مصر… قدر الأمة ودرّة التاج
تتناول الحلقة رؤية الاستاذ حمدين صباحي لدور مصر العربي باعتبارها قاعدة الأمة وقائدها الطبيعي، مؤكداً أن أمن مصر جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية. يشرح كيف تواجه مصر اليوم «حزام نار» من التهديدات الإقليمية، في فلسطين وليبيا والسودان والبحر الأحمر وسدّ النهضة، ضمن مخاطر تهدف إلى إضعاف دورها القومي. وتطرح الحلقة أن استعادة هذا الدور تتطلب رؤية عربية مشتركة تقودها مصر، قائمة على ثوابت واضحة: رفض التقسيم والطائفية والوجود الأجنبي، وتعزيز التضامن العربي لحماية الأمن القومي العربي ومواجهة المشروع الصهيوني، بما يخدم مصلحة مصر والأمة معاً.
نص الحلقة
حمدين صباحي: تحية عربية طيبة.
مصر، مصر قاعدة الأمة العربية وقائدها الطبيعي، هي الثابت رغم كل التحولات. تاريخ عظيم من الحضارة، عصور جادة على هويتها العربية. هذه الهوية التي صنعت دورها بالجغرافيا والتاريخ، وأعلت قدرها وحددت قدرها.
إذا نهضت مصر، نهضت أمّتها العربية. وإذا انكفأت، ارتبكت الأمّة وتشتّت.
اليوم، مصر محاطة بطوق من المخاطر والنار، والأمة العربية مهددة بمشروع صهيوني لإسرائيل الكبرى، والطامعون من قوى أجنبية لا يتورّعون عن أن يتدخلوا على حساب المصالح والثروات والأمن العربي.
في هذه اللحظة، ما أحوج الأمة العربية إلى دور مصر، وما أحوج مصر إلى دورها العربي! ليس محض واجب أخلاقي، بل هي مصلحة الأمة ومصلحة مصر: أمن الأمة وأمن مصر، قيمة الأمة وقيمة مصر.
حمدين صباحي: مصر التي في خاطري وفي دمي، أحبها من كل روحي ودمي. هذه ليست مشاعر المصريين فقط، بل مشاعر كل عربي.
مصر في أيام النهوض الذي شهدته أمّتنا العربية، تحرّرت فيه أقطار عديدة من الاستعمار ونظرت للأمام وسعت لوحدتها، كان من الحقائق التي نذكرها الآن أن الأمة العربية كلها من المحيط للخليج كانت تجتمع على أمرين:
على الاستماع لخطاب جمال عبد الناصر، وحفلة أم كلثوم. مصر السياسة والثقافة، لها دور يحبه ويقدره كل عربي.
وذلك لأن مصر، كما قال مفكرها الكبير جمال حمدان، محكومة عليها بالجغرافيا والتاريخ أن تكون عربية، لأنها هي رأس ونقطة ثقل هذه الأمة بالمساحة والموقع وعدد السكان.
وهذا ما جعلها تستجيب لقدرها وقدرها وتلعب دورها في تاريخ أمّتها العربية.
بالحقائق التي يمكن الاتفاق عليها: أنه إذا قويت مصر، قوي العرب. وإذا ضعفت مصر، ضعف العرب.
عندما تلعب مصر دورها الملائم مع موقعها وتاريخها ومصالحها، تكون في قلب أمّتها العربية وتحمل قضاياها.
فإذا لعبت هذا الدور، مضت أمّتها على الطريق الصواب. وإذا تخلّت مصر عن دورها أو أُبعدت عن دورها، تفرّقت بنا السبل في أمّتنا العربية.
الكلام هذا نحتاج أن نتذكّره ونتفكّر فيه ونتدبّره في كل وقت، بالذات في هذه المرحلة الصعبة التي تمرّ بها الأمّة – الوطن العربي والإقليم من حوله – في وضع مضطرب مليء بالتحديات والمخاطر، ويفرض حالة تحتاج كل جهد مخلص لتمكين العرب كأمة وأقطارها كأقطار أن تتماسك وتحمي أمنها ومصالحها.
لأن المخاطر عديدة، ولا يوجد أوضح من أن العدوّ لهذه الأمة الدائم – الكيان الصهيوني – أصبح الآن يقول علنًا، بوقاحة وصلف وغطرسة قوى، إنه يريد إقامة "إسرائيل الكبرى".
=النية المضمرة عند المشروع الصهيوني باتت إعلانًا على لسان رئيس وزرائه وأجهزته الإعلامية.
القوى الأجنبية تدخل إلى هذا الوطن من أبواب عديدة، والإرادة الوطنية في كل قطر، والإرادة القومية العربية في مجمل الأمة، غير قادرة على أن تواجه وتحمي وتستقر وتصون الأمن والمصالح والحقوق.
