تحولات صياغة الإقليم :"تركيا ايران بين ضرورات ومخاوف المستقبل"

زيارة حقان فيدان لطهران لم تكنْ مجرّد جولة بروتوكولية… بل إشارة أولى إلى تحوّل عميق في معادلات الإقليم. ملفات ثقيلة وضعت على الطاولة: سوريا بتعقيداتها الجديدة… غزة بتحدّيها الوجوديّ… جنوب القوقاز على خطوط تماس النفوذ… والاقتصاد العابر للحدود بما فيه من طاقة وممرات وتجارات تخطّ معالم المستقبل. وبينما لا تزال أصداء تلك الزيارة تتردّد، يتهيّأ الرئيس رجب طيب إردوغان لزيارة وصفت في دوائر القرار بأنها "زيارة تحوّل"… زيارة تأتي بعد فجوة في العلاقات سمحت لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة بالتمدّد على خرائط المنطقة بلا كوابح. فجوة دفعت الطرفين اليوم إلى إعادة النظر: هل يمكن لتركيا وإيران أن تعيدا بناء توازن جديد يواجه التهديدات المشتركة ويضبط التحوّلات المتسارعة؟ في هذا السياق المضطرب حيث تعاد صياغة الإقليم، وتتصادم استراتيجيات القوة، وتتشابك المصالح فوق خرائط النار نفتح اليوم ملفّ العلاقات التركية الإيرانية… من ضرورات اللحظة إلى مخاوف المستقبل. لنقرأ خلف الزيارات، خلف التصريحات، وخلف تغيّر الاصطفافات، بحثاً عن مستقبل علاقة قد ترسم على أساس جديد تماماً.

نص الحلقة

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا، زيارة حقان فيدان لطهران لم تكن مجرد جولة بروتوكولية بل إشارة أولى إلى تحول عميق في معادلات الإقليم.

ملفات ثقيلة وضعت على الطاولة: سوريا بتعقيداتها الجديدة، غزّة بتحديها الوجودي، جنوب القوقاز على خطوط تماس النفوذ، والاقتصاد العابر للحدود، بما فيه من طاقة وممرات وتجارات تخطّ معالم المستقبل.

وبينما لا تزال أصداء تلك الزيارة تتردد، يتهيأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لزيارة وصفت في دوائر القرار بأنها "زيارة تحول".

زيارة تأتي بعد فجوة في العلاقات سمحت لإسرائيل والولايات المتحدة بالتمدد على خرائط المنطقة بلا كوابح، فجوة دفعت الطرفين اليوم إلى إعادة النظر: هل يمكن لتركيا وإيران أن تعيدا بناء توازن جديد يواجه التهديدات المشتركة ويضبط التحولات المتسارعة؟

في هذا السياق المضطرب، حيث تُعاد صياغة الإقليم وتتصادم استراتيجيات القوى وتتشابك المصالح فوق خرائط النار، نفتح اليوم ملف العلاقات التركية الإيرانية: من ضرورة اللحظة إلى مخاوف المستقبل، لنقرأ خلف الزيارات، خلف التصريحات، وخلف تغير الاصطفافات، بحثًا عن مستقبل علاقة قد تُرسم على أسس جديدة تمامًا. حياكم الله.

 

كمال خلف: أرحب بضيوف هذه الحلقة من "دوائر القرار"، من طهران فيروز دولت أبادي، الدبلوماسي والسفير الإيراني السابق في تركيا، وكذلك من أنطاليا السيد مهدي سوسار، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في الشؤون الإيرانية.

حياكم الله، ضيفيّ العزيزين. سأبدأ مشاهدينا من الدائرة الأولى، عنوانها: "فيدان في طهران... ملفات على صفيح ساخن".

سنناقش، مشاهدينا، في هذه الدائرة مع ضيوفي الخارطة، خارطة عدة مناطق قد تكون هذه المناطق في صلب المباحثات الإيرانية التركية، وفي صلب العلاقات الإيرانية التركية.

سأبدأ من سوريا: ثلاث ساحات في سوريا محتملة للتعاون التركي الإيراني:

أولاً، ساحة الجنوب السوري، المنطقة الأكثر حساسية، حيث تتوسع إسرائيل في هذه المنطقة بعمليات عسكرية واستخبارية امتدت من القنيطرة إلى درعا إلى السويداء في هذه المساحة.

تركيا ترى أن أي تغول إسرائيلي غير مضبوط سينتج بيئة تهدد توازن النفوذ الإقليمي، ولاسيما في ظل انهيار النظام السوري السابق.

إيران تعتبر هذه المنطقة – منطقة الجنوب السوري – خط تماس مباشر مع أمن المقاومة في لبنان، انطلاقًا من الجولان والحدود اللبنانية في هذه المنطقة.

نقطة التعاون، مشاهدينا، المحتملة بين الطرفين في منطقة الجنوب السوري، قد تكون تنسيقًا تركيًا إيرانيًا لتقييد الحركة الإسرائيلية وملء الفراغ الأمني في هذه المنطقة وفق تفاهمات جديدة.

المنطقة الثانية التي أود الحديث عنها، ربما تكون أيضًا مهمة للطرفين، خاصة لتركيا: منطقة الساحل السوري، منطقة تشهد سباق تمدد إسرائيلي صامت عبر ضربات بحرية وجوية تستهدف بنى لوجستية حساسة، ومحاولة إظهار نفسها أنها تحمي الأقليات في هذه المنطقة.

خطرٌ جدًّا وصول إسرائيل إلى هذه المنطقة بالنسبة لتركيا. تركيا تنظر إلى هذه المنطقة – منطقة الساحل السوري – كواجهة استراتيجية تتحكم في البحر المتوسط ومسارات التجارة والطاقة أيضًا. إيران لديها خشية من هذه المنطقة، تخشى تحول الساحل السوري إلى منصة أمنية إسرائيلية.

هنا أيضًا نتحدث عن نقطة تعاون محتملة بين الطرفين: منع تشكل موطئ قدم إسرائيلي مستدام على البحر المتوسط يضر بمصالح الطرفين.

