طريق الحرية - الجزء الأول

نص الحلقة

 

جعفر هريش: اعتُقلت سنة 85 من منزل الأهل في بنت جبيل، وقادوني إلى مركز الـ17 في صفّ الهوى بتهمة كَتْم معلومات عن أسلحةٍ للمقاومة الإسلامية.

 

علي سعد: في 2 تموز سنة 85، قامت مجموعة من العملاء باعتقالي من المنزل الذي كنت فيه مُتواجدًا، بتهمة المسؤولية عن عملٍ مقاومٍ جرى بمدينة بنت جبيل.

 

مريم جابر: أنا اعتُقِلت في 27/10/87، كان يوم ثلاثاء الصباح باكرًا، جاء العملاء، داهموا القرية، واعتُقِل عدد من الأشخاص وقتها، وحاصروا منزلنا وسألوا عني. كان عدد العملاء كبيرًا جدًّا.

 

مريم ناصر: 29/10/1987، اعتُقِلت من قريتي بني حيّان ضمن المنطقة الحدودية، وكان العدو يُسمّيها الشريط الحدودي.

 

فضل سرور: اعتُقِلت بالإسم. قال لي فضل سرور انزل من السيارة، كنت بسيارة أجرة، وأخِذْت إلى المعبر. الجدار كان يسمّى جدار الطيّبة بالتسمية الإسرائيلية، معبر رميش.

 

عباس قبلان: في 15 أيلول سنة 1987 كانت بداية الاعتقال التي بدأت بعد الاصطدام بكمين للعملاء الإسرائيليين، وأُصبت بهذه العملية، واستُشهد أحد الإخوان، وجُرِح الآخر، واستطاع أن يعود إلى المنطقة المُحرّرة.

 

نبيل عواضة: في العاشر من أيلول 1988، كُلّفت أنا ومجموعة من جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بتنفيذ عملية ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي بمنطقة دير سريان. العملية أدّت إلى وقوع أربعة شباب في الأسْر، ومن ثم تمّ نقلنا إلى داخل فلسطين المحتلّة 48.

 

الشيخ عبد الكريم عبيد: في 28 تموز 1989، في تلك الليلة بعد مُنتصف الليل، ما في حِراسات ولا أحد. بعد إنزال، كان في خراج البلدة، جاؤوا سيرًا على الأقدام، تسلّلوا وطوّقوا المنزل، واقتحموا البيت.

 

مصطفى الديراني: تمّ الاختطاف من منزلي في البقاع من قْصَر نبا، وتمّ نقلي إلى الكيان الصهيوني في ليلة عيد الأضحى.

 

الاعتقال والتعذيب في السجون الإسرائيلية جزء أساسي من السياسات التي اعتمدها جيش الاحتلال خلال غزواته ضدّ الدول العربية، وكانت فلسطين ولا تزال الشاهِد الحيّ على جرائم الممارسات الإسرائيلية ضدّ المُعتقلين. ولم يسلم لبنان من هذه المُمارسات.

عام 1982، وخلال الاجتياح الإسرائيلي الكبير، جرى اعتقال آلاف اللبنانيين والفلسطينيين، والزجّ بهم في مُعتقل أنصار الذي أنشأه جيش الاحتلال في قرية أنصار الجنوبية.

تحوّل الخروج من المُعتقل إلى هدف للمُعتقلين من خلال عمليات الفرار من داخله، كما تحوّل الإفراج عن المُعتقلين إلى هدف لحركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية.

بعد شهرين على نجاح العملية الاستشهادية الأولى ضدّ مقرّ الحاكِم العسكري الإسرائيلي في صور، بدأ عماد مغنية وفؤاد شكر ورفاقهما التخطيط لعملية أسْر جنود إسرائيليين ومُبادلتهم بمُعتقلين في أنصار.

وقع خيارهم على الطريق الساحلي لقُربه من الأوزاعي، إذ يمكن جَلْب الأسرى إلى معقل شكر.

مطلع كانون الثاني/يناير عام 1983، كمنت آنذاك خليّة تنتمي إلى حزب الله لصهريج وقود للجيش الإسرائيلي على الطريق الساحلي بين بيروت وصيدا، وتمكّنت من أسْر أحد الجنود.

لم تستطع خليّة المقاومة آنذاك الاحتفاظ بالجندي الإسرائيلي نتيجة عمليات الجيش الإسرائيلي في البحث عنه.

 

وفيق صفا: إذا أردنا الحديث تاريخيًّا في ما خصّ حزب الله، الفكرة نشأت بعد الـ82، عمليًّا بعد مُعتقل أنصار. وهناك مجموعة كبيرة من الأسرى المُجاهدين أو من الناس الأبرياء، لأنه اكتظّت السجون في ذلك الحين بالأبرياء وبعض الإخوان الذين كان لهم دور في العمل الجهادي.

 

جرت عملية التبادْل الأولى عام 1983، حيث أفرجت بموجبها حركة فتح عن 6 جنود إسرائيليين وقعوا في الأسْر خلال اجتياح عام 1982، مقابل الإفراج عن آلاف المُعتقلين من أنصار ومُعتقلين فلسطينيين من داخل السجون الإسرائيلية في الكيان.

 

وفق الصفقة الأولى التي أبْرِمَت في العام 1983، أُعيد إلى إسرائيل جنود وحدة النحال الستة المخطوفين، وذلك مقابل إطلاق سراح 4700 أسير، بينهم لبنانيون وفلسطينيون وسوريون، كانوا مسجونين في المُعتقلات التي أقامتها إسرائيل في لبنان.

