البابا في لبنان... زيارة الأمل

وجودُ البابا لاوون الرابع عشر في لبنان ليس حدثاً عادياً. فهو رأسُ الكنيسةِ الكاثوليكية الذي لم يَثْنِهِ القصفُ الإسرائيليُّ لبيروت عن الحضور، حاملاً معه الأملَ والرجاءَ إلى هذا البلد الصغير، الغارقِ في مستنقع الأزمات، والرازحِ تحت نير الاحتلال والوصاية والحصار. «طوبى لصانعي السلام» هو شعار الزيارة، وهي الأولى لسيّد الفاتيكان إلى خارج روما منذ انتخابه. لكنّ الأسئلة المُلحّة تظلّ مفتوحة: ما أثر هذه الزيارة في لحظةٍ هي من الأصعب على لبنان، بين التوحّش الإسرائيلي، وشبحِ الحروبِ الداخلية والخارجية؟ هل تعكس موقفاً واضحاً من الصراع الذي يعصف بلبنان والمنطقة؟ وهل تُخفّف من التوترات الداخلية وتلطّف الضغوط الخارجية؟ وهل تُعيد إحياء الحوار الإسلامي–المسيحي الذي نحن أحوج ما نكون إليه اليوم؟ أهلاً بالحبرِ الأعظم في الأرضِ المقدّسة، في لبنان، على مرمى حجرٍ من فلسطين. أهلاً بقداستِه في هذه المنطقة المعذّبة من العالم، المهدَّدة بمزيدٍ من الموت والخراب والتمزّق. وفي ظل عبارات الترحيب التي تملأ الأرجاء، يبقى سؤالٌ واحد يتردّد على الألسن: أليس لدرب الجلجلة من نهاية؟

نص الحلقة

بيار أبي صعب: مساء الخير. وجود البابا لاوون الرابع عشر في لبنان ليس حدثاً عادياً، رأس الكنيسة الكاثوليكية الذي لم يثنه القصف الإسرائيلي لبيروت عن المجيء، يحمل الأمل والرجاء إلى هذا البلد الصغير الغارق في مستنقع الأزمات، الرازح تحت نير الاحتلال والوصاية والحصار. "طوبى لصانعي السلام" يقول شعار الزيارة وهي الأولى لسيّد الفاتيكان إلى الخارج منذ انتخابه، فما تأثيرها المباشر على هذه اللحظة الصعبة التي يعيشها لبنان في مواجهة التوحّش الإسرائيلي وشبح الحروب الداخلية والخارجية؟ هل تعكس الزيارة الباباوية موقفاً من الصراع الذي يعصف بلبنان؟ هل تخفّف من الاحتقان الداخلي وتلطّف الضغوط الخارجية؟ هل تحيي الحوار الإسلامي المسيحي الذي نحن أحوج ما نكون إليه اليوم؟ أهلاً بالحبر الأعظم في الأرض المقدّسة في لبنان على مرمى حجرٍ من فلسطين، أهلاً بقداسته في هذه المنطقة المعذّبة من العالم، المهددة بمزيدٍ من الموت والخراب والتمزّق. عبارات الحفاوة والترحيب على كل لسان ومعها سؤالٌ واحد يردّده الجميع، أليس لهذه الجلجلة من نهاية؟

 

لتناول هذه الزيارة معنا الليلة في الاستوديو الصحافي والكاتب الأستاز سركيس أبو زيد، والصحافي والكاتب صلاح سلام رئيس تحرير جريدة اللواء اللبنانية، ومن بكين معنا النائب والطبيب الدكتور الياس جرادي، فأهلاً بضيوفنا وأهلاً بكم أعزائي المشاهدين في هذه الحلقة الجديدة من "على محمل الجد". أستاذ سركيس كيف ترى في هذه اللحظة الصعبة التي يعيشها لبنان زيارة البابا، زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية؟ وهل برأيك لها انعكاسات على أرض الواقع؟ هل لديك توقعات أو تمنيات؟

 

 

 

سركيس أبو زيد: لا شك أن الزيارة مهمة لا سيّما في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من أزماتٍ داخلية وإقليمية، سيادة البابا قد يكون له دور في تخفيف آلام الشعب اللبناني ودورٌ أساسي في تحقيق الاستقرار والأمان والسلام للوصول إلى حل. النتاج ليست واضحة ولكن هنال أمل في أن ينادي للسلام والأمل كما سمّاها، وبالنتيجة لن يكون هناك أمل إلا بوجود حل عادل. دعني أستفيد من سؤالك كي ألقي الضوء على خلفية العلاقة بين الفاتيكان ولبنان، إذ أن هذه الزيارة ليست الأولى.

 

 

 

بيار أبي صعب: عذراً على المقاطعة ولكن لديّ سؤال كامل عن الموضوع وعن إنجازات يوحنا بولس الثاني في الحوار الإسلام المسيحي، تفضّل.