منطقة ثالثة في سوريا، قبل أن نناقش موضوع سوريا: هذه المنطقة منطقة شرق نهر الفرات، هذه المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية – الفصائل الكردية. تركيا تعتبر شرق الفرات هذه المنطقة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي بسبب صعود الكيانات الكردية.

إيران ترى في أي تمدد كردي مع حلفائه، المدعوم من واشنطن، بوابة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في عموم المنطقة وليس فقط في سوريا. =هذه قد تكون أيضًا نقطة محتملة للتعاون والتفاهم بين الطرفين لضبط التمدد الكردي وفرض توازن جديد يمنع واشنطن من إنشاء كتلة جغرافية معادية للطرفين.

هذا بالنسبة لسوريا. سأذهب إلى مناطق أخرى طبعًا، لكن سأذهب إلى ضيوفي لنأخذ رأيهم في موضوع سوريا الذي يشكل نقطة تباعد، وقد يكون نقطة انطلاق.

سأبدأ مع السيّد سوسار: كيف ترى العلاقات الإيرانية التركية، وإمكانية أن يكون هناك فعلاً تفاهم حول هذه المناطق، وما مدى أهمية هذه المناطق بالنسبة للطرفين؟

 

مهدي سوسار: بداية، يجب علينا أن نتذكر أنه خلال الحرب التي امتدت على مدى 12 عامًا في سوريا، كانت أنقرة وطهران تدعمان جبهتين مختلفتين من الأطراف المتنازعة، وبالتالي هذا كان له أثر كبير على أرض الواقع. ولكن لم يتحول هذا الواقع أبدًا إلى مواجهة مباشرة ما بين أنقرة وطهران. أنقرة، طهران وموسكو أيضًا، وبعد اتفاقات أستانة، قد لعبوا دورًا كبيرًا جدًّا في سوريا، وكانوا يتفاوضون على اتفاقات سلام واتفاقات وقف إطلاق النار. اليوم، بعد انهيار نظام الأسد في العام الماضي، بعد 12 عامًا من الحرب، هذا التغير – هذا السقوط لنظام الأسد – قد كان له آثار كبيرة وتداعيات كبيرة بالنسبة لتركيا، وبالنسبة لإيران أيضًا. أما من وجهة نظر تركية، من وجهة نظر السياسة التركية، يمكننا القول إن توسع وجود إسرائيل في سوريا، لاسيما في جنوبي البلاد، قد تحول إلى مصدر قلق جدي بالنسبة لصُنَّاع السياسات الأتراك، وإن هذا التوسع – توسع الوجود الإسرائيلي – هو اليوم جزء لا يتجزأ من البنود المطروحة على الأجندة الخارجية في داخل تركيا، لأسباب سياسية وأيضًا لأسباب أمنية وعسكرية. وبالتالي، هذا الأمر يتماشى مع السياسة الخارجية المعتمدة من قبل الإدارة الإيرانية الحالية، التي تعتبر إسرائيل تهديدًا لسلمها وأمنها، والتي أيضًا لطالما كانت قد اعترضت على وجود إسرائيل، وأيضًا على سياستها وربما استراتيجيتها المعتمدة في المنطقة.

 

كمال خلف: تبدو إسرائيل تشكل نقطة مشتركة بين إيران وتركيا من حيث التهديد والتحدي. هنا، اسمح لي أيضًا أن آخذ وجهة نظر ضيفي السيّد فيروز دولت أبادي من طهران.

سيّد دولت أبادي، حياك الله في "دوائر القرار". عرضنا، كما تابعنا، سوريا والخريطة وإمكانية التعاون، طبعًا سوريا نقطة خلافٍ سابقًا بين إيران وتركيا، وإدارة خلاف جرى عبر اتفاقات أستانة والعلاقات واللقاءات المشتركة التي جرت في السنوات الماضية – 13 عامًا الماضية –، لكن الآن، سيّد دولت أبادي، الآن: هل سوريا في قلب الاندفاعة التركية نحو طهران التي تجلت في زيارة حقان فيدان، وأيضًا في الزيارة المرتقبة للرئيس أردوغان؟

 

فيروز دولت أبادي: إن سوريا حتى ما قبل بدء تحركات داعش كانت إحدى المحاور التي، وبالرغم من اختلاف وجهات النظر بين الطرفين – أي إيران وتركيا – لم تكن تؤدي إلى أي مشاكل بينهما. ولكن بعد هذه الحرب، تبدلت هذه إلى محور للحوار والنقاشات، وكانت هناك مساعٍ من قبل تركيا للإطاحة بنظام الأسد وحكم الأسد، والذي أدى إلى بروز بعض الخلافات بين الطرفين. والآن، وبعد سقوط نظام الأسد، إحدى المواضيع التي تؤدي إلى هواجس وقلق شديدين بالنسبة للمنظمات الفلسطينية، وأيضًا بالنسبة للتحركات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل وتغولها داخل الأراضي السورية – سواء نتحدث هنا عن المنطقة العازلة أو إبعاد مصادر الخطر التي من وجهة النظر الجيوسياسية لإسرائيل قد تشكل خطرًا بالنسبة إليها – تحاول الآن أن تستغل هذا الفراغ القائم بسبب عدم وجود الحكم هناك. الآن، ينبغي أن تكون هناك مفاوضات ومحادثات ما بين إيران وتركيا بسبب هذا التهديد – التهديد الإسرائيلي – الذي يترصد الأراضي السورية.

 

كمال خلف: سيّد دولت أبادي، قد يكون الجنوب السوري مهمًّا لإيران ولتركيا معًا، ولديهما مصلحة مشتركة في كبح جماح أو تقدم إسرائيل والسيطرة على هذه المنطقة، لكن ما هي مصالح إيران في التعاون مع تركيا في شرق الفرات وفي الساحل السوري؟ الساحل السوري في محاولة إسرائيلية للتمدد تحت عنوان حماية الأقليات وللوصول إلى البحر المتوسط. الهدف الأساسي في شرق الفرات هناك مشكلة تركية كردية، أمريكا تدعم الكرد، وتركيا تحاول أن تضبط هناك الفصائل الكردية.

