صالح المطلك - نائب رئيس الوزراء العراقي السابق
في مشهد سياسي تتبدّل فيه الوجوه وتبقى الأسئلة، يعود صالح المطلك إلى الواجهة بعد غياب طويل، ليتحدث بصراحة عن تجربته في الحكم والمعارضة، وعن واقع الساحة السنيّة، ومستقبل الدولة العراقية بين الداخل والخارج.
نص الحلقة
أحمد المشهداني: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا في مشهدٍ سياسي تتبدّل فيه الوجوه وتبقى الأسئلة؟
فقبل أيام على استحقاق انتخابي يوصَف بالمصيري، ماذا يقول صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء السابق، واحدٌ من رموز العمل السياسي البارزين في البيت السنّي بعد عام 2003؟
أين بات مشروع "العراق أولاً" الذي رفع شعاره ذات يوم؟
وكيف يقرأ اصطفافات اليوم؟ ماذا أثمرت التجربة الديمقراطية بعد عشرين عاماً على أول انتخابات؟
عن تجربته في الحُكم والمعارضة، وعن الواقع الذي وصلت إليه الساحة السنّية، ومستقبل الدولة العراقية بين حسابات الداخل وضغوط الخارج؟
عن التوازُنات بين السلطات، والعلاقة بين المكوّنات، وفُرَص ولادة مشروع وطني جديد يجمع ولا يقسّم؟
عن العلاقات مع دول الجِوار، ودور العراق في إقليم ساخِن، وانعكاسات المشاريع الخارجية عليه في زمن المُتغيّرات؟
عن علاقة السياسيين بالمال والسلطة، وعن تجربة الحُكم ودروس الانسحاب، يتحدّث المطلق بعد غياب عن الأضواء: كيف يرى اليوم شكل العراق؟ وهل لا يزال يؤمِن بإمكانية الإصلاح من داخل النظام؟
أهلاً بك دكتور صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء الأسبق، في هذا الحوار الخاص من الميادين بلاس من بغداد؟
صالح المطلك: حيّاك الله، أخي العزيز.
أحمد المشهداني: حيّاك الله دكتور؟
صالح المطلك: أهلاً وسهلاً، شرّفتم.
أحمد المشهداني: أهلاً بك. غياب عن المشهد السياسي، وعدم الدخول في الانتخابات والتحالفات، وأيضاً الأحزاب، وكنت صوتاً عراقياً وطنياً. ما أسباب هذا الغياب؟ هل هناك مُبرّرات؟
صالح المطلك: أنا عندما دخلت العمل السياسي، لم أدخله كهاوٍ، دخلته كمناضل، دخلته كشخص يشعر بالخطر القادم على العراق بسبب احتلاله. وكنت قلقاً جدّاً من موضوع اتّخاذ الطائفية في هذا المجتمع، والتي هي مرض. إذا انتشر بالبلد، يصبح من =الصعب مكافحته،من الصعب وقفه.
تبنّيت خطاباً ومشروعاً وطنياً جامِعاً، جمع العراقيين من البصرة إلى الموصل، على أمل أنه إذا ما استطعنا أن نغيّر تغييراً كاملاً، نحاول أن نخفّف الضَرَر قَدْر الإمكان، القادم من مشاريع التقسيم ومشاريع الطائفية.
بدايةً، كان مطروحاً موضوع تقسيم العراق الذي طرحه بايدن. فكنا أيضاً واقفين ضدّ هذا الموضوع. تبنّينا هذا المشروع، وباعتقادنا أنه هو الحلّ الأمثل الذي ينقذ العراق. ولا زال، من وجهة نظري، أن المشروع الوطني العراقي هو الحلّ في العراق.
أما المشاريع الطائفية ومشاريع المُكوّنات وما إلى ذلك، فقد تهدّئ الأوضاع بعض الشيء، ولكن لم تستطع أن تبني دولة قوية.
بدأنا نتحرّك وقتها تجاه إخواننا في الوسط والجنوب، وحاولنا أن نكون مشروعاً قادراً على مواجهة هذه الظروف الصعبة. ودخلنا الانتخابات وقتها، حصلنا على عددٍ محدود من المقاعد. وجرّاء التقسيم الذي جرى وقتها، حصلنا على ثلاث وزارات.
ولكن كانت مشروطة: شرط أن نغيّر خطابنا السياسي السابق.
أحمد المشهداني: من أين هذه الشروط؟
صالح المطلك: من الائتلاف الحاكِم وقتها، الائتلاف السياسي الشيعي الحاكِم في وقتها. كان المرحوم عبد العزيز الحكيم مع الائتلاف، وشكّلوا لجنة للتفاوض معي شخصياً حول هذا الموضوع.
طرح هذا الموضوع، وقلت لهم: أنا إذا غيّرت خطابي، معناها كنت أكذب على الناس الذين انتخبوني. الناس انتخبوني على أساس هذا الخطاب، فاليوم عندما أغيّر هذا الخطاب، معناها أنا لم أكن صادقاً مع الجمهور.
إضافة إلى أنه أنني أجد أن الحلّ في هذا الخطاب، وليس في خطابكم الطائفي.
فبعد نقاش طويل عريض، أرادوا رسالة مني للائتلاف، وقلت لهم: أنا رئيس كتلة، لا يمكن أن أقدّم إلى رئيس كتلة طلباً.
قالوا: قدّمها لرئيس الوزراء. قلت لهم: رئيس الوزراء لم يُشكّل، مُكلَّف تكليفاً.
في النهاية قالوا: فقط نريد مؤتمراً صحفياً تتحدّث به بطريقة غير التي تحدّثت بها سابقاً.
قلت: الطريقة التي تحدّثت بها ليست تمثيلاً، هذه نابعة من إيمان حقيقي بأن هذا هو المشروع الحقيقي الذي يبني بلداً.
وبالتالي رفضنا الدخول بالحكومة، وبقينا مُعارضة من 2006 وحتى سنة 2010.
هذه المُعارضة كلّفتنا الكثير: كلّفتنا شهداء كثراً سقطوا من قياداتنا، كلّفتنا ناساً بالمُعتقلات، كلّفتنا ناساً متآذين، كلّفتنا ناساً مضطهدين، كلّفتنا إقصاء من الوظائف وما إلى ذلك.
صار تحجيم نوعاً ما — تحجيم مقصود — أن مشروعاً من هذا النوع يجب ألا ينمو في البلد، ولا يجب أن مشروعاً يقوده أي شخص يُرشّح ناساً من الوسط والجنوب ومن كل العراق، هذا غير مسموح.
المسموح هو نظام المُكوّنات: أن هناك مُكوّناً سنّياً ومُكوّناً شيعياً ومُكوّناً كردياً، كل مَن لديه مجموعته.
هذه الأفكار التي كنا ننادي بها سابقاً، والتي كانت محل امتعاض من الآخرين، اليوم هم بدأوا يتبنّون على الأقل شعاراتهم بالجانب الوطني وما إلى ذلك.
بالرغم من أن السلوك مختلف، لكن على الأقل الشعارات مُناغِمة للجمهور الذي بالأساس هو جمهور وطني.
لم يكن الجمهور لدينا بالعراق جمهوراً طائفياً أبداً. نحن عشنا بالعراق سنّة وشيعة وكرداً. الكرد عندما هُجِّروا من أربيل سكنوا في الأنبار وبمحافظات أخرى، تصاهَروا مع العشائر الموجودة هناك، وأصبح لهم =الآن حيّ اسمه حيّ الأكراد في الأنبار مثلاً. المناطق التي كنا نعمل بها، والوظائف التي كنا نعمل بها، لم نكن نعرف مَن السني ومَن الشيعي. نحن كنا مجتمعاً مُتماسكاً، مجتمعاً قوياً، ومجتمعاً ليس لديه هذه الأفكار. الآن أدخلوها بقصد. قناعتي هي البقاء في الحُكم من خلال طرح مشروع طائفي يُعبّئ قسماً من الجمهور الذي يمكن...
أحمد المشهداني: التمسّك بالخطاب الطائفي هو بوابة للبقاء بالحُكم؟
صالح المطلك: نعم، أنا لا أعتقد أن الموضوع هو إيماناً به. بالرغم من أن هناك مجموعة ربما تكون هي طائفية بالأساس، لكن الهدف النهائي هو تجييش الناس بهذا الاتجاه حتى يحصلوا على أصواتهم ويسيطروا على الحُكم.
أحمد المشهداني: دكتور صالح، بعد تجربة أكثر من 20 سنة مع القوى السياسية، ما موقفكم من إدارة الحُكم في العراق؟
صالح المطلك: أنا لا أريد أن أكون مُتشائماً، لكن أعتقد أن الحُكم تسير به الكتل السياسية في العراق قد يبني سلطة، ولكن لن يبني دولة بالمعنى الحقيقي للدولة التي تتناسب مع حجم العراق وتاريخ العراق ووضع العراق عالمياً.
لأنه مجرّد تدوير أنفسهم للسلطة مرة ثانية، خصوصاً وأن معظم الكتل السياسية الموجودة حالياً مُتورِطة في الفساد.
والمُتورّط بالفساد أو الفاسِد والطائفي أيضاً لا يمكن أن يكون قائداً لهذا البلد أبداً، لأنه في داخله سيكون ضعيفاً، لأنه يعرف نفسه أنه غير مؤهّل أن يقود بلداً، لأنه بالأساس غير نزيه، سارِق أموال البلد، سارِق أموال المجتمع. فلا يمكن أن يقود مجتمعاً.
ولذلك أرى أن هذا الوضع يقوّي السلطة، يحاول تدوير السلطة مرة ثانية، لكن أن يبني دولة، أنا أشكّ أنه سيبني الدولة الحقيقية التي تتناسب مع تاريخ العراق ووضع العراق.
أحمد المشهداني: دكتور، لماذا هذه العُزلة من العمل السياسي — أنت وكثير من القيادات السياسية السنّية — هل تشعرون بنوعٍ من الإقصاء بفعل أحزاب وقيادات سنّية شابّة جديدة؟
صالح المطلك: أنا لا أعتقد أن مَن أقصانا هم الأحزاب السنّية، لأن مَن لديه جمهور ضمن هذا المُكوّن لا يستطيع الآخر أن يُقصيه.
أنا أعتقد أن النظام السياسي الفاسِد هو ساهم بإقصائنا، وهناك كتل سياسية من إخواننا من سياسيي الشيعة حاولوا إضعاف كل القيادات من هذا المُكوّن، القيادات التي تتعامل بطريقةٍ مُتكافئة معهم. أرادوا ذيولاً، أرادوا أكّفاء يوجّهونهم كما يريدون.
ولذلك كل المجموعة التي كانت موجودة وقتها، حاولوا تحجيمها، ويبرزون شخصيات جديدة، ويدعمونها مالياً وسياسياً، تشاركوا في الفساد، وأصبحت لديهم مصالح مشتركة لا يمكن أن ينفصلوا عن بعضهم البعض، لأن كل واحد يعرف الأمور الموجودة عند الطرف الآخر، وهناك مصلحة بينهم في أن يستمرّوا بنفس النهج الذي يسيرون عليه في موضوع الفساد الحاصل في البلد.
أحمد المشهداني: لكن علاقاتكم طيّبة معهم. من العام 2003 شكّلتم الحكومة، قبلها الجمعية الوطنية.
لماذا هذا الإقصاء برأيك؟
صالح المطلك: العلاقة طيّبة على المستوى الشخصي، لا زالت علاقاتنا طيّبة.
لكن المشروع السياسي عندهم لا يريدون شخصيات قوية في هذا المُكوّن. يجب أن تُزاح، وتأتي شخصيات تُوجَّه بجهاز التحكّم.
أحمد المشهداني: الساحة السنّية السياسية تشارك بقوّة في الانتخابات، وهناك تنافُس قوي بين زعامات وأحزاب سياسية فاعلة في المشهد السنّي.
ما موقفكم من الأحزاب السنّية؟ وكيف ترى حال الاتّهامات المُتبادَلة بين الزعامات؟
صالح المطلك: والله مؤلمة ومُقزّزة. تسمع هذه الألفاظ التي وصلت إلى هذا المستوى. وهذا الموضوع يضعفهم كمُكوّن، أو يضعف المُكوّن، يضعف المجتمع، يضعف المجتمع العراقي ككل، ونظرة العالم للعراق تتغيّر: أن هذه هي القيادات السياسية التي تتحدّث بهذا المستوى الهابِط من الخطاب السياسي.
حتى الآن لم أرَ أحداً طرح مشروعاً سياسياً، مشروعاً اقتصادياً في حملته الانتخابية. الموضوع كله اتّهامات، اتّهامات، وهجوم واحد على الآخر. المشروع الذي تريد أن تقنع العالم به حتى تنتخبه أين هو؟
أحمد المشهداني: ربