آفاق التفاوض... مساراتٌ وتحديات

بعد أشهر من الضغوط والتهويل، والتهديد بهجوم واسع كان الموفدون والعرافون يتنافسون على تحديد توقيته وحجمه، قرر لبنان أن يرفع مستوى تمثيله ضمن لجنة "الميكانيزم"، وكلف السفير السابق سيمون كرم بترأس الوفد اللبناني فيها. لكن ماذا يفعل مدني في لجنة يفترض بها أن تشرف على "اتفاق وقف اطلاق النار"، الذي خرقه "الجيش الإسرائيلي" خمسة آلاف مرة في عشرة أشهر؟ عشرة أشهر تواصل خلالها القتل والتدمير والتوسع، وكانت حصيلتها مئات الشهداء والجرحى. وما زال أهل الجنوب ممنوعين من العودة الى قراهم، ناهيك بإعادة الإعمار. كلمة "تفاوض" باتت اليوم على كل لسان، فهل يبقى هذا التفاوض في اطاره التقني والعسكري كما طمأنت السلطة اللبنانية؟ أما زال الهدف هو إلزام الاحتلال باحترام تعهداته، أي بوقف العدوان والانسحاب وإعادة الأسرى؟ أم سننزلق المفاوضات تدريجياً إلى مسار تطبيعي، يبدأ بالتنازلات المجانية، وينتهى بكارثة وطنية كبرى؟ هل دخل لبنان في مرحلة جديدة من الصراع، تهدد مستقبله ووجوده؟

نص الحلقة

 

 

بيار أبي صعب: مساء الخير. بعد أشهرٍ من الضغوط والتهويل والتهديد بهجومٍ واسع كان الموفدون والعرّافون يتنافسون على تحديد توقيته وحجمه، قرّر لبنان أن يرفع مستوى تمثيله ضمن لجنة الميكانيزم، وكلّف السفير السابق سيمون كرم بترؤّس الوفد اللبناني فيها، لكن ماذا يفعل مدني في لجنة يُفتَرض بها أن تُشرف على اتفاق وقف إطلاق النار الذي خرقه الجيش الإسرائيلي خمسة آلاف مرة في عشرة أشهر، عشرة أشهر تواصَل خلالها القتل والتدمير والتوسّع وكانت حصيلتها مئات الشهداء والجرحى. وما زال أهل الجنوب ممنوعين من العودة إلى قراهم، ناهيك بإعادة الإعمار. كلمة "تفاوُض" باتت اليوم على كل لسان، فهل يبقى هذا التفاوض في إطاره التِقني والعسكري كما طمأنت السلطة اللبنانية؟ أم مازال الهدف هو إلزام الاحتلال باحترام تعهّداته أي بوقف العدوان والانسحاب وإعادة الأسرى أم ستنزلِق المفاوضات تدريجياً إلى مسارٍ تطبيعي يبدأ بالتنازُلات المجّانية وينتهي بكارثةٍ وطنية كبرى؟ هل دخل لبنان في مرحلةٍ جديدة من الصراع تهدّد مستقبله ووجوده؟

لمناقشة هذا الموضوع ضيفانا الليلة في الاستوديو الأستاذ وليد شرارة الكاتب والباحث في العلاقات الدولية، والصحافي والمحلّل الأستاذ جورج شاهين رئيس تحرير موقع إيست نيوز، فأهلاً بهما وأهلاً بكم أعزّائي المشاهدين في هذه الحلقة الجديدة من "على محمل الجد". أستاذ جورج أهلاً وسهلاً بك، السؤال بديهي الذي يُطْرَح كيف تنظر إلى إرسال مدني إلى الناقورة؟ إلى رفع مستوى تمثيل لبنان في لجنة الميكانيزم من عسكري إلى دبلوماسي؟

 

 

جورج شاهين: تحدّثتَ في مقدّمتك عن مفاوضاتٍ تِقنية ومن بعدها التمثيل السياسي، من الواضح أن التمثيل السياسي كان نتيجة قرار برفع مستوى المفاوضات، وهذه ليست المرة الأولى التي يدخل فيها تقنيون أو اختصاصيون. في العام 2003 عندما كان رئيس الوفد أنطوان فتّال يتنقّل بين ناتانيا وليبانون بيتش كان هناك خُبراء دستوريون وقانونيون ضمن الوفد. في العامين 2006 و2007 كان هناك عسكريون تعاطوا مع الخط الأزرق وتثبيت ترسيم الحدود البرّية لإنهاء دور ما يسمّى بالخط الأزرق وهو خط انسحاب وليس خطاً حدودياً. من العام 2020 إلى العام 2022 بالترسيم البحري انضّم نجيب مسيحي كخبيرٍ بالقانون الدولي والعميد ياسين إلى المفاوضات. ليست المرة الأولى التي يجري فيها تشكيل وفد مُختلط على خلفية الاقتصاديين أو الاختصاصيين، عندما كان الأمر يتعلّق بالقوانين الدولية استعنّا بخبيرٍ دولي، اليوم هناك جانب من المفاوضات للأسف تأخّرنا في فَهْمِه، بالأمس السفير الأميركي ميشال عيسى من على عَتَبَة عين التينة رَسَمَ إطاراً جديداً لهذه المفاوضات.

 

 

بيار أبي صعب: فصل التفاوض عن العدوان. 

 

 

جورج شاهين: من الطببعي أن يقول إن المفاوضات هي بين الدولة اللبنانية وإسرائيل وكأنّ الحرب التي كانت كانت بين إسرائيل وحزب الله بالنظرة الأميركية كمنظّمةٍ إرهابية أو حزبٍ سياسي أو قوى تقع تحت العقوبات الدولية.

 

 

بيار أبي صعب: هذه النظرة الإسرائيلية.

 

 

جورج شاهين: التوضيح الذي قدّمه ميشال عيسى برأيي أعطى طابَعاً جديداً لهذه المفاوضات.