 

عام 1985، جرت عملية تبادُل كبرى مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة، أطلقت خلالها الجبهة 3 جنود إسرائيليين كانت أسَرتهم عام 1982، مقابل إطلاق سراح أكثر من 1000 مُعتقل من داخل فلسطين المحتلّة، من بينهم لبنانيون كانت إسرائيل نقلتهم من مُعتقل أنصار إلى مُعتقل عتليت في الداخل الفلسطيني.

 

وكانت صفقة جبريل قد رسخت في الذاكِرة الإسرائيلية، واعتبرت الخطّ الأحمر الذي وضعته الحكومات الإسرائيلية التالية، وخصوصًا عندما كانت الشروط التي وضعتها بعض المنظّمات العربية مقابل الإفراج عن الأسير رون أراد مُبالَغ فيها.

 

سمير القنطار: هناك محاولات كثيرة جدًّا. المقاومة الفلسطينية بدأت بمحاولات إطلاق سراح الأسرى منذ أوائل السبعينات، ونجحت في أكثر من عملية تبادُل: عملية النورَس عام 79، عملية خالد 83–84، عملية الجليل عام 85.

 

أغلق عام 1985 على إطلاق ما تبقّى من مُعتقلين في عتليت مقابل الإفراج عن ركّاب طائرة الـTWA الأمريكية المُخْتَطفة في بيروت، لتبدأ صفحة جديدة عنوانها مُعتقل الخيام.

 

مريم جابر: أول ما وصلت، رفعوا قليلاً عن عيوني فقط لأقرأ هذه الجملة: "أنت وصلت إلى الخيام. هنا مقبرة الأحياء. هنا مَن يدخل المُعتقل لن يخرج ولن يعود".

 

فضل سرور: سجن أو مُعتقل الخيام هو من أبشع السجون. هو الصفة الإسرائيلية. إذا تحدّثنا عن مُعتقل الخيام، ما الذي يتبادر للذِهن فورًا؟ هو مُعتقل نازي بكل ما للكلمة من معنى.

 

علي سعد: وضع مُعتقل الخيام يمكنك وضعه بموقع أقصى، أقصى درجات السوء. 

 

عباس قبلان: مُعتقل الخيام، طبعًا، دائمًا أنا أصفه: هو مكان خارج الحياة، ولكن ما دون الموت، مرحلة ما بين الموت والحياة.

 

مريم نصار: الزنزانة كان وضعها جدًّا سيّئاً، لدرجة لا يمكنك التحمّل.

 

علي شري: خاصة فترة الـ85–86، مُعتقل الخيام كان مُعتقلًا وضعه جدًّا مزريًا.

 

عباس قبلان: الإسرائيليون كانوا يمنعون على المُعتقلين الموت، فقط لأنهم يعتبرون أنه في الموت يرتاح المُعتقل.

 

مريم نصار: المُعتقل كانت سمعته بالمنطقة سوداء.

 

لم يكتفِ جيش الاحتلال بمُعتقل الخيام بزجّ المُعتقلين فيه، بل اقتاد عددًا من المُختطفين اللبنانيين إلى سجونه داخل فلسطين المُحتلّة.

 

نبيه عواضة: كانت البوابة الأولى للاعتقال، بطبيعة الحال، منطقة المطلّة، لأنها منطقة قريبة من منطقة دير سريان. وهناك تعرّضت للتعذيب مباشرة =من دون سؤال واستفسار، ومن دون حتى شرعية معيّنة من قِبَل مَن كان يضرب، لأن مَن ضربني كانتا مُجنّدتين إسرائيليتين.

 

أنور ياسين: أول 3–4 ساعات بلحظة الاعتقال كان موت كل لحظة، لأنه وُدِّعت وضُرِبت بالرنجر والبساطير العسكرية وكعب البنادق من أكثر من مئة جندي.

 

عبد الكريم عبيد: صعدوا إلى الشُرفة وفتحوا الباب بعبوة. أنا لم أرَ إلا وهم في غرفة النوم. جرت مواجهة بسيطة معهم بالأيدي والأرجل بكل المناسبات، وشعرت وعرفت أن عقروني بعقار مخدّر مُنوّم، وأذكر في فخذي الأيسر، وغبت عن الوعي. ما عرفت شيئًا حتى قرابة ظهر يوم الجمعة بالمُعتقل على الفراش، والمُحقّق يقول: "انهض".

 

مصطفى الديراني: الاختطاف تمّ حوالى الساعة الثانية والنصف ليلاً، ونُقلت إلى فلسطين إلى هذه المنشأة التي أُبقيت فيها ثماني سنوات، من ليلة عيد الأضحى إلى أن تمّ التواصُل من خلال الصليب الأحمر والوسيط الألماني. تمّ نقلنا بعدها إلى سجن أشمورت.

 

نبيه عواضة: ثم نُقلت معصوب العينين إلى مركز التحقيق في منطقة يافا، وهو تابع لمركز الاستخبارات، تابع للمُخابرات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، وبقيت بالتحقيق مدة ثلاثة أشهر وعشرة أيام. خلال الثلاثة أشهر وعشرة الأيام، كانت وجبة الطعام التي تُقدَّم عبارة عن وجبة واحدة.

 

مصطفى الديراني: بدأوا بالتحقيق معي، كان جدًّا قاسيًا =وسيّئًا، لمدة 21 يومًا بشكل لا يُطاق. أنا لا أعرف الليل ولا النهار ولا أيّ شيء نهائياً.