 

 

 

سركيس أبو زيد: خلال زيارة البابا يوحنا الثاني صدر إرشاد رسولي مشهور جداً وكان له صدًى كبيراً في لبنان والخارج في العام 1997، هذا الإرشاد ركّز على فكرة الحوار المسيحي الإسلامي وعلى أن لبنان هو بلد الرسالة، وهناك شق آخر له علاقة بالإصلاح داخل الكنيسة المارونية. بعد كل هذه السنوات لم يتعمّق الحوار المسيحي الإسلامي، حتى أن كثيراً من رموزه لم يعودوا موجودين أو فاعلين، وبرأيي أنه كان هناك تقصير من الدولة اللبنانية ومن الكنيسة ومنا كلبنانيين فلا نلومنّ الآخرين، وشكراً للبابا أنه تكرّم وحضر وأطلق النداء، ولا ننسى بأن هذا النداء لاقى تأييداً على أساس أن لبنان بلد الحضارة، بلد الحوارالديني وعلى أساس أن لبنان سيبني مركزاً لحوار الحضارات والأديان، كان هذا في 16 أيلول 1997، ولكن للأسف هذا المركز لم يبصر النور حتى يومنا هذا. المشكلة ليست في الفاتيكان وإنما نحن اللبنانيين ماذا نقدّم وماذا نحضّر، هل هيّأنا ما سنقوله للبابا؟ هل انخرط اللبنانيون في حوارٍ جدي؟ وهل خرجت مذكرات أو مقترحات معمّقة ترقى إلى مستوى هذه الزيارة؟ في الحقيقة ليست هناك تحضيرات لا من قبلنا كشعب وقوىً حيّة ولا كدولة على مستوى هذا الحدث الذي نترقّبه، كان بنا يجدر كلبنانيين ومؤسسات لبنانية رسمية ومدنية أن نتحضّر لها الحدث وهذا الأمر لم يحصل.

 

 

 

بيار أبي صعب: أستاز صلاح سلام أهلاً وسهلاً بك، هذه الزيارة البابوية الثالثة أو الرابعة إذا اعتبرنا مرور بولس السادس بمطار بيروت في 1964 الذي كان مروراً عابراً، ولكن الزيارتين الأساسيتين حتى اليوم هما ليوحنا بولس الثاني في العام 1997 في مرحلة إعادة الإعماروإعادة بناء الوحدة الوطنية، ولاحقاً البابا بنديكتس الرابع عشر الذي جاء أيضاً في مرحلة مهمة على أبواب الحرب السورية في 2012، يُقال إن البابا فرنسيس كان ينوي المجيء في 2022 وألغى زيارته وقد نُصح بعدم المجيء لأن زيارته قد تُستثمر من قبل طرف سياسي وهو محور المقاومة فتمّ تأجيل الزيارة. أيُّ طرفٍ أو جهة أو مشروع يمكنه اليوم أن يستثمر وجود البابا لاوون الرابع عشرفي لبنان؟ وهل سيكون برأيك لهذه الزيارة انعكاساً على الواقع السياسي؟

 

 

 

صلاح سلام: هذه الزيارة التاريخية هي أكبر من كل الأفرقاء اللبنانيين، لا أحد يستطيع أن يستثمر فيها أو أن يستغلّها لمصلحةٍ خاصة أو لمصلحة فئوية أو حزبية أو حتى طائفية لأن هذه زيارة للبنان الوطن، لبنان الرسالة وليس زيارةً لفريق من اللبنانيين أو لحزبٍ معيّن أو لمسؤولٍ واحد من اللبنانيين بل هي زيارة لكل اللبنانيين، والترحيب الإسلامي بهذه الزيارة لا يقلّ حماسةً عن الترحيب المسيحي لدرجة أن رؤساء الطوائف المسيحية توافقوا على إعداد مذكّرة مشتركة تُقدّم لقداسة البابا تعبّر عن ترحيبهم أولاً بقدومه إلى لبنان وتبلغه نظرتهم إلى صيغة التعايش وتمسّكهم بالعيش الواحد في لبنان، والحوار الإسلامي المسيحي والحوار بين الأديان والحضارات كطريقٍ وحيدٍ للسلام ليس فقط في لبنان وإنما في العالم كله.

 

 

 

بيار أبي صعب: حضرتك من ضمن اللجنة التي شاركت في كتابة هذه المذكّرة.

 

 

 

صلاح سلام: أنا أحد الأشخاص الذين شاركوا في إعداد هذه المذكّرة، وبالتالي أهمية هذه الزيارة أنها زيارة للبنان الرسالة وليس للبنان السياسي أو الطائفي أو الغارق بمشاكله الاقتصادية والاجتماعية وخاصةً وأن قداسة البابا لاوون الرابع عشر اتّخذ من لبنان محطته الأولى وخطّط في هذا الظرف الأمني غير المستقر في البلد وفي ظل الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، حتى أنه كانت هناك بعض التحذيرات الأمنية من أجهزةً دولية لقداسة البابا ولدوائر الفاتيكان لتأجيل موعد الزيارة ولكن قداسته رفض وأصرّ على المجيء إلى لبنان تحت شعار السلام والأمان، وهذه هي أهمية الزيارة في هذا التوقيت بالذات.

 

 

 

بيار أبي صعب: دكتور الياس جرادي نحيّيك في العاصمة الصينية، ما التأثير السياسي المباشر للزيارة البابوية في هذه اللحظة الصعبة التي يعيشها لبنان بين التشنّجات الداخلية والعدوان اليومي والأزمات البنيوية والحصار الاقتصادي؟ هل ستنجح في بثّ أجواء التهدئة والعقلانية والحوار؟ هل تخفّف من وطأة الضغوط الأميركية والتغوّل الإسرائيلي؟  

 

 

 

الياس جرادي: السلام لك ولضيوفك وللمشاهدين، مقولة أطلب المقابلة ولو في الصين تتمّ الآن، شكراً على الدعوة رغم كل الصعوبات التقنية. نحن ننظر إلى هذه الزيارة ونعطيها الأهمية التي تستحقها، هذا واجبنا وواجب كل لبناني وكل سياسي ومسوؤل في لبنان أن يدفع لإعطاء هذه الرسالة ما تستحقه من أهمية، وأن ندفع بهذه الزيارة لأن يكون لها انعكاسات إيجابية على لبنان وعلى المنطقة بإرساء السلام، حماية لبنان، انتزاع ضمانات. نحن صانعو السلام كما تفضّلتَ وهذه هي الرسالة الأهم التي يمكن للكنيسة المسيحية وإيماننا أن يجاهر بها وأن يعمل لأجلها، وأن يكون مندفعاً ومجابهاً، المجابهة في هذا العمل كما السيّد المسيح أبداً ما حابى. هنالك مَن نكره ثلاثاً قبل صلاح الدين وهناك مَن غسل يداه وهنالك مَن باعه على الصليب وإنما تبقى المسيحية ورسالة المسيح رسالة شهادة للحق والإنسانية، ونعتقد بأنّ على الكنيسة أن تقوم في هذه الظروف بما يخصّ منطقة الشرق الأوسط ولبنان تحديداً لما تحمله هذه الزيارة من أهمية للبنان، وهو بحاجة إلى هذه التطلعات وهذا العمل الدولي من أجل حمايته ضد الأخطار والأطماع التي يواجهها. أنا أعتقد أنه على الكنيسة أن تكون رأس حربة في مواجهة هذه المنظومة المستجدة عالمياً، منظومة تمتلك الكثير وتخفي القوة والغطرسة، تسعى لإرساء نظام ومفهوم إنساني جديد. أعتقد اننا نواجه مأزقاً إنسانياً عقائدياً أكثر مما هو مأزق سياسي، لذلك على الكنيسة أن تكون رأس حربة بمواجهة أولئك الذين يحاولون إرساء هذا النظام، أقلّها نظام يجاهر بأنه يصنع الحروب من أجل السلام، فهذا ينسف كل العقيدة المسيحية وكل ما ضحّت به العقيدة المسيحية على مدار ألفي سنة ونيّف، فلذلك أعتقد أنه علينا إنسانياً وإيمانياً ليس فقط في لبنان بل في العالم جمع أن نعمل جميعاً نحن حزب الإنسانية الذي ينتمي إلى هذا الكوكب ليس فقط جغرافياً وإنما تاريخياً أيضاً لأن الإنسانية هي صنع تاريخي أجيال وراء أجيال وتضحيات وراء تضحيات، لذلك أعتقد أنه على البابا ورأس الكنيسة أن تقوم بنفس الدور الذي قامت به وأن تجسّد نفس النشأة الإيمانية الإنسانية العقائدية اللي كانت هي سبب وجودها، الأخلاق والإنسانية وهي حق لكل كائن بشري على هذا الكوكب. لذلك على الكنيسة أن تجاهر وتجابه هذ الموضوع في هذه الأوقات الحرجة.

 

 

 

بيار أبي صعب: دكتور جرادي سألنا الأب عبدو أبو كسم وهو رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام عن الدلالات والأبعاد التي تحملها زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان في هذه اللحظة الصعبة من تاريخه، هنا ردّ أبو كسم نشاهده معاً. 

 

 

 

الأب عبدو أبو كسم: إن الزيارة الرسولية الرعوية لقداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر للبنان هي ذات شقّين، الشق الأول رسمي يتعلّق بزيارة دولة كان قد توجّه بها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى قداسة البابا ليزور لبنان فلبّى هذه الدعوة، والشق الثاني هو زيارة رعوية رسولية بناءً على دعوة البطاركة الكاثوليك في لبنان تقدّموا بها إلى قداسة البابا الراحل فرنسيس. تأتي هذه الزيارة تحت عنوان "طوبى لصانعي السلام" وهي زيارة سلام ورجاء كما قال قداسة البابا لاوون قبيل مغادرته إلى تركيا فلبنان. زيادة لبنان تحمل عنوان السلام وهي تتكلّم عن السلام الحقيقي الروحي النابع من نوايا صادقة لكل اللبنانيين، أن يسعوا لأن يكونوا صنّاع سلام وليس أن يُفرض عليهم هذا السلام إنما أن يكونوا هم مَن يصنعون هذا السلام، والسلام يبدأ من السلام الداخلي أي بين المؤمنين اللبنانيين لينطلق إلى السلام الخارجي مع سائر الناس الذين لديهم إرادة السلام الحقيقي. إذاً لا طابع سياسي لهذه الزيارة إنما طابع رعوي، وعلينا أن نستثمر في نتائج هذه الزيارة، وأن نستقبل قداسة البابا بفرح، أن يكون لدينا رجاء. هو يشدّد على أن لبنان كما سمّاه البابا القديس يوحنا بولس الثاني بلد الرسالة الذي يجمع في مكوّناته مختلف الطوائف والمذاهب الدينية، وهو بلد فيه شراكة وشهادة للمسيحيين في لبنان وفي الشرق، كما دعا البابا الراحل بندكتوس السادس عشر في إرشاده الرسولي للشرق الأوسط والذي أطلقه من لبنان. واليوم المسيرة تكتمل بدعوة البابا لاوون الرابع عشر إلى بناء ثقافة السلام واللقاء بين اللبنانيين. هذا هو جوهر هذه الزيارة، فلا أبعاد سياسية لها ولا إقصاء لأي أحد إنما هي زيارة جامعة. نتمنّى أن تتمّ هذه الزيارة بنجاح وأن نبني سوياً في لبنان مسيرة السلام لكي ننهض بهذا البلد، هذا الوطن وطن الرسالة ولكي نخرج من الأزمات التي تتخبّط بها بإرادة صالحة وصادقة، بنيّة حسنة وأن نكون بالفعل صنّاع سلام.

