، أو تنظيم الدولة أو في غرب إفريقيا، أو في شرق إفريقيا في الصومال، وكذلك في موزمبيق والكونغو.
هذه المناطق، أعتقد أن كثيرًا من الدول ستسقط منها: مالي مرشحة، وكذلك الصومال.
=وبالتالي، سنشهد عودة أخرى كبيرة. نعلم أنه بعد السابع من أكتوبر وحرب الإبادة الآن، هي ظروف مثالية. لا ننسى أن هناك تحولًا جيوسياسيًّا كبيرًا حدث منذ استراتيجية الدفاع الوطني 2017، بمعنى تراجع الاهتمام بملف ما يسمّى الإرهاب العابر للحدود، وتفرّغ الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة روسيا والصين، وكذلك تغوّل المشروع الشرق أوسطي الأمريكي الإسرائيلي. وهذا التوحّش والتغوّل والإبادة ليس فقط في غزّة، في الضفة، وفي سوريا، وفي لبنان، وتنفيذ هجمات وصولاً إلى الدوحة. كل هذه ستخلق أو بدأت تخلق هذه الديناميكيات.
أعتقد مسألة وقت، لن تكون بعيدة في عودة.
الآن نرى نظامًا جديدًا في سوريا، ولكن سيتولد نظام جديد يحاول ترامب أن يجذب القيادة الجديدة إلى هذا المشروع الإبراهيمي، وإدماجه في مشروع الشرق الأوسط الذي يكون إلى نظام إقليمي يقوم على الهيمنة الإسرائيلية، ومحوره البزنس والمال والأعمال. لكن كل هذه المحاولات ستفشل.
نعلم أن تنظيم داعش يتربّص، وأعتقد أن معظم الذين هم في سوريا ربما – نفصّل لاحقًا – لديهم توجّسات أصبحت من سلوك النظام الجديد في العلاقة مع أمريكا والانضمام إلى التحالف الدولي ضد داعش، التي أصبحت سوريا الدولة رقم 90 في هذا التحالف.
مايا رزق: سأتحدث عن هذه الجزئية المهمة فعلاً.
ولكن بما أنك تحدثت عن الولادة الثالثة للتنظيمات الجهادية، لا بد من أن نذكر كيف كانت الولادة الثانية، وتحديدًا داعش: كيف غذّى هذا التنظيم صفوفه وجُيوبه، وخصوصًا من الخارج؟ وكيف أخفقت الحكومات التي تحالفت لمحاربته في قطع القنوات المادية والبشرية نحوه؟
نحو 45,000 مقاتل من 120 دولة انضموا إلى صفوف داعش في ذروة نشاطه – أي ما بين عامَي 2015 و2016.
هؤلاء جاؤوا بشكل عام من آسيا وإفريقيا وأمريكا، مع وجود أعداد مهمة من دول الاتحاد الأوروبي والغرب.
من السويد وحدها، على سبيل المثال، انضم 300 مواطن إلى داعش وجماعات أخرى.
عمليات تجنيد العناصر في الخارج اعتمدت على الدعاية الإلكترونية.
استخدم التنظيم منصات مثل فيسبوك وتويتر سابقًا، ويوتيوب لنشر رسائل دعاية وصور وفيديوهات.
وقد جنّد لذلك فريقًا من نحو مئة عنصر، اعتمد على مواد عالية الجودة ومترجمة إلى عدة لغات لمخاطبة الشريحة الأوسع. وفعلاً استطاع الوصول إلى العدد منهم. الهدف الأساسي كان الشباب.
وبعد حظر حسابات داعش على المنصات الكبرى، تحول إلى تطبيقات التراسل المشفرة. كما عمد إلى نشر مواد على ما يُعرف بالـ"دارك ويب".
ففي عام 2017، كشفت الشرطة الأوروبية 52 شبكة إلكترونية للتنظيم ضمت أكثر من 2,000.
أما مصادر التمويل، فكانت تختلف وفق امتداده الجغرافي. لكن الدخل الكبير جاء من السيطرة على آبار النفط في العراق وسوريا خلال السنوات الأولى. وتتحدث بعض الأرقام عن ملايين الدولارات يوميًّا، وخصوصًا عام 2014.
كذلك كان التنظيم يجمع المال من الضرائب وعمليات الابتزاز للسكان المحليين، إضافة إلى أنشطة إجرامية شملت الخطف مقابل فدية، ونهب الآثار وبيعها، وعمليات التهريب.
لكن أيضًا اعتمد التنظيم على مصادر أموال خارجية عبر أطراف تحت مسمّى مؤسسات خيرية، وشارك عناصره في شبكات جمع الأموال ونقلها عبر طرق غير رسمية.
ويُقدّر عدد ضحايا الهجمات التي تبنّاها داعش بـ33,000 في السنوات الأولى من ظهوره، وفق جامعة ماريلاند.
المجزرة بحق الإيزيديين في العراق سجّلت 5,000 ضحية، إضافة إلى 10,000 مختطف.