النظام الرسمي العربي هشّ. لا أود القول إنه ضعيف، بل أود القول إنه في حالة أشبه بالموت السريري. إذا لم يفق، سيذهب إلى موت مؤكد بلا رجعة.
الشعور العام هذا فيه تفاصيل كثيرة. ممكن عندما نتأملها تشعرنا بأننا نحن نحتاج استفاقة عربية شاملة حتى نستطيع صدّ هذا الخطر الصهيوني وغيره من المخاطر.
نريد القرار في الأمة العربية وفي أقطارها أن يكون لشعبها، لمصالح العرب. لكن هذا ليس متحققًا الآن. وما نشهده دالّ وقاطع، ويعلم أي شخص يريد أن يتعلّم أو يعتبر:
قلب العروبة – سوريا، سوريا الحبيبة – انظروا لخريطتها، وانظروا من صاحب الكلمة والنفوذ والفعل فيها.
سنرى حضورًا أمريكيًّا وروسيًّا وتركيًّا وصهيونيًّا. هل يصحّ لقطر – وأي قطر، قلب العروبة – أن اللاعبين الرئيسيين فيه ليس فيهم طرف عربي؟
ربما السعودية حاضرة – حاضرة نعم – لكن حاضرة بالمال، ولكن ليس بالأثر على الأرض. ليس لديها قوة على الأرض، ليس لديها دور يحدد المصائر واقعيًّا، حتى ولو كانت تدفع وتدعم ماليًّا.
وهذا مجرد مثال نعبر عليه حتى ننتبه جميعًا: أمة نظامها الرسمي مفكّك في غيبوبة، وشعبها في كل أقطاره غير ممكن، وقواها الحية قادرة تقول كلامًا صوابًا، لكن لا تجد قدرة على تطبيقه.
هي أمة ينبغي أن تتوقّف وتتأمل وتعيد التفكير، وتمتلك شجاعة أن تطرح بديلًا عن البقاء في هذا الحال الذي يفضي بنا لمزيد من التدهور كل يوم.
كل تأمل جاد في الوضع العربي، وكل محاولة جادة لطرح بديل جاد عربيًّا، لا بد أن يعود إلى الحقيقة التي بدأنا بها:
إذا نهضت مصر بدورها، أمكن أن يكون في طريق لهذه الأمة لحماية أمنها ومصالحها.
وإذا تراجعت مصر أو نُحيت مصر عن أداء دورها، فنحن نفرّط في عامل القوة الرئيسي في هذه الأمة ونمنعه من أداء دوره.
لذلك، الحديث عن مصر هو حديث عن العروبة، والحديث عن الوضع العربي هو بالضرورة حديث عن مصر.
حمدين صباحي: أعداء الأمة، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، يعرفون أن مصر هي قاعدة هذه الأمة، هي نقطة قوتها الرئيسية.
وإذا كان هناك كلام عن "إسرائيل الكبرى"، فهذا معناه أن مصر هي الاستهداف الأخير في مشروع إسرائيل الكبرى.
وإذا كان الصهاينة استطاعوا – ليس بدعم بل بمشاركة أمريكية كاملة – أنه عبر 80 سنة من وجودهم على أرض فلسطين، كل مدة يتوسعوا ويقدموا جزءًا من أرض هذه الأمة، والذي لا يستطيعون أخذه بالحرب يؤخذ بمناورات السياسة، وما لم يستطيعوا أخذه بميدان القتال يحاولون أخذه بما يسمّونه "اتفاقيات سلام"،
طبعًا، السلام بيننا وبين إسرائيل مستحيل – خدعة، كذبة، مجرد ستار دخاني – حتى يتمكن هذا العدوّ الصهيوني ويحاول أن يعمي بعض أبصار العرب عن الخطر حتى تأتي لحظة الحقيقة.
ومن لحظات الحقيقة هذه: تصريحات نتنياهو الأخيرة عن "إسرائيل الكبرى" التي يريد أن يقيمها. يقيمها على حساب من؟ يقيمها على حساب بقية الأقطار العربية، ومن بينها مصر.
لأن "إسرائيل الكبرى" هي في خريطة "من النيل إلى الفرات"، تأخذ نصف مصر، كما يريد كل مطمع صهيوني في هذه الأمة.
وفي مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي أحيانًا يسمّونه "الشرق الأوسط الجديد"، وأحيانًا يسمّونه ما يسمّونه، هو المشروع: مشروع هيمنة صهيونية بالقوة على الوطن العربي في معظمه، لتدير أمريكا عبر الوكيل الصهيوني هذه المنطقة أمنيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا على حساب الأمة العربية وعلى حساب الجوار الإقليمي للأمة العربية.