 

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ سركيس تحدّثتَ عن الحوار الإسلامي المسيحي، هل هذه الزيارة ستساهم في إنعاش هذا الحوار المتعطّل الذي يروح مكانه منذ سنوات خصوصاً أنه خلال زيارة الأب يوحنا بولس الثاني وُضعت أطر وقواعد وآلية لم تُستكمل، ما هي وجهة نظرك حيال هذا الموضوع؟

 

 

 

سركيس أبو زيد: لن أكون سلبياً دائماً، هناك أهمية كبيرة لما تقوم به الكنيسة والفاتيكان ولكن نحن نتحدّث عن النتائج، أذكّر هنا بالتاريخ والخلفية التاريخية كي نرى إلى أين تذهب الأمور وإذا ما كانت هناك استعدادات وتحضيرات. بالنسبة للسينودوس فهو لم يُنفَّذ، صحيح أن البابا فرانسيس لم يأتِ إلى لبنان لأسبابٍ معيّنة ولكنه استبدل ذلك باهتمامٍ زائد بالخليج، وُضعت وثيقة الأخوّة الإنسانية في 4 شباط 2019 التي اعتبرها البعض بديلاً لدور لبنان في هذا الموضوع، إذا كان لبنان لا يهتمّ رسمياً وشعبياً بهذه الأموروالفاتيكان لا يتابع تطبيق ما ينصح به أو يتمنّاه أو ينادي من أجله فسيكون دور لبنان متراجعاً عن كونه بلد الرسالة، لم يكن في أولوية اهتمامات الكنيسة، والشعب والسياسيين لم يكونوا مبادرين على هذا المستوى.

 

 

 

بيار أبي صعب: هل الناس حاضرون اليوم للحوار الإسلامي المسيحي كما كانوا حاضرين في 1997 خلال مرحلة الحريرية وبناء لبنان وإعادة بناء الوحدة الوطنية؟

 

 

 

سركيس أبو زيد: لديّ رأيٌ خاص في موضوع الحوار المسيحي الإسلامي وأعتقد أنه بقي حالة شكلية أو رسمية أو معزولة، أنا مع الحوار المسيحي الإسلامي على المستوى العابر للدول والأمم لأنه حوارٌ كوني بينما نحن في لبنان بحاجة إلى حوار لبناني، المطلوب من اللبنانيين أن يتحاوروا مع بعضهم حتى يجدوا الحلول،.أنا سلتُ مع الحوار المسيحي الإسلامي في لبنان لأن هناك تناقضات وخلافات داخل المذاهب الإسلامية والمسيحية أكثر مما هي خلافات مسيحية إسلامية، وبالتالي يجب ألا نختصرها بأنها حوار من أجل اللاهوت أو علم الكلام، نحن بحاجة إلى حوارٍ لبناني داخل المذاهب والطوائف والأديان لإجراء حوار وطني يوصلنا إلى نموذج أو إلى حل أو خلاص وإلا فبرأيي هناك خطر وجودي على لبنان لأن شعبه بشكلٍ أساسي وحكّامه والمسؤولين إن كانوا أحزاباً أو نقابات أو نُخباً أو إعلاميين أو مثقفين ليسوا على مستوى هذه التحديات. نشكر البابا على زياراته من حينٍ إلى آخر ليذكّرنا بهذا من ناحية أخلاقية ودينية، ولكن ماذا نفعل نحن على سمتوى هذا التحدي، هل نحن كلبنانيين على مستوى رسالة البابا؟ أتمنّى أن أكون مخطئاً لأن لبنان في مواجهة تحدٍّ وعلينا أن نعمل جميعاً من أجل إنقاذ لبنان.

 

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ صلاح سلام أخبرنا ما هي الفكرة في أن يتوجّه زعماء الطوائف برسالة إلى البابا وما هو فحواها؟ ثانياً الحوار الإسلامي المسيحي الذي أنت معني به كثيراً، ما هي وجهة نظرك حيال ما قاله الأستاذ سركيس أبو زيد؟ 

 

 

 

صلاح سلام: بالنسبة للمذكّرة لا نملك الحق بالكشف عن فحواها لأنها تخصّ رؤساء الطوائف الإسلامية ولكن الخطوط العريضة لها والفكرة منها هي تأكيد الترحيب الإسلامي بزيارة قداسة البابا إلى لبنان على أعلى مستوى إسلامي ممكن أولاً، وثانياً التأكيد على التمسّك بصيغة العيش المشترك الإسلامي المسيحي ليس في لبنان فقط بل في كل أنحاء العالم على مستوى العالم ككل كصيغةٍ إنسانية متكاملة في خدمة الإنسان أولاً وأخيراً. أيضاً للتأكيد على مبادئ المحبة والتسامح الإسلامية في التعاطي مع الآخر وحق الاختلاف أًيضاً بالنسبة للآخر ولكن ضمن إطار الاحترام المتبادل والتعاون المشترك لما فيه خير هذه الإنسانية.

 

 

 

بيار أبي صعب: وثيقة وطنية يجب أن تُنشر.

 

 

 

صلاح سلام: بالتأكيد ستُنشر بعد تسليمها إلى قداسة البابا ولكن هذه هي المبادئ الأساسية اللي تضمّنتها مذكّرة رؤساء الطوائف الإسلامية. أما بالنسبة للحوار الإسلامي المسيحي في لبنان فهو على خطين متوازيين، على الخط الديني يمكن القول إن الحوار الإسلامي المسيحي مستمر وناشط ويحقق الأهداف المرجوّة منه خاصةً في الملمّات والأزمات، ولكن الحوار الإسلامي المسيحي على المستوى السياسي هو الذي يبقى متعثّراً لأن الخلافات السياسية الحزبية والطائفية أقوى من محاولات الحوار للتوصل إلى أهدافه المشتركة. لذلك نحن بحاجة إلى حوارٍ وطني في لبنان بكل معنى الكلمة، بمعنى أن يكون في هذا الفريق مسلمون ومسيحيون والأمر نفسه في الفريق الآخر، وأن يكون الحوار من أجل بناء الدولة العادلة القائمة على المساواة لكل الأبناء وتعامل مواطنيها على قدم مساواة بالنتيجة وليس على التفضيل أو استنسابياً أو انتقائياً. 

 

 

 

بيار أبي صعب: دكتور جرادي ما زال كثيرون يردّدون الكلام الذي قاله البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي أتى على ذكره الأستاذ سركيس قبل قليل، في لبنان العام 1997 قال "لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة، رسالة العيش بين المسلمين والمسيحيين ورسالةٌ للغرب الأوروبي والأميركي مثلما هو رسالةٌ للشرق العربي والإسلامي، لبنان رسالة ٌعالمية". ماذا تبقّى اليوم من هذه الرسالة مع زيارة البابا الحالي ولبنان تحت الاحتلال ويواجه أزماتٍ مفتوحة وحصاراً مديداً؟

 

 

 

الياس جرادي: أولاً لنتحدّث بالوقائع التاريخية أن لبنان مرّ بظروفٍ أصعب من هذه بكثير وهوعصيّ على الاندثار وعلى الموت، ورغم الصعوبات فإنها لا تزيل عن لبنان صفة السرمدية والبقاء، وهو وقف الرب وعلينا أن نعمل على ترسيخ هذه الفكرة أقلّها في الأجيال القادمة كتربية وطنية ووجدانية عدا عن أنها دينية، لبنان هو وقف الرب وأرض مقدّسة وعلينا حمايتها. بالرغم من كل الصعوبات بقي لبنان عبر الزمن، مقولة إن لبنان لم يكن دولةً منذ آلاف السنين إجابتها أنه لم يندثر رغم كل الصعوبات. يبقى لبنان مساحة حوار مساحة وعيشٍ مشترك إن أردنا أن نفعل له. ضيفك الكريم أشار إلى الحوار المسيحي الإسلامي، ربّما كان له مبرراته منذ زمن، الآن نحن حتماً مع هذا الحوار ولكن لا نعتقد أن هذا الحوار ضرورةً لأنه يلس لبّ المشكلة، هل الصراع الذي نشهده اليوم لبنانيا ًوعالمياً هو صراع إسلامي مسيحي؟ مطلقاً، هل ما يجري في غزة هو اعتداء للمسيحيين على المسلمين؟ ما يجري في لبنان هو اعتداء للاإنسانية على الإنسانية مسيحيين ومسلمين، لا يمكن تصنيف الصراع بأنه صراع طائفي أبداً وإنما هو صراع منظومة مستجدة منذ عقود لها جذورها التاريخية برموزها الدينية، بما أننا نتحدّث عن زيارة البابا أنا شبّهتها برموزها التاريخية صراع مار جريس مع التنّين، هذه إحدى الحلقات التي نشهدها، فتحديد موقفنا منها وليس على موقف طائفي مسيحيين ضد مسلمين أو العكس كما يتمّ تصويره. نحن مع حوار مباشر وتفاعلي منذ آلاف السنين، ونحن المسيحيون المشرقون شهود على ذلك ونحن أبناء هذا الحوار الممتد عبر التاريخ. 

 

 

 

بيار أبي صعب: سنتابع بعد الفاصل، أستشهد من كلامك صورة مار جريس وهو يصارع التنّين الذي هو رمز الشر، فاصل قصير ونعود. 

 

 

 

أهلاً بكم مجدداً أعزائي المشاهدين في هذه الحلقة من "على محمل الجد"، اسمحوا لي أن أعيد الترحيب بضيوفنا الليلة: الأستاذين صلاح سلام وسركيس أبو زيد في بيروت، وسعادة النائب الدكتور الياس جرادي في بكين. نصل الآن إلى الجزء الثاني من حلقتنا مع فقرة "على محمل النقد"، الشيخ شفيق جرادة رئيس معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية يدعو الحبر الأعظم إلى زيارة المساكين على خطى المسيح، ويرى أن تأثير الزيارة سيبقى رمزياً في وجه الهيمنة الأميركية، نستمع إلى الشيخ شفيق جرادة. 

 

 

 

 

 