ما هي مصالح إيران في التعاون مع تركيا في هاتين المنطقتين؟

 

فيروز دولت أبادي: هناك الكثير =من المصالح التي تتحقق بالنسبة لإيران. طبعًا، إيران بشكل أساسي تعارض أي تدخل خارجي وأجنبي في شؤون أي دولة أخرى، وخاصة عندما نتحدث عن هذا الكيان العنصري الإسرائيلي. وأنتم تعلمون وجميعنا نعلم أن هذه مجرد خدعة من أجل تثبيت حضورهم هناك. ينبغي أن يكون هناك اتفاق في وجهات النظر بين إيران وتركيا حول وحدة الأراضي السورية.

ثانيًا، نحن، كل التيارات التي تطالب بالتباعد بين مكونات السوريين، علينا أن لا ندعمها، وعلينا أن نحول دون مساعيها من أجل الإطاحة بوحدة الأراضي السورية، وأيضًا تفتح الباب لمزيد من التدخلات في الأراضي التركية والشؤون التركية ربما من هذه البوابة.

في رأيي، يمكن لإيران وتركيا أن يوحِّدا آراءهما حول هذا الموضوع – موضوع سوريا – وإخراج سوريا من هذا الوضع المشؤوم الذي تواجهه، وأيضًا في ظل ترنحها تحت قبضة التيارات السلفية الوحشية التي تقوم بشن كل هذه الاعتداءات على الناس وعلى الأمن في سوريا. وفي رأيي، هذه من المحاور المهمة جدًّا، وإيران لديها الكثير من المصالح لكي يكون لديها وجهات نظر مشتركة مع تركيا، وأن يكون هناك اتفاقات قائمة بينهما كي يصلا إلى...

 

كمال خلف: التحدي الأساسي هو إسرائيل، هذا ما قاله الوزيران، ما قاله فيدان وأيضًا عراقتشي في طهران خلال زيارة فيدان. لكن أيضًا ليست سوريا هي الساحة الوحيدة، مشاهدينا، للتفاهم والتقارب والنقاش الإيراني التركي. هذه المنطقة إلى غزة ومرحلة ما بعد الحرب ومحاولة استئصال حركة المقاومة الإسلامية حماس من غزة.

تركيا صاحبة ارتباط سياسي مباشر بحركة حماس في غزة مع رفض واضح لمحاولات محوها، بينما إيران أيضًا تعتبر غزة خط الدفاع الأول في منظومة الردع ضد إسرائيل وتدعم فصائلها مباشرة. إسرائيل تسعى لإنها القدرة العسكرية لغزة وإعادة هندسة المشهد السياسي بشكل كامل في هذه المنطقة. أريد أن أضيف نقطة، مشاهدينا، أنه إسرائيل تمانع بشكل كبير – مع موافقة أمريكية طبعًا – لكنها تمانع وتعارض أمريكا في أن يكون لتركيا أي دور في مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، وهذا لافتٌ فعلاً. نقطة التعاون المحتملة بين إيران وتركيا في هذه المنطقة في غزة: صياغة موقف مشترك يمنع تفكيك غزة وإخراجها من المشهد الإقليمي، ويحافظ على قوة الفصائل الحليفة للطرفين بصيغٍ متوازنة.

إذًا، هذه منطقة أيضًا نقطة مشتركة. سيد سوسار، لإيران وتركيا موضوع غزة، لكن في هذا الموضوع ليسا لاعبين وحيدين في كل الساحات، ليسا لاعبين وحيدين، لكن في غزة، في مايسترو مباشر وهو الولايات المتحدة الأمريكية وما يسمى مجلس السلام الذي سيشكل والقوة الدولية.

كيف ترى إمكانية التعاون فعلاً بين إيران وتركيا فيما يحصل في غزة ما بعد الحرب؟

 

مهدي سوسار: بداية، قبل أن أتحدث عن احتمالات التعاون ونقاط التعاون بين كلا الطرفين، يجب علينا أن نعي فكرة بالغة الأهمية، وأن ربما أن نرسم أو نعي الاختلاف ما بين المنهجية المعتمدة من قبل تركيا من جهة، وإيران من جهة، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لاسيما فيما يتعلق في قضية غزة والحرب في غزة.

تركيا لا تعارض وجود إسرائيل كدولة أو شرعيتها كدولة، إنما هي تعارض السياسات المعتمدة من قبل الحكومة والنظام الإسرائيلي، لاسيما مما حصل في غزة – جرائم الحرب والإبادة الحاصلة. وبالتالي، كل هذه الجرائم التي ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية في غزة مرفوضة من قبل تركيا. وبالتالي، تركيا أيضًا منفتحة على المفاوضات الرامية إلى تحقيق السلام، وهي أيضًا لا تربط موقفها بمبدأ وجود إسرائيل. إنما تركيا لطالما قد دفعت في الماضي عن حل الدولتين.

أما وجهة النظر الإيرانية فهي مختلفة بعض الشيء. فالمسألة أكثر عمقًا وأكثر جذرية: إيران تعارض وجود إسرائيل بالأساس. وبالتالي، هذا اختلاف رئيسي جدًّا يجب أن نأخذه بعين الاعتبار عندما نحلل احتمالية تعاون كلا الدولتين.