نحن عندما نعرف هذا الهدف، نعرف أن درّة التاج هي مصر، الجائزة الكبرى للمشروع الصهيوني. مصر.
لذلك نحن نقول: إن مصر يتهدّدها خطر حقيقي، وخطر كل العقول الواعية في مصر تعرفه وتعيه وتحسب حسابه.
ويجب أن يكون معروفًا أن 40 سنة من ما سُمّي بالسلام – وهو ليس بسلام – بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، لم تجعل أي فتى أو فتاة مصرية، طفل أو طفلة مصرية، رجل أو امرأة – في بحري والصعيد، في الريف وفي المدينة – لا يقبل إسرائيل ولا يحبها ولا يوافق على التطبيع معها ولا إي نتيجة.
ورقة كتبها السادات ووقّعها مع بيغن، ومتشكرين، مصر مطوّقة بطوق من المخاطر من النيران.
نحن نعرف في تاريخ صراعنا مع العدوّ الصهيوني تعبير "دول الطوق". دول الطوق المقصود بها الدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة. وكان هذا التعبير جزءًا رئيسيًّا من رؤية مصر عندما كانت تلعب دورها القومي باقتدار، تحاول أن تقيم في دول الطوق المحيطة بالكيان الصهيوني قدرة اقتصادية وعسكرية واتفاقًا سياسيًّا وتوافقًا واضحًا يمكنها من أن تحكم الحصار حول العدوّ.
نحن الآن نرى دول الطوق تنكسر أو تكسر بعضها، وبعضها مستهدف، ونرى طوقًا من النار يُخلق حول مصر.
ويقول إن المصدر الحقيقي للخطر على مصر هو هذا الاتجاه الذي تمثّله الشام – فلسطين. هذا الشمال الشرقي هو بوابة كل خطر على أمن مصر تاريخيًّا.
وجود العدوّ الصهيوني، وجود كيان الاحتلال الإسرائيلي في هذه الجهة، يشكل قاعدة طوق النار المحيط بمصر الآن، وهو الخطر الأكثر فداحة على مصر.
لكن لم يعد هو الوحيد. الغرب في خطر، لأن ليبيا عندما تنقسم على نفسها وتقتتل وتكون مسرحًا لجماعات مسلحة لا ضابط لها ولا معرفة بتوجهاتها ولا بتمويلها ولا بخططها ولا بناواياها، مع خط حدود يزيد عن الـ1000 كيلومتر ما بين مصر وليبيا، معناه أن مصر أمام جبهة مفتوحة لمخاطر: للإرهاب، وللتهريب – سلاح أو مخدرات أو غيره. طالما بقيت ليبيا منقسمة، فهذا يعني تهديدًا لأمن مصر القومي.
الجنوب: نحن نرى المأساة في الجنوب. مأساة أولًا: تستنزف الدم السوداني وثروات السودان وتهدده بتقسيم جديد.
بعدما ذهب جنوب السودان، الآن السودان – الشمال – مهدّد بتقسيم جديد. من يلعب في السودان يدرك أن هذا خطر على مصر. مصر امتداد طبيعي جغرافي وتاريخي للسودان، والسودان امتداد لمصر.
وفي يوم من الأيام كانت مصر والسودان تحت سلطة واحدة. صح كانت سلطة احتلال =إنكليزي، لكن هذا ليس معناه القفز على حقائق: أن مصر والسودان يشربان من نفس النيل، وبينهما روابط عميقة جدًّا تاريخيًّا. إذا كانت السودان مهدّدة – وهي مهدّدة الآن – فمصر مهدّدة.
واحتمال أن لا يتحقق – بإذن الله، ونرجو أن لا يتحقق – أن تقوم دولة جديدة على حدود مصر الجنوبية، يُرجّح أن تكون هذه الدولة نقطة انقضاض على مصر وتهديدًا مباشرًا لأمنها.
فخط طوق النار من ليبيا غربًا إلى السودان جنوبًا، وليمتد في الجنوب إلى ما هو أعمق – لقرن إفريقي – تتدخل فيه قوى أجنبية عديدة الآن وتريد أن تقفز منه على البحر الأحمر، بكل أهمية البحر الأحمر للأمة العربية ولمصر تحديدًا.
ويمتد أعمق إلى إثيوبيا بسد النهضة. هذا الخطر الذي نسميه خطرًا وجوديًّا، يهدد وجود مصر، لأن مصر هبة النيل. فإذا انقطع عنها النيل، انقطع عنها الحبل السري للحياة.