 

 

بيار أبي صعب: سنناقش كلام السفير ولكن أودّ أن أعرف الخلفية أو مَقْصد الدولة اللبنانية هل هو رضوخ لضغوط أميركية أم محاولة لتخفيف أذى العدوان الإسرائيلي أم أن الدولة اللبنانية تعتبر أنه من خلال شخصيةٍ دبلوماسيةٍ في هذه اللجنة يمكننا الضغط على العدو الإسرائيلي لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والانسحاب ووقف العدوان وإعادة الأسرى؟

 

 

جورج شاهين: لن أقرأ المشهد اللبناني وحده وإنما مشهد مع مشهد قطاع غزّة، قطاع غزّة بدأ بالتفاوض قبلنا عبر الوفد السياسي لحماس إنما هناك القوّة نفسها التي شنّت الحرب، حركة حماس ومثيلاتها من المنظّمات هي التي شنّت الحرب على إسرائيل وهي التي تخوض المفاوضات. في لبنان ذهبنا إلى حربٍ قادنا إليها حزب الله كما قال الرئيس ميشال سليمان في 2013 وكان لدينا شعار جيش وشعب ومقاومة، ذهبت المقاومة إلى سوريا من دون أن تسأل الجيش أو الشعب، وبالأمس ذهبنا إلى حرب الإلهاء والإسناد ولم نسأل لا عن الجيش ولا عن الشعب ولا عن حكومة تصريف أعمال وكان مركز رئاسة الجمهورية شاغِراً قبل سنةٍ من حرب الإلهاء والإسناد. تولّى المفاوضات رئيس السلطة التشريعية وأورث حكومة تصريف الأعمال تفاهم 27 تشرين، لذلك أرى أن الفصل بين كون الحرب التي ما زالت تقول 

إسرائيل إنها تخوضها ضدّ حزب الله وكأنّ الحكومة اللبنانية أو الدولة اللبنانية في مكانٍ آخر فيما بعض المنطق يقول إنه حينما خاض حزب الله هذه الحرب كان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي كان قد تبرّأ من هذه الحرب منذ الأسبوع الأول، انتُخب رئيس الجمهورية في 10 كانون بعد التفاهُم، كان قائداً للجيش وقام بدوره كقائدٍ للجيش وكان همّه وحدة المؤسّسة ولقُمة عيشها. أين كان رئيس الحكومة المتّهم اليوم بالخيانة؟ كان على رأس محكمة العدل الدولية يُحاكِم بنيامين نتنياهو حتى حَرَمَه من دخول عشرات الدول بالدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا. لذلك هذا التمييز بين الحكومة والسلطة والدولة اللبنانية التي تخوض مفاوضات مع إسرائيل تجري على هامش حربٍ ما زالت إسرائيل تخوضها ضدّ حزب الله ومن خلفه القوى الأخرى.

 

 

بيار أبي صعب: عملياً أستاذ جورج السيادة اللبنانية هي المُعرّضة للخطر والدولة هي التي تدافع عن السيادة. أستاذ وليد وجود المقاومة جاء لأنه خلال فترة معيّنة من تاريخ لبنان لم تكن الدولة تُدافع عن الأراضي اللبنانية، فأهل الارض قاوَموا ودافعوا عنها، فهل يمكن الفصل بين المقاومة والدولة؟ وهل أن إرسال مدني اليوم دبلوماسي غير تقني أو خبير غاز أو خبير قانون دولي إلى لجنة تفاوض هل يخدم قضية لبنان التي هي تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية؟

 

 

وليد شرارة: بدايةً لا حاجة للعودة إلى تاريخٍ يعرفه الجميع، الموضوع هذا مذكور في كتب المؤرّخين، لماذا نشأت مقاومة الجنوب اللبناني. لن أخوض بالتفاصيل لأنني أعتقد أن القسم الأعظم من المُجاهدين يعرف أن لبنان تعرّض لعدوانٍ =واحتلالٍ والدولة اللبنانية كانت غائبة، وكان هناك انقسام داخلي في لبنان حول الموقف من العدوان والموقف من إسرائيل. لن أخوض في هذا النقاش، المشكلة اليوم برأيي إذا أردنا أن نناقش ما يجري علينا أن نخرج من الإطار اللبناني ونرى مَن الذي فرض على لبنان، مَن الذي ضغط لكي يُعيّن لبنان دبلوماسياً سابقاً كرئيسٍ للوفد المفاوض؟ ما هو مشروع هذا الطرف وهدفه وما الهدف الإسرائيلي؟ نحن اليوم نواجه مشروعاً إسرائيلياً، أحد أعمدة كتّاب نيويورك تايمز روجر كوين كتب مقالاً بعنوان "إسرائيل الإمبراطورية". لدينا حكومة إسرائيلية تتصرّف بالإقليم باعتبارها قوّة عظمى ستحكم، ثانياً لدينا إدارة أميركية أصدرت منذ بضعة أيام وثيقة استراتيجية أمن قومي تقول إنه صحيح أن الولايات المتحدة تركّز على مناطق كثيرة ولكنها بالنتيجة ستركّز على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، القسم الغربي من الكرة =الأرضية والمحيط الهادئ وربّما شرق آسيا. الشرق الأوسط ورغم أن الولايات المتحدة حتى اليوم تتدخّل فيه لصالح المشروع الإسرائيلي إلا أنه لن يعود هو الأولويّة الأولى بالنسبة للولايات المتحدة، بكلامٍ آخر سيُسلّمون هذه المنطقة لإسرائيل الإمبراطورية. هم يقومون بالترتيبات الضرورية لتسليم الإقليم للهيمنة الإسرائيلية، وفي هذا السياق وظيفة المفاوضات الحالية كما كانت وظيفة الحرب هي خلق الشروط المناسبة للإجهاز على المقاومة. الدولة اللبنانية اليوم بإمكانياتها وقُدراتها لا تستطيع وحدها التصدّي للعدوان الإسرائيلي. حتى إن لم تكن هناك صيغة في السابق علينا أن نوجِد صيغة للتنسيق بين الدولة والمقاومة والاستفادة من كل الأوراق المُتاحة على المستوى الإقليمي والدولي لمواجهة التغوّل الإسرائيلي الذي يُهدّد لبنان وجودياً.

 

 

بيار أبي صعب: حُكّام هذه اللحظة السياسية يقولون إننا غير قادرين وبالتالي سلاحنا هو الدبلوماسية، هناك مُكوّنات لبنانية تقول نحن ضعفاء ولا يسعنا سوى أن نبكي عند السفير الأميركي.