علماً أن التنظيم لم يعد موجودًا بشكله السابق، إلا أن خلاياه لا تزال تحصد القتلى وتتسبب بالتهجير.
ففي موزمبيق مثلاً، العنف المرتبط بداعش أدى إلى تهجير مليون و300 ألف شخص، منهم في نوفمبر الماضي.
يسرّني أن ينضم إلينا السيد جون كرياكو، ضابط سابق في الـCIA. أهلاً ومرحباً بك، أنت معنا من العاصمة الأمريكية واشنطن.
أستاذ جون، في تقرير استخباري قُدّم للكونغرس عام 2006، ورد ما يلي – أنقل حرفيًّا: "إذا استمر تدهور الأوضاع الأمنية في العراق، فقد تعلن الجماعات الإرهابية قيام دولة إسلامية".
=هذا توصيف لما حصل فعلاً لاحقًا، عندما شهد العالم على صعود داعش. لماذا ترك هذا التنظيم يتمدد في المنطقة؟ هل كان فشلًا في التقدير أم قرارًا سياسيًّا؟
جان كارياكو: كان فشلًا سياسيًّا وفشلًا استخباراتيًّا، وأيضًا فشل سياسات. وأنا تعلّمت ذلك على مدى عدة أعوام في الـCIA. طوال الوقت تقريبًا، القادة الكبار في الحكومة – سواء كان في الـCIA أو وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع والبيت الأبيض هم لا يفهمون ببساطة التاريخ، ولا يفهمون الشرق الأوسط. وبالإضافة إلى ذلك، لا يفهمون أن داعش والقاعدة قبل داعش – هذه التنظيمات – ولدت من أفكار، وليس فقط عبارة عن أشرار يجتمعون من أجل قتل الأمريكيين. وإنما هم نتيجة أو نتاج الأفكار. وهذه الأفكار تأتي بسبب فشل السياسة الخارجية الأمريكية حيال إسرائيل.
مايا رزق: سيّد جون، في العرض ذكرنا موضوع تمويل تنظيم داعش.
جميعنا يذكر جيدًا تلك الفضيحة التي لاحقت شركة لافارج الفرنسية وهي أُدينت طبعًا قضائيًّا بدفع أموال لداعش. والأمر فتح نقاشًا أوسع حول تقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية. أنتم كنتم في الـCIA، ومن هنا أسألك: هل تعتقد أن وجود داعش خدم مرحليًّا أجندات أمريكية أو غربية في المنطقة؟
جان كارياكو: أعتقد نعم، وفي الواقع، ويؤسفني أن أقول، يجب أن أوافق مع ما طرحتيه. وذلك لأن الولايات المتحدة دائمًا ما تريد أن تُوجَّه إليها دعوة من قبل الدول لإرسال المدربين والقوات. الولايات المتحدة تريد أن يُطلب منها. وبشكل غريب، نعم، هذا يخدم مصالح السياسة الخارجية الأمريكية أن تكون هناك منظمة، أو أن يكون هناك وجود للقاعدة أو داعش – على سبيل المثال في الساحل في إفريقيا – لأننا نريد من هذه الدول أن تطلب منا المساعدة، أو تطلب مساعدة الحكومة الفرنسية أو البريطانية أو حتى الحكومة الروسية.
وبالتالي، هذا يسمح للمزيد من التوسع للوجود العسكري الأمريكي حول العالم، عندما تتعرض الدول للهجوم وتحتاج إلى اللجوء إلى طرف معين.
مايا رزق: أذهب إليك، أستاذ حسن أبو هنية، في نفس الإطار.
مَن استغل هذه الجماعات؟ وتحدث عن داعش تحديدًا، لأن هذه الحلقة مخصّصة عن داعش، وما نراه الآن في العالم من صعود جديد لهذا التنظيم؟
حسن أبو هنية: طبعًا، الولايات المتحدة الأمريكية عندما وضعت الإسلام ما سُمي "الإسلام السياسي"، والأسلمة الراديكالية، والتطرف، والإرهاب، نعلم أن "الإرهاب" أمر مصطلح مفروض، غير مفترض. وبالتالي، القوى المهيمنة هي التي تملؤه بهذا المعنى. وبالتالي، هي استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية "الإرهاب" كاستراتيجية للهيمنة، كما تستخدمه الآن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وأعتقد أننا لسنا بحاجة للذهاب إلى التاريخ مع الجيش الجمهوري الأيرلندي أو المؤتمر الإفريقي.
في الحالة الفلسطينية الآن، تجد أن هناك نظامًا استعماريًّا استيطانيًّا اصطداميًّا يرفض أي شكل من الحل، بما فيه حل الدولتين.
وبالتالي، هو يعمد إلى تصنيف كل الحركات، ليس الإسلامية فقط، بل من قبل حركات يسارية قومية وطنية، كمنظمة التحرير، الجبهة الشعبية، فتح، إلى حركات إرهابية، بغرض الهيمنة والسيطرة.
هذا سلوك استعماري نموذجي في التعامل مع حركات التحرر الوطني، باعتبارها حركات إرهابية. وبالتالي، تُستخدم كأداة للهيمنة والسيطرة.