وهذا سيظهر إذا ظلّت إثيوبيا في الوضع المتعنّت – طبعًا هذا تعنّت مدفوع من قوى معادية لمصر – فإنها لا توقّع مع مصر اتفاقية واضحة تشركها في إدارة النهر وفي المياه التي يتم تصريفها منه، بشرط ضمان حصة مصر في النيل كما كانت. وهذا الحق الأبسـط لمصر الذي ينبغي أن تتمكّن منه.
وأيضًا هناك خطر في البحر الأحمر. البحر الأحمر بحيرة عربية، المفروض أن تديره مصر والسعودية والسودان واليمن والأردن. الآن يشهد البحر الأحمر محاولات دؤوبة متكررة مستميتة لإدخال قوى أجنبية في إدارة أمن البحر الأحمر والسيطرة عليه. هذا عدوان مباشر على مصالح مصر وعلى دورها وعلى أمنها.
وفي الفترة الأخيرة، بعد الدور الذي لعبه أنصار الله في إسناد غزّة وفي تهديد الملاحة الذاهبة للعدو الصهيوني وما نجم عنه، مصر تعرضت لخسائر حقيقية نتيجة انخفاض دخل قناة السويس.
طبعًا، مصر تتحمّل هذا بكبرياء يليق بها، لكن أمن البحر الأحمر هو محل سؤال. مصر موقفها واضح منه: أنها ضد أي تدخل أجنبي في إدارة الأمن في البحر الأحمر. وقد رفضت مصر خلال الفترات الأخيرة مشروعات متعددة عُرضت عليها وعلى سواها من الدول المشاطئة للتنسيق مع العدو الصهيوني.
البحر الأحمر، بكل أهميته لمصر أمنيًّا واقتصاديًّا، يمثّل أيضًا – رغم أنه ماء – لكنه مشتعل: نقطة أو مساحة في طوق النار.
هذه المخاطر لا تكتمل دائرتها إلا بأن نذكر أن البحر المتوسط – وهو نقطة صراع الآن على الغاز، والغاز كمصدر طاقة لاعب رئيسي في أمن واقتصاديات العالم – هو نقطة اشتباك. مصر داخلة فيها مع أطراف أخرى يريد بعضها أن يتغوّل على دور مصر وحقوقها. وبهذه الصورة التي ممكن أن نراها مع بعض، ندرك أن تحديات مصر وتهديدات الأمن القومي المصري تمثّل هذا الطوق من النار.
قاسم قصير: الخطر الأكبر الذي يواجه العالم العربي اليوم هو المشروع الإسرائيلي. وحتى باعتراف مسؤول المخابرات السعودي السابق تركي الفيصل: "إن ليست إيران هي الخطر، إنما إسرائيل هي الخطر"، خصوصًا أن إسرائيل اليوم – في ظل حكومة متطرفة – تعتبر أنها تستطيع أن تغيّر الحدود في المنطقة.
وتحظى إسرائيل بدعم أمريكي مباشر. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في اللقاء الذي حصل في الكنيست قبل اتفاق غزّة، قال: "إن إسرائيل بلد صغير، ويجب زيادة مساحتها وحدودها، وأنا وافقت على ضم الجولان، ويمكن أن أوافق على ضم أي حدود – الضفة الغربية، على سيناء، على سوريا".
والذي أعاد أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، رغم أن هناك في المنطقة العربية مجموعة من المخاطر: ما يجري في السودان، ما جرى في ليبيا، ما جرى في اليمن، ما جرى في سوريا، ما يجري في لبنان.
لكن إذا نظرنا للصورة الإجمالية، تستطيعين أن تدركي أن إسرائيل ومعها أمريكا هي المحرك الكبير في المنطقة.
ومصر بالذات – التي رغم اتفاقها مع إسرائيل قبل عشرات السنين – تتعرض لحملة تهديد كبير من قبل الإسرائيليين، لأنها تشكل خطرًا على المشروع الإسرائيلي، ولأنها منعت تهجير الفلسطينيين ووقفت في وجه تهجير الفلسطينيين.
لذلك تقديري: إن الخطر الإسرائيلي – خطر المشروع الإسرائيلي اليوم – هو الخطر الأكبر على العالم العربي.
مصر هي الدولة العربية الأكبر – هذا طبعًا لا أحد يستطيع أن يجهله أو ينكره – سواء على المستوى الديمغرافي أو على مستوى الإمكانيات والقدرات التي تتمتع بها مصر. موقع مصر الاستراتيجي ما بين آسيا وإفريقيا، علاقات مصر...