 

نبيه عواضة: لم أكن أعرف الليل من النهار. كنت أتعرّض للتعذيب بشكلٍ دائم: بالماء الساخِن والبارد، بالشلح والتعليق والضرب.

 

مصطفى الديراني: إلى درجة أن الإنسان يأخذ أيّ شيء لينقل صورة: أنه إذا كنت أريد أن أقرأ الفاتحة، لا أستطيع أن أكملها. لكل خمس–ست مرات أصل إلى نصفها وأتوه، وأعيد من جديد.

 

أنور ياسين: نُقلت من مركز التحقيق إلى مركز آخر بعد شهر ونصف الشهر، مكان بعيد صوب عتليت. لاحقًا عرفت أنه عتليت، سجن اعتُقل فيه أسرى لبنانيون وفلسطينيون بعد الـ82، تمّ نقلهم من أنصار لبنان.

 

مصطفى الديراني: كان هناك طاقم من التحقيق قوامه ستة، يشرف عليهم ضابط، يتبادلون طيلة 24 ساعة التحقيق: يأتي فريق ويذهب فريق آخر. هم كانوا مُنزعجين، وكنت آخذ من وقتهم بالرغم من التعذيب الذي كان قاسيًا. هذه المدة الأولى: 21 يومًا مُتواصلة بهذا الشكل.

 

كان الاعتقال هو المحطّة الأولى في حياة المُعتقل، ولا يختلف كثيرًا في بداياته، خصوصًا في مرحلة التحقيق، ليبقى الاعتقال في مُعتقل الخيام هو الأقصى.

 

مريم نصار: ثم تبدأ مرحلة التعذيب ومرحلة التحقيق.

 

مريم جابر: حتى ليلاً يحقّق معي ويعذّبوني. حتى في وقت راحتهم يتناوبون: واحدة تستريح، وأخرى تحقّق. عندما يريد الاستراحة، يتركوني. إن أردت أن أغفو قليلاً أو أنام، يطرق أحدُهم بقدمه على الباب.

 

فضل سرورو: سيّئ جدًّا من حيث التعاطي اللا أخلاقي ولا الإنساني. تعاطي السجّان: المعاملة سيّئة جدًّا، تعذيب بشتّى الوسائل. حتى هناك اختراع لوسائل تعذيب، ابتكار، معاملة ساديّة بكل ما للكلمة من معنى.

 

مريم نصار: ضرب على كل أنحاء الجسم بالكرباج، كهرباء مع سَكْب المياه، وتركيع على البحص، والوقوف على الحائط لفترة طويلة مع سَكْب ماء ساخن وماء بارد. تركع تحت مغسلة — كان كثيرًا لها عذاب نفسي — مغسلة، يأتون ويغسلون، ونحن نركع تحت المغسلة، أو يضعون لنا الطعام نأكل ونحن بهذه الحال.

 

عباس قبلان: بالكهرباء والمياه الساخِنة والبارِدة، بالكرباج، بالعصيّ، بأيّ شيء ممكن أن يقع تحت يد الشرطي اللبناني أو الإسرائيلي. فكان هذا الأمر لا يتورّعون ولو لحظة واحدة عن استعمال أية وسيلة في أيديهم.

 

لم يقتصر الاعتقال والتعذيب على المقاومين الذين يُأسَرون في الميدان، بل تحوّل سكان المناطق المحتلّة إلى هدفٍ دائمٍ للاعتقال لأيّ سبب كان.

 

علي سعد: ياما ناس اعتُقلت وليس لها علاقة، ليس لديها علاقة لا بمقاومة ولا أيّ أمر آخر، فقط لأن إبن عمّهم جاء إلى القرية ومعهم خبر، يتّهمون — اتّهامات باطلة.

 

مريم جابر: سألوا عني. قالت لهم الوالدة: "ما الذي تريدونه منها؟" قالوا: "نحن نحتاجها فقط بسؤال". من أين؟ كيف؟ الضرب؟ لا أعرف. قالت الوالدة: "لما تضربوها؟" بدأ ضرب الوالدة والإخوة.

 

مريم نصار: قبل الاعتقال بتسعة أشهر، كان في عملية للمقاومة، الحمد لله نجحت. فيقصدون المنزل، كان موجوداً الوالد والوالدة. ويعتقد أبي أنه كان سيحصل أيّ عمل للمقاومة، كانوا يجمعون أهل القرية في الحسينية أو المدرسة. كان الجواب عليه رصاصة، ويُستشهد. بعد مرور تسعة أشهر على استشهاده، يأتون للمنزل ويعتقلونني، ويؤخذونني إلى المعتقل.

 

مريم جابر: نحن كنا بالمنزل 9 أولاد والوالد والوالدة. كان الوالد يحرث الأرض قرب المنزل. وعلا الصُراخ، جاء إخوة صغار: الأخ سنتين ونصف السنة وثلاث سنوات ونصف السن، ذهبوا تحت الأقدام.

 

لا تتوقّف عملية التعذيب في مُعتقل الخيام حتى بعد انتهاء التحقيقات.

 

جعفر هريش: بمُعتقل الخيام، في عذاب نفسي وعذاب جسدي يحدث نتيجة التحقيق، وهم بطبيعة الحال يريدون معلومات من الشخص. لا يكتفون بما يقوله الإنسان، يبقى لديهم هاجِس أنه ما زال يملك معلومات يخفيها.

 

=مريم نصار: هنا مرحلة التعذيب هي مرحلة تتفاوت بحسب كل أسيرة وأسير. أنا استغرقت شهرًا بين تحقيق وتعذيب وإغلاق ملف هذه المراحل.