الشيخ شفيق جرادة: طبعاً زيارة قداسة البابا للبنان عدا عن كونها محببّة إلى قلوبنا نحن المسلمون عموماً والشيعة على نحوٍ خاص لمحبّتهم لكل ما يرمز إلى السيّد المسيح، فكيف إذا كانت قامة كبيرة مثل قداسة البابا، أن يأتي إلى لبنان هذا لطف كبير، لكن لنكن موضوعيين وألا نحمّل قداسة البابا في زيارته أموراً قد تكون صعبة بعض الشيء أو كثيراً من الشيء، مثلاً الله الاحتقان اللبناني الداخلي، التنميات بأن تخفّ أو تنتهي بزيارة قداسة البابا، جميعنا نعرف أن الولايات المتحدة الأميركية هي وراء كل هذه المشاغبات والأزمات التي تحصل. في موضوع الحوار الإسلامي المسيحي قد يعزز هذا الشيء حينما يكون هناك قاعدة للانطلاق نحو حوار إسلام مسيحي، للأسف الشديد الحوار الإسلامي المسيحي منذ أكثر من عشر سنوات تقريباً شبه معطّل ولم تعد له نفس الفاعلية، وهذا يحتاج لدى كل الأطراف إلى طرد ما يمكن أن نسمّيه بتجار الهيكل. أخيراً أملي ورجائي بل واقتراحي لو يسمح قداسة البابا أن يأخذ قراراً وهذا ينمّ عن روح المسيح وروح القدس التي يمكن أن تعطي نفحتها، نفحة المحبة الخاصة فيها لزيارة الأماكن التي تعرّضت بفعل الاحتلال والعدوان الإسرائيلي على لبنان سواءً في الجنوب أو في الضاحية أو في البقاع، أن يذهب لينظر إلى الفقراء والمساكين، غبطك أو قداستك دعني أقول لك إن الذين يحبّونك فعلاً ومن دون مصلحة هم الفقراء الذين تعرّضوا لأقصى الأزمات في هذا العالم، هم الموجوعون، هؤلاء هم مَن يحبّونك، هؤلاء هم مَن ينتظر فيما أعتقد الله أن تتوجه إليهم، أن تزورهم وأن تبعث لهم بنفحة محبة.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ صلاح عشيّة وصول البابا لاوون إلى لبنان صرّح الدكتور ناجي قزيلي مستشار رئاسة الجمهورية لشؤون الكرسي الرسولي أنه في لبنان وخارجه هناك حاولوا عرقلة زيارة البابا ومنعها وإقناعه بعدم المجيء، لكن البابا أصرّ على المجيء أولاً بسبب مكانة لبنان الخاصة بالنسبة للكرسي الرسولي والأهم من ذلك أن يوصل رسالة بأنه إذا حصلت تغييرات أساسية في الشرق الأوسط يجب ألا تكون على حساب لبنان، هذا نقلاً عن الدكتور قزيلة، ما هو رأيك في الموضوع؟

 

صلاح سلام: في الوقع الزيارة بحدّ ذاتها دعمٌ للبنان خاصةً في ظل الظروف التي يتعرّض لها من اعتداءات إسرائيلية يومية وتحديات مصيرية بل ووجودية بسبب المتغيّرات في منطقة الشرق الأوسط وغياب لبنان عن مسرح هذه المتغيّرات. فمن هنا خطورة أن يبقى لبنان منعزلاً في ظل هذه العواصف في المنطقة، من هنا جاءت أهمية الزيارة البابوية في هذه الفترة بالذات لتؤكد دعم الفاتيكان الدائم والمستمر والتاريخي والذي كان في أصعب الظروف موجوداً مع هذا البلد كما كنا نردد دائماً كلمة البابا يوحنا أنه وطن الرسالة ونموذج للتعايش الإسلامي المسيحي، وهو النموذج الذي يجب أن يسود في مناطق الخلافات في الشرق الأوسط وخاصةً في فلسطين ذات التركيبة الاجتماعية والحضارية والدينية المشابهة لتركيبة لبنان، يمكن أن يكون لبنان نموذجاً لدولةٍ فلسطينية واحدة تضمّ اليهود والمسلمين والمسيحيين خاصةً أن الطوائف الثلاث لديهم مقدسات موجودة الأرض على الفلسطينية، ولكن للأسف العنصرية الصهيونية هي التي سادت خلال الفترة الأخيرة وهي التي ترتكب هذه المجازر سواءً في غزة أو في لبنان أو حتى في الضفة الغربية.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ سركيس أنت مطّلع على شأن الفاتيكان والموضوع المسيحي بشكلٍ عام، لم تكن المواقف متشابهة دائماً في العقدين الأخيرين من قضية المركزية فلسطين وقضايانا في العالم العربي، يوحنا بولس الثاني كان متحمّساً للمفاوضات أيام كامب ديفيد، بنديكتس السادس عشر طالب بانسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة وصولاً إلى فرنسيس الذي في عهده بعهده افتُتحت السفارة الفلسطينية في الفاتيكان، ما هو تقييمك لموقف الفاتيكان خصوصاً بعد سنتين من الإبادة في غزة؟ هل كان الموقف مرضياً بالنسبة لك وكيف تقيّم موقف الفاتيكان من قضايانا؟

 

 

 

 

 

سركيس أبو زيد: موقف الفاتيكان يغلب عليه أحياناً الموقف الطوباوي حيث يكتفي بتوجيه رسالة أو إبداء موقف مبدئي أكثر مما هو تدخّل في العمق، وكما نعلم هناك صراع داخل الفاتيكان حول ذلك وهناك صراع بين المسيحيين حول المسيحية الصهيونية وهذا أمرُ مدان ويجب أن تكون مرفوضة من الجميع، هناك مسيحيون متصهينون وليس مسيحيون صهاينة لأن المسيح وتعاليمه تختلف كلياً عن الصهيونية. لقد اطُلعتُ على حركة الإنجيليين في الولايات المتحدة الأميركية الذين يُتّهمون بدفاعهم عن الصهيونية، بسبب الأحداث الأخيرة في غزة والمجازر وانعكاسها على الرأي العام حيث أصبح الرأي العام الغربي الكاثوليكي والبروتستانتي مؤيداً للموقف الفلسطيني وللشعب الفلسطيني. نرى تأييداً من الكاثوليك والفاتيكان ومن جهات عالمية للمأساة الفلسطينية أكثر شجاعةً من موقف العرب والمسلمين حيال قضيّتنا، اللوم دائماً على ما نستطيع القيام، هل كانت مواقفنا في لبنان على مستوى المأساة التي حصلت في فلسطين؟ لماذا أطالب الفاتيكان والغرب ولا أطالب نفسي؟ كنتُ أتمنّى أن يكون موقف الفاتيكان أكثر جذريةً بسبب المجازر والمأساة، كانت هناك مواقف مبدئية تدين ما يحصل ولكن التقصير يبقى موجوداً في كل المؤسسات الدولية التي كانت تدافععن حقوق الإنسان والعدالة والسلام، في الحقيقة لم يكن لها دور أو موقف. علينا أن نلوم أنفسنا قبل أن نلقي باللوم على الآخرين، نحن مقصّرون تجاه بعضنا، حين لا نتضامن مع بعضنا كعرب ومسلمين أو كمشرقيين فلا نلوم الآخرين.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: دكتور الياس جرادي وجّهتَ رسالة أنت وبعض زملائك في المجلس النيابي تدعون فيها قداسة البابا إلى زيارة الجنوب اللبناني، هذه الأرض المقدسة التي وطأها السيّد المسيح واجترح فيها أولى عجائبه في عرس قانا الجليل، هذه الأرض التي روتها دماء مئات الشهداء والتي لا تزال تحت الاحتلال، لم يلبِّ قداسته النداء لماذا برأيك؟ هل أصبتَ بخيبة أمل؟