طبعًا، مصر تعرضت في السنوات الماضية إلى ظروف اقتصادية صعبة وظروف سياسية وأمنية صعبة، لكن تبقى مصر – حسب التوصيف الذي كنا نسمعه، ومنذ وعينا على الوعي السياسي – أنها "أمّ الدنيا".
وتستطيع مصر أن تلعب دورًا مهمًّا، كما لعبت دورًا في موضوع اتفاق غزّة.
تحاول أن تقوم بدور في لبنان، مصر على حدود السودان، يمكن أن تلعب دورًا في ليبيا.
لذلك تقديري: الدور المصري ممكن تفعيله، لكن هذا يحتاج إلى ما يسمّى "الدبلوماسية المتحركة"، وليس "الدبلوماسية الجامدة"، بمعنى أن تعيد مصر تحديد أولوياتها.
الأمن القومي المصري الآن: إعادة العلاقات – العلاقات المصرية الإيرانية اليوم مهمّة جدًّا.
وحسب المعلومات، فإن العلاقات تطورت: إيران – مصر – تركيا، رغم الخلاف الذي حصل خلال فترة معينة، كلها عناصر يمكن أن تجعل من الدور المصري دورًا فاعلًا ومؤثرًا على المستوى الإقليمي والدولي.
حمدين صباحي: دور مصر العربي الذي في حاجة عربية له، وفي حاجة مصرية لأداء الدور – لأنه الحقيقة: قضايا الأمة مترابطة جدًّا ومتداخلة ومؤثرة ببعضها – طوق النار الذي حول مصر بتهديداته لا يمكن أن يُفكّ إلا بدور مصري: دور مصري مبادر، منطلق من رؤية، لديه مقومات.
وهو دور، لكي تتمكّن مصر من أدائه، يحتاج تضامنًا عربيًّا معه. لا تستطيع مصر أن تلعب دورًا عربيًّا من دون قبول وشراكة ودعم عربي.
ما يجعل مصر مهيّأة لأن تلعب الدور الأهم: أن لديها ثوابت. مصر دولة بمعنى الدولة. مصر هي أقدم دولة في التاريخ. مصر فيها مؤسسات راسخة مستقرة. مصر لديها وعي بأمنها القومي العربي. مصر حاسمة في تحديد هويتها كدولة عربية، جزء من الأمة العربية، كما ينص دستورها. مصر صاحبة ميراث طويل متراكم من أداء هذا الدور، الذي خبراته شكّلت هذه الرؤية. مصر تعرف عن نفسها ما أجاد التعبير عنه جمال حمدان في "شخصية مصر": أن مصر دولة ذات دور، دولة قائدة بحكم عطاء الجغرافيا والتاريخ، وليس دولة وظيفية. مصر إما أن تكون صاحبة رسالة ودور – فدورها يمتد في محيطها من حولها، وبالذات في أمّتها العربية –أو مصر تتخلى عن الدور أو تُنزَع من الدور أو تُهمَش من أداء دورها، فتدخل داخل حدودها حتى تقزّم. مصر اختبرت أن =تنسلّ من الدور عندما وقّعت كامب ديفيد، فكانت النتيجة أن لا مصر حصلت على الوعد الكاذب الذي قيل لها اعملي سلام مع العدو مقابل رخاء اقتصادي، وأنهار من عسل ولبن.
بالعكس، مصر في ظلال كامب ديفيد منذ 40 سنة تنتقل من سيّئٍ لأسوأ اقتصاديًّا. لم نأخذ من كامب ديفيد لا رفاهية اقتصادية ولا ناس تعيش مرتاحة، ولا حقيبة عسل ولا لبن، بل رأت مزيدًا من المرّ الاقتصادي، وغلاء، وتدهور أحوال المعيشة، وطحن الطبقة الوسطى، وظلم الفقراء. فمصر بالتجربة تعرف أنها عندما تنهض بدورها، فهذا هو الأكرم والأَنفع. وهي مقبولة في هذا الدور من أمّتها – الشعب العربي من المحيط للخليج – يكنّ لمصر محبة وتقديرًا. لكن قيمة مصر محفوظة بكل الأحوال: قيمتها في أنها نقطة ارتكاز وقوة وقيادة هذه الأمة، ومركز الثقل الرئيسي فيها. دورها مطلوب عربيًّا، وفي حاجة ماسّة إليه، ومطلوب مصريًّا، وهي في حاجة ماسّة إليه أيضًا.
الثوابت هذه التي تراكمت عبر خبرات مصر كدولة ذات مؤسسات، فيها ملامح واضحة تقول لماذا أو تفسّر لماذا دور مصر مقبولاً ومرحّباً به.
أولًا: أنها ضد التقسيم في أي قُطر عربي.
في أكثر من مرة، جمال عبد الناصر – في كل قيمته في التاريخ العربي – وهذا التعبير الأوفى، كما يقول جمال حمدان: "إن جمال عبد الناصر هو أول حاكم يكتشف قيمة مصر ودورها".
هذه كانت قيمة جمال عبد الناصر: لم يخترع أمرًا. جمال عبد الناصر اكتفى في حقائق بوعي وتعامل معها وأخلص لها وبنى رؤية على أرضية قيمة مصر وموقعها وقيادتها وقَدَرِها وقَدْرها.
جمال عبد الناصر، لما انفصلت سوريا عن مصر في دولة الوحدة في 28 ديسمبر 61 – نفس اليوم الذي شهد رحيل جمال عبد الناصر واستشهاد السيّد حسن نصر الله في 28 سبتمبر الحزين 61 –
قيل له: إن مجموعة من الضباط عملوا انفصالًا ضد إرادة الشعب السوري، فالحل أن الجيش المصري يقمع هؤلاء الضباط ويحافظ على الوحدة.
عبد الناصر رفض. لماذا رفض عبد الناصر؟ لأن الدم السوري، والحفاظ على وحدة سوريا داخليًّا، كانت غالية عنده، حريص عليها.
هذه من الثوابت – حتى الآن، حتى الآن، حتى الآن – رغم كامب ديفيد، ورغم ما يبدو على السطح من تحولات في مؤسسات مصر، الدولة الثابتة هذه القيمة لا تزال موجودة.
ونحن نراها اليوم في ليبيا: ليبيا مقسومة – في نفوذ تركي في الغرب، وفي نفوذ مصري في الشرق.
وكانت هناك محاولات، ولا تزال، أن يتم تقسيم ليبيا إلى ثلاث دول. ودولة الشرق هذه – لو قسّمت ليبيا – ستبقى في حضن مصر وموالية لها.
ومع ذلك، مصر رفضت وترفض حتى الآن تقسيم ليبيا، لأنها تدرك من ثوابت سياستها الخارجية أن تقسيم أي قُطر عربي أخطر وأسوأ، وثمنه فادح على الأمن القُطري والقومي، من أن تبقى هناك مرحلة للتنازع تنتهي كما ينبغي.
وهذا ما تقوم به مصر: مصالحات وطنية لا بدّ من أن تعقد في ليبيا وفي كل قطر عربي فيه ظروف مشابهة.
الثابت الثاني: لا للطائفية.
مصر عمرها لم تلعب على الوتر الطائفي. مصر لا يمكن أن تنجح أي محاولة للفتنة الطائفية. لماذا؟ لمتانة البنية الاجتماعية الثقافية الحضارية للمصريين جميعًا. مصر المتماسكة المتجانسة الموحّدة، ليس فيها تقسيم إثنيّ أو عرقي. التنوّع الديني الذي فيها هو تنوّع في حدود وحدة حقيقية دينية. المسلم والمسيحي فيها على قَدْر المساواة بينهم: روابط في الدم، والثقافة، وفي المعيشة، وفي الأكل، وفي الشرب، وفي الغناء، وفي النكات، وفي الزيّ، وفي العادات، وفي كل شيء.
مصر التي ليس فيها أي نزوع طائفي هي مصر. ويُقال: "السياسة الخارجية هي انعكاس للسياسة الداخلية"، وإن القوة في الخارج هي تجلٍ للقوة في الداخل.
التماسك المصري العظيم الذي أقول إنه فريد أحيانًا أو ليس كثير التكرار في بنية مجتمعها – في الكتلة السكانية الهائلة: 106 أو 110 ملايين مصري – لكن كتلة بالغة التماسك في بنيتها الثقافية والحضارية، لا تعرف طائفية، ولا يمكن للفتنة أن تنجح فيها.
سياستها الخارجية، وبالذات أنا أتحدث هنا عن السياسة العربية للدولة المصرية هي ضد الطائفية. مصر عمرها ما لعبت على الطوائف. والدولة المصرية لها دور دائم عربيًّا – يخفت أو يعلو، يتقدم أو يتقهقر – لكن عمرها لم تلعب في مراحل الحضور الهائل لمصر عربيًّا أو في مراحل تراجعها بعد كامب ديفيد – لم تلعب مصر على قضية الفتنة الطائفية، ولم تغذّها، ولن توافق عليها، ولم تشجّعها، ولم تقرّها على أي ناحية.
لبنان الذي يعيش على هذا التماسك ما بين مكوناته جميعًا، هذه أيضًا التجربة الفريدة في التنوع والوحدة، مصر كانت تتعامل مع كمال جنبلاط، القائد الوطني وهو من الدروز، تتعامل مع فرنجية من الموارنة، مع رشيد كرامي من السنّة، لكن تتعامل مع هؤلاء باعتبارهم لبنانيين. عمرها لم تحرّض على الشيعة ولا على الموارنة ولا على الدروز رغم أنها أكبر كتلة سكانية عربية وأكبر دولة عربية سنّية.