 

عباس قبلان: طبيعة الأمر أن الإسرائيلي لا يُقيم وزنًا ولا يأخذ بعين الاعتبار مدى الإصابات التي يُمنى بها الأسير أو المقاوِم أو الجريح.

 

لم يختلف الأمر كثيرًا في تعذيب المُعتقلين خلال التحقيق بين الذين ينقلون إلى مُعتقل الخيام أو أولئك الذين كان يجري نقلهم إلى داخل فلسطين المحتلّة.

 

مصطفى الديراني: كان الوضع قاسيًا جدًّا، وهناك مراحل متعدّدة أمام الزنزانة. فكان بداية بلا زنزانة، لأن التحقيق كان مستمرًّا.

 

نبيه عواضة: إضافة إلى تركيز أكبر كان من قِبَل المحقّق لانتزاع المعلومات على الجانب النفسي، كان يقول لي: "إنك لن تخرج من هنا، ستموت هنا. وهنا نهاية العالم ونهاية الكون". بمعنى معيّن، حياتي باتت مرهونة للمعلومات التي يمكن =أن أقدّمها له، لكن بالنهاية الموت أكيد ومحتمّ.

 

السيّد حسن نصر الله: مَن يسأل عن أسرانا بالعالم كله؟ ما في نتيجة. التجربة مع الإسرائيلي تقول إذا أردت أن تستعيد الأسرى والمُعتقلين وتكشف مصير المفقودين، عليك أن تأسْر جنودًا إسرائيليين.

 

في السابع عشر من شباط/فبراير عام 1986، نفّذت المقاومة الإسلامية عملية مُحْكَمة لأسْر جنود إسرائيليين.

 

 

عبد الكريم عبيد: كنت أنا مسؤول شورى الجنوب في هذا المجال، إلى أن جاء السيّد عباس، رضوان الله تعالى عليه، في أول 86 أو آخر 85، عندما تسلّم هو المقاومة هناك، وكانت عملية الأسيرين. عملية الأسيرين جرت في ذكرى الشهيد الشيخ راغب في 16 شباط بهذه المناسبة بـ86.

 

علي شري: طبعًا، كان هدف العملية هو عمليات تبادُل بالأسرى الموجودين داخل مُعتقل الخيام وداخل سجون العدو الصهيوني الغاصِب.

 

عبد الكريم عبيد: عندما حدثت العملية، كان إسمها "عملية الأسيرين"، وأدّت إلى حرب الستة أيام المعروفة، التي كان فيها شهداء ومواجهة ستة أيام مع العدو الصهيوني وغيرها.

 

وفيق صفا: في العام 86، توفّق الإخوان بالمقاومة، وكان على رأس العملية الشهيد سمير مطوط، رحمة الله عليه، توفّق بعملية أسْر جنديَّين، فسُمّيت "عملية الأسيرين".

 

علي شري: الحاج جواد نفّذ، ولكن مَن كان قائمًا على العملية ومشرفًا على العملية ومخطّطًا للعملية هو السيّد عباس.

 

السيّد عباس الموسوي: ابتدأ عصرنا الآن. العصر الذي نثبت فيه أنه حتى الرُفات، أبطالنا ومجاهدينا، رُفات الشهداء، ما تبقّى من جسد الحرّ العاملي، هذا عزيز عند الله وعند إنساننا، نستنقذه بقوّة ونستعيده بقُدرتنا وإرادتنا.

 

علي شري: على أثر هذه العملية، قام العدو الصهيوني بعملية اجتياح لعددٍ من القرى المُحاذية للشريط الحدودي السابق، بحثًا عن الجنود الصهاينة، وطبعًا خلال هذا الاجتياح الذي وصل إلى صريفة، تمّ خلاله تفتيش القرى والبحث عن الجنود الصهاينة، وخلال هذا التفتيش تمّ اعتقال عدد كبير من أبناء هذه القرى ونقلهم إلى مُعتقل الـ17 وقتها.

 

بعد ستة أيام من اجتياح القرى، فشل الجيش الإسرائيلي في العثور على جنديّيه.

 

علي شري: طبعًا، التحقيق كان مركّزًا على محاولة الحصول على معلومات حول الجنديَّين المخطوفين. هم ركّزوا على هذا الأمر، لعلّهم كانوا يعتقدون أن بإمكانهم تدارك الموضوع ويلحقون بهم. حتى في الـ17، كان كل هدف التحقيق هو: "إذا كان لديك معلومات عن الأسرى الصهاينة".

 

وصلت أنباء أسْر الجنديين إلى آذان المُعتقلين في الخيام، ولّد ذلك لديهم الأمل بالحرية.

 

علي سعد: كان في شرطي يعطينا أخبار ما يحدث. وعندما حدثت عملية كونين — عملية أسْر الجنديَّين الصهاينة — هو مَن أخبرنا بها.

 

فضل سرور: أحيانًا نتنصّت على الشرطة ونسمع ماذا يقولون حتى نعرف ونستنتج معلومات. إضافة إلى الكلفة، هم أصلهم من المساجين المُعتقلين الذين يوزّعون الطعام ويأخذونه إلى المطبخ، يساعدونهم بتوزيع الطعام، هؤلاء أيضًا يستطيعون الحصول على معلومات: ما الذي يسمعونه.

 

مريم نصار: كنا عند كل عملية ندعو الله سبحانه وتعالى: "يا رب، دائمًا يحصل أسْر لجنود العدو الإسرائيلي".

 

صار مطلب الجيش الإسرائيلي معرفة مصير جندييه، لكن المقاومة أرست معادلة جديدة في قضية الأسرى.

 

وفيق صفا: المعادلة التي أرستها المقاومة وأرساها حزب الله أنه لا توجد معلومات مجانية. بدأت من ذلك الحين. مع العِلم أنه كان كل الانطباع عند الإسرائيلي والجمهور أن الجنديَّين مقتولان، لكن الحزب رفض أن يعطي أية معلومة من قِبَله من دون أن يكون هناك مقابل له.

 

عبد الكريم عبيد: عندما كنا في =أول الأسْر، أحد الضباط أو أحد المسؤولين المحقّقين قال لا تفزع. غدًا، أيّ واحد ولو أسير واحد أو يُؤسَر واحد، عادة هذا الأمر يكنسون سجونهم، الإسرائيلي لا يُفرج مندون مقابل.

 

مريم نصار: مرت فترة في المُعتقل قبل أن نسمع أيّ خبر عن عملية ناجحة للمقاومة، إن كان بأسْر جنود أو قتلهم. كنا وصلنا لمرحلة أننا منسّيون.

 

فضل سرور: لا أعتقد أن أحدًا دخل إلى مُعتقل الخيام ولديه طموحات أو حلم أن يُفرَج عنه قريبًا.

 

كان مصير المُعتقلين المجهول في مُعتقل الخيام يجعل السماح للصليب الأحمر بزيارتهم أحد المطالب الملحّة للمقاومة والهيئات الإنسانية المهتمّة.

 

مريم جابر: نحن خلال فترة الاعتقال، طوال أربع سنوات، ما في صليب أحمر ولا رسائل، والأهل لم يكونوا يعرفون عني شيئًا.

 

جعفر هريش: داخل المُعتقل الإسرائيلي، الأساليب التي كان يتبّعها حتى يعذّب فيها المُعتقلين، كان يمنع عنهم كل خبر يَصِل، جريدة ممنوع، راديو ممنوع، تلفاز ممنوع.

 

علي سعد: الأمنيون بالمُعتقل كانوا يشدّدون دائمًا على أن لا يصلك أيّ خبر، حتى ابتسامة لا تفكّري فيها بمُعتقل الخيام من قِبَل العملاء.

 

عباس قبلان: لا توجد أية وسيلة إعلام ولا خبر إلا الأخبار التي تصل من إنسان آتٍ مُعتقل جديد دخل إلى المُعتقل. طبعًا، مُعتقل جديد تصل الأخبار بعد فترة حتى يُنهي تحقيقه، أو بطريقة ما أو أحد ما سمع منه كلمة إلى أن يدخل إلى المُعتقل ويصبح بين المُعتقلين الآخرين حتى تسمع الأخبار.

 

علي شري: الأحداث التي تعتبر كبيرة جدًّا: وفاة الإمام الخميني، استشهاد السيّد عباس. هذه الأخبار الضخمة كانوا هم يتحدّثون بها من باب الشماتة، وليس من باب أنه يقول لك: "الله يأجرك وتصبري"، لا.

 

مريم نصار: أذكر فترة وفاة الإمام الخميني، الله يقدّس روحه. أذكر، مجرّد أُعلن خبر وفاة الإمام، العدو خبّرنا عبر طلب أسيرة وقال لها: "إنه مات".

 

حاول المُعتقلون تحسين ظروفهم في الاعتقال من خلال تنظيم احتجاجات، واجهها الاحتلال بالحديد والنار، فارتقى العديد من المُعتقلين شهداء.

 

مريم نصار: أذكر حدثت انتفاضة، حتى نحن وبالأسْر سمعنا. الشباب عندما قاموا بانتفاضةٍ ضمن المُعتقل، لم نعرف لأنه لا تواصُل بيننا وبين الأسرى، صرنا نكبّر ونهلّل كما فعلوا للمُساندة. فهنا لجأ العدو إلى نقطة الضعف الأسيرات. أول ما جاء ليسكتنا، جاء للأسيرات. هنا نقطة ضعف الأسرى. الأسيرات لم يستطِعن إسكاتهم أو فعل أيّ شيء معهم، وبقوا. لأن الانتفاضة كان هدفها المطالبة بتسهيل أمور الأسرى وواجبات. المهمّ، نحن لا نعرف ما الذي يحدث عند الأسرى لعدم وجود تواصُل، انتفضنا معهم مباشرة. العدو جاء إلى الأسيرات، هنا استطاعوا إيقاف الأسرى وتسكيتهم.

 

فضل سرور: حتى داخل مُعتقل الخيام، كنا نناضل ونجاهِد ونواجه المعتقل ونواجه الجلاّد، ونقول له: للعميل "أنت خائن"، وللعدو "أنت عدو".

 

جعفر هريش: زهرة الشباب، كما يُقال، قضيناها بمُعتقل الخيام. ولكن الظلم الذي تعرّضنا له من قِبَل عملاء إسرائيل داخل مُعتقل الخيام، هذا كان يزيدنا عزمًا وإيمانًا وثباتًا. كنا نتحدّى العملاء ونتحدّى الإسرائيلي، بالرغم من العذاب الذي كنا نتعرّض له داخل المُعتقل.

 

أما في المُعتقلات داخل فلسطين المحتلّة، فكان المُعتقلون يقومون بين فترة وأخرى بحركات احتجاجية لتحسين ظروف الاعتقال.

 

نبيه عواضة: كانت في سجن عسقلان خطوات نضالية: إضراب عن الطعام لعدّة أيام. شاركت بعدّة إضرابات عن الطعام، إضرابات مفتوحة عن الطعام، وهذا أدّى إلى تحقيق إنجازاتٍ كبيرة.