وبالتالي، كما ذكر الضيف بشكل واضح، هي تريد أن تخلق حالة من الفشل، تدعم أنظمة استبدادية فاشلة، وبالتالي حتى في النهاية تدخل لغرض الهيمنة والسيطرة، وبالتالي الاستثمار في الثروات وفي ضعف هذه الشعوب.
وبالتأكيد، هذه هي الظروف المثالية، كما حدث في العراق كما قلنا، لم يكن هناك أي وجود لا للقاعدة ولا لداعش ولا حتى للسلفية الجهادية، لكنها خلقت هذه الظروف بشكل واضح بعد الاحتلال.
وهذا ما فعلته أيضًا في سوريا، عندما خلّت هذه الظروف مع وجود نظام قد نختلف على توصيفه، لكنه بالتأكيد استخدم كل الوسائل لقمع الشعب، وبالتالي عمل على ردْكلة المجتمع. وبالتالي ظهرت هذه الحركات التي لها خبرة طويلة، ووجود هيكل تنظيمي، لتستثمر مثل هذا الأمر.
لذلك قلت في البداية أن هذه الحركات قوتها موضوعية، في الواقع الموضوعي التي تفرضه هذه السياسات التي هي مرتبطة بمصالح جيوسياسية عميقة.
مايا رزق: أستاذ حسن، أريد أن أسألك: عندما نتحدث عن قوة داعش، أول ما يأتي إلى الذهن هو مدى عنف هذا التنظيم، تحديدًا نذكر جيدًا تلك الفيديوهات لقطع الرؤوس وإلى ما هنالك.
أريد أن أسألك عن هذه السِمة لداعش تحديدًا: هذا العنف المفرط، كيف يمكن أن نفسّره؟
نذكر جيدًا أن القاعدة هو تنظيم نخبوي إلى حد ما، بينما داعش استقطب من كل القارات، وكان هناك لكل واحد ربما أيديولوجية، ولكن الكل كان ضمن هذه المظلة.
هل هذا يُعدّ عامل ضعف أم عامل قوة؟ وهل هو يفسّر هذه العبثية التي كانت موجودة لدى التنظيم عندما كان في أوجه؟
حسن أبو هنية: لا، لا أعتقد بأنه عبثية. قد يكون هو ضخم. هل يمكن مقارنة عنف تنظيم داعش؟ بالتأكيد، إنه استخدم التوحّش كاستراتيجية في الهيمنة والسيطرة. لكن لا يمكن أن يُقاس بعنف أي نظام كنظام، حتى أي نظام من الأنظمة التي نتحدث عنها، وكذلك العنف الأمريكي الذي استُخدم بقتل مئات الآلاف، إن لم يكن مليوناً، في العراق وحدها، وفي أفغانستان، وفي كل الأماكن. التدخل، بمعنى: ما الفرق بين القتل؟ هو فقط استخدم صورة مشهدية بالقتل من خلال السكاكين، بينما استخدمت الولايات المتحدة القتل من خلال آليات تقنية حداثية كالدرونز. لكن هذا هو الفارق الذي أشرحه في كتبي، وتحديدًا "الجهادية العربية" بين داعش.
وبالتالي، من "النكاية" إلى ="التمكين"، تنظيم القاعدة كان تنظيمًا طليعيًّا نخبويًّا يستند إلى سيّد قطب، وبالتالي كان يعمد على أفكار "النكاية".
بينما تنظيم الدولة الإسلامية هو تنظيم يعمد على دمج الأبعاد الجهادية: المحلي بالعالمي، النكاية والتمكين. يريد أن يقيم سيطرة، وليس مجرد عمليات انتقامية كما نفذها في مناطق عديدة، منها 11 سبتمبر.
وبالتالي، استراتيجيته ومرجعيته لا تقوم على سيّد قطب ولا على عبد الله عزام، تقوم على أبو بكر ناجي، "التوحش"، وكذلك المهم هو أبو عبد الله المهاجر، الذي وضع تكتيكات العنف والرعب كآليات للسيطرة.
وبالتالي، الآليات الحداثية هي ما استخدمها كل استعمار استيطاني استعماري، سواء عبر عمليات المحو والإبادة الخطيرة. وهذه استراتيجية نراها في إسرائيل الآن، وهي تقوم على هذا التوحّش بشكل أو بآخر. وبالتالي، تنظيم الدولة هو انعكاس لهذه الحداثة المفرطة، والتي تقوم على الإبادة والمحو الخطير كاستراتيجية للهيمنة، لا أكثر ولا أقل.
مايا رزق: ما تقوله مهم جدًّا، ولا بد من أن نذهب فيه أعمق أيضًا. ولكن بعد هذا الفاصل القصير، ابقوا معنا، مشاهدينا.
مايا رزق: من جديد، أهلاً ومرحباً بكم. نموذج تنظيمي هجين يجمع بين فروع محلية وإقليمية وشبكة مركزية محدودة، هكذا بات يُوصف داعش. فماذا بقي منه اليوم؟
نحو 98% من الأراضي التي كان يسيطر عليها داعش قد خسرها اليوم.
ووفق المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، يحتفظ بنشاط مسلح محدود في البادية والمناطق النائية من سوريا والعراق. في ذروته، حشد التنظيم 100,000 عنصر.
في المقابل، تشير التقديرات إلى أنه بحلول منتصف عام 2025، لم يتبق سوى ما بين 1,500 و3,000 مقاتل في سوريا والعراق.
سوريا، إلى جانب جمهورية الكونغو الديمقراطية، مشاهدينا، سجّلت أعلى معدل من القتلى في عام 2024 نتيجة لأنشطة داعش.
عدد الهجمات ارتفع إلى 700 هجوم، ما يوازي ثلاثة أضعاف العام الذي سبقه.
لكن العدد عاد لينخفض هذا العام، مع وقوع غالبية الهجمات في مناطق سيطرة قسد.
وتمثّل مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا تحديًا أمنيًّا مستمرًّا، إذ يُحتجز نحو 8,500 مسلح يُشتبه بانتمائهم إلى داعش في أكثر من 20 مركزًا تديرها قسد.
التمدد الأوسع للتنظيم – تنظيم داعش – جرى رصده في إفريقيا، كما ذكر ضيفنا في مستهل هذه الحلقة.
=تنظيم داعش في "ولاية الساحل"، الذي ينشط بشكل رئيس في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، يُعتقد أنه يضم 2,000 إلى 3,000 مقاتل. العدد كان نحو 425 فقط عام 2018.
أما تنظيم داعش في الصومال، فيُقدّر عدد مقاتليه بنحو 1,000.
فيما يبقى تنظيم داعش في "ولاية غرب إفريقيا" الأكثر نشاطًا، ويُقدّر عدد عناصره بين 2,000 و3,000 عنصر، وهم يعملون في حوض بحيرة تشاد.
أما في جنوب آسيا، فتنظيم داعش في "خراسان" يضم 4,000 إلى 6,000 عنصر وأفراد عائلاتهم، بعد أن كان ما بين 1,500 و2,200 عام 2021. وهو يُعدّ من أكثر الفروع عدوانية على مستوى العالم.
نطاق عملياته يشمل مناطق خارج أفغانستان، مستقطبًا عناصر من دول آسيا الوسطى. ومن أكثر الهجمات دموية التي تبنّاها أو نُسبت إليه: هجوم مطار كابول، تفجير كرمان، وهجوم على قاعة حفلات في موسكو.
يسرّني أن أجدد الترحيب بالأستاذ حسن أبو هنية، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، وهو معنا من عمّان.
وأيضًا جون كرياكو، ضابط سابق في الـCIA، وهو معنا من واشنطن.
أعود إليك، أستاذ حسن. كما تابعنا على الشاشة مباشرة، هذا التمدّد لداعش. أريد أن أفهم منك: كيف نفسّر تمدد التنظيم في أكثر من منطقة – في غرب آسيا، في سوريا والعراق، ربما تلجأ إلى جيش كان طائفيًّا، في إفريقيا في نيجيريا؟ هل نتحدث عن نزاعات ربما عرقية أو إثنية هي التي تجعل من البيئة حاضنة لمثل هكذا تنظيمات؟
حسن أبو هنية: بالتأكيد، أعتقد أن تنظيم الدولة والقاعدة هما حليفان لهذا الفشل. طبعًا، هذه المناطق في الصحراء والساحل، نعلم أن هناك انقسامات إثنية عرقية في مالي. نعلم أن هناك العرب، الخِلاَن، الطوارق. =ونعلم أن هناك كانت عملية استثمار في قضية الإرهاب – عملية "ترخان" و"سير بلت" – ثم انسحبت فرنسا، ثم حلت محلّها قوات "فاغنر" التي تمارس أعمالًا شنيعة، ثم استُبدلت بالفيلق الروسي. وهذه الممارسات جميعًا من حكومات استبدادية. هناك مظالم، بطالة، تفشٍ
ولا ننسى أن عمليات التحوّل الديمغرافي، لا ننسى أن هناك طفرة شبابية في إفريقيا والشرق الأوسط.
وبالتالي، هناك تحول ديمغرافي، وبالتالي هناك صعود شباب مرتبط بالعنف مع عدم وجود سياسات.
هناك التنافس الجيوسياسي الآن، هناك تنافس على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا تدخل، بالإضافة لدول إقليمية: تركيا وإيران.
إذاً، كل هذا الخليط هو مزيج متفجّر لولادة حركات ذات طبيعة متطرفة.
أحيانًا حركات كما حدث مثلاً، التحالف الديمقراطي الذي بايع تنظيم الدولة في الكونغو.
وبالتالي، أعتقد أن هذه الحركات، نعلم دائمًا التطرف يكون في حركات سياسية مهزومة، كما حدث في فلسطين وفي سوريا وكذلك في العراق.
دائمًا حركات سياسية مهزومة تتردّى بشكل مع وجود هذه البيئة المتفجّرة: منها الصراعات والنزاعات الجيوسياسية والخلافات الإثنية وأنظمة استبدادية. كل هذا يؤدّي إلى مشكل. لكن أعتقد المشكل الأخير: ما حدث في فلسطين خلال عامين من الإبادة، هي ستكون "الولادة الثالثة". أعتقد أنهم في مرحلة كمون. أعتقد خلال عام أو عامين سنرى انفجارًا. طبيعة العالم العربي والإسلامي مع موجة والطفرة الشبابية هي انفجارية.
وأعتقد أن سلوك الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع إسرائيل، بالإضافة إلى كل هذه العوامل، هذه دائمًا هي نتاج هذا العنف البُنيوي.
مايا رزق: هذه الولادة الثالثة، هل ستكون على شاكلة داعش أم على شاكلة الحركات الإسلامية المناضلة في وجه إسرائيل؟
حسن أبو هنية: لن تبقى هناك. العالم العربي منغلق. كل العالم العربي هو مصنّف فيه جميع التصنيفات: أنظمة لم تعد حتى سلطوية هجينة، إنما ديكتاتورية خالصة. ولم تعُد حرية جزئية كما كان في تونس، أصبحت غير حرة بالمطلق.
وبالتالي، هذا الانسداد على الصعيد الداخلي، الأنظمة الاستبدادية، الديكتاتورية، الفشل، البطالة، بالإضافة إلى عدم التوصل إلى حل في القضية الأهم: القضية الفلسطينية. وهذه حرب الإبادة الوحشية أكثر من 72,000 شهيد، معظمهم أطفال ونساء، وأكثر من 170,000 من الجرحى، وكلهم، وهناك دمار شبه شامل. هذه الصور لا نعتقد بأن المشهدية المروّعة، وجود هذا الدعم الأمريكي والأوروبي اللامحدود، وخنوع هذه الأنظمة لإسرائيل، وعدم قبول إسرائيل حتى بمبادرات عربية مستعدة للدخول في اتفاقات إبراهيمية مقابل حل دولتين حتى شكلي. كل هذا، أعتقد أن الولايات المتحدة هي سلسلة من الكوارث، خصوصًا في الشرق الأوسط. وكلما تقدّم الأمر، ستصبح... وبالتالي، العالم العربي طبيعة انفجارية مع عدم وجود حركات اجتماعية وأنظمة استبدادية قمعية خالصة.
ولذلك، لا توجد هناك فُسحة لأي نظام أو حركة سياسية مناهضة لهذه الأنظمة للضغوطات.
وبالتالي، لا يوجد هناك بديل إلا تنظيم الدولة وليس القاعدة، بل تنظيم الدولة "داعش"، لأن تنظيم الدولة، ببساطة، هو يشير إلى فقدان الخيارات، عدم وجود أي حل سياسي.
مايا رزق: سيّد جون، بعد تجديد الترحيب بك: هل في أمريكا، هم مدركون في دوائر القرار لهذه الحقائق التي يعرضها الآن السيّد حسن أبو هنية في ما يخص هذا الواقع الاجتماعي السياسي الأمني؟
علماً، وبما أننا نذكر جيدًا بعد إعلان هزيمة داعش عام 2019، جاء في تقييم استخباري قدّم للكونغرس بأن التنظيم يحتفظ بقدرة على التجدد وشن الهجمات لسنوات قادمة.
كيف نفهم إعلان أمريكا على لسان دونالد ترامب وغيره من القادة الأمريكيين "القضاء على تنظيم الدولة"، ونحن نتحدث عن فكرة هو موجود وحاضر ويتحضّر لولادة ثالثة، كما يقول السيّد حسن أبو هنية؟
جون كرياكو: اسمحي لي بالإشارة إلى عدة نقاط. أولًا، =السيّد حسن محق تمامًا في التحليل.
ثانيًا، هناك نقطة أخرى تعلّمتها بعد أعوام عدة في الـCIA: على المستويات الأعلى في الحكومة الأمريكية، خاصة في السياسة الخارجية والدفاعية والاستخبارات، يعتقدون أنهم الأذكى في العالم. يعتقدون أنهم الأذكى من كل الآخرين. والقرارات التي تُتخذ والتي لا تحظى بشعبية هنا في الولايات المتحدة، يُجرى سوء فهمها. هذا هو الإيمان الراسخ.
عندما كنت أعمل في الـCIA، كان لدي اقتباس فوق مكتبي. الاقتباس من الرئيس جمال عبد الناصر، وهو قال: "أنتم الأمريكيون لا تتخذون قرارات غبية سهلة، وإنما قرارات غبية معقدة". وبالتالي، يبدو أن هناك نقطة غير موجودة، ولكن كانت مجرد قرارات غبية. كان قرارًا غبيًّا القيام باجتياح العراق وقتل مليون شخص – مليون من المدنيين الأبرياء. كان من الخطأ أيضًا اجتياح واحتلال أفغانستان. كان من الخطأ دعم إسرائيل من دون طرح أي سؤال، ونجلس جانبًا بينما ترتكب إسرائيل الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني. ولكن لا أحد في الحكومة الأمريكية سواء كان ديمقراطيًّا في البيت الأبيض أو جمهوريًّا، لا أحد سيتحمّل المسؤولية عن هذه القرارات الغبية.
مايا رزق: برأيك، سيّد جون، هل تعلّمت الولايات المتحدة الأمريكية من كل هذه السنوات التي مضت في ما يخصّ التعاطي مع هذه التنظيمات تحديدًا، ومسببات نشوء مثل هكذا تنظيمات طبعًا؟
جون كرياكو: كلا، لا أعتقد ليس على المستوى السياسي.
على مستوى التحليل، الذين يجلسون في الـCIA أو وزارة الخارجية، نعم بالتأكيد هم يفهمون، لأنهم تعلّموا لغة وثقافة وتاريخ المنطقة. ولكن على المستوى الأعلى، كلا.
الحل الوحيد بالنسبة لهم، الحل الوحيد مع كل هذه الجماعات التي تظهر، هو مجرد القصف أو الاغتيال أو خطف القادة. ولكن المشكلة هي لا يمكن أن نقوم بقصف عقيدة، أن نقضي على العقيدة من خلال القصف. يجب أن نعالج الفكر ونتصدى للفكر.
إذا كانت حياة الناس مزرية، بحيث سينضمون إلى جماعة مثل داعش أو القاعدة، فإن السبب يعود إلى فقدان الأمل في الحياة: لا وجود لفرص تنمية اقتصادية، لا فرص للتعليم. ولهذا السبب كان من الخطأ، على سبيل المثال، تقليص المساعدات الخارجية. لأننا نحتاج إلى الوجود في الشرق الأوسط ندفع ثمن المياه، وكذلك شبكات الكهرباء، آبار المياه ما يسمح للناس بأن يبدأوا تطوير الاقتصادات المحلية. وبذلك، كي لا يركزوا على النشاطات الجهادية، بل سيركّزون حينها على بناء مكان ومنزل لعائلاتهم.
وشيء آخر نحتاج للقيام به ولا أعتقد أنني سأشهده في حياتي يجب أن نطالب كدولة، وكزعيم، لأننا نحب أن نسمّيه في "العالم الحر"، يجب أن نطالب بدولة فلسطينية حرة للشعب الفلسطيني. هذا هو الحل الوحيد لهذه المشاكل.
مايا رزق: أستاذ حسن، أعود إليك.
تابعنا قبل قليل في هذا العرض =في ما يخص هجمات داعش التي حصلت ربما في خراسان وروسيا وإيران وأفغانستان.
ومن هنا أريد أن أسألك: عندما نتحدث اليوم عن داعش أو ما يُنسب لها من عمليات، هل نتحدث عن مركز قرار واحد تُتخذ فيه القرارات، أم أنه بات ربما ملصقًا يُلصَق عليه كل شيء؟
حسن أبو هنية: لا، لا. هو تنظيم داعش كما القاعدة تنظيم الدولة أكثر وكان أكثر مركزية بالتأكيد في البداية. لكن مع التوسع الكبير، تحول إلى تنظيم لا مركزي. عندما نقول "لا مركزي"، هناك مركزية في القرار، ولا مركزية في التنفيذ. بمعنى: القرارات الاستراتيجية الكبرى يتخذها التنظيم في العراق، وهو لا يمكن أن يكون إلا في العراق وسوريا، هذا هو مركز التنظيم، وهو موجود في النظام الداخلي، يمكن أن تنقل له. جرى الحديث مع مكتب الكرار ومحاولة نقله إلى الصومال أو خراسان، كلها يشرف عليها، ربما تكون فرعًا أكثر صعودًا كما هو الحال حاليًّا مع عبد المؤمن في الصومال. وبالتالي، هناك مئة مليون دولار، وبالتالي يجري البعث إلى ولاية خراسان. تحوّلت بشكل واضح إلى أنها جهاز العمليات الخارجية. لم يعد في العراق وسوريا. أصبحت ولاية خراسان وإن كان هو في تقسيم العمل مسؤولًا عن أوروبا وعن الهند وعن خراسان التاريخية ما تسمّى.
وبالتالي، شهدنا التنفيذ في سنة 2024 سواء في هجمات كرمان أو هجمات كروسكا في موسكو، وحتى نيو أورلينز في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالتالي، هذه ولاية خراسان ليست فقط في ننكرهار، وإنما في معظم الولايات، لديه فروع في هذه المناطق. وبالتالي، هناك تنظيم مركزي من حيث القرار، ولا مركزي من حيث التنفيذ. وبالتالي، أبو حفص الهاشمي هو الذي يمسك بخيوط كل هذا التنظيم. هذا هو قوة التنظيم، هناك نوع من الولاء داخل هذه المنظمة كبير جدًّا.
وبالتالي، شاهدنا ما حدث مع أبو بكر شيكاو عندما تمرّد، بسهولة تم خلعه والإتيان بأبي مصعب البرناوي. وبالتالي، يجب عدم التفكير بسذاجة مع هذا التنظيم.
هذا التنظيم نعلم عندما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من العراق 2011، كان التنظيم فقط 700 شخص مع أبو بكر البغدادي. وسرعان ما مع أي اختلال جيوسياسي، كما ذكرت في التقرير أكثر من 50,000 متطوع. وبالتالي، هناك ملياري دولار كانوا من السيطرة المكانية.
هذا يحدث جزئيًّا الآن في مناطق عديدة بصورة أقل، ولكن أعتقد ما حدث من حرب إبادة – أعتقد أن الأمور ستسوء في المنطقة بشكل كبير.
مايا رزق: هذا يدفعني إلى أن أسألك سؤالين.
الأول: كنا نعتقد بأن قوة تنظيم داعش هي في الجغرافيا، أي وجود دولة فعلية، وجود جغرافيا لهذا التنظيم. أريد أن تشرح لي هذه الجزئية تحديدًا: كيف يبقى قويًّا وله قيادة مركزية ومتمدد من دون وجود هذه الجغرافيا؟
ثانيًا: عندما نربط دائمًا ما يحصل في غزّة من حرب إبادة بنشوء أو نمو هذه الطفرة، لماذا لا نراه قاتلًا أو جمع كل هذه الجهود في وجه إسرائيل؟
حسن أبو هنية: طبعًا، سؤال جوهري ومهم، وأعتقد أنه يلتبس على الناس كثيرًا.
هناك تصور ابتدائي أن التنظيم خرافي عن السيطرة المكانية، دائمًا لا ينتبهون إلا إلى السيطرة المكانية. كما حدث في 2014، عندما تمدّد وسيطر على مساحات واسعة في العراق وسوريا، تقارب مساحة المملكة المتحدة. وبالتالي، هذه السيطرة المرئية المكانية. لكنه في مناطق الفراغ الأمني – كما يحدث الآن في سوريا – كل المناطق: لا ننسى أن سوريا 40% هي مناطق بادية ومناطق شبه فراغ أمني. هم موجودون داخل هذه المناطق بشكل واضح. وهذا حدث في 2009-2010، عندما انسحبوا إلى صحراء الأنبار والسمكة في الماء ووضعوا الاستراتيجية في ذلك الوقت. وبالتالي، هم موجودون. وحوّلوا، هو فرق بين ما يسمّونه في الولايات العسكرية التي تستند إلى سيطرة مكانية واضحة، والولايات الأمنية. هم عندما خسروا آخر جيب لهم في الباغوز – مارس 2019 – مباشرة أصدروا أوامر بالتحول من ولايات عسكرية إلى ولايات =أمنية. ولذلك، أعتقد التقارير الأمريكية تتحدث عن 3,000 مقاتل، ولكن أعتقد أن هناك 7,000 آخرين غير فاعلين – خلايا نائمة – كما حدث في هجوم تدمر الأخير.
وبالتالي، هذه السيطرة وهناك مناطق يسيطرون عليها كما قلت في أفغانستان أو في إفريقيا، هناك مناطق يسيطرون عليها.
وأيضًا سيطرة غير مرئية كالمافيا لا يستطيع أحد في هذه المناطق حتى عندما كان وجود النظام والروس والإيرانيين كانوا يدفعون الأموال لتأمين نقل النفط أو أي أمر آخر. وهذا ما يحدث في كل المناطق.
ولذلك، بخصوص فلسطين: طبعًا، رؤية التنظيم كما قال أبو مصعب الزرقاوي: "نحن نقاتل في العراق وعيوننا على القدس".
وبالتالي، هناك وجود، ولكن هم يقولون بأنه غير – كاستراتيجية "الاقعَدة" – أنه غير ممكن قتال إسرائيل إلا مع إنهاء الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية وكذلك حلفائها. وبالتالي، يقولون إن هذا غير ممكن مع بقاء هذه الأنظمة.
وذلك أعتقد أنهم ينظرون إلى سوريا باعتبار أن سوريا أرض ملاحم أيضًا، ونبوءات – دابق وغيرها – وهي يعتقدون أن هذا الوقت الآن بدأ. ولذلك، أكثر ما يخيف هو عودة التحالف. هناك إرهاصات لعودة تحالف مرة أخرى بين القاعدة وتنظيم داعش.
وهذا هو السيناريو الذي يعمل عليه – أحيانًا يتمّ نوع من التعاون – كما يحدث الآن في سوريا مع بقايا حراس الدين أو حتى مع بقايا الحركات التي هي مناهضة – كجند الأقصى.
وبالتالي، أعتقد أن في المستقبل هذه الرؤية أو فلسطين توحّدهم، لكن رؤيتهم هي بسيطة وواضحة: هذا الكيان الإسرائيلي غير ممكن.
طبعًا، أن هناك في إسرائيل عدة خلايا حدثت مع خلايا بشكل منفرد، لكن ليست بشكل مهيكل ومنظم. لكنهم ينظرون إلى الأمر وفق رؤية جيوسياسية بعيدة المدى.
مايا رزق: سيّد جون، أعود إليك.
لافت ما حصل خلال السنوات الماضية: عندما تقبل أمريكا هيئة تحرير الشام، عندما تقبلت بالرئيس أحمد الشرع كرئيس لسوريا، ترامب يصافحه ويهديه العطر، عندما تقبلت بطالبان، ولكنها لا تقبل بداعش.
هنا، لا أقوم أبدًا بالتسويق لداعش ولا لأفعال داعش، ولكن أسألك: لماذا؟ ما هي المعايير؟
جون كرياكو: من الصعب أن نقول ما هي المعايير، لأنني أعتقد أنه عندما يتعلق الموضوع بالمفاوضات مع واشنطن، دائمًا ما تتغير المعايير. مع طالبان، كان لدينا على الأقل تاريخ من المفاوضات مع طالبان. ليس لدينا سفارة – لم يعد لدينا سفارة في كابول – ولكن ننخرط بالمحادثات والمفاوضات مع طالبان. إذاً، أصبحنا معتادين على ذلك.
بالنسبة للقاعدة، مع تنظيم القاعدة المركزي، القاعدة التابعة لابن لادن، لا مفاوضات، لم تجرِ أي مفاوضات، التنظيم لم يعد موجودًا. ولكن مع هيئة تحرير الشام ليس لديّ أي معلومات خاصة ولكن أعتقد ربما أن الـCIA تواصلت مع الرئيس السوري خلال الأعوام القليلة الماضية، وأدركوا بأنهم يستطيعون التعامل معه، وأدركوا بأنه سيكون من أجل الاستقرار، وقرروا أن يختاروه كرئيس مرة أخرى. أنا لا أتهمه بأنه عميل للـCIA وهو مجند، ولكن أقول إنه يبدو لي أنه حصل تواصل مسبق بين الحكومة الأمريكية والرئيس السوري.
مايا رزق: أختم معك، أستاذ حسن.
بما أن السيّد جون أثار موضوع اتصالات ربما كانت قد جمعت بين الرئيس السوري الحالي والـCIA، كيف يمكن أن نتوقع المشهدية في سوريا بين الرئيس الشرع وما يمثله وبين ماضيه وحاضره، وبين من يطل برأسه وما رأيناه في تدمر؟
حسن أبو هنية: نعم، أعتقد أن هذا ربما أكثر عمل محرج للرئيس الشرع – وهو لم يذكره الضيف – ولكن نحن نعلم يقينًا أن هناك تواصلًا كان بين الولايات المتحدة الأمريكية وهيئة تحرير الشام والشرع. وهذه قضية ربما في 2023 أُثيرت، والقي القبض على 700 من هيئة تحرير الشام اتهموا بالتعامل مع التحالف الدولي – لأنه كان يُقال هناك "عدو مشترك"، كما قال الشرع: "أعداء مشتركون".
وبالتالي، هو كان معاديًا ودخل في صدام مسلح مع تنظيم داعش – الدولة الإسلامية – واعتقالات قيادات، وكذلك مع فرع القاعدة "حراس الدين" بشكل واضح، واعتقل وقُتل منهم. بالإضافة إلى خلافه مع حزب الله والميليشيات الشيعية وإيران. وبالتالي، هذه القضايا المشتركة التي فسحت المجال في إدلب لخلق نوع من التعاون، وهذا ما فسح الأمر.
=من جهة، طبعًا لا شك أن أجندة الشرع مغايرة، هو يرى ويؤمن بهذا، بأن داعش أو القاعدة أو الإيرانيين أو حزب الله على باطل. وبالتالي، هو يرى أن هذه تقاطع مصالح كما حدث مع بن لادن في أفغانستان في الفترة السابقة لا أكثر ولا أقل. وبالتالي، أعتقد أنه الآن الولايات المتحدة الأمريكية خياراتها محدودة.
لا يريدون، إذا ذهب الشرع هناك حالة من الاختلال والفوضى، وبالتالي عودة تنظيم الدولة، وأيضًا بالتأكيد حزب الله وجميع الحركات المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وبالتالي، هم رهانهم حكم ضرورة، هم يريدون منه تغييرات تكتيكية: يرفعوا العقوبات "قيصر" وغيرها، ربما للإغراء، لكي يذهب باتجاهات أكثر تصالحية. لأنهم يشترطون التصالح مع إسرائيل، وكذلك حفظ مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي، العلاقة معقدة، لكن لا أعتقد أن هذه العلاقة يمكن أن تصمد طويلًا.
مايا رزق: شكرًا جزيلًا لك، أستاذ حسن أبو هنية، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، كنت معنا من عمّان.
أشكرك أيضًا، جون كرياكو، ضابط سابق في الـCIA، كنت معنا من واشنطن.
هذه الحلقة من "اذهب أعمق" التي حملت عنوان "داعش العودة: تنظيم بلا جغرافيا" وصلت إلى خواتيمها.