الآن، إذا ما نظرنا إلى الموضوع بالاعتماد على السياسة الخارجية المعتمدة من قبل الطرفين اليوم، لطالما كانت إيران وتركيا أيضًا تلعبان دورًا مهمًّا في حماية الشعب الفلسطيني وربما في حماية حقوقه أو الدفاع عنه. وبالتالي، كلا الدولتين قد لعبتا دورًا في حماية الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية. وهذا يعد ربما مساحة مشتركة تسمح لهما بالتعاون. ولكن أريد أن أذكركم أن تركيا كانت لاعبًا أساسيًّا وفاعلًا في مسار السلام الذي أوصلنا إلى الاتفاق الذي ذكرتموه، والولايات المتحدة الأمريكية، كما قلتم أيضًا، كانت بطبيعة الحال المايسترو أو الطرف الذي يقوم بإدارة هذا المسار بشكل شامل، وتركيا لعبت دورًا مهمًّا جدًّا في هذا المسار مع عدد من الدول الأخرى. وبالتالي، تركيا تعتقد...

 

كمال خلف: لكن هنا، سيّد سوسار، أريد أن أتحدث عن حماس. هل حركة حماس هناك التقاء إيراني تركي بعدم تنفيذ الهدف الإسرائيلي بالقضاء عليها وإقصائها عن غزّة بشكل كامل؟

هل تركيا تتطابق مع إيران، أم هناك أيضًا نوع من وجهات النظر المختلفة حول هذه المسألة؟

 

مهدي سوسار: أعتقد أن هنالك بعض النقاط المشتركة في المنهجية المعتمدة من قبل الطرفين. ولكن أن الطريقة التي تتعامل بها تركيا مع حماس مختلفة عما هو عليه الحال مع إيران. وبالتالي، تركيا تنخرط في هذا الموضوع من وجهة نظر دبلوماسية ومنهجية دبلوماسية. وبالتالي، فهي قامت بلعب دور حساس جدًّا على المستوى الدبلوماسي في هذا المسار – مسار السلام الذي ذكرناه. وبالتالي، فإن دور تركيا ونفوذها على هذا المستوى يتجلى في نشاطها الدبلوماسي لاسيما في ما يتعلق بحماس، وهذا أمر شهدناه خلال المفاوضات السابقة التي كانت، كما قلت، تقودها الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا.

أما في ما يتعلق بإيران، فإن العلاقة مع حماس مختلفة بشكل كبير. فإذًا كما قلت، إيران وتركيا كلاهما ينظران إلى الموضوع من وجهة نظر متقاربة، ولكن منهجية تركيا أكثر دبلوماسية، أما منهجية إيران فهي دبلوماسية من جهة، ولكنها أيضًا عسكرية مالية وأمنية من جهة أخرى.

 

كمال خلف: تتبنى خيار المقاومة المسلحة في وجه إسرائيل.

سيّد دولت أبادي أيضًا، في ما =يتعلق بغزّة، يُنظر إلى غزّة الآن على أنها إحدى الجبهات الحليفة لإيران، والتي كانت تتلقى دعمًا كبيرًا – فصائل المقاومة فيها – من إيران، وإيران خسرت قطاع غزّة لصالح مشروع دونالد ترامب ومشروع إنهاء حماس بالطرق الدبلوماسية وليس بالقوة العسكرية التي لم تستطع إسرائيل تحقيق هذا الهدف من خلالها.

ماذا يمكن أن يكون من تعاون إيراني تركي فيما يتعلق بغزة؟

 

فيروز دولت أبادي: هناك بعض النقاط التي أود الإشارة إليها. بداية، إن حماس ليست الخط الأمامي للدفاع عن إيران أمام الآخرين. إننا نعد أن هناك تهديدًا لأمننا القومي كي تكون حماس هي خط الدفاع الأول. نحن نعمل بالاستناد إلى واجباتنا الشرعية والدينية والإنسانية من خلال دعم كل التيارات والمنظمات التي تعاني من الظلم، سواء في لبنان أو جنوب لبنان أو فلسطين أو سوريا، كلها ندعمها، ونعد هذا واجبًا على كل مسلم وعلى كل الأنظمة السياسية في المنطقة.

إلى جانب ذلك، هناك نقطة أخرى وهي أنه لا يمكن لأي شخص ولا ينبغي لأي شخص أن يقف مكتوف الأيدي أمام الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزّة أو في سوريا، أو أن لا يتحدث عما حصل ويعده أمرًا قد طُوي في الماضي. والآن، إن إسرائيل التي تعد دولة مكروهة في العالم، تحاول قدر الإمكان أن تتنصل من هذا الموضوع.

ثالثًا، إن الخلاف في وجهات النظر في رأيي هو مبني على أساس التصورات وليس على أساس الوقائع. نحن لن نتدخل ولن نتدخل أبدًا في القرارات السياسية لحماس. لطالما كنا نؤكد على أن من يتخذ القرارات هي الشعوب في هذه المناطق، وأيضًا هذه التيارات والجماعات التي تنمو في هذه المناطق والتي تحاول قدر الإمكان أن تحفظ استقلال الشعوب.

لذلك، إذا ما اختارت حماس السياسة العسكرية، فهذا خيارها. نحن نظن أنهم قد اختاروا هذه السياسة بالاستناد إلى بعض الوقائع. وإذا ما اختاروا أن يعملوا لتأسيس...

 

كمال خلف: هنا، سيّد دولت أبادي، هذا واضح، وأنت تلخص الآن موقف إيران من غزّة. ما يهمنا هنا العلاقة مع تركيا في ما يخص مصير غزّة وما تواجه غزّة وحركات المقاومة الفلسطينية فيها.

هل هناك فعلاً صيغة للتعاون الإيراني التركي تواجه ما تريده إسرائيل وأهداف إسرائيل في غزّة؟

 

فيروز دولت أبادي: من الطبيعي أن تكون هناك صيغة. نحن نقبل كل الحلول الدبلوماسية. فإن الأنشطة التي تقوم بها تركيا دبلوماسيًّا من أجل استقلال غزّة، ومن أجل بقاء حماس، وأيضًا من أجل الحؤول دون المزيد من التدخلات العسكرية، وأيضًا فرض العقيدة الأمريكية على الفلسطينيين، كل هذه تعد فصلًا مشتركًا من التعاون بيننا وبين تركيا، ونحن ندعمها وندعم هذه السياسات ونلتزم بها بشكل كبير.

وأبعد من ذلك، لدينا موضوع آخر وهو أنه إسرائيل لا نعدها كيانًا ونظامًا شرعيًّا. وهذا لا علاقة له بالأمور السياسية. بينما تركيا لديها العلاقات مع هذا الكيان، ولديها مسار من التعاون معه.

ولكننا نحن نعد إسرائيل كيانًا غير شرعي، ولا نقوم بأية علاقات معه. وعندما هاجمت علينا، قمنا بالرد بشكل شديد وقوي وحازم، ونحن أيضًا مستعدون لأية حملة وجولة أخرى.

إذًا، في الجانب السياسي نحن نوافق على ما تقوله تركيا، وإنما مواقفنا مشتركة وموحدة. ولكن إذا ما كان لدى حماس أو الفلسطينيين أي قرار آخر، وإذا ما أرادت إسرائيل أن تستغل هذا الوضع وتقوم ببعض الإجراءات التخريبية في فلسطين أو في مناطق حماس، فإننا سوف نقوم بقدر ما نستطيع بمواجهة هذه الإجراءات، وربما هناك قد يكون اختلاف في المقاربة مع تركيا.

 

كمال خلف: اسمح لي هنا أن أنتقل إلى ساحة أخرى من ساحات الجغرافيا التي فيها تنافس، وفيها إدارة تنافس، وفيها تضارب مصالح أيضًا بين الطرفين.

إلى منطقة جنوب القوقاز. هنا =هذه الخريطة لمنطقة جنوب القوقاز، حيث نقطة تقاطع مصالح، بقدر ما هي مساحة تنافس. تركيا لاعب مباشر في هذه المنطقة عبر دعم أذربيجان وربط المنطقة بمشروع الممر الطوراني الذي يربط تركيا بباكو – بهذا اللون.

هذا هو الممر الطوراني، وأيضًا هذا ممر يذهب نحو منطقة آسيا الوسطى.

إيران تخشى محاصرتها ممرّيًّا إذا توسعت المشاريع التركية في هذه المنطقة، ولاسيما مع وجود إسرائيل في أذربيجان في هذه المنطقة. المنطقة تشهد دخولًا إسرائيليًّا عميقًا في البنية الأمنية والاقتصادية لأذربيجان. نقطة التعاون المحتملة بين الطرفين ربما تكون إدارة تنافس عبر تفاهمات تمنع تعزيز الوجود الإسرائيلي في خاصرة إيران الشمالية في هذه المنطقة، مع الحفاظ على خطوط التجارة التركية في هذه المنطقة.

سيّد سوسار، منطقة جنوب القوقاز: مستقبل التعاون الإيراني التركي فيها؟ وهل نعتبر منطقة جنوب القوقاز – لأنه سمعنا سيّد فيدان في إيران يتحدث عن التجارة والممرات والاقتصاد – وعندما نتحدث عن ذلك نتحدث عن أكثر منطقة، لكن منطقة جنوب القوقاز منطقة مهمة حيوية للطرفين؟

هل في هذه المنطقة سيكون إدارة تنافس أكثر من أنه تفاهمات إيرانية تركية؟ وماذا عن التمدد الإسرائيلي في هذه المنطقة عبر أذربيجان، وأيضًا توسيع اتفاقات إبراهام في بعض دول آسيا الوسطى مثل كازاخستان؟

 

مهدي سوسار: أعتقد أنه يجب علينا أن نعي الاختلاف بين أولويات الدول – دول المنطقة والدول الأخرى المجاورة لها. بطبيعة الحال، أذربيجان دولة ذات سيادة، ويحق لها بطبيعة الحال أن تقيم علاقات ثنائية مع أية دولة أخرى تهدف إلى التعاون معها. أما تركيا التي تعتقد أيضًا بأن أذربيجان هي دولة ذات سيادة، تركيا لا تريد أن تمنع أذربيجان من إنشائها وإقامتها لعلاقات ثنائية مع جهات أخرى. وبالتالي، إذا ما كان لأذربيجان – أذربيجان – أية علاقة مباشرة، إن كان على المستوى العسكري أو الأمني مع إسرائيل، فإن ذلك لا يرتبط أبدًا بالسياسة الخارجية التركية، وهو لا يتعلق بها أبدًا، وهو لا يؤثر على أهداف تركيا في المنطقة.

إذا كان يجب أن نسلط الضوء على هذه النقطة الآن.

ثانيًا، عندما يكون الموضوع متعلقًا بالأهداف التركية، فإن سياسة تركيا في المنطقة، وكما رأينا خلال السنوات القليلة الماضية، هي كالتالي:

تركيا تعتقد – لاحظت بعض المشاكل. تركيا لاحظت بعض المشاكل في المنطقة وبعض الأزمات في المنطقة. وتركيا تمتلك تاريخًا طويلًا من العمل والنشاط في المنطقة. وكانت إحدى المشاكل التي واجهتها تركيا التوترات ما بين أرمينيا وأذربيجان، والتوسع الأذربيجاني في أرمينيا. وهذه الأزمات التاريخية أدت في نهاية المطاف إلى حرب نهائية. وبعد دعم تركيا، تمكنت أذربيجان من أن تنتصر في هذه الحرب، واستعادة أراضيها التي كانت أرمينيا قد استولت عليها واحتلتها، وحاولت أذربيجان أن تتوسع فيها من جديد. وبالتالي، تركيا تحترم سيادة الدول وحقها في حماية سيادتها واستقلاليتها، ومنها أذربيجان.

 

كمال خلف: واضح، واضح قلت ذلك. لكن أنا لا أركز على أذربيجان بشكل أساسي، رغم أن أذربيجان مهمة لكلا الطرفين. وهنا أسأل أيضًا السيد دولت أبادي في طهران حول منطقة جنوب القوقاز. هناك نظرة إلى هذه المنطقة، ملخصها أن تركيا تتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل نوعًا ما في هذه المنطقة على حساب مصالح إيران وروسيا. هل هذا صحيح؟ وهل اللقاءات الإيرانية التركية يمكن أن تعيد صياغة إدارة هذه المنطقة؟

 

فيروز دولت أبادي: بالنسبة لتركيا، ليس لدينا أية منافسة معها هنا في هذه المنطقة. هذا الحديث هو حديث إعلامي فقط. لماذا ستكون هناك أية منافسة بيننا؟ هل لدى تركيا مثلاً أية تأثيرات جيوسياسية فيها؟ أم أن هناك تأثير يمكن أن تحظى به تركيا من الناحية الأمنية مثلاً، لكي يكون هناك قلق من جانبها؟ لا أعتقد أن هناك أية منافسة بيننا.

طالما أن هذه التحركات ليست ضدنا، فلا مشكلة لدينا. وإذا ما أرادت إسرائيل أن تستغل الأراضي الأذربيجانية وأن تركز على أراضينا وتستهدف أرضينا وتقوم بالعمل الاستخباري لدينا، وأن تقوم بتحديد بعض النقاط الأمنية والعسكرية لدينا، فهذا سوف ينعكس سلبًا على علاقتنا بأذربيجان. وطبعًا، هذه الدولة التي تعد دولة جارة لإيران من عدة قرون، لا نتوقع منها أن يكون هذا التصرف، أن يخرج هذا التصرف منها. ليست لدينا أية مشكلة بعلاقتها مع أية دولة أخرى، ولكن لا ينبغي لإسرائيل أن تستغلها. وطبعًا، ما يقوم به الأمريكيون هنا سوف يكون خطيرًا في المستقبل على الجميع. وعلى أذربيجان أن تحفظ هويتها المستقلة في هذا الإطار.

ثانيًا، إننا نتحدث هنا عن وجود مسار، وليس نحن نتحدث عن وجود علاقة ومسار بين هذه الدول. نحن هنا نتحدث عن تغيير الحدود الجغرافية، وهذا ما عارضناه مرارًا وتكرارًا. هناك مئات الطرق التي فتحت في هذه المناطق، ولم نعارضها. وأيضًا هناك الكثير من الأنابيب التي جرى مدُّها في هذه المناطق، ولم نعارضها. ولكن إذا ما كان هناك تغيير في الحدود، فهذا ينعكس على الجغرافيا وعلى الجغرافيا السياسية. وهذا التغيير ينبغي أن نتعاطى معه بشكل جدي. ولكن العلاقة بين الدولتين قائمة الآن، وليس هناك أية معارضة بيننا وبين أذربيجان.

الموضوع الثالث: إن القوقاز هي نقطة مهمة، ليست نقطة مهمة فقط بالنسبة لإيران وتركيا. ونتحدث هنا عن سوق صغير، وربما هناك. وإذا ما احتسبنا الصافي الناتج المحلي في إيران وتركيا، فهذه المنطقة المهمة طبعًا، وإن مقدار الاستفادة لتركيا ربما قد يكون أكبر بالنسبة في هذه المنطقة، وأحيانًا قد تكون إيران مستفيدة بشكل أكبر.

ولكن برأيي، في هذه المنطقة ليست منطقة حاسمة لكلا الدولتين. لذلك، يمكن أن يكون لدينا تعاون مع تركيا.

 

كمال خلف: اسمح لي هنا، سعادة السفير، أن أنتقل إلى المنطقة الأخيرة – منطقة الأخيرة في عرضنا – ولكن يمكن أن تكون هناك مناطق أخرى في العالم يجري النقاش حولها بين تركيا وإيران – لكن المنطقة الأخيرة في حلقتنا اليوم.

إلى منطقة جنوب لبنان. هذه منطقة جنوب لبنان، ما علاقة تركيا بجنوب لبنان؟ سنرى ذلك من خلال الشرح ومن خلال ضيوفنا أيضًا.

إيران ترى الجنوب اللبناني امتدادًا مباشرًا لخط الدفاع الاستراتيجي عن المقاومة في لبنان – حزب الله – وعدم وقوع لبنان تحت النفوذ الإسرائيلي المباشر. تركيا، رغم عدم انخراطها المباشر في هذه المنطقة – منطقة جنوب لبنان – تدرك تركيا أن أي حرب كبرى ستعيد تشكيل الحدود السياسية والأمنية للمنطقة كلها.

الدليل على ذلك تصريح دولت بهجلي، ماذا قال دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، في الحرب العام الماضي عندما كانت إسرائيل تشن حربًا على لبنان، قال إن دخول إسرائيل إلى لبنان رسالة موجهة إلى تركيا، وإن الخطر في جنوب لبنان يصل إلى الأناضول في تركيا. ما هي نقطة التعاون المشتركة الممكنة بين الطرفين في منطقة ساخنة مثل منطقة جنوب لبنان؟ ربما يكون هناك تنسيق سياسي، ربما استخباري، يمنع إسرائيل من فرض واقع جديد يهدد العمق الإيراني ويخل بتوازن القوى في هذه المنطقة التي تستفيد منه تركيا ليس في هذه المنطقة فقط، بل في عموم الشرق الأوسط.

الحديث عن جنوب لبنان، لكن الخشية هو أن يقع لبنان بالكامل تحت نفوذ لا تقبله الدولتان.

=رأيك، سيّد سوسار، بموضوع لبنان، خاصة على وقع تقارير تتحدث عن أن تركيا مهتمة بهذا الملف – ملف لبنان؟

 

مهدي سوسار: تركيا ليست منخرطة، كما قلتم، بشكل مباشر في الوضع في جنوب لبنان. ولكن كما قلت في بداية حديثك معكم، تركيا مهتمة جدًّا، أو قلقة جدًّا، حيال التوسع الإسرائيلي. فإن هذا التوسع – إن كان في فلسطين أو في الضفة الغربية، وفي جنوب سوريا، أو في جنوب لبنان أيضًا، كما قلتم – هذا التوسع موجود في كل هذه المناطق، وتركيا قلقة حيال هذا التوسع.

 

كمال خلف: هل هذا التوسع – وهنا أنتقل لطهران لأختتم موضوع لبنان وأنتقل للدائرة الثانية – سيّد دولت أبادي، التوسع الإسرائيلي الذي دخل عبر فجوة العلاقات التركية الإيرانية هو الآن ما يحدد – هو المحدد الأساسي – لمستقبل أو لصيانة العلاقات الإيرانية التركية المقبلة، في ضوء زيارة فيدان وزيارة الرئيس أردوغان إلى إيران المقبلة؟

 

فيروز دولت أبادي: هناك مفاوضات سياسية نقوم بها، وفي هذه المفاوضات يكون هناك بعض الأحاديث. ولكن في المقلب الآخر، هناك العمل السياسي. وبين الكلام والعمل ينبغي أن لا يكون هناك أي تناقض.

وبالنسبة للشؤون السورية، وبالرغم من أنه كانت لدينا علاقات وثيقة مع الحكومة هناك، لم نقم بأي تدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة، إلى أن ظهرت هذه التيارات السلفية في الظاهر، والإسرائيلية في الباطن، وبدأت بهذه المعارك، ووصلت على مقربة من قصر السيّد بشار الأسد. وعندما طلبت سوريا منا المساعدة، قمنا بمساعدتها، وساعدناها على وقف هذا المد لهذه التيارات في سوريا، وأيضًا قمنا بإلحاق أذى كبير بها، وخلصنا سوريا إلى حد ما من شر هذه التيارات.

ولكن لم نشهد هذا التعاون العملي مع بعض الأصدقاء فيما يتعلق بسوريا. وفي الواقع، كان هناك إصرار على تغيير النظام السياسي في سوريا، وكان هناك دعم من هذه الدول التي تشكل خطرًا...

 

كمال خلف: حتى لا نعيد ما جرى في الماضي، أريد أن أتحدث عن الراهن – الراهن، الوضع الراهن – وسأبدأ معك بالحديث عن الوضع الراهن بعد فاصل قصير.

مشاهدينا، فاصل ونعود بعده مباشرة.

 

كمال خلف: تحية من جديد، مشاهدينا، في "دوائر القرار"، نتحدث عن زيارة فيدان إلى طهران وملفات مشتركة بين الطرفين.

وصلنا إلى الدائرة الثانية، وعنوانها: "التاريخ المشترك... فجوات سابقة ونقاط التقاء وعوامل انقسام".

في هذه الدائرة، سأعرض تقريرًا يتحدث عن هذا العنوان، ثم بعده نسأل ضيوفنا حول العناوين التي سوف ترد في التقرير. نتابع:

 

تقرير:

على امتداد عقد كامل من التحولات، تراكم في العلاقات التركية الإيرانية إرثٌ معقد من التلاقي والتباعد.

فسقوط النظام السوري قبل عام شكّل لحظة انعطاف حادة، دفعت أنقرة وطهران إلى تموضعَين متقابلين، وفتحت على أثره فجوة استراتيجية سمحت لإسرائيل والولايات المتحدة بمد نفوذ أكثر راحة في الإقليم، مستفيدة من تراجع التنسيق بين القوتين الإقليميتين.

تركيا التي خاضت مواجهة مفتوحة عبر دعم المعارضة الحليفة، وجدت نفسها لاحقًا أمام مشهد إقليمي متبدل: صعود تهديد إسرائيلي مباشر في الجنوب السوري، ومحاولات التمدد نحو الساحل، وجفاء روسي، فضلًا عن إعادة تموضع القوى الكردية شرقًا.

وتراجع مظلة التوازن التي كان يشكلها التفاهم مع إيران في لحظات سابقة.

في المقابل، واجهت طهران عدوانًا إسرائيليًّا أمريكيًّا مزدوجًا، تبعته ضغوط وتهديدات متصاعدة، دفعتها إلى إعادة النظر في توزيع أولوياتها الإقليمية:

من جنوب لبنان حيث يلوح خطر مواجهة واسعة، إلى غزّة التي تمثل أحد مفاصل تماسها الاستراتيجي، مرورًا ببيئة إقليمية تتغير بسرعة غير مسبوقة.

أما في جنوب القوقاز، فتداخلت مصالح الطرفين مع مصالح لاعبين آخرين في بيئة حولتها تركيا إلى فضاء نفوذ مباشر، فيما ترى فيها إيران مجالًا حيويًّا لا يمكن التفريط به.

وجود إسرائيل في أذربيجان وكازاخستان أضاف طبقة أخرى من التنافس، وعمّق تباينات كانت في السنوات الماضية.

هذه الخلفية، بكل تعقيداتها، تضع العلاقات التركية الإيرانية اليوم أمام اختبار جديد: هل يصبح التعاون ضرورة استراتيجية لا غنى عنها في مواجهة خريطة إقليمية يعاد رسمها بقوة السلاح والاقتصاد والطاقة؟ أم أن التنافس التاريخي سيبقى العامل الأقوى في تحديد مسارات العلاقة؟

في لحظة إقليمية تتغير فيها قواعد الاشتباك وتعاد صياغة موازين القوى، تبدو كل خطوة تركية أو إيرانية جزءًا من محاولة لإعادة تثبيت موقع في شرق أوسط يدخل مرحلة إعادة ترتيب شاملة، أو ربما إعادة تعريف ذاته.

 

كمال خلف: سعادة السفير فيروز دولت أبادي، نحن باختصار، قبل أن ننهي هذه الحلقة، أمام لحظة اضطرارية للطرفين – لإيران وتركيا – أمام لحظة اضطرارية يشعر فيها الطرفان بتهديد: إيران تشعر بتهديد أمريكي إسرائيلي بالاعتداء عليها واستهدافها.

وتركيا بدأت تشعر بأن إسرائيل تتمدد نحوها – تحدثنا عن منطقة الساحل السوري، شرق الفرات، جنوب سوريا، محاولة الهيمنة على لبنان وغيرها من المناطق التي تهتم بها تركيا، خاصة =ساحل المتوسط.

إذًا، سعادة السفير، نحن أمام لحظة اضطرارية للقوتين الإقليميتين الأكبر في هذه المنطقة؟

 

فيروز دولت أبادي: هناك مبدأ استراتيجي تاريخي. طبعًا، عندما يكون هناك أي تعاون بين إيران وتركيا، فلن تستطيع أية دولة في المنطقة أو من خارج المنطقة أن تقوم بفرض مطامعها ومطالبها على هذه المنطقة.

وعندما يكون هناك تباعد بين هذين الطرفين، فإن تركيا سوف تواجه مشاكل، وكذلك إيران.

واليوم، لا يمكن أن نقول مثلاً إن ظرفنا أفضل مما كان عليه قبل عشر سنوات. هي ليست أفضل، لا لإيران ولا لتركيا أيضًا.

ولكن من أجل إنعاش مكانتنا مرة أخرى، ولكي لا تستطيع أية دولة أن تقوم بفرض سياساتها على المنطقة، سواء كانت تشكل تهديدًا لإيران وتركيا في المستقبل أم لا، فإن تعاوننا مع تركيا يعد ضروريًّا، ويعد استراتيجيًّا أيضًا. وإن أي تقصير في هذا التعاون سوف تتم معارضته من قبل الأجيال المقبلة، كيف أضعنا مثل هذه الفرص؟

وطبعًا، هناك موضوع آخر أود الإشارة إليه: إن الدول التي تريد أن تؤدي دورًا في هذه المنطقة ليس لديها أهداف واضحة. فمثلاً، عندما تأتي إسرائيل وتقوم ببعض النشاطات العسكرية في سوريا وتتوغل في أراضيها، فذلك مرده إلى عدم وجود حكم وسلطة حاكمة ثابتة هناك. وإلا، فإن حكم السيّد الجولاني، من حيث الظاهر، ظروفه أفضل من فترة حكم السيّد بشار الأسد.

وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك هذه الجرأة من قبل الإسرائيلي لكي يقوم بكل هذه الأعمال.

لذلك، أعتقد أن الاختلاف الجوهري هو بين القادة. من يريد أن يحكم الآن؟ من الواضح أنه لا يتمتع بأية إمكانيات لمواجهة إسرائيل، وربما لديه أهداف أخرى.

 

كمال خلف: ربما هذا ما تخشى منه تركيا: هشاشة الحكم في سوريا أو هشاشة النظام الحالي في سوريا، وعدم استقرار سوريا، هو أكثر ما تخشى منه تركيا في هذه اللحظة.

سأختتم الحلقة، مشاهدينا، بسؤال أخير لضيفي السيّد سوسار من أنطاليا حول زيارة أردوغان المقبلة: نعتبرها نقطة تحول في العلاقات، خاصة أنه سبقها زيارة فيدان، وبالتالي يبدو أن هناك أمرًا ما يُحضَّر قبل زيارة أردوغان.

هل نتحدث عن نقطة تحول ستكون مع زيارة الرئيس أردوغان إلى العاصمة الإيرانية؟

 

مهدي سوسار: قبل أن أجيب عن هذا السؤال، أريد باختصار أن أسلط الضوء على نقاط قليلة. أنا لا أوافق على ما قاله ضيفكم الكريم من طهران فيما يتعلق بمقارنة النظام الحالي في سوريا مع النظام السابق.

كما نذكر، قامت إسرائيل بضرب الأراضي السورية في خلال فترة حكم بشّار الأسد، من ضمنها الضربات التي طالت القنصلية الإيرانية، وأيضًا المنشآت العسكرية الإيرانية، مما أدى إلى اغتيال ومقتل عدد من الجنرالات والقادة الإيرانيين.

إذًا، أنا لست أعتقد أن تغيير النظام هو الذي أدى إلى توسع الوجود الإسرائيلي، أو أدى ربما إلى تسليط الضوء على هذا التوسع.

 

كمال خلف: ما الذي أدى إلى هذا التوسع إذاً؟

 

مهدي سوسار: هذا التوسع هو =جزء لا يتجزأ، وهذا التوسع مرتبط باستراتيجية إسرائيل الكبرى التي باتت تتجلى يومًا بعد يوم، والتي باتت تطبقها إسرائيل. إذا خطوة بعد الخطوة. إذا، هذا الموضوع ليس مرتبطًا بالقادة، ولا يمكننا أن نقارن الشرع بالأسد. وبالتالي، أعطيكم مثالًا على ذلك.

الآن، بما يتعلق بسؤالكم النهائي والختامي فيما يتعلق بمستقبل العلاقات ما بين تركيا وإيران، يمكنني أن أستخدم مصطلحًا يصف هذه العلاقة وهذه البنية التي تجمع كلا البلدين: هي بطبيعة الحال منافسة أو خصومة، ولكنها ليست بالخصومة العدائية، إنما هي خصومة موضوعية.

بناءً على ما أعنيه في كلامي هذا: إذا ركزنا على المصطلحات التقنية، هنالك بعض التضارب في ما يتعلق بالمصالح، وهذا واضح – أي ما بين تركيا وإيران.

وفي ما يتعلق بالسياسات المعتمدة في المنطقة، هنالك تضارب مصالح. ولكن هذا الأمر لا يعني أبدًا أن التغيير مستحيل. لا سيما على المستوى التكتيكي، من الصعب جدًّا أن نلحظ التغييرات أو التحولات على المستوى الاستراتيجي بالنسبة لإيران وأيضًا لتركيا.

 

كمال خلف: انتهى الوقت، لم تجبني على زيارة أردوغان! سيّد مهدي سوسار، بكل الأحوال، انتهى الوقت. شكرًا جزيلًا لك، الخبير في العلاقات الدولية المتخصص في الشؤون الإيرانية من أنطاليا.

أشكرك جزيل الشكر، سيّد فيروز دولت أبادي، الدبلوماسي والسفير الإيراني السابق في تركيا أيضًا من طهران. شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا، "دوائر القرار"، انتهى لهذا الأسبوع.