لكن التعريف الحقيقي لمصر، كما يُقال عنها دائمًا: أنها "سنّية المذهب، شيعية في الهوى".
مصر في دورها العربي تقف ضد الفتنة الطائفية، وضد أن تُستخدم الطوائف لتفتيت الوحدة الوطنية في أي قُطر عربي.
نحن نرى دور مصر حاليًّا: هل مصر عمرها تعاملت مع إيران بمنطق أنها سنّية وإيران شيعية؟ إطلاقًا لم يحدث.
تتفق وتختلف مع إيران على الدور، على المصالح، على النفوذ – وهذا أمر منطقي – لكن لا، ليس بمنطق طائفي.
مصر هي التي هذه السنة أدارت التفاوض ما بين إيران وما بين الوكالة الدولية للطاقة النووية، وعملت لقاء مع مديرها ووزير الخارجية في مصر في القاهرة. السياسة الخارجية المصرية لا تُبنى على أساس طائفي.
هم الحوثيون الآن المصنفون بأنهم السبب في أن دخل قناة السويس انخفض، هل مصر – حتى ندرك قيمة أن هناك دولة فيها مؤسسات، عندها وعي بأمن قومي، عندها بصر طويل المدى، لا تنظر تحت قدميها – مصر رغم هذا هي التي رفضت مبادرة ترامب عندما أعلن نيته تشكيل "حلف الازدهار" ضد الحوثيين. مصر رفضته. مصر رفضت مشاريع متعددة لأمن البحر الأحمر تقوم على إدخال أطراف أجنبية فيه. لأنها مؤمنة بأنه بحيرة عربية، وينبغي أن يبقى أمنه قرارًا عربيًّا خالصًا. قرار العربي هذا يبقى حوثيًّا، يبقى سنّياً، يبقى درزيًّا، تفصيل. =والوقوف عندها وتغليبها على حساب الوطن – الانتماء الوطني أو القومي – خطيئة وقع فيها كثيرون، وينبغي أن يتطهّروا منها ويعلو فوقها.
هذا جزء: لا للطائفية، لا للتدخل الأجنبي. هذا ثابت – ثابت: لا يوجد أجنبي يدخل على تراب أرض الأمة العربية. عمر مصر أن أقرّت هذا.
طبعًا، مصر عبد الناصر التي كانت قائدًا حقيقيًّا معتبرًا، معترفًا به، ملتفًّا حوله من جماهير الأمة العربية كلها، بنت دورها على أساس فكرة التحرر الوطني، وحق الأمة العربية بكل أقطارها أن تتحرر من الاستعمار الأجنبي. وقد كانت السند الفعلي لكل حركات التحرر في الوطن العربي، وأعظمها ما شهدناه في الجزائر.
نحن أمام ثابت في السياسة العربية لمصر: أنها لا تقرّ وجودًا أجنبيًّا.
ليس صدفة أن مصر من أجل السياسة الداخلية والخارجية ليس فيها أي قاعدة أجنبية. منذ أخرج جمال عبد الناصر الإنكليز وتخلّوا عن قواعدهم في القناة، لم تعد إلى أرض مصر أي قاعدة عسكرية أجنبية – حتى الآن ولا في الغد، بإذن الله.
إذاً، نحن أمام ثوابت ثلاثة في السياسة تحكم الدور العربي لمصر: لا لتقسيم، لا للطائفية، لا للوجود الأجنبي والقوات العسكرية الأجنبية.
هذا الذي يطرح علينا الآن، ونحن نقول بأن أمّتنا العربية محتاجة لدور مصري، ومصر محتاجة أن تؤدي دورها العربي في ظل هذه الثوابت، أن ندرك أننا بحاجة إلى مبادرات مصرية.
أهم هذه المبادرات هي: الدعوة إلى مصالحات وتوافقات عربية تصون الأمن العربي والمصالح العربية، وتواجه مخطط "إسرائيل الكبرى" أو "الشرق الأوسط الجديد".
=ربما هناك أمران يعيقان أداء مصر لدورها العربي: حجر اسمه "كامب ديفيد"، وحجر اسمه "الوضع الاقتصادي" – وبالذات الديون الخارجية.
لكي تتمكّن مصر من أداء دورها، هي في حاجة لمراجعة كامب ديفيد، وفي حاجة لموقف من الوضع الاقتصادي بجميعه، وخصوصًا الديون الخارجية. وفي الإثنين هؤلاء هناك دور عربي لتمكين مصر من أداء دورها.
دور عربي مطلوب لكي تحرّر مصر نفسها من الثقل – وبالذات الاقتصادي – من ثقل الديون، وتتمكّن من أداء دورها.
على قدر ما يحب شعبنا العربي مصر، ومهما مصر تحب أمّتها العربية، وبقدر ما مصر والأمة محتاجين دور مصر، بقدر ما هناك واجب عربي ومصري لا بد من أدائه لكي تستعيد مصر هذا الدور. هذا هو واجب الوقت.
جمال الجمل: مصر محاصرة من كل الجهات تقريبًا بطوق من الأزمات والتحديات: في الشرق والغرب والجنوب والشمال.
بما يحمله شرق المتوسط من تحديات – آمال ومخاوف – كما نقول: ينابيع الغاز الاقتصادية العنيفة، والطموحات الدولية الموجودة، والسرقات المستقبل، ومعاملات المشاريع المستمرة تؤدي لتحديات خطيرة جدًّا للوضع الأمني في مصر.
أنا لا أعتقد أن هذا الطوق من الأزمات صدفة، لكنه مخطط ومرتبط باستراتيجيات.
طالما الوقت عندما كان هناك صراع إنكليزي فرنسي، كانوا يدرّسون للتلاميذ أن مصر "ملتقى القارات". وحتى فرنسا تقطع الطريق على بريطانيا في الهند، فيأتي يحتل مصر.
القصة: وضعية قناة السويس والتحديات التي تطرحها ودورها العالمي تجعل أيضًا مصر محط أنظار. الوضع الديمغرافي والسكاني، ووضعية القوة المصرية عبر التاريخ – قوة مؤثرة جدًّا – صدّت غزوات خطيرة: مغول، تتار، فرس، وحروب صليبية... الخ. كانت مصر لاعبًا كبيرًا في هذه القضايا كلها. وبالتالي، يُنظر إليها على اعتبار أنها دولة كبيرة ومؤثرة. وبالتالي، لا بدّ من تقييدها، لا بدّ من فرض قيود، لأنها مرتبطة بتعطيل مخططات الآخر الذي يسعى لتنفيذها في المنطقة.
وبالتالي، الكبير يجب أن يعرف أنه كبير حتى لا يقزّم نفسه. مصر تعرف دورها، وتعرف مقدار قوتها، ومقدار عظمة ناسها وشعبها. مصر دولة كبيرة سكانيًّا، ومن حيث التاريخ، ومن =حيث التأثير في المنطقة. يقولون في الأدبيات: "الدول لا تُهزم من الداخل، الدول تتآكل من أطرافها". أي إمبراطورية مهما عظمت انظر إلى تخومها، انظر إلى الأطراف المحيطة، إذا وجدت المشاكل في المحيط الموجود، ستصل إلى القلب.
وأعتقد أن ما يثيره ترامب من أزمات متعلقة بأمريكا اللاتينية وفنزويلا وغيره، يتحدث بهذا المفهوم. وما يثيره بوتين وأوضاع أوكرانيا وشرق أوروبا، ينظر إلى ما يعتبر محيطه الإقليمي. أمنه لا يبدأ في عاصمة بلاده، أمنه يبدأ في المحيط. وبالتالي، أمن مصر يبدأ جنوبًا من منابع النيل، يبدأ غربًا من تأمين الحالة الليبية والأجواء الموجودة في الغرب، يبدأ شرقًا من تأمين الشام وفلسطين وكل الطموحات والتحديات الموجودة في الشرق. وفي المتوسط، حتى قبرص – منطقة شرق المتوسط – منطقة مشتعلة تزداد اشتعالاً، فيها تحديات كثيرة جدًّا.
على مصر أن تدرس كل هذه الملفات حزمة واحدة، وتتعامل معها بمفهوم الأمن القومي الواسع، وباعتبار أن المواطن شريك في هذا الأمر.
حمدين صباحي: مصر التي في خاطري وفي فمي، أحبها من كل روحي ودمي. يا ليت كل مؤمن بعزّها يحبها حبي لها! نحبها من روحنـا، ونفتديها بالعزيز الأكرم من عمرنا وجهدنا. عيشوا كرامًا تحت ظل العلم، تحيا لنا عزيزة في الأمم. نحبها للموقف الجليل، من شعبها وجيشها النبيل. دعا إلى حق الحياة لكل من في أرضها، وثار في وجه الطغاة مناديًا بحقها. وقال في تاريخها المجيد: "يا دولة الظلم امحِ، وبيدِي صُونِي!" "احفظوا حماها وانصروا من يحتمي، ودافعوا عنها تعش وتسلمي!".