 

 

وليد شرارة: هل هذا الكلام جديد؟ هو مطروح في لبنان منذ أن رُفِع شعار "قوّة لبنان في ضعفه".

 

 

بيار أبي صعب: ولكنه عاد ليتردّد في لحظةِ أزمةٍ مصيرية.

 

 

وليد شرارة: نعم نحن أمام أزمة مصيرية وستتفاقم الأزمة وتكبُر وتتشعّب وتتعقّد وتصبح داخلية وخارجية إذا استمرّ هذا المنطق. نحن أمام تهديدٍ وجودي، لا بدّ من أن يعي مَن لم يعِ حتى اللحظة أن هناك خطراً إسرائيلي على لبنان بكل مُكوّناته ولا يستهدف لبنان وحده. هناك مشروع إسرائيلي مُعْلَن لتفتيت الإقليم، يجري الحديث عن إنشاء تحالف أقلّيات وأن هدف إسرائيل هو حماية أقلّيات ضدّ أكثريات، والفريق الليكودي الحاكِم الذي يتحدّث عن إعادة بناء الشرق الأوسط لا يتحدّث بالمعنى الأميركي وإنما يعني العودة إلى ورقة أوديد ينون لتفتيت المنطقة إلى دويلاتٍ طائفية وإثنية مُتناحرة كما يحصل في سوريا. مَن نفاوِض اليوم؟ مَن نواجِه؟ نواجِه أكثر حكومة إسرائيلية مُتطرّفة بتاريخ الكيان.

 

 

بيار أبي صعب: لنعود إلى التفاوض مع العدو الإسرائيلي في لجنة الميكانيزم، حين حضر السفير سيمون كرم الاجتماع الأول قامت إسرائيل بشنّ خمس غاراتٍ على الجنوب والبقاع، فصرّح السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى بأن التفاوض لا علاقة له بالعدوان، عِلماً أنها لجنة هدفها وقف العدوان.

 

 

وليد شرارة: علينا أن نفهم التفاوض في سياق ما هو أوسع من التفاوض، الهدف الأول لإسرائيل هو تصفية المقاومة، إذا كان هناك مشروع إسرائيلي للهيمنة على الإقليم، هذا المشروع شرطه الأول هو تصفية كل القوى التي تستطيع أن تواجِه مثل هذا المشروع، هذه المفاوضات هي تحت النار. هناك كتاب للمؤرّخ الفلسطيني رشيد الخالدي تحدّث فيه عما يسمّى بمسار المفاوضات أو مسار السلام الأميركي، أسماهم "عرّابو الخِداع"، نحن أمام عملية خِداع، كل هذه المفاهيم حول الحوار المُستدام، مسار السلام وهي مفاهيم أطلقها رجل واحد يُدعى هارولد سوندرز. الولايات المتحدة تشتري الوقت لصالح إسرائيل، وخلال التفاوض مع الدولة اللبنانية تتابع إسرائيل عملية الإجهاز على "المنظّمة الإرهابية" أي حزب الله، يمكن السير بهذين المسارين سوياً. نحن أمام مَلْهاة، أما المطلوب فهو الإجهاز على المقاومة لتمهيد الظروف الملائمة لإسرائيل الإمبراطورية التي بات الحديث عنها طبيعياً في نيويورك تايمز والإعلام الغربي. الدبلوماسي الفرنسي السابق جيرار آرو قال إن إسرائيل هي القوّة المًهيمنة الجديدة على الشرق الأوسط، أصبح الغرب الجماعي يتحدّث عن إسرائيل باعتبارها زعيماً في المنطقة ليصبح هذا الأمر واقعاً على الأرض حيث المطلوب تصفية المقاومة، هذا هو الهدف الأول والأساسي، لا هو نزع السلاح ولا التطبيع، هذا سيأتي في مرحلةٍ لاحقة، المطلوب أولاً هو تصفية المقاومة.

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ جورج في آخر مقالاتك دعيتَ إلى ضرورة حماية المُفاوِض اللبناني وتأمين خلفيّة وطنية مُتماسِكة تدعمه في مفاوضات يُتوقّع أن تكون شاقّةً ومُعقّدة، ولكن التفاوض حول ماذا؟ 

 

 

جورج شاهين: قبل أن نتحدّث عن دور المفاوض أؤيّد ما قاله الأستاذ وليد من بابٍ أوسع لقراءة ما يجري على الساحة اللبنانية، فلا نقف في زواريب بيروت وبين عين التينة وبعبدا والضاحية الجنوبية. مَن يُدرك أن إسرائيل بلا دستور ومَن يدرك أن إسرائيل لا تعترف بحدود، دولة بلا حدود، دولة بلا دستور، يجب أن نحتسب كيف يمكن أن نتعاطى معها. لذلك أنا منذ سنتين وحتى اليوم تقريباً منذ 10 تشرين الثاني 2023 أي بعد أسبوعين فقط =على إعلان طوفان الأقصى أطرح سؤالاً على نفسي، مَن هو يحيى السنوار؟ مَن هو هذا الشخص الذي أرعب إسرائيل لمدة 12 ساعة بقي فيها في الأراضي الفلسطينية المحتلّة وانتهى الفيلم وبدأ تدمير ومحو غزّة عن الوجود، أعلنّا حرب الإلهاء والإسناد، تلهّينا بعملية فَقء العيون عبر تدمير الكاميرات الإسرائيلية على الحدود. ذهبنا إلى حرب الإلهاء والإسناد بتقديرنا لقُدرات إسرائيل كما كانت في العام 2006 ونسينا أننا في العام 2023 إلى أن فوجئنا لاحقاً بالبيجر والووكي توكي وبهذا الحجم من الخرق الكبير. أستاذ وليد وبيار هل لديكما قراءة من أين بدأ هذا الخرق؟ هل هو من قلب طهران أو من قلب الضاحية الجنوبية؟

 

 

بيار أبي صعب: السؤال هو أبعد من ذلك، هل سنحمّل المقاومة المسؤولية؟ لا نريد أن =يُفهم من كلامك أن المقاومة تستحقّ ما حلّ بها.

 

 

جورج شاهين: نكشنا عشّ الدبابير في لبنان ودخلنا هذه الحرب. 

 

 

بيار أبي صعب: كانوا سيأتون حتماً أستاذ جورج، هناك وثائق ومقالات تؤكّد ذلك.

 

 

جورج شاهين: نحن نسمع هذه السردية منذ سنتين، لو عدنا إلى حركة الموفدين الأميركيين، في تموز الماضي جاءنا هوكشتاين قبل 24 ساعة من اغتيال فؤاد شكر واسماعيل هنية وأبلغ رئيس مجلس النواب وقال له بعد ثلاثة أشهر تدخل الإدارة الأميركية مدار الانتخابات الرئاسية هوكشتاين، هناك مجنون من بيت نتنياهو في القدس وسنفقد كل أشكال السيطرة. بعد يومين اغتيل فؤاد شكر ومن بعده اسماعيل هنية في طهران. في منتصف أيلول قال هوكشتاين إننا دخلنا المحظور والمطلوب هو الفصل بين ما يجري في لبنان وبين غزّة، لا يمكن إلهاء إسرائيل ولا إسناد غزّة، إسرائيل قادرة على ضرب النبطية ومرجعيون وغزّة وأيضاً في سوريا والعراق واليمن ومن ثم طهران، بعدها جاءت مجزرة البيجر والووكي توكي، استهداف 22 قائداً من فرقة الرضوان، وفي يوم 27 الكارثة الحقيقية باغتيال الأمين العام السيّد حسن نصر الله ومن ثم اغتيال خليفته السيّد هاشم صفي الدين في جلسة انتخابه حيث قيل إنه كان يُحضّر لخطابه. كل هذه التطوّرات أما كان يجب أن تردعنا لكي لا نصل إلى ما وصلنا إليه في 27 تشرين؟

 

 

بيار أبي صعب: لا يمكننا أن نعود بالزمن إلى الوراء.

 

 

جورج شاهين: إذا أردنا أن نرفع المسؤولية عن كل ما جرى فعلى ماذا أحاسِب رئيس الجمهورية اليوم ونواف سلام وأقول له أنت مجرم يا نواف وأنت عميل صهيوني.

 

 

بيار أبي صعب: نحن لا نتداول هذا الكلام.

جورج شاهين: اقتيد البلد إلى حيث هو، وقّعنا اتفاقاً في 27 تشرين ونسينا أن هناك أسرى من دون أي جدول زمني، مهلة الستين يوماً بلا جدوى، مدّدنا المهلة 27 يوماً حتى 18 شباط، جاء توم برّاك ليقول ليست هناك ضمانات، السفير عيسى قال الحرب شيء والمفاوضات شيء آخر.

 

 

بيار أبي صعب: هذه نظرية لو أن أنف كليوباترا مختلف لتغيّر وجه التاريخ، هذه ال "لو" لا تجدي. في هذه اللحظة وفي ضوء ما قاله أستاذ جورج هل يجب أن نستسلم لإسرائيل ونفعل ما تريده؟ لنفترض أن هناك تراكُم أخطاء وخيارات خاطئة، بإمكانك أن تردّ على ما قاله الأستاذ جورج.

 

 

وليد شرارة: هناك شقّ له علاقة بالمرحلة الماضية وشقّ آخر يتعلّق بالمستقبل، عند حصول عملية طوفان الأقصى قال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في 8 أكتوبر إنه علينا مهاجمة لبنان، كل ما جرى بعد ذلك من البيجر والاغتيالات والضربات هو دليل على أن الجيش الإسرائيلي كان يرى أن التهديد الرئيسي هو في لبنان وكان قد وضع السيناريوهات على الطاولة للتعامُل مع لبنان لضرب حزب الله. برأيي مع اختلاف الرؤية بيني وبين الأستاذ جورج يرتبط بأنه ربّما يكون هذا الأمر حاضراً في ذهِنه ولكنه لا يُحلّله، الجيش الإسرائيلي يعتبر أن هناك حساباً مفتوحاً مع حزب الله منذ العام 2000|، والمطلوب هو تصفية هذا الحساب عبر تصفية حزب الله. يمكنني الحديث مُطوّلاً هنا عن نظرة العدو الإسرائيلي إلى حركات المقاومة وكيف تعامل مع المقاومة الفلسطينية سابقاً وقام باغتيال كل رجالات المقاومة الفلسطينية، وحتى قبل أوسلو اغتالوا أحد آخر قادة المقاومة الأمنيين عاطف بسيسو وقد كانت مفاوضات أوسلو قد بدأت، تمّ اغتياله في العام 1992 وتمّ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993. الجيش الإسرائيلي كان يُحضّر للحرب مع حزب الله، بكلامٍ آخر كانت الحرب آتية لا محالة. أنا أختلف هنا مع مَن يعتقد أن الجيش الإسرائيلي كان يحتاج للذريعة لأن الطرف الأقوى دائماَ يخترع الذرائع. إسرائيل في العام 1982 اخترعت ذريعة لاجتياح لبنان بعد العملية التي نفّذتها مجموعة أبو نضال في لندن، أيضاً حرب فيتنام بذرائع كاذبة، الحرب على العراق، اليوم يتمّ اتهام فنزويلاً بتهريب المخدّرات لقصف بواخر الصيّادين والسطو على النفط الفنزويلي كما حصل البارحة. الطرف الأقوى يخترع الذرائع، إسرائيل كانت تعدّ العِدّة للحرب على حزب الله، وحزب الله عندما رأى أن المعركة بدأت في غزّة بدأ بعملية محاولة فتح جبهة ثانية لإسناد غزّة للضغط على الطرف الإسرائيلي لأنه كان مُقتنعاً بأن الحرب آتية. المسؤولون اللبنانيون التقوا بدبلوماسيين غربيين وغير غربيين ونقلوا رسائل ولكن الطرف الآخر كان يُعدّ العدّة للحرب بتفاهمٍ كامل مع الولايات المتحدة. إذا قمنا اليوم بالاستسلام لإسرائيل فهذا يعني ليس فقط نزع سلاح المقاومة وإنما إسرائيل تريد تصفية المقاومة.