 

 

 

 

 

الياس جرادي: كما يُقال المؤمن لا يصاب بخيبات أمل، نحن قمنا بما علينا، بالدبلوماسية علينا أن نتفهّم، هي ليست فقط أرض معجزات السيد المسيح بل هي الأرض التي قال عنها الرب أنها وقفٌ له ولن يطأها أحدٌ بقدميه وهذا الكلام موجّه إلى موسى، عندما نظر موسى إلى الشمال رأى جبال حرمون وجبل عامل ودرب التجلّي وتلال شبعا، أرض لبنان محرّمة على كل الناس وهي للرب. لا أعتقد أن هناك ما هو أكثر قداسةً بالمفهوم الإيماني، هذا من الناحية الإيمانية، نحن نتحدّث عن الطابع الإنساني لهذه الزيارة وندفع لأن نعطيها هذا الطابع، أنا ضد مقولة إن هذه الزيارة هي رعوية فقط وكانت محددة مسبقاً وكأنه عمل بروتوكولي فقط بل على العكس نحن نعمل على إعطائها هذه الأهمية خاصةً في هذا الوضع. على الكنيسة أن تكون مجابهة، السيّد المسيح زار المرضى والمحتاجين، بالطبع أينما يحلّ البابا يحلّ السلام معه إن شاء الله ونعوّل على ذلك وإنما بمفعول مباشر زيارة الجنوب هو وضع الإصبع على الجرح، السيّد المسيح لم يوارب أبداً بل كان مجابهاً، كذلك كنا نتمنّى على الحبر الأعظم أن يقوم بهذه المجابهة. لا يمكننا إلا أن نتفهّم، وأنا أقول ليس فقط بعضاً من النواب الذين وقّعوا، ربّما لو عُرضت على كل النواب لوقّعوا وإنما كانت هناك حيثيات لأننا كنا على عجل حيث أُعلن عن الزيارة فجأةً بينما كنا نحضّر الرسالة، فاضطررنا أن نعمل على عجل وحصلنا على التواقيع التي أُتيحت.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: على كل حال الموقف الموقف مهم جداً بحد ذاته بمعزلٍ عن التجاوب أو عدم التجاوب معه، كان موقف ممتازاً سيبقى في الذاكرة والكتب. أستاذ صلاح سؤال أخير حول الحملة الإعلانية التي واكبت زيارة البابا وكان شعارها "طوبى لصنّاع السلام"، السلام في متجذّر في الوعي المسيحي والعقيدة المسيحية. ولكن هناك جزء كالعادة حاولوا تفسير السلام من منحى آخر في لحظة ضغط كبير على لبنان لتوقيع اتفاق سلام مع العدو الإسرائيلي، جرى تأويل مقولة السلام على أنه السلام مع إسرائيل، ماي هي وجهة نظرك وقراءتك للمشهد بشكل عامٍ؟

 

 

 

 

 

صلاح سلام: لا يجوز تجيير معاني الزيارة الدينية السامية لأهدافٍ سياسية، "طوبى للسلام" هذا شعار مسيحي منذ أيام السيد المسيح عليه السلام، وبالتالي ليس اختراع الأمس وليس موجهاً لفترة زمنية معيّنة أو لفئة معيّنة سواء كان الشعب اللبناني أو الإسرائيليين أو الفلسطينيين، هذا الشعار هو في صميم العقيدة المسيحية ،وبالتالي زيارة البابا اليوم التي تحمل أسمى معاني الأمل والسلام لبلدٍ يعاني مثل هذه المعاناة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والاعتداءات من جانب العدو الإسرائيلي تُعتبر لمسة حنان، لمسة لملمة جراح لبنان بأسمى الآيات المقدّسة حتى يستطيع اللبنانيون أن يتابعوا صمودهم ويستطيعوا أن يقاوموا هذا العدو.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: ويتفاءلوا بالمستقبل.

 

 

 

 

 

صلاح سلام: ويتمنّوا السلام.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: أستاذ سركيس كتبتَ الموارنة وعن مسيحيي المشرق وعن الفكر النهضوي المسيحي في كتاب الأب يواكيم مبارك، كيف تنظر بمناسبة زيارة البابا إلى لبنان لدور المسيحيين في هذه الصراعات ولموقعهم ومسؤوليتهم بالصراعات الوطنية والقومية الدائرة اليوم؟

 

 

 

 

 

سركيس أبو زيد: من الناحية الدينية المسيحيون معنيون أكثر من غيرهم بأرض المسيح، وهنا من الجيد أن يشير البابا إلى قانا ومغدوشة التي زارتها مريم العذراء. المسيح وُلد في الجنوب وهذا ما أكده الأب يوسف يمّين في كتابه، المسيحي المؤمن الحق لا يمكن أن يرضى بالاحتلال والظلم أو أن يرضى بالسلام. السلام في المسيحية أو كما يدعو إليه البابا هو السلام المرتبط بالعدل. الأب يواكيم مبارك كان يدرّس الدين الإسلامي في جامعة السوربون وقد كتب عن فلسطين ودافع عنها أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وكانت لديه مواقف في الوحدة الوطنية والحوار المسيحي والإسلامي.

 

بيار أبي صعب: مَن يتذكّره اليوم؟ 

 

 

 

 

 

سركيس أبو زيد: لا أحد، لقد ألّفتُ كتاباً عنه بمناسبة مرور مئة عام على ولادته، لم أجد اهتماماً به لا من المسيحيين ولا المسلمين رغم أنه الأب الروحي للحوار المسيحي الإسلامي، لا أهل البيت اهتمّوا به ولا الآخرين، وهذا دليل على أننا لا نغتنم الفرص. أختم كلامي بالقول إن الوشة التي ستحصل قبل مجيء البابا إلى لبنان أن تستفيد من مجيئه، وألا تكون الورشة في أماكن مغلقة أو سرية وإنما تكون مفتوحةً ويشارك فيها الإعلام والمثقّفون والكتّاب وممثّلون من الطوائف والأديان والمفكّرين للخروج برؤيةٍ على مستوى أن لبنان هو وطن الرسالة. كيف سنكون وطن الرسالة دون أن نُبدع أو نبادر من أجلنا أو من أجل الآخرين.

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: دكتور الياس جرادي سنختم معك، نعرف خياراتك الوطنية والعلمانية لكن اسمح لي لضرورات النقاش أن أطرح هذا السؤال من وحي زيارة البابا، أنت مولود في عائلةٍ مسيحية وأنت ابن الجنوب اللبناني ونائب عن الدائرة الثالثة في الجنوب، كيف تنظر إلى نزعة الاستقواء بالاحتلال لدى بعض القوى السياسية، ومحاولات زجّ هذه الطائفة بأكملها رغماً عنها في الجهة الخاطئة من التاريخ. 

 

 

 

 

 

الياس جرادي: هذه محاولات إعلامية وليست واقعاً وقد تحدّثنا عنها خلال الحرب وتصوير الصراع على أنه صراع ضد فئة أو طائفة معيّنة ضد عدو، وما تبقى من اللبنانيين وحتى ما تبقّى من الإنسانية والعرب هم غير معنيين أبداً بهذا الصراع، هذا ما كان يُعمل في الإعلام على زرعه في عقول الناس بأن الصراع هو ضد فئة معيّنة. ربّما قد نجحوا في بعض الأماكن بهذا المجال وإنما الرأي العام العالمي واللبناني والمحلي والمسيحي بخلاف ذلك، وقد رأينا انتفاضة الرأي العام وبالأخصّ الجيل الجديد بما يسمّى بالمجتمعات المسيحية. هذا الخطف الإعلامي لم يكن صدفةً أو ردة فعل وإنما هي "بيجرات إعلامية" كما أسمّيها والتي تنفجر بنا وكان مخطّطاً لها منذ البداية وفي كل لحظة، أيُّ رأيٍ أو فكرة أو موقف وطني أو فيه نوعٌ من الكرامة والشهامة تتمّ مهاجمته. الجيش مدرسة "شرف تضحية وفاء حماية الوطن"، كيف نرضى ألا تكون هذه المؤسسة مكلّلة بالكرامة والعزّة، موقف قائد الجيش كان يحفظ الحد الأدنى من الكرامة وكيف هوجم في الإعلام هو ورئيس الجمهورية، نسمع دوماً الأبواق الإعلامية والبيجرات التي تنفجر فيما بيننا، هذا الأمر مخطّط له وليس وليد اللحظة، وهي تحاول الإيحاء بأن الرأي العام أو الأكثرية هي بهذا الاتجاه أو أن الرأي العام المسيحي هو بهذا الاتجاه. الخطف الإعلامي يفعل فعله للأسف ولكن الواقع هو بمكانٍ آخر، وكما يُقال غداً يذوب الثلج ويبان المرج. نعم أنا مؤمن مسيحياً وليس هناك من تناقض بين المسيحية وبين ممارستي العلمانية بل على العكس هناك انسجام تام مع العقيدة المسيحية لأن ما لله لله وما لقيصر لقيصر، الحكم ليس تطبيقاً لشرائع دينية بل هو نظام مدني، حتى أن الكنيسة ليست هذا الأمر، حتى أن هناك بعض المراجع الإسلامية تاريخياً وحالياً تقول أن المخارج هي المواطنة، لذلك ليس هناك أي تناقض في إيماني وعلمانيّتي، أنا نائب على القيد عن الطائفة المسيحية الأرثوذكسية ولكنني في الحقيقة نائب عن كل اللبنانيين. 

 

 

 

 

 

بيار أبي صعب: دكتور جرادي أشكرك وأستعير منك "أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله". الختام مع كلام السيّد المسيح في إنجيل لوقا "روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي منكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالانعتاق وللعمي بالبصر، وأقود المسحوقين على دروب الحرية".

 

شكراً لضيوفي الستاذ سركيس أبو زيد، والأستاذ صلاح سلام والدكتور الياس جرادي، شكراً على المتابعة وإلى الأسبوع المقبل.