 

أنور ياسين: حُكِمْت 30 سنة بمحكمة اللدّ العسكرية، وبدأت رحلة الاعتقال عندها بعد نقلي إلى سجن عسقلان.

 

نبيه عواضة: كان لدينا موقف من عدم الوقوف للمحكمة وعدم الاستجابة لإجراءات المحكمة، فكانت تتمّ المحاكمة غيابيًّا. حُكِمْت لمدة 15 سنة وقف مع وقف التنفيذ، و15 سنة تنفيذ، بثلاث تِهم: الأولى حمل سلاح بصورةٍ غير مرخّصة، الانتماء لحزب غير مرخّص، محاولة قتل جنود إسرائيليين.

 

أنور ياسين: كل أسبوعين هناك زيارة، وأنا من حظّي الكبير كان لديّ عدّة أمّهات فلسطينيات تبنّينني، زارونا، وينقلون لنا شيئاً من الحياة التي تدور في الخارج.

بعد إضراب العام 92، كان جزء من المطالب التي رُفِعت أن تدخل صحف عربية. وجزء من الصحف التي يسعى العدو لتمريرها — يديعوت وهآرتس ومعاريف — كان يمرّرها مرة بالأسبوع. كانت المطالبة بأن تصل يوميًّا. فأحيانًا بعد العام 92، تستطيعي عبر البريد أن تشتركي، تصلك شبه يومي، خاصة بالنسبة لنا كأسرى دوريات، كأسرى من خارج فلسطين. تكون متجمّعة عنده مجموعة رسائل من الأهل. هذه الرسائل تستغرق ثلاثة أشهر لتصل إليك، ولتردّ عليها، وتصل للأهل. الأمر يستغرق أيضًا ثلاثة أشهر. كل الأخبار يكون قد مرّ عليها ستة أشهر.

 

نبيه عواضة: كان يزور السجن محامون بشكلٍ دائم، وكنا نحصل على زيارات من قِبَل الأهالي الفلسطينيين. كل أسير لبناني تبنّته عائلة فلسطينية وصارت تزوره، وصار جزءًا من هذا المجتمع، ليس فقط جزءًا من مسار المُعتقل، بل جزءًا من تبعات هذا الاعتقال الذي لديه علاقة بالأهل والرسائل والتواصُل مع الهموم الفلسطينية.

 

أنور ياسين: طبعًا، دخولنا مع بداية انطلاقة الانتفاضة سنة 87 ملأ السجون. نحن صرنا بين الرعيل الأول الذي كان ما زال في السجن، وما بين نحن الجُدُد الذين نستقبل الجُدُد. تجد بسجن عسقلان كنا نجتمع بأسرى من القدس، وأسرى من الجولان، كل المناطق المحتلّة كان يوجد منها أسرى بسجن عسقلان.

 

أما الشيخ عبيد والحاج الديراني، فقد كانا في معتقل سرّي في ظروفٍ صعبةٍ لسنواتٍ طويلة.

 

مصطفى الديراني: بالأول، الأماكن التي مررت بها: بلا زنزانة، بلا مكان. الأمر الآخر: زنزانة حوالى متر بمتر، ثم زنزانة أخرى متر بمتر ونصف المتر، ثم زنازين حجم آخر، إلى مكان فيه زنزانة حوالى 180 سانتي بـ180 سانتي، مقفلة. هذا الوضع استمر حتى تمّ جمعي بالشيخ عبد الكريم عبيد بعد حوالى سنة ونصف السنة.

 

عبد الكريم عبيد: بقيت في هذا المعتقل 13 سنة مجهول الإسم. بقيت أنا 13 سنة، وهو ثماني سنوات. 

 

مصطفى الديراني: عندما تمّ نقلي إلى هذه المنشأة التي تمّ افتضاحها والكشف عنها سنة 2002، هي المنشأة 1391 في منطقة الخضيرة، في معسكر كبير قرب بلدة إسمها أمّ القطوف.

 

عبد الكريم عبيد: لم نغادر لمكان ثانٍ، حتى عندما ذهبنا للسجن العام أيضًا. حتى الإخوان الآخرون الذين جاؤوا بهم من قوات أو غيرها، أو الشابين اللذين كانا معي، بقينا 4–5 سنوات، وتحديدًا حتى سنة 94، حتى نُقلوا للسجن العام الآخر.

 

مصطفى الديراني: أُبقيت في هذه المنشأة من دون أن يكون هناك أيّ لقاء أو أيّ تواصُل مع العائلة أو مع الصليب الأحمر.

 

عبد الكريم عبيد: ثماني سنوات تقريبًا بذاك المُعتقل، لم يأتِ غيرنا نحن، ونحن لم نختلط بالفلسطينيين.

 

رغم الظروف القاسية، لم يفقد المعتقلون الأمل بالحرية.

 

علي سعد: نَبني آمالًا على عمليات التبادُل والمفاوضات التي تحدث.

 

مريم جابر: نحن لم نقطع أبدًا الأمل أن يأتي يوم ونحن سنخرج.

 

مريم نصار: نحن لسنا منسيين، كان رحمة الله عليه السيّد عباس الموسوي والمقاومة الإسلامية كانوا يعملون ليل نهار على إخراجنا من السجن. ربما وردت فكرة أننا منسيون جرّاء الحال التي كنا نعيشها، لكن لا، هم دائمًا كانوا يسهرون علينا ليل نهار، لأنه بأية وسيلة وأية طريقة لفكّ أسرنا.

 

السيّد عباس الموسوي: الخيام وهي بلدنا، ولا نملك القدرة على التحرير، على الخروج إلى الهواء الطلق، ممنوع علينا ذلك، نُسجَن في بلداننا. بينما إذا سُجِن عميل أمريكي وهو يعتدي علينا، أو سُجِن جندي إسرائيلي على أرض الجنوب كان يعتدي على شعبنا، تصبح قضية هذا الجندي قضية كبرى.

 

أنور ياسين: الأسير دائمًا محكوم بالأمل داخل السجن، لأن الأحكام العالية دائمًا ليس لديها أفق بأن تتحرّر بانتهاء الحُكم أو بمبادرات من هذا العدو، إلا بعملية التبادُل.

 

فضل سرور: الأمل كان موجودًا أنه سيحدث تبادُل وسيحصل تحرير. هذا الأمل دائمًا وارد.

 

أنور ياسين: خاصة وأنه عندما تأتي إلى سجن، حصلت عملية تبادُل سابقة، وانت جئت، وجدت ناساً بقيت من التبادُلات السابقة، وتتحدّث لك عن الظروف التي عاشوها.

 

بعد خمس سنوات من عملية الأسيرين، ظهرت أولى ثمارها. فمقابل معلومات عن حالتهما، أطلق الاحتلال عددًا من المُعتقلين والمُعتقلات.

 

وفيق صفا: سنة 91، حصلت عملية تبادُل بين حزب الله والعدو الإسرائيلي، وكانت برعاية المندوب الأممي. وقتها كان مبعوثًا من الأمم المتحدة، كان إيطالي الجنسية يُدعى بيكو، جاء ورتّب الأمور. وبمقابل إعطاء دليل حسّي على وجود جثتين لدى حزب الله — صوَر وأدلّة.

 

علي شري: ولهذا، فإن كل عمليات التبادُل التي جرت، كانت المقاومة الإسلامية تشمل الأخوات بالعمليات، خاصة مُعتقل الخيام، لأنه كنَّ الأخوات مُعتقلات، كانوا يشملون بالتبادُل الذي يحصل.

 

فضل سرور: عندما دخلت إلى الخيام، أنا لم أكن متوقّعًا لا إفراجًا ولا بأيّ شيء، بل توقّعت أن أموت في مُعتقل الخيام.

 

علي شري: طبعًا، المقاومة كانت حريصة أنه بأية عملية تبادُل تحدث — إن كان سيخرج، لنفترض 50 — تفضّل أن يكون عدد الأخوات 30 و40 وعشرة إخوة. لماذا؟ لأنه بالنهاية هذه أخت.

 

مريم جابر: فجأة، تغدّينا، كنا نصلّي، كان وقت صلاة، فُتِح الباب، يقول لنا: "جهّزوا أغراضكم وفرشكم وتعالوا".

 

مريم نصار: تدخل العميلة الشرطية تقول: "مريم نصار، ضبّي ثيابك".

 

مريم جابر: كنت أنا ومريم نصار بنفس الغرفة. 

 

مريم نصار: مريم جابر ضبّي ثيابك وهي من نفس القرية، كنت معها بنفس الغرفة.

 

مريم جابر: خرجنا. عندما قالوا "مريم جابر، جهّزي أغراضك"، أنا رفضت لأنني لا أريد أن أبعد عن مريم نصار — مريم نصار إبنة ضيعتي ورفيقة طفولة. عندما خرجنا، رفضنا وقلنا: "نريد أن نبقى بنفس الغرفة مع بعض". عملنا المستحيل لنبقى سويًّا.

مريم نصار: قلنا هنا أن هناك تبديلاً بالغرف، والذي جعلنا نعتقد أنه إفراج، سمعنا صوت مفاتيح الأبواب عند الأسرى الشباب. فكانت حركة واضحة منذ الصباح، حركة غير طبيعية، وأول مرة تحدث عند الشباب.

 

مريم جابر: اقتربت شرطية جديدة، ليس لديها خبرة أن لا تتحدّث، اقتربت من مريم نصار وقالت لها: "إفراج". 

 

مريم نصار: بعدما خرجت من الغرفة لأوضّب الأغراض، تقول لي: "مبروك إفراج". للوهلة الأولى، أنا لم أصدّق. بعد أربع سنوات، تذكّرنا أحد؟ تَقفِي هنا مصدومة.

 

مريم جابر: لا يوجد أسير يعرف قبل فترة أنه أنت من الأسرى الذين سيُفرج عنهم. عندما خرجت، لم أكن أعرف نهائياً.

 

فضل سرور: الطريق الوحيد للتحرّر من مُعتقل الخيام هي إما تحرّر الأرض بأكملها واندحار الاحتلال، وإما عملية تبادُل. وأيّ احتمال آخر لم يكن بالوارد عندي أصلًا.

 

عباس قبلان: كل عملية تبادُل هي تدفعنا أو تقرّبنا أكثر من الحرية، ونعلم جيّدًا أن هذه العملية إنما هي خطوة على طريق الحرية.

 

فضل سرور: عندما خرجت الدفعة الثانية بعد حوالى شهرين، أيضًا نفس الرقم — أعتقد فوق الـ50 شخصًا — خرجوا =بالتبادُل، فالأمل يرتفع أكثر فأكثر، وعرفنا هنا وتأكّدنا أن هناك عملية تبادُل حاصِلة أو تحصل، وقد يكون إسمي أنا كشخص أو إسم زميلي أو رفيقي في الدفعة الثالثة. وهذا ما حدث فعلًا. بالدفعة الثالثة، ورد إسمي وتحرّرت عن طريق عملية التبادُل.

 

مريم نصار: بقدر حجم لؤم العدو، خرجنا نحن، فلم يخبرنا: "إنكم خرجتم نتيجة تبادُل".

 

فضل سرور: في الخيام، بقيت أربع سنوات وعدّة أيام، بداية شهر 12/91.

 

مريم نصار: عندما خرجت، عرفنا لاحقًا أننا خرجنا نتيجة عملية تبادُل، وهي العملية — وليس تسليم جثث الجنديين — بل حصول على معلومات تؤكّد وتكشف مصيرهما: موتهما من عدمه.

 

فضل سرور: أفرج عني عن طريق تبادُل أسرى مع المقاومة الإسلامية — حزب الله — بعملية التبادُل الثالثة. حدثت ثلاث عمليات تبادُل، اختير إسمي من بين الأسرى الذين تحرّروا عن طريق المقاومة الإسلامية.

 

مريم نصار: بعدما خرجنا، التقينا بالسيّد عباس، وكان عندما التقى بنا قال: "يا أختي ويا ابنتي، أنا لم أكن باستطاعتي أن أنام، وأعرف أن هناك أسيرة بمُعتقل الخيام". كان مؤثّرًا عليه جدًّا.

 

مريم جابر: المقاومة قدّمت دمًا من أجل أرضنا وكرامتنا وحريّتنا، لن تتركنا ولن تترك أسراها ولا الأخوات الأسيرات. من أولى أولويّاتها الأسيرات.

 

مريم نصار: السيّد عباس لم يكن ينام، وهناك أسيرة مثل بنته أو أخته في المعتقل. فلهذا السبب، لم يترك أيّ أمر ليُحرّر الأسيرات من المُعتقل.

 

عباس قبلان: عملية تبادُل الـ91 بالذات أحيت أملًا على ثلاثة مراحل: الأول بأن عملية الإصرار — المقاومة على تحرير الأسرى — ودائمًا كنا كلما كانت هناك عملية تبادُل يعني أن المقاومة ستبقى تعمل بجدّ إلى أن يتحرّر الإخوة.

والشقّ الآخر أن عمليات التبادُل التي لم نخرج بها اليوم، وخرج بها رفاق ومعتقلون قضوا فترات طويلة، فهؤلاء ذهبوا من الطريق. عندما كان عدد الذين أمضوا فترات طويلة ومعتقلين لا يخرجون حتى بالتبادُل كان عددهم كبيرًا، كلما حصلت عملية تبادُل ينخفض عدد الذين أصبحوا بالعملية القادمة أن يكون دورهم.

 

وفيق صفا: أيضًا بعملية الـ91 التي قدّم من خلالها حزب الله معلومات مؤكّدة حول أن الجنديين مقتولان، كان في مقابلها عدد كبير من الإخوة المقاومين ومن الأسرى لدى العدو الإسرائيلي من معتقل الخيام ومن غير معتقل الخيام. وكان أيضًا هناك عدد من أجساد الشهداء الذين استشهدوا في منطقة الحزام الأمني في ما سُمّي في ذلك الحين.

 

أنور ياسين: كل التبادُلات التي حصلت، كنا نعلم بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. أولًا الأهل كانوا يقولون لنا، طبعًا لم تكن لها علاقة بالداخل.

 

بعد نجاح عملية التبادُل، بدأت مرحلة جديدة فيها تحسين ظروف المُعتقلين في مُعتقل الخيام، وعمليات تبادُل فرعية مقابل أسرى من العملاء.

 

علي شري: سنة 1995، تمّ دخول الصليب الأحمر للمُعتقل. حدث تحسين: كبرت الغرف، وأنشأوا مراحيض داخل الغرف، وسمحوا ببعض الكتب وزيارات الأهل.

 

عباس قبلان: أنا اعتقلت سنة 87. من العام 88، رأيت أمّي فترة مرة أو مرتين، وانقطعت الأخبار حتى سنة 95: لا زيارات ولا رسائل.

الصليب الأحمر دخل مُعتقل الخيام سنة 95، شباط 95 بدأت عملية إرسال الرسائل عبر الصليب الأحمر.

هذه الرسائل لا تتجاوز كونها سلامًا وكلامًا. أية جملة يمكن أن يُفسَّر فيها الإسرائيلي شيئًا، كانت تُمحى — ممنوع. لذلك ما في شيء. الرسالة عبارة عن سلام وكلام. حتى الأخبار التي يمكن أن يطمئن فيها الواحد عمّا جرى على العائلة في الخارج، كان الإسرائيلي يراقب.

 

وفيق صفا: من الـ91 وحتى سنة 96، مرت فترة العدو الإسرائيلي أرسل رسائل عن طريق مبعوثين دوليين تتعلّق بالطيّار رون أراد: ما هي المعلومات التي بحوزتكم عن رون أراد؟ حاضرون للتعاون بقصّة رون أراد، مقابل رون أراد ما هي مطالبكم؟ حاضرون."

بالحقيقة، هذا الموضوع عندما طرحه الإسرائيلي، دفع حزب الله والمقاومة أن تعمل على موضوع رون أراد. لماذا؟ لأنه، طالما هذا الموضوع لهذه الدرجة حسّاس عند العدو الإسرائيلي، ويمكن من خلال هذا الأمر أن نحرّر إخوة، لماذا لا؟

 

منذ ذلك التاريخ، بدأ حزب الله البحث عن رون أراد بهدف مُبادلته بمُعتقلين لبنانيين وفلسطينيين. ذلك البحث انطلق من تاريخ إسقاط طائرته فوق جنوب لبنان.