 

 

بيار أبي صعب: يُقال إن إسرائيل ستحقّق الازدهار والسلام وسنرتاح من ثقافة الموت.

 

 

وليد شرارة: يا عزيزي إذا عدنا بالتاريخ مع مَن نتعامل؟ هل يمكننا أن نعيش بسلامٍ مع إسرائيل؟ إسرائيل التي تحكمها مجموعة من الفاشلين المُتعطّشين للدماء، الذين يعتبرون أن جوارهم مُكوّن من أنصاف البشر أو من غير البشر، يريدون السطو على الثروات والأرض، مشاريعهم مُعلنة، نتنياهو يقول أنا من أنصار إسرائيل الكبرى ويحمل القلاّدة التي تُظْهِر خريطة إسرائيل الكبرى والتي تضّم نصف المنطقة. هل يصحّ في مثل هذه الظروف الحديث عن السلام أو كيف نعدّ العدّة لمواجهة نستطيع فيها أن نُلحق بإسرائيل أكبر قَدْرٍ من الخسائر للدفاع عن أنفسنا. حتى إذا لم نفكّر بالدفاع عن لبنان ومصلحة لبنان وحده يجب أن يكون لدينا قُدرة على أن نُلحق بإسرائيل أكبر قَدْرٍ ممكن من الخسائر، إذا لم يكن لدينا السلاح فعلينا الإتيان به لنواجه هذا الوحش المُنفلت من عِقاله. ما يزعجنا وبات يُزعِج دول المنطقة الآخرى التي كانت تتحدّث عن السلام، حتى دول الخليج ومصر وتركيا، كل هذه الأطراف مُستفَزّة من سياسة نتنياهو.

 

 

بيار أبي صعب: فاصل قصير ونعود أعزّائي المشاهدين. 

أهلاً بكم مجدّداً أعزّائي المشاهدين في هذه الحلقة من "على محمل الجد"، إسمحوا لي أن أعيد الترحيب بضيفينا الأستاذ جورج شاهين والأستاذ وليد شرارة. نصل الآن إلى الجزء الثاني من حلقتنا مع فقرة "على محمل النقد"، سألنا الدكتور حسن جوني أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية عن رأيه من وجهة نظر قانونية برفع مستوى تمثيل لبنان في لجنة الميكانيزم، فكان جوابه قاطِعاً "على لبنان ليس فقط أن يسحب ممثّله المدني من اللجنة بل أن ينسحب كلّياً من المفاوضات"، نستمع معاً.

 

 

حسن جوني: يحدّد القانون الدولي مبادئ وأهداف وأسس وشروط المفاوضات بين =الدول، وأهمّها أنه على المفاوِض أن يعرف العدو، يعرف أهدافه، يعرف ماذا يريد، يعرف طبيعته، وأساساً يجب أن يعرف لماذا العدو قَبِل بمبدأ المفاوضات وهذه نقطة مهمّة جداً. وفي هذا الوقت نحن نعرف ماذا يريد العدو، يريد أولاً إنشاء منطقة اقتصادية على الحدود مع فلسطين، يريد نزع سلاح المقاومة ويريد أيضاً إقامة علاقات سياسية أو طبيعية مع لبنان، هنا يجب أن نتوقّف عندما قام لبنان بتعيين سياسي دبلوماسي سفيراً سابقاً رئيساً للوفد اللبناني المفاوض، هذه الخطوة خطيرة جداً ولا يجب مُقارنتها أبداً بموضوع تواجُد تقنيين في الفريق التقني الذي كان موجوداً والعسكري الذي كان يفاوض لترسيم الحدود البحرية. الموضوع مختلف تماماً ويجب عدم مُقارنته، هنا إذا ذهبت الأمور بالاتجاه السياسي والدبلوماسي فهذا موضوع خطير وهذا ما يريده الإسرائيلي عبر الفرض بأن يكون للبنان شخصيات دبلوماسية سياسية في المفاوضات لأنه يعرف تماماً أن هذا الموضوع سيُسبّب أزمة داخلية في لبنان، وهذا ما يريده العدو الإسرائيلي. لذا على لبنان ليس فقط طلب سحب السفير اللبناني المدني إنما أيضاً الانسحاب من المفاوضات كلياً لأنه يعرف ما هي أهداف العدو، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وعدم الاعتداءعلى لبنان. هذه الأمور موجودة في اتفاقية الهدنة التي يجب على لبنان أن يتمسّك بهذه الاتفاقية الصادرة عام 1949 والتي حصلت لتحديد الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود مع فلسطين، واتفاقية الهدنة ما زالت مستمرّة لأن الأمم المتحدة هي طرف ثالث فيها من ناحية وكل قرارات الأمم المتحدة المتعلّقة بالصراع اللبناني الإسرائيلي هي دائماً تتحدّث عن هذه الاتفاقية وتأتي على ذِكرها. هذا هو المطلوب من لبنان اليوم، وهذه الخطوة لوضع دبلوماسي على رأس الوفد أنا أعتقد أنها غير موفّقة ولا تخدم المفاوضات من ناحيةٍ ومن ناحيةٍ ثانية تؤدّي إلى شَرْخٍ كبير بين اللبنانيين الذين يرفضون أيّ تطبيع أو أية علاقة سياسية مع العدو الإسرائيلي. 

 

 

بيار أبي صعب: بالنسبة لردود الأفعال حول تعيين السفير سيمون كرم في لجنة الميكانيزم انقسم لبنان كالعادة وأبرز موقف معارِض هو موقف حزب الله الذي إن قال هذه سقطة للنظام وتنازُل جديد يقدّمه النظام اللبناني أو الدولة اللبنانية، في المقابل هناك آخرون من أمثال رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل رحّب وهنّأ السفير كرم واعتبر أن هذا المسار التفاوضي الجديد هو امتداد لاتفاق 17 أيار 1983. هل الشيخ سامي يُسقط أحلامه على الواقع أم أننا فعلاً دخلنا بمسارٍ تطبيعي مع العدو الإسرائيلي.

 

 

جورج شاهين: بالتأكيد لن نصل إلى مرحلة تطبيع، لا سيمون كرم سيُطبّع ولا الجو العام يسمح بذلك. أعود لما أشار إليه الأستاذ وليد عن التحضيرات الإسرائيلية للحرب، منذ 13 آب 2006 غداة صدور القرار 1701 إلى 8 تشرين 2023 تمّ استحداث 177 نفقاً في الجنوب، 544 قاعدة صاروخية فكّكها الحزب أو صادرها، آلاف الأطنان من الأسلحة، هل التزمنا نحن بال 1701؟ كانت إسرائيل وكان حزب الله بالمقدار نفسه يحضّران لهذه الحرب وهذا ما قاله الموفد الأميركي بإحدى الجلسات، أين كانت الدولة اللبنانية التي كانت تتحدّث عن جيشٍ وشعبٍ ومقاومة على أنها من الثلاثيات المُعترف بها في الدولة اللبنانية. وصلنا إلى هنا نتيجة كل هذه الأخطاء التي ارتُكبت، نتيجة فُقدان القرار =السياسي الموحّد في لبنان. رئيس حزب الكتائب يقول المسار السياسي منذ العام 1983، في 17 أيار سمحت لي الظروف أن أشارك وزراء، 

في حزيران 1983 تمّ تقسيم مجلس الوزراء اللبناني إلى ثلاث كتلٍ وزارية، وتمّ إرسال رسائل إلى قادة 22 دولة عربية، وقد شاركتُ بجميع الزيارات إلى شمال أفريقيا، حينها التقينا الرئيس التونسي بو رقيبة وكان زين العابدين بن علي مدير عام القصر الجمهوري، حين دخلنا إلى بو رقيبة قال لا حاجة لقراءة رسالة الرئيس أمين الجميّل، هل هذا الاتفاق هو لسَحْب الجيش اللبناني من شمال إسرائيل أم لسَحْب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان؟ المسار السياسي شيء والتعاطي مع بعض التفاصيل والواقع اليوم. شيء آخر.

 

 

بيار أبي صعب: برأيك أننا غير ذاهبين نحو التطبيع مع العدو.

 

 

جورج شاهين: مَن يتعمّق بسير المفاوضات يؤكّد بأننا أبطال الفُرَص الضائعة، في العام 2020 عندما كان العميد بسام ياسين يخوض المفاوضات بالبحر، محاضِر الجلسات في العام 2008 عندما كان اللواء شحيتلي رئيس الوفد، ناقشنا الموضوع نفسه طيلة 12 عاماً.

 

 

بيار أبي صعب: حقّقنا على الأقل الخط 23 في المفاوضات.

 

 

جورج شاهين: كان خط 29 معنا. 

 

 

بيار أبي صعب: كان معنا خط السنيورة أو خط هوف بأفضل الحالات. 

 

 

جورج شاهين: هوف 2016. هذا الجَدَل لا ينتهي، قوّة المفاوِض بأن يذهب بأوراق قوّة، سأذكر بعض التجارب، في العام 2006 -2008 كان المفاوض اللبناني على الطاولة الإسرائيلية يصرخ على الضابط الإسرائيلي وبيده اتفاقية 1949 وقرار وقف إطلاق النار 2006 واقتصاد قوي. في العام 2008 كان العالم يعيش أزمة مالية بينما كان لبنان يسجّل نمواً وذهبنا إلى المفاوضات ولم نصل إلى نتيجة. في العام 2020 كان بين يديّ العميد بسام ياسين المرسوم 3644 لتعديله، لو عُدّل لتعطّلت المعّدات في كاريش ولم يُكشف عن الغاز. اليوم ما هي أوراق القوّة لدينا؟ لدينا تفاهم 27 تشرين من جنوب الليطاني إلى كل لبنان، المعابر البرَية والبحرية والجوية، هل كل المعابر البرّية والبحرية والجوية هي في جنوب الليطاني؟ جمع أسلحة وإقفال مصانع تصنيع الأسلحة.

 

 

بيار أبي صعب: وهل نقاط قوّتنا هي بأن نسلّم سلاح المقاومة؟

 

 

جورج شاهين: ماذا تبقّى من هذا السلاح ولمَن يتمّ تسليمه؟

 

 

بيار أبي صعب: يجري تفجيره.

 

 

جورج شاهين: هناك صواريخ إيرانية لا تأتلف مع آلية عمل الجيش.

 

 

بيار أبي صعب: وماذا سيفعل بها الجيش؟ هل سيواجه إسرائيل بها؟

 

 

جورج شاهين: لماذا نواجه بها إسرائيل، هناك مليار عربي ذهبوا باتجاه التطبيع والسلام مع إسرائيل فلماذا أواجهها؟ 

 

 

بيار أبي صعب: إذاً نحن ذاهبون نحو التطبيع.

 

 

جورج شاهين: نحن آخر مَن سيوقّع، مَن كنا نعتمد عليهم سبقونا، اعتمدنا على الرئيس الأسد والنظام السوري فسبقنا.

 

 

بيار أبي صعب: الشرع يقول إنه سيوقّع اتفاقاً أمنياً.

 

 

جورج شاهين: إسرائيل لا تريد هذا التطبيع وهذا السلام.

 

 

بيار أبي صعب: الموضوع يبدو وكأنه لنا حقّ الاختيار، الطرف الإسرائيلي يصرّح علناً بأنه يريد إعادة هَنْدَسة جواره، هو يريد مناطق عازِلة، كيف نواجه هذا المخطّط؟ 

 

 

جورج شاهين: وهل نفتح حرباً بما تبقّى لدينا من صواريخ؟

 

 

بيار أبي صعب: المقاومة ستأتي بغيرها.

 

 

وليد شرارة: لا أحد يعلم عدد الصواريخ، في تقييم ما جرى هناك مُغالطة كبيرة هي جزء من دعاية الطرف الآخر، نحن لم نُهْزَم في الحرب، ضُرِبت قيادة المقاومة وتمّ تصفية قادتها وحصلت معجزة أن الجسم العسكري قاتل 66 يوماً على الأرض من دون أن يستطيع الطرف الإسرائيلي أن يخرق خط الدفاع الأول، هذه ليست هزيمة على المستوى العسكري، لنوصّف الوقائع =بدقّة. حزب الله ثبت رغم الضربة الهائلة التي تعرّض إليها، ثبت على الأرض وواجه الطرف الإسرائيلي ولم يستطع الطرف الإسرائيلي الذي يمتلك التفوّق الجوي والمدعوم أميركياً أن يكسر خط الدفاع الأول. فنحن لسنا أمام جسم مهزوم، تعرّض لضربة لكنه لم يُهْزَم، لبنان لديه أوراق قوّة. أنا مع رأي الأستاذ حسن جوني، يجب أن ينسحب لبنان من المفاوضات.

 

 

جورج شاهين: قلناها منذ زمن حين كنا نصوّر هوكشتاين على أنه يهودي وضابط في الجيش الإسرائيلي، لماذا نستقبله ونضع له تمثالاً في عين التينة!

 

 

وليد شرارة: أنا لستُ مع استقبال هوكشتاين، نحن نناقش الآن بمعزلٍ عما حصل.

 

 

بيار أبي صعب: السفارة الأميركية حيّت وصول السفير كرم إلى اللجنة.

 

 

جورج شاهين: كل العالم حيّا، في الخليج وأوروبا وأميركا وفنزويلا، في إيران والضاحية فقط لم يرحّبوا بالخطوة.

 

 

وليد شرارة: نحن أمام إدارة أميركية تقوم بالسطو على سفن الآخرين وضربت عَرْض الحائط كل قواعد القانون الدولي، فما أهمية أن يحيّوا من واشنطن ومن باريس؟

 

 

بيار أبي صعب: محور الإبادة هذا دعم إبادة غزّة، السفارة الأميركية رحّبت.

 

 

جورج شاهين: علينا أن نطرد نطرد الوسيط الأميركي.

 

 

بيار أبي صعب: نسأل الأستاذ وليد عن رأيه بالحوار المدني المُستدام الذي تحدّثت عنه السفارة الأميركية للترحيب بخطوة وصول السفير سيمون كرم إلى لجنة المفاوضات. ما هو هذا الحوار؟

 

 

جورج شاهين: هناك مفاجآت والأسوأ لم يأتِ بعد.

 

 

بيار أبي صعب: السفارة الأميركية تَعِدْنا بالأفضل وبحوارٍ وطني مُستدام إلى جانب الحوار العسكري.

 

 

وليد شرارة: مفهوم الحوار المُستدام هو مفهوم مركزي بمنهجية إدارة المفاوضات التي ابتدعتها الدبلوماسية الأميركية وتحديداً أحد رموزها المجهولين وكان مساعد وزير خارجية أميركي خلال أربعة عهود متتالية من أيام كينيدي، جونسون، نيكسون، كارتر، إسمه هارولد سوندرز وهو مَن بلور مفهوم الحوار المُستدام، أحياناً تكون هناك نِزاعات مُستعصية على الحلّ يجب خلق الظروف المؤاتية من خلال آليات تفاوض أسماها التفاوض المُستدام أو الحوار المُستدام. كل المنظومة المفهومية الأخرى لبناء ثقة وسياسة الخطوة بخطوة والمراحل للوصول بالنتيجة إلى تسويات. حينما تدخل في مسارٍ تفاوضي هناك مجموعة من المراحل وخلال هذا المسار تتعزّزالثقة بين المفاوضين، يتمّ اختيار المفاوضين بدقّة للوصول إلى تسوية. هذا الرجل جاء من العالم الأكاديمي وعمل في الدبلوماسية ومن ثم ترك العمل الدبلوماسي وأنشأ مركز دراسات. هي النهجية نفسها في كامب ديفيد وهي أيضاً نفس =منهجية الخِداع التي اعتُمدت في الملف الفلسطيني. كل ما يسمّى بمسار السلام، مسار التسوية، اتفاق غزّة وأريحا أولاً ومن ثم الخطوات التانية، نحن اليوم في مسارٍ مُشابه، نحن أمام عملية خِداع أميركية تقوم على فكرة الفصل بين التفاوض وبين الحرب المستمرة، كل هذا الحوار المُستدام وفكرة مسار التفاوض هي في الحقيقة غلاف أيديولوجي لتحقيق الهدف الفعلي وهو ضرب المقاومة. 

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ جورج يجب أن نكون إيجابيين وأن نتفاوض، إسرائيل أرسلت يوري رسنيك وهو مسؤول رفيع في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، مسؤول ملف العلاقات الخارجية، يُمسك كل الملفات التقنية والاستراتيجية، نحن أرسلنا السفير سيمون كرم ولديه موقف نقدي في الأساس ويرى أن المقاومة هي المشكلة وليس إسرائيل، وتجربته الدبلوماسية محصورة بسنتين، تجربته الكبرى كانت في قرنة شهوان، هل نحن ذاهبون بالقوّة الاستراتيجية الكافية والإلمام الكافي لنحاور الإسرائيلي ونقف بوجهه ونفرض عليه أموراً من موقع الإلمام مع احترامنا الكامل للسفير سيمون كرم؟

 

 

جورج شاهين: من الجريمة بمكان أن نشكّك بقُدرات السفير.

 

 

بيار أبي صعب: نحن نتحدّث عن خلفيّته.

 

 

جورج شاهين: هو ليس ذاهباً بمهمّة شخصية.

 

 

بيار أبي صعب: ولكن الطرف المقابل لديه كل الملفات الاستراتيجية من معهد الأمن القومي، هل أرسلنا مَن يوازيه مع احترامي للسفير كرم؟

 

 

جورج شاهين: حين كانت المفاوضات تقنية وعسكرية وقانون البحار في الترسيم البحري كان الوفد اللبناني متفوّقاً على كل الخُبراء الإسرائيليين، وعندما انتهت مهمّة الوفد المفاوض واستلمنا الملف في قصر بعبدا ووقّعنا التفاهم مع هوكستين تبخّرت كل إنجازات الوفد المفاوض وطار الخط 29 ونصف حقل قانا.

 

 

بيار أبي صعب: الخط 29 ثلاثة أرباع اللبنانيين لم يكونوا يريدونه، المطروح كان خط هوف.

 

 

جورج شاهين: لنقفل هذه الصفحة لأن هناك الكثير من الفضائح والبيع والشراء السياسي. لا يهمّني الطرف الإسرائيلي المقابل وإنما ما ينتظر سيمون كرم هو مهام أكبر وأخطر. حين دعيتُ إلى هذه الحلقة كنتُ أتمنّى أن نتحدّث عن الوفد المفاوض اللبناني وما عاناه خلال هذه المفاوضات مع إسرائيل، يعاني من باب المُفاجآت، من باب الطروحات الغريبة العجيبة. في أول اجتماع مع سيمون كرم عرض الطرف الإسرائيلي إبرام اتفاقيات اقتصادية وزراعية، هذا الطرح ليس للبنان وليس للمفاوضات، نتنياهو اليوم والوفد المفاوض يُحاكي الداخل الإسرائيلي، نتنياهو على عَتَبَة السجن، قال الرئيس الإسرائيلي للرئيس الأميركي أحترم رغبتك ولكن لن أعفي عن نتنياهو، ومَن يريد أن يعفو عن نتنياهو في ملفات الفساد يقول له تخلَّ عن السلطة، وهو يسعى للمشاركة في انتخابات تشرين المقبلة ليبقى في منصبه. إسرائيل أبقت على ستّ جبهاتٍ مشتعلة في الوقت نفسه.

 

 

بيار أبي صعب: فإذاً هدف لجنة المفاوضات هدفها استراتيجية إسرائيلية.

 

 

جورج شاهين: كلٌّ لديه استراتيجيّته، نريد أن تكون للبنان استراتيجيّته، لبنان لديه الثوابت الأربع، وقف إطلاق النار، الأسرى، الاحتلال، ولكن دعونا نكون خلف الوفد المفاوض ليبقى ظهره محمياً. سيمون كرم لم يذهب بقرارٍ عائلي.

 

 

بيار أبي صعب: كل التحيّة للسفير سيمون كرم، نحن نتحدّث عن موقع النقد السياسي، من المهم أن يكون آتٍ من قرنة شهوان ولديه موقف سلبي من المقاومة في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل للقضاء على المقاومة.

 

 

  

 

 

جورج شاهين: لماذا نحصرها برأس المقاومة، محور المقاومة في المنطقة سقط، أين أصبحت الممانعة ووحدة الساحات؟ أنا معك بأن هناك قراراً بإنهاء المقاومة ولكن هذه المقاومة التي قادت المنطقة طيلة عشرين عاماً هل هذه هي النهاية الحتميّة؟ هل هذه هي النهاية التي كان يتوقّعها الشهيد حسن نصر الله؟ّ

 

 

وليد شرارة: الحرب مستمرة ولم تنتهِ.

 

 

جورج شاهين: يعني أنه يجب أن نترك لبنان في الثلاّجة لعشر سنوات أو 15 سنة لنخوض حرباً جديدة.

 

 

وليد شرارة: هذا محور مقاومة والطرف الآخر هو المُعتدي وهو مَن شنّ حرباً على المنطقة، هو المُهيمن على المنطقة، هذا المحور يقاوم المُعتدين، يقاوم الاحتلال، يقاوم التطهير العِرقي في فلسطين منذ العام 1948، يقاوِم مشاريع الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم. نحن في وضعية دفاع، خلال مسار صراع طويل تحصل ضربات ويسقط شهداء وتنهار قوى ولكن لا زالت هناك قوى وازنة في المنطقة، حصلت إبادة في غزّة. 

 

 

جورج شاهين: إسرائيل تقول إنها تترقّب بين يومٍ وآخر 7 تشرين من سوريا.

 

 

بيار صعب: حديثكما مهم جداً ولكن للأسف داهمنا الوقت، سؤال أخير لك أستاذ وليد، كلام نتنياهو عن التعاون الاقتصادي كيف يمكننا أن نقوم بذلك، وفي الوقت نفسه سُرّب عن لسان السفير سيمون كرم أنه ليس لديه مشكلة مع المنطقة الاقتصادية على الحدود مع فلسطين المحتلّة شريطة عودة أهالي الجنوب إلى قراهم.

 

 

جورج شاهين: لقد قابلته في جلسةٍ مطوّلة، هو لا يملك أي شي عن المشروع، لديه خطه وقراءاته. المنطقة الاقتصادية كانت مُدرجة في تفاهم 96 نيسان حين كانت تُشترى أراضي الناقورة والخط البحري ولم تبصر النور.

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ وليد ما هو ردّك على فكرة التعاون الاقتصادي التي تحدّث عنها مكتب رئيس حكومة الاحتلال؟

 

 

وليد شرارة: نحن أمام عملية خِداعٍ موصوفة، الموضوع الحقيقي لا علاقة له لا بالتعاون الاقتصادي ولا بالتطبيع، هذا كله غلاف أيديولوجي، الهدف الفعلي الحالي هو تصفية المقاومة أولاً، إذا صفّوا المقاومة فسيفرضون السيطرة الاقتصادية ويستحوذون على مياه لبنان، وسيفرضون شروطهم على لبنان وعلى الإقليم، السيطرة العسكرية والاقتصادية بالنسبة لقوى مثل إسرائيل والولايات المتحدة هي الأساس، مَن يسيطر عسكرياً واستراتيجياً يسيطر سياسياً واقتصادياً وحتى ثقافياً.

 

 

بيار أبي صعب: أشكركما. كلمة الختام للنائب والمناضل الراحل زاهر الخطيب يوم مناقشة اتفاق 17 أيار قبل 42 عاماً في المجلس النيابي اللبناني "اسمحوا لي إذاً باسم شعبنا وباسم المقاومين الرافضين للاحتلال، باسم الصامدين والمتصدّين، وباسم المعتقلين في أنصار وفي سجون وأقبية إسرائيل، باسم عذابات جماهير شعبنا والأمّهات الثكالى والأطفال اليتامى، اسمحوا لي باسمهم جميعًا أن أرفض هذا الاتفاق وأن أطلب من مجلسنا الكريم أن يرفض بدوره هذا الاتفاق من أجل لبنان، من أجل شعب لبنان ومن أجل الكرامة الوطنية والمصلحة الوطنية العليا". شكراً لضيفينا الأستاذين وليد شرارة وجورج شاهين، شكراً على المتابعة وإلى الأسبوع المقبل....