سوريا بعد عام... سؤال المسار والمصير؟
عامٌ على سقوط النظام في سوريا… عامٌ فتح البلاد على مرحلة مفصلية غير مسبوقة. سوريا اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم: بين وحدةٍ وطنيةٍ ممكنة وشبحِ التقسيم، بين بناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية أو إعادة إنتاج التفرد بالسلطة. ميدانيًا، يتوغّل الاحتلال الإسرائيلي جنوبًا، يرسّخ النفوذ التركي شمالًا، يتمدّد الحضور الأميركي شرقًا، فيما تحافظ روسيا على موطئ قدمها في الساحل. داخليًا، تواجه السلطة الانتقالية تحديات الأمن وتوحيد الجيش وصياغة الهوية الوطنية، وسط تصاعد الخطاب الطائفي وصدمة المجازر ونزعات الانفصال. اقتصاديًا، شكّل رفع قانون قيصر نافذة أمل بعد سنوات من الخنق، مع وعود بالاستثمار وإعادة الإعمار. في هذه الحلقة من دوائر القرار، نقرأ خريطة سوريا الجديدة، نحلّل تحولات الداخل، نرصد أدوار اللاعبين الإقليميين والدوليين، ونتساءل: إلى أين تتجه سوريا في فصلها المقبل؟
نص الحلقة
كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا، عام مضى على سقوط النظام في سوريا، عام دخل في سوريا حقبة جديدة.
سوريا اليوم على مفترق طرق بين وحدة محتملة وشبح التقسيم الجغرافي والانقسام الديمغرافي، وبين دولة مدنية ديمقراطية أو إعادة تدوير التفرّد بالسلطة. وعلى الأرض، الجنوب يشهد توغلاً إسرائيلياً يتخطى الحدود إلى العمق، والشمال تحت نفوذ تركي مباشر، والشرق قاعدة للوجود الأمريكي، فيما تحافظ روسيا على موطئ قدم في منطقة الساحل.
في الداخل، السلطة الانتقالية تواجه تحديات الأمن ووحدة الجيش وصياغة الهوية الوطنية، في ظل صعود الخطاب الطائفي وصدمة المجازر وطموحات الانفصال.
أما في الاقتصاد، فرفع قانون قيصر الجائر أزال عن أكتاف الشعب السوري حملاً ثقيلاً، وفتح نافذة أمل مع كثير من الوعود بالاستثمار وإعادة الإعمار.
اليوم في "دوائر القرار" سنقف مع خارطة سوريا الجديدة، نحلل تحوّلات الداخل، نرصد تحرّكات اللاعبين الإقليميين والدوليين، ونتساءل عن مستقبل هذا البلد الذي لم تنتهِ بعد كتابة فصول روايته.
أهلاً بكم.
كمال خلف: مشاهدينا، أرحّب بضيفي الذي سيرافقني في الدوائر الثلاث من "دوائر القرار"، من دبي، الدكتور سمير تقي، الباحث الأول في المجلس الأطلسي في واشنطن.
دكتور، حياك الله، سعيد جدًّا أنك معنا في "دوائر القرار" اليوم.
سمير تقي: أتشرّف بك شخصيًّا وبجمهوركم وبفريقكم العامل، شكرًا جزيلًا على الاستضافة.
كمال خلف: حيّاك الله. سأبدأ =معك من دائرة، وكل دائرة سنخصّصها لزوايا من زوايا الحدث السوري.
سنبدأ من الدائرة الأولى، مشاهدينا، عنوانها: "سوريا بعد عام: بناء الشرعية وسؤال الهوية وشبح الانقسام؟"
كمال خلف: سنبدأ الحلقة، مشاهدينا، وهذه الدائرة بتقرير حاولنا فيه رصد مختلف الجوانب أو القضايا التي مرت خلال هذا العام في الداخل السوري. نتابع.
تقرير:
إدارة العمليات العسكرية أعلنت اليوم الثامن من كانون الأول عام 2024 نهاية هذه الحقبة المظلمة وبداية عهد جديد لسوريا.
عام مضى، وكأنه اختبار مكثف لهوية سوريا الجديدة: من لحظة انهيار النظام إلى اندفاع هيئة تحرير الشام نحو مراكز السلطة، دخلت البلاد مرحلة انتقالية واسعة. انتقال في الشرعية وفي اتجاهات الحكم، حتى في البوصلة الإقليمية.
أحمد الشرع: "إن سوريا قيمة بحد ذاتها، وهي ترفع مَن يخدمها وتخفض مَن لا يقدرها."
فمع تولي أحمد الشرع رئاسة السلطة الجديدة، اتضح أن دمشق تتجه نحو حضن الغرب، وتحديدًا واشنطن، في محاولة منها لانتزاع الشرعية تحت وعود الاستقرار والازدهار.
أحمد الشرع: "هوية تستمد سماتها..."
بين تأليف حكومة انتقالية وكتابة إعلان دستوري ومحاولة دمج الفصائل، بقِي سؤال الدولة معلقًا: أي دولة يُراد لها أن تولد؟ وطنية جامعة أم مدنية حديثة أم مشروع إسلامي بخطاب يقطع مع أيديولوجيا الماضي؟ الهوية ظلت بلا تعريف.
أحمد الشرع: "أن يحافظ على السلم الأهلي من خلال السعي لتحقيق العدالة الانتقالية ومنع مظاهر الانتقام."
ومع غموض الهوية، كانت أحداث على الأرض لها مفاعيل أكبر: مجازر الساحل والسويداء فتحت شقوقًا عميقة في المجتمع، وأطلقت موجات من الخطاب الطائفي على وسائل الإعلام ومنصات التواصل بلا كوابح ولا قوانين رادعة.
خطاب تمدد بسرعة، وهدّد ما تبقى من نسيج وطني، وبدأ سؤال ترميم الجغرافيا مترافقًا مع سؤال أهم بشأن الكراهية المنفلتة من عقالها وأثرها في وحدة الشعب.
وفي الجنوب، ظهر التحدّي الأخطر: توغل إسرائيلي مباشر في الحدود وغير مباشر في العمق. بدأت إسرائيل ترفع لافتة "حماية الأقليات"، بالتزامن مع دفع واشنطن السلطة الانتقالية إلى القفز فوق إرث التاريخ وضمير الشعب نحو ترتيبات تطبيعية غير متكافئة تقدّم كمدخل للاستقرار، بينما تُقرأ في الداخل كتنازل عن أحد أثقل رموز الوعي السوري.
أما الشرق، فبقي الجرح مفتوحًا فيه. ملف العلاقة مع الكرد لم يُحسم، والاتفاقات المؤقتة لم تتحول إلى تسويات ثابتة، ما أبقى حدود الدولة نفسها معلقة بين احتمالات الدمج واحتمالات الانقسام.
معركة توحيد الجيش بقيت الأكثر تعقيدًا: فبين السعي لخلق مؤسّسة وطنية، وبين نفوذ مجموعات مسلّحة لا تزال تملك ولاءاتها الخاصة، بدا أن الطريق إلى الجيش الموحّد أطول من الشعارات وأصعب من القرارات.
ومع ذلك، فإن العام الأول لم يكن بلا مكاسب: فقد نُزِل عن أكتاف الشعب السوري قانون عقوبات قيصر الأمريكي الجائر، وفُتِحَت نافذة وعود بالاستثمار وإعادة الإعمار.
عام مضى، وكأن سوريا ما زالت في غرفة الصياغة الأولى، تحاول أن تمسك بخيط الدولة، بينما تتقدم عليها تحديات الجنوب وانقسامات الداخل وجروح المجتمع وصراع الهوية بين دولة تريد أن تولد وذاكرة لم تندمل بعد.
سوريا الآن في قلب سؤالها الأصعب: هل تتجه المرحلة الانتقالية نحو دولة جامعة تُرمَّم فيها الثقة، أم نحو صراع آخر، وكأن الرواية لم تصل حتى الآن إلى الخاتمة؟
كمال خلف: دكتور سمير، حيّاك الله مرة أخرى، وبعد هذا التقرير الشامل نطرح العديد من الأسئلة في هذه الدائرة.
أولاً، المرحلة الانتقالية بعد عام: أين أنجزت، وأين أخفقت؟ وما هي حدود تلك الإنجازات في العام المقبل؟ وما هو مصير هذه الاتفاقات أيضًا في العام المقبل؟
سمير تقي: سيّدي الكريم، أعتقد أنه ما تم إنجازه حتى الآن في سوريا هو أولًا تجنّب حصول مذابح دموية كبيرة. حصلت مذابح، وهي سيئة جدًّا، ولكن كان المتوقع من الناحية المبدئية أن تجري الأمور أسوأ بكثير. ومع ذلك، هذه المذابح يجب أن تُحاسب بشدة وبشكل عميق، وتُدرأ بشكل كامل، لأنها خطر على وحدة البلاد، وخطر على أهلنا من مختلف المكوّنات الذين هم سوريون بقدر ما هو سوري أي شخص آخر، ويجب أن يحتلّوا موقعهم المرموق في حياة البلاد والسلطة. هذا أولًا.
لكن القضية الرئيسية التي تمّت على المستوى الخارجي هي أنه، كما شاهدنا، إعادة تموضع سوريا استراتيجيًّا في الإقليم وفي العالم، وانتقلت من أن تكون حليفًا لجبهة المقاومة لتصبح الآن عمليًّا تنكفئ. موضوعيًّا، يجب أن نلاحظ بأن سوريا لم تتمكن حتى الآن من رسم نهائي لتحالفاتها الإقليمية، في حين تتنازعها قوى متعددة دولية، بما =فيها طبعًا هناك روسيا، هناك الولايات المتحدة الأمريكية، هناك إسرائيل وتركيا. وبالتالي، هذه القوى المتواجدة عمليًّا على الأرض السورية لا تزال تجد في سوريا ساحة للصراع، وليس ساحة لبناء دولة أو لتحقيق النجاح.
وبالتالي، ما أمكن إنجازه عمليًّا هو بشكل أساسي على الصعيد الدولي، وبشكل أساسي على صعيد تحقيق مستوى أفضل من الأمن الداخلي. رغم استنكارنا الكبير لكل ما جرى، ولا تزال عمليات القتل – للأسف – تجري بشكل مختلف من دون محاسبة. بالتالي، الأمن ليس منسجمًا: في مناطق تذهب إلى دمشق تجد أن هناك شعورًا بالاطمئنان، في مناطق أخرى لا تزال فيها فصائل تعتبر نفسها موالية، ولكنها ترتكب أعمالًا.
لذلك، الخطاب الطائفي، الخطاب الانتقامي، ومنطق حق الدم هو خطر كبير على الوحدة الوطنية، في حين أن القضية الرئيسية هي المصالحة الوطنية.
بالمقابل، الحقيقة أن المذابح أضرّت بشكل كبير بقضية الوحدة الوطنية السورية، وأضرّت أيضًا بقضية السيادة السورية. من الواضح بأن النظام السابق – عمليًّا – طريقة معالجة النظام السابق للأزمة، وإدخاله لعدد كبير من الميليشيات إلى البلاد، أدّت عمليًّا – وميليشيات لها علاقة بتركيا ولها علاقة بجهات أخرى – بتطوير مواقعها. وبالتالي، السيادة الآن هي معضلة كبيرة أمام السوريين.
لذلك، يجب أن تُقرَن السيادة بالشرعية. في حال استمرار هذه القوى الأجنبية بالتواجد على الأرض، فلن تكون لا شرعية ولا استقلال ولا وحدة أراضٍ.
كمال خلف: سنتحدّث، دكتور، عن الفاعلين الإقليميين والدوليين في سوريا في الفقرة التالية، لكن...
سمير تقي: لا، أنا أناقشها من وجهة نظر علاقة الشرعية والسيادة.
كمال خلف: لكن هل برأيك خلال عام جرى التركيز من قِبَل السلطة الانتقالية على الشرعية في الخارج – على تثبيت الشرعية عبر العلاقات الدولية – مع إهمال للشرعية الداخلية عبر عملية انتقالية، حوار وطني، مصالحة، مراحل الانتقال التي تقوم بها الدول؟ وهل هذا سوف يستمر؟ أم أن الحصول على شرعية إقليمية ودولية سيكون أولوية؟ ربما العام القادم سيكون التركيز في الداخل. كيف ترى أيضًا هذا الموضوع؟
سمير تقي: أعتقد أن إعادة التموضع الإقليمي والدولي في سوريا وصلت إلى ذروتها الآن. التحدّي الأكبر – وهو منذ البداية كنت أقول دائمًا – بأن الشرعية لا تشتق من الخارج، الشرعية تشتق من الشعب، والوقوف في وجه العدوان الإسرائيلي والتدخلات الأجنبية المختلفة في الوضع السوري لن تتحقق إلا بتوحيد الشعب السوري.
وتوحيد الشعب السوري يأتي بطمأنته بالشراكة. وقبل كل شيء، ومنذ البداية، كنت أتحدث عن قضية الحاجة للحوار، =لمفاوضات وطنية بين كل المكونات. الموضوع ليس متعلقًا بالأكراد والعلويين والدروز وغيرهم في سوريا. هناك كتلة كبيرة من السنّة وأبناء المدن، هؤلاء لا يعرّفون أنفسهم إلا بسوريتهم، ولا يعتبرون أنهم مختلفون عن المكوّنات الأخرى، وهم ينتمون إلى نمط تديّن – بعضهم متديّن، وبعضهم غير متديّن – ولكن أغلبهم ينتمون إلى نمط متديّن متحضّر منفتح، يقوم على عقلية تجارية مركنتيلية. وهذا هو التديّن السوري. دفع التديّن السوري باتجاه الطائفية ودم الخ... هو تراجع برأيي أنا، وهو لا يعبر عن مصالح الكتلة الرئيسية للسنّة.
ولذلك، أعتقد بأن القضية الرئيسية هي أن الشعب السوري يحتاج من الحكومة الراهنة لمفاوضات حثيثة لا تنتهي بشكل احتفالي. لا تقوم بشكل احتفالي، تجري على مستوى دقيق جدًّا لإعادة صياغة الوحدة الوطنية. دراساتنا التي قمنا بها على 36 حربًا أهلية جرت بعد الحرب العالمية الثانية لم تنجح بإنها عملية الحروب الأهلية في كل =الدول التي كانت دولاً مركزية وذات صفة رئاسية. كل الدول الرئاسية فشلت في المصالحة. لا بدّ من إعادة فترة من التعافي تسمح بمستوى معين من اللامركزية، مستوى لا مركزية يسمح بالإطمئنان، وإزالة الخوف، وإيكال شؤون الناس لمجتمعاتهم، والسعي لتوحيد البلاد على أساس توافقي، كما هي ألمانيا، كما هي الإمارات العربية المتحدة، كما هي العديد من الدول.
كمال خلف: واضح، دكتور. عام مضى، لكن لم يتوضّح إن هذه المرحلة الانتقالية إلى أين ستنتقل. سؤال هوية الدولة لا زال معلقًا حتى الآن: سوريا دولة مدنية ديمقراطية، دولة =وطنية، دولة دينية؟ إلى الآن، لماذا بقي هذا السؤال الانتقالي – إلى أين – معلقًا؟ لم تتم الإجابة عليه بشكل واضح وصريح؟
سمير تقي: أية محاولة لتغيير هوية سوريا بصفتها دولة مدنية – دولة تحترم كل مكوّناتها، بالرغم من الإرهاصات السابقة، دولة تشاركية بكل معنى الكلمة – لا يمكن أن تنجح.
وفي رأيي أنا، الآن سوريا تخوض معركة متعلقة بقضية هويتها، وتعيد القتال من أجل هويتها. لا شك أنه جرت محاولات لإلغاء بعض ملامح الثقافة الوطنية السورية، سواء من نزار قباني إلى أبي العلاء المعري الذي أصبح يعتبر مهرطقًا إلى العديد. وهذه المحاولات لا شك أنها ستكون ضارّة جدًّا.
ولكن في خلاصة الأمر، في ما يتعلّق بالهوية، أنا أعتقد بأن محاولة فرض هوية أقلّوية – كما قلت، لأن السنّة ليسوا كذلك، ليسوا كذلك – محاولة فرض من بعض الأطراف في السلطة. لذلك، هي قضية مهمة جدًّا.
يجب أن نعترف بأن الآن فشل الحكومة السورية سيكون خطرًا كبيرًا على بقاء سوريا، على وحدة البلاد.
لذلك، نحن نتصرّف بالنقد الواضح وأحيانًا الجدي، ولكن بالمقابل نفكر بعمق بأنه ينبغي العمل من أجل إصلاح الوضع قدر الإمكان، لأن البدائل هي كارثية للوطن السوري.
ولذلك، أعتقد نحن في وضع =صعب جدًّا متعلق بإعادة رسم الهوية، كما تحدثنا بشكل عابر. سنتحدث عن السيادة، ولكن أيضًا في ما يتعلّق بالهوية الوطنية الجامعة، التشاركية، التسامحية. وينبغي أن أشير إلى أنه لا تزال هناك قوى جدية محيطة بالسلطة الراهنة تعتبر الديمقراطية هرطقة، وتعتبر أن الحكم لله وليس لصندوق الاقتراع. وبالتالي، القضية هي قضية صراعية، قضية جدلية، لأنه حين نقول "إن الحكم لله"، ولكن عمليًّا هذا سيعني أن هناك مجموعة من المشايخ سوف يحددون ما نمط تديّن الشعب السوري ونمط حياة الشعب السوري، وهو لن يتم.
في رأيي، سوريا هي دولة فيها نفوذ لا يمكن محاصرتها ثقافيًّا.
كمال خلف: هذا لن يتم، دكتور، لن يتم. لكن بحكم معرفتنا الدقيقة بسوريا، لكن هل سيُؤسَّس لاحقًا لصراعٍ ربما وعدم استقرار طويل الأمد في سوريا؟
سمير تقي: أنا أعتقد أنه الآن هناك توجهات للبدء بمصالحة وطنية. وهذه، كما قلت، ينبغي أن تتم بشكل تفاوضي، وليس بمنطق "لا نزع السلاح"، ولا من المنطق الاحتفالي. وبالتالي، القضية الرئيسية هي الزيارة التي تمّت مؤخرًا لقيادات علوية، مثلاً، وعمليًا السعي للبناء مع الرئيس الشرع، عمليًا تشير إلى محاولات. ولكن نتيجة التطورات الجارية على الأرض، الأمور سرعان ما ستفلت من أيدي الجميع، كما نرى الأمور الآن. وبالتالي، قد تعود الخطابات الطائفية لكي تصعد، لو تركنا نمط الخطابات الطائفية والتكفيرية التي تتمّ في كثير من المناطق السورية.
كمال خلف: على ذكر الخطاب الطائفي المتصاعد أيضًا، هناك سؤال: أنه بعد عام من الضرر الذي ألحقه هذا الخطاب بين مكونات المجتمع السوري، لماذا لم يُكبح هذا الخطاب عبر قوانين وتشريعات تجرّم مثل هذا الخطاب وتحاول تقليصه قدر الإمكان؟ القضاء عليه، أعتقد مسألة مستحيلة أو صعبة، ولكن قد يتم تقييده عبر قوانين وتشريعات قوية ونافذة؟
سمير تقي: المشكلة هي أن منظومة الولاء مبنية على تصعيد الخطاب الطائفي. وبالتالي، كثيرون يعتقدون بأنه كلما تصاعد الخطاب الطائفي كي يثبتوا ولاءهم، يصعّدون من تصرفاتهم وبعملياتهم العسكرية، ويصعّدون خطابهم الطائفي، ويعتبرون أن ذلك هو وسيلة لإثبات الولاء. القضية لا ترتبط بإصدار قانون، سيدي الكريم. القضية ترتبط بأن ثمة فصائل تعتبر نفسها موالية للنظام ولا تزال غير خاضعة بشكل كامل للبنية العسكرية والعقائدية للدولة. وهذه القوى لا تزال واسعة.
فإذا، القضية متعلقة بالسيطرة العملية على الخطاب، وهذه القضية هي المعضلة الكبيرة التي الآن – خاصة بعد أحداث تدمر – تجعلنا نفكر بأن الآن قد جاء استحقاق – حتى دولي. وللأسف، نحن لا نعمل إلا بضغط دولي خارجي، لأن هناك استحقاقًا دوليًّا للانتهاء من وضع الفصائل الجهادية السلفية التي ليس فيها فوارق عقائدية كبيرة عن المنظمات الإرهابية الدولية.
وبالتالي، في اعتقادي الآن، القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب اليوم في ما يتعلّق بمنع دخول السوريين بسبب عدم قيام الجهات السورية بالشفافية اللازمة في ما يتعلق بالقضايا الأمنية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، كل ذلك يشير إلى أن هذه الحقيقة – أن الاستحقاق أصبح تحديًا ماثلًا بشكل واضح لا يمكن تأجيله – في ما يتعلق بإنهاء وضع كل الفصائل السلفية الجهادية المقاتلة التي تجد أنها يكفي أن تقول أنها موالية، وأن تتصرّف ما تريد على الأرض، وهذا أيضًا يزعزع بنية الدولة ويهدّد بتقسيم البلاد.
كمال خلف: نقطة أخيرة في هذه الدائرة قبل أن أنتقل للعنوان الثاني، دكتور: العقد الاجتماعي. سوريا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد الآن. ما الذي أدى إلى تأخر قيام السلطة الانتقالية بهذه الخطوة؟ وهل تعتقد أنهم يفكرون أن يقوموا بها العام المقبل؟
سمير تقي: كما تحدثت سابقًا، باعتقادي العقد الاجتماعي يجب أن يستند أولًا إلى قضية المصالحة الوطنية الواسعة التي تشمل كل المكوّنات، بما فيها – كما قلت أنا – الأغلبية السنّية المتحضّرة ذات التديّن المتحضّر. هذا جانب من الموضوع. والجانب الآخر هو البنية الاقتصادية، النموذج الاقتصادي. سوريا أمام خيارين: إما أن تذهب مرة أخرى إلى نموذج رأسمالية الدولة الاحتكارية الفاسدة، المستندة إلى أي نظام عقائدي، وهو بالتعريف سيتحوّل إلى نظام فاسد لأن عملية الاصطفاء فيه والولاء تُبنى على الولاء العقائدي وليس على الكفاءة وعلى التخصّص. وبالتالي، القضية الرئيسية هي أن العودة لمحاولة بناء نظام عقائدي ستكون مضرّة جدًّا.
السبب الرئيسي لأنه – كما قلت – سوريا أمام خيارين: إما أن تذهب في اتجاه نموذج اقتصادي لرأسمالية الدولة الاحتكارية الفاسدة، أو أن تذهب في اتجاه الرأسمالية المنفتحة التي تسمح باقتصاديات السوق.
سوريا لن تعمّرها كل الأموال التي تأتي – بعضها ضروري جدًّا – هذه الأموال التي تأتي من الخارج من أجل التعافي الاقتصادي وإصلاح الأضرار الكبيرة في الاقتصاد. ولكن على المستوى العملي، لدينا ما يقارب 81 في المئة من البطالة. 81 في المئة من الشباب الرجال لا يعملون. وهذا خطر كبير سياسي واجتماعي واقتصادي.
لذلك، جزء من العقد الاجتماعي كبير هو النموذج الاقتصادي: هل يفتح المجال تمامًا لتطلق طاقات الشعب السوري، وتطلق طاقات رجال الأعمال السوريين – من المايكرو إلى الصغير إلى المتوسط إلى الكبير – لإعادة تشغيل البلاد، لإعادة إدارة البلاد؟ هذا جزء رئيسي أيضًا لم يُحسم بعد.
كمال خلف: مسألة الإنتاج الصناعي والمشاريع الاستثمارية؟
سمير تقي: بالضبط. لم يأتِ السوريون ليستثمروا ملايين الدولارات من دون أولًا استقرار سياسي – المصالحة – ثانيًا، من دون نظام قضائي شفاف، مناخ استثماري لا يكون فيه موظف له صفة عقائدية كما كان في السابق يحدّد كل العقود بمليارات الدولارات... الخ. معروفة.
كمال خلف: دكتور، سأنتقل إلى الدائرة الثانية التي سنطلّ من خلالها على الخارج، على التدخّلات الخارجية والقوى التي لها نفوذ اليوم في سوريا.
الدائرة الثانية، مشاهدينا، عنوانها: "سوريا: مربّعات النفوذ تمسك بمفاتيح المستقبل."
دكتور سمير، هل فعلاً مربّعات النفوذ أو الدول التي لها نفوذ أو تواجد عسكري مباشر، ليس فقط لأن هناك دولًا لديها نفوذ لكن ليس لديها تواجد، هناك دول لديها نفوذ وتواجد، هل فعلاً هي مَن تمسك بمفاتيح مستقبل سوريا في هذه اللحظة؟
سمير تقي: الشعب السوري – إذا تحقّقت المصالحة – هو الذي سيمسك بمفاتيح المستقبل، ولا يمكن لأحد أن يقف أمام وحدة الشعب السوري يريد أن يطرد كل القوى المتدخلة. ولكن، مثلاً، إسرائيل تستفيد من عدم تحقق المصالحة الوطنية السورية لكي تدخل من شقوق الخلافات السورية – ليس فقط لدى أهلنا في جبل العرب، بل وأيضًا حتى في كل المناطق السورية – وتنفتح البلاد بشكل غير معقول على الإسرائيليين وعلى الأتراك. هذا خطر – خطر على قضية الولاء الوطني والسيادة الوطنية التي تعبرت عنها.
لذلك، نعم، هناك صراع هناك صراع واضح في ما يتعلق بطريقة تكوين الجيش السوري. الإسرائيليون مثلاً لا يمكن أن يقبلوا بوجود ضبّاط أو عسكريين سوريين مدربين على يد الأتراك. وهذا واضح أنهم متحفظون جدًّا على ذلك. بالمقابل، تركيا تنظر إلى سوريا على أنها جزء من فضائها الاستراتيجي القريب، وهي تنظر لها أنها منطقة قد تكون منطقة صراع.
في المقابل أيضًا، روسيا تحتفظ بقدراتها العسكرية ليس فقط في الساحل، وإنما أيضًا في منطقة الجزيرة. ونجد قوات أمريكية وروسية تقف في الجزيرة على بُعد أمتار من بعضها – العلمين الروسي والأمريكي.
وبالتالي، هذا يجعل سوريا أمام مخاطر كبيرة.
كمال خلف: دكتور، اسمح لي أن أعرض الخريطة أنا وأنت وألخّص ما كنت تقوله حضرتك حول الوجود الأجنبي الحالي في سوريا.
=سأبدأ، مشاهدينا: هذه خريطة سوريا. سأبدأ من الجنوب. الجنوب: إسرائيل باتت حاضرة ميدانيًّا في ثلاث محافظات: القنيطرة، درعا، والسويداء. أعمق نقطة توغّل لها تقع على بعد كيلومترات محدودة من هذا الخط – خط دمشق-السويداء – هنا في هذه المنطقة، مع دوريات مستمرة قرب منطقة بُصرى الشام جنوب السويداء في محافظة درعا.
تل أبيب تدفع باتجاه اتفاق أمني في منطقة منزوعة السلاح، تمتد شريطًا شماليًّا إلى محيط الغوطة الشرقية في هذه المنطقة إلى ريف دمشق الجنوبي على مقربة من مدينة دمشق، وأيضًا الغوطة الغربية هنا في هذه المنطقة من القنيطرة باتجاه دمشق – في هذه المنطقة الغوطة الغربية.
تحاول الربط بين الجنوب وشرق الفرات عبر ما سُمّي بممر داوود. حتى هذه اللحظة، لا يزال الحديث إعلاميًّا ربما، وفي التقارير. سنسأل الدكتور سمير بعد قليل عن ممر داوود الذي يصل مناطق الجنوب التي تسيطر عليها إسرائيل بمناطق شرق الفرات حيث المنطقة تحت سيطرة قسد – هو ممر لوجستي استخباري يربط الحدود الأردنية بمنطقة شرق النهر، كما ذكرنا.
النفوذ التركي: شمال سوريا. النفوذ المباشر شمال سوريا. أغلب النفوذ التركي، مشاهدينا، يقع عند هذا الخط أو شمال هذا الخط – هذا طريق الـM4 هنا تقريبًا، شماله يمكن أن نعتبره نفوذًا تركيًّا مباشرًا: منطقة إدلب، على سبيل المثال، عفرين، تل رفعت، جرابلس، منبج، تل أبيض في هذه المنطقة. طبعًا، هناك نفوذ في مدينة حلب لتركيا. النفوذ التركي يمتد كنفوذ أيضًا على الحكومة في دمشق – لديهم تأثير على الحكومة في دمشق.
هذا بالنسبة لتركيا. أيضًا نتحدّث عن منطقة شرق الفرات، حيث مناطق قسد. الوجود الأمريكي: الانتشار الأمريكي في هذه المنطقة عبر العديد من المواقع العسكرية المباشرة: في كونيكو، حقل العُمَر، الشدادي، رميلان، في هذه المنطقة يتواجد الأمريكيون بشكل مباشر.
لديهم تواجد آخر هنا عند مثلث الحدود السورية-الأردنية-العراقية في قاعدة التنف، هنا 55 كيلومتراً تقريبًا، ممنوع الاقتراب من هذه القاعدة في عمق البادية السورية تقريبًا.
هذا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. طبعًا، الولايات المتحدة أيضًا لديها نفوذ على الحكومة في دمشق عبر مبعوثها الذي يأتي ويتحدث بكل شيء.
أيضًا، روسيا حافظت على موطئ قدم في منطقة الساحل السوري: هذه قاعدة حميميم وميناء طرطوس في منطقة غرب سوريا على الساحل السوري.
هذا بالنسبة، مشاهدينا، للتواجد. طبعًا، أنا إذا تحدّثت عن الطموحات، والإسرائيليين: يتم الحديث مثلاً عن وجود أو محاولة تثبيت وجود صامت في منطقة الساحل السوري، وفي منطقة شرق الفرات كما ذكرنا عبر معبر داوود أو غير معبر داوود في منطقة الشمال.
الإسرائيليون يحاولون أيضًا أن يتمدّدوا في العمق السوري عبر تثبيت حضور تحت لافتة "حماية الأقليات" أو "حماية القوميات السورية المُهَدَّدة"، كما تقول إسرائيل. تحاول أيضًا الدخول إلى العمق.
دكتور سمير، عندما نتحدث عن هذا الوجود، سأبدأ من مسألة خطيرة جدًّا الآن، وهي تضارُب المصالح بشكل مباشر. هناك نوع من التضاد أو التعارض – التصادم، إذا جاز التعبير – بين التصورات التركية والتصورات الإسرائيلية لسوريا.
ما هي مخاطر مثل هذا الافتراق – إذا جاز التعبير – وهل الولايات المتحدة ضامنة دائمًا لعدم حصول أي نوع من الاحتكاك؟
سمير تقي: الولايات المتحدة، كما تثبت تصرفاتها بأنه في نهاية الأمر اعتبارات متعلقة بإسرائيل هي الأساسية – كما يظهر اليوم من موقفها من عدم وجود القوات التركية في غزة – وبالتالي، بلا شك أنها تحاول الموازنة بين حلفائها المختلفين، الأتراك وغيرهم.
الصراع في هذا المجال يتعلق بعدة قضايا، ليس فقط بين إسرائيل، بل وأيضًا الولايات المتحدة من جهة، الغرب بشكل عام، أوروبا من جهة أخرى، وتركيا. القضية المتعلقة بشرق المتوسط والسيطرة عليه: روسيا تتواجد، وعمليًا أسطولها محاصر تمامًا في شرق المتوسط لأسباب مختلفة – لن أناقشها الآن – ولكن بشكل عام، الصراع يجري على شرق المتوسط وقضية الممرات المائية في المتوسط.
وبالتالي، باعتقادي كما جرى في العقود مع لبنان في عقود استثمار النفط، هناك صراع عليها. في سوريا، ستكون الأمور في ذات الاتجاه إذا متعلق بالنقل البحري، متعلق باستثمارات النفط والغاز في الجرف البحري السوري، وأيضًا متعلقة بقضية النفوذ، بقضية اكتساب مواقع على الأرض بهدف أن تكون لدى كل الأطراف روافع في تحديد شكل ونمط الدولة وطبيعتها... الخ.
وكما قلت، أنا نحن نتابع الوضع في سوريا، ونجد أنه في كل قضية من القضايا هناك تواجد – سواء كان تواجداً تركياً أو تواجداً إسرائيلياً – يحاول أن يبدي مصالحه. يجب أن ندرك قضية رئيسية: حين تحدثت أنا عن السياسة، هو أن هناك مساسًا كبيرًا بالسيادة السورية عبر دور مختلف الوسطاء الذين يأتون بالأوامر، ويتحدثون وكأن أمامهم خريطة يعيدون من خلالها تشكيل الوطن السوري والهوية السورية.
كلام باراك في ما يتعلق بقضية سايكس-بيكو، والموقف المتعلق بمختلف القضايا المتعلقة، هي قضايا وطنية من الطراز الأول، يحاول باراك أن يفرضها من خلال مفاهيم عقائدية حتى غير متفق عليها في الإدارة الأمريكية، مثلاً روبيو ليس متفقًا مع الكثير مما يقوله باراك. وبالتالي، هذا خطر كبير، ليس فقط التواجد الأمريكي، بل التواجد التركي، وليس فقط مجرد تواجد عسكري، وإنما الآن في ما يتعلق بالوصاية، بالتوسط الإقليمي. يتدخل المندوبون الساميون، هناك العديد من المندوبين الساميين على الأراضي السورية، يحاولون فرض إرادتهم على نمط تشكل الدولة السورية في إطار مصالحهم.
كمال خلف: دكتور، أيضًا على ذِكر المتدخلين، هل تعتقد أن هناك أيضًا تضاربًا في التصورات والنظرة إلى سوريا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟ لأنه لاحظنا أنماطًا مختلفة من التعامل: إسرائيل لديها رؤية معينة لسوريا – ترى أنه لا يمكن التعايش مع هيئة تحرير الشام في السلطة، مع الإسلاميين – دائمًا تحاول التضخيم: "نحن قد نكون أمام 7 أكتوبر آخر من الحدود السورية."
بينما الولايات المتحدة تتعامل بشكل مختلف. كيف ترى هذا التضارب؟ هل هو استراتيجي سيؤثر في العلاقات؟ من يستطيع أن يفرض تصوّراته على الأرض: أمريكا البعيدة أم إسرائيل التي على الحدود؟
سمير تقي: القضية الرئيسية: إسرائيل تتعامل مع "القرود السود"، إذا كانوا يضبطون الوضع لصالحها. تصور – استخدمت تعبيرًا سيئًا – ولكن بمعنى أنها من حيث المبدأ ما يهمها هو أن يوجد طرف في دمشق يستطيع السيطرة على كل الوضع السياسي، ويكون مسؤولًا عن قضية حدودها. بعد السابع من أكتوبر، إسرائيل لم تعد تولي قضايا أمنها الداخلي – قضايا أمنها الاستراتيجي الإقليمي – لأية قوة متحالفة. لن تتعاقد، لن تعتمد على التوافقات أو الاتفاقات الأمنية. هي ستحتفظ بقدرتها على التدخل في كل الأماكن، في إطار قضية مفهوم السيطرة: هل أنت مسيطر على بلدك أم لا؟
وبالتالي، النقاش يجري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهو متعلق بمدى السيطرة على الأرض. الأمريكان يطلبون من الإسرائيليين أن تكون ثمة فرصة لكي يمكن فيها التخلص من القوات الإسلامية الجهادية، كما تحدثت سابقًا. وبالتالي، أن هذه العملية هي عملية تدريجية، وأن أفضل مَن يقاتل القوات السلفية الجهادية هي القوات السورية.
والحقيقة أن إسرائيل لا تمسك بسيناريو واحد. هي من جهة مستعدّة – إذا كانت هناك سيطرة كاملة على الأراضي السورية – فهي مستعدة طبعًا لتفويض الطرف الذي يسيطر. وفي اعتقادي أنها إذا وجدت الحكومة السورية قدرة على السيطرة على القوات السلفية الجهادية، يمكن أن نتصور بأن إسرائيل ستكون مستعدة.
ولكن بالمقابل، هي تعمل على سيناريو آخر: لو لم يجرِ ذلك، فهي تحضر من أجل دفع الأمور في سوريا للدخول من خلال كل الشقوق بين السوريين، والسعي عمليًا لدفع البلاد نحو التقسيم.
أمريكا لا تريد ذلك، لأن هذا سيجعل الوضع السوري غير قابل للضبط. القضية الرئيسية المتعلقة بالإدارة والضبط: قضية إنشاء سلطة مركزية في سوريا قادرة على ضبط الأمور، وتكون مسؤولة تجاه الغرب وتجاه الولايات المتحدة – بما فيها إسرائيل، وبما فيها تركيا، وكل القوى المتدخلة والقوى الإقليمية.
أعتقد بأن ما تريده الولايات المتحدة هو ذلك.
الخلاف هو طفيف تكتيكي، متعلق بقضية الضبط: هل هناك ضبط أم لا يوجد ضبط؟
ففي النهاية، سيتم حسم هذا الخلاف برأيي بشكل أو بآخر في حال التوصل لاتفاق أمني.
كمال خلف: سأتوقف مع فاصل، دكتور، رغم أنه لدي الكثير من الأسئلة في هذه الدائرة للوقت، ثم نعود مرة أخرى إلى "دوائر القرار". ابقوا معنا.
كمال خلف: تحية من جديد، مشاهدينا، في "دوائر القرار". أعود وأرحب بالدكتور سمير تقي، الباحث الأول في المجلس الأطلسي في واشنطن، يطل معنا مباشرة من دبي. ووصلنا إلى الدائرة الأخيرة – الدائرة الثالثة: "سوريا: نحو الاستقرار أم للقصة بقية؟"
دكتور سمير، في هذه الدائرة عادة نطرح أسئلة سريعة، ونطلب تكرّمًا من الضيف إجابات مختصرة أيضًا وسريعة، نحاول من خلالها أن نلخّص للمشاهدين ما تحدثنا به، زائد أن نتحدث عن المستقبل.
سأبدأ بعرض كل الأسئلة، ثم أطرحها عليك واحدة واحدة. ورقة الأسئلة لهذا اليوم، مشاهدينا:
سوريا بعد عام: هل تنجح السلطة الانتقالية في عبور المرحلة الانتقالية؟
الخطاب الطائفي: هل يمكن احتواؤه أم هو مستمر؟ وكيف سيؤثر في المستقبل؟
مستقبل الشرق السوري: الدمج الكامل أم استمرار الإدارة الذاتية؟
النفوذ الإقليمي – الحضور العسكري الأجنبي: هل يتقلص أم يزداد ويتحول إلى اصطدام؟
هل هناك فرص حقيقية للانتعاش الاقتصادي أم يبقى وعودًا رهْن الاستقرار؟
هل تحسم هوية الدولة الوطنية؟ وفي أي اتجاه؟
إسرائيل: اتفاق تطبيع أم فرض وقائع على الأرض أم تحول الدولة السورية نحو المقاومة؟
=سوريا العام المقبل: هل تكون دولة مستقرة أم معرضة لتجدد الصراعات؟
دكتور، سأبدأ من السؤال الأول: سوريا بعد عام، هل تنجح السلطة الانتقالية في عبور المرحلة الانتقالية؟
سمير تقي: نحن محكومون بالأمل. أي انهيار في الوضع السياسي الآن في سوريا هو خطر كبير على الجميع. وبالتالي، طبعًا، الوجود السوري – مستوى التفكك – يمكن أن يكون كبيرًا، ومستوى التدخل كما شاهدنا كبير.
لذلك، هل تنجح أم لا تنجح؟ نحن محكومون بالأمل. يجب أن نجري كل ما هو ممكن. نحن نتحدث بشكل واضح وأحيانًا بشكل غير دبلوماسي في ما يتعلق بالضرورات وما هو المطلوب من الحكومة السورية.
ولكن في نهاية الأمر، القضية الرئيسية هي القضية الوطنية السورية، والتي إذا ما فكرنا فيها، ينبغي على الحكومة السورية الآن أن تضع قضيتين أساسيتين:
العدالة الانتقالية، لأنها تسمح ببداية التعافي النفسي والمجتمعي والاقتصادي أيضًا.
وقضية المصالحة الوطنية الجذرية التي تركز على – سميها لا مركزية، سمّها ما تشاء – ولكن هي عمليًا إنزال كافة الصلاحيات إلى مستوى المحليات، وأن تكون هناك المجتمعات المحلية هي التي تدافع عن نفسها، وهي التي تجني ثمارها وتقوم بتجربتها، كما هي الحال في العديد من الدول.
لذلك، هل تنجح أم لا تنجح؟ هذا لا أحد يستطيع المراهنة عليه. أنا أراهن على أن تستطيع سوريا الخروج من هذا.
كمال خلف: إن شاء الله، إن شاء الله، دكتور.
السؤال الثاني: الخطاب الطائفي – ربما أجبت حضرتك عن هذا السؤال بأن هناك من يستخدمه أو يحتاجه الآن – ولكن هل سينتهي؟ هل تنتهي وظيفته، إذا كانت له وظيفة في المرحلة الراهنة؟ هل تعتقد أن وظيفة الخطاب الطائفي ستنتهي، وبالتالي يؤخَذ قرار باحتوائه؟
سمير تقي: الخطاب الطائفي... القضية الرئيسية الآن هي قضية إنهاء العقيدة العسكرية للجيش. العقيدة العسكرية التي تكون وطنية ينبغي أن تكون تمامًا مضادة للخطاب الطائفي. وبالتالي، أن نصل إلى مرحلة نُشرّع فيها قوانين، كما تفضلت حضرتك، وأيضًا أن يكون دور الجيش الآن: مَن هو العدو؟ العدو هو كل مَن يحاول تفتيت الوحدة الوطنية. هكذا أنا أفهمها. أما أن تكون فصائل تعتبر نفسها موالية، تقوم بأعمال تؤدّي إلى تفتيت الوحدة الوطنية، فهذا خطأ.
لذلك، نحن في مرحلة انتقالية لم تتشكل كل هذه العناصر التي أتحدث عنها. وبالتالي، الخطاب الطائفي هو ناتج – برأيي – أنه لم يكن في سوريا خطاب طائفي عميق. كان موجودًا، كان هناك إرهاص له طبيعة طائفية أو إثنية أو بشكل مختلف، ولكن هذا كان مضبوطًا في إطار خطاب وطني كان يتمكن من المحافظة على وحدة البلاد.
لكن الآن الوضع مختلف. فلذلك، =مكافحة الخطاب الطائفي تأتي أولًا برسم عقيدة الجيش على أنها وطنية فوق الطوائف وفوق الانتماءات، ثانيًا رسم التوجّهات الثقافية للدولة – بالذات، كما تفضلت – موضوع القوانين وتجريم التكفير.
كمال خلف: دكتور، مستقبل الشرق السوري: في اتفاق – سيُطبَّق هذا الاتفاق أم مستحيل – صعب تطبيقه؟ بالتالي، الأمور سوف تستمر أم ستذهب إلى صدام؟
سمير تقي: الاتفاق غامض جدًّا. =المضمون الوحيد الذي أعتقد يمكن أن تخرج به الأمور مع شرق الفرات ومع كل سوريا يمكن أن يصبح هناك نقاش حول أنه يمكن أن تقسم إلى ستة أقاليم. "تقسيم" – كلمة "تقسيم" تُستخدم بشكل سلبي – وإنما هذا كلام كنا نقترحه على النظام السابق أن يجري تحويل سوريا إلى أقاليم اقتصادية، ويكون الموضوع لا مركزياً – وليس موضوعًا عرقيًّا ولا طائفيًّا – وإنما هو موضوع لا مركزية اقتصادية وإدارية جغرافية.
هذا هو الحل – ليس فقط لوضع شرق الفرات، وإنما أيضًا لكافة المناطق السورية – لأسباب اقتصادية، ولأسباب مجتمعية، ولأسباب متعلقة بقضية طمأنة المكوّنات على أنها تستطيع إدارة شأنها في المرحلة الانتقالية إلى أن يتم التعافي الكامل للهوية السورية.
كمال خلف: دكتور، النفوذ الإقليمي – الحضور العسكري ومستقبله، والوجود الأجنبي في سوريا: هل تعتقد بأن هذا الوجود سيتقلص مع تقدم المرحلة الانتقالية، أم سيزداد وربما يتحول إلى احتكاك وصِدام؟
سمير تقي: نأمل أن تتمكن الحكومة السورية من رسم سياستها بشكل نهائي – مستوى تحالفاتها. أنا أؤكد أن التحالف مع البعد العربي – المملكة العربية السعودية ودول الخليج، بما فيها دولة الإمارات – هذا هو المخرج الوحيد لكي لا تكون هناك قوى تدخلية. هذه الدول – الدول العربية – ليس لديها تدخلات عسكرية، لها مصالح – بالضبط – ولكن هذه المصالح لا تتناقض جوهريًّا مع قضية إعادة بناء سوريا وطنيًّا.
وبالتالي، اعتقد أن سوريا ينبغي عليها أن تسارع بتحديد تحالفاتها. هذا سيقيها من الضغوط الإسرائيلية، سيقيها من الضغوط التركية والضغوط الروسية وكافة الضغوط الإقليمية، ويسمح بالانتقال وإعادة التموضع الاستراتيجي الإقليمي لسوريا.
كمال خلف: تمامًا، أنت قلت إن هذا لم يحدث حتى الآن، وهو في رهن التشكل؟
سمير تقي: ينبغي أن يكون ويتحول إلى علاقة ثابتة سواء من حيث – ونتحدث بصراحة – تكوين الجيش، في ما يتعلق ببناء الدولة، في ما يتعلق بالعلاقة الاقتصادية التي متعلقة بقضية مناخ الاستثمار. كل ذلك هو قضايا رئيسية ينبغي حلها أسرع وقت.
كمال خلف: فرص حقيقية للانتعاش الاقتصادي: هل ترى أن هناك فعلاً ستكون فرصًا حقيقية للانتعاش الاقتصادي؟ والملف الاقتصادي – رأيك فيه، كيف يُدار الآن؟ الطريقة التي يُدار بها، هل سيؤدّي فعلاً من خلال هذه الطريقة إلى انتعاش اقتصادي أو تطور اقتصادي؟
سمير تقي: كما قلت تمامًا في السابق، بأن أية دولة عقائدية هي فاسدة بالتعريف. وبالتالي، هناك صراع على هوية الدولة أصلاً: هل هي دولة وطنية؟ هذا ليس فقط صراعًا بين قوى متحركة داخل المجتمع السوري – بعضها يشد في هذا الاتجاه، وبعضها الآخر يشد في اتجاه – وأمل أن تحسم هذه القضية لصالح القضية الوطنية.
لأن عمليًا الذهاب باتجاه – يمكن أن نتصوّر رئيسًا محافظًا متديّنًا، ولكن يدير دولة فيها قانون، فيها شرعية حقيقية، فيها مستوى من الديمقراطية تدريجي، لا مركزية... الخ.
وفي هذه الحال، يمكن أن نتصور بأن تدخل سوريا بمرحلة تعافٍ في إطار رأسمالية عمليًا تسمح للبرجوازية السورية بأن تعمل.
ولكن هذا لم يتم بعد. ما يتم به الأمور هو عمليًا أن هناك محاولات لجذب القوى.
لكن أضرب مثالًا: هناك الكثير من الحالات في سوريا التي يجري فيها التصرف بقضايا مالية، بقضايا منح العقود بملايين الدولارات... الخ، بناءً على قرارات شخصية ليس فيها شفافية، تستبعد منها البرجوازية الوطنية السورية.
وبالتالي، المشكلة هي في قضية بنية الدولة. وأعتقد أننا في مرحلة انتقالية غاية في الصعوبة.
كمال خلف: دكتور، السؤال الأخير – انتهى الوقت – هل ستحسم مسألة الهوية الوطنية؟ وفي أي اتجاه برأيك ستحسم هذه المسألة؟
سمير تقي: كما قلت، أنا هي معركة وطنية شاملة تجري داخل السلطة وتجري خارج السلطة، تجري في المجتمع ككل. وعمليًا، في رأيي أنا، لم يتكوّن بعد الخطاب، المناهج الدراسية، المناهج المدرسية لدى الجيش، كلها قضايا غير مستقرة، ويجري تبديلها بشكل سريع – مفهوم تمامًا – لكن ينبغي حسم هذا الموضوع.
لأن الوقت ليس مع سوريا. يجب حسم هذه القضايا، لأن الوقت ليس مع سوريا. هناك الكثير من القوى المتربّصة التي تريد تفجير الوضع الداخلي في سوريا – قوى خارجية متربّصة تحاول تفجير الوضع الداخلي في سوريا والاستفادة منها.
وبالتالي، إغلاق المجال السوري في إطار وحدة وطنية هو قضية رئيسية، وإعادة صياغة الهوية كما تفضلت.
كمال خلف: شكرًا، دكتور سمير تقي. سعيد جدًّا بأنك كنت معنا في هذه الحلقة. شرّفت البرنامج، الباحث الأول في المجلس الأطلسي في واشنطن من دبي. نتمنّى الاستقرار والازدهار لسوريا. أشكرك جزيل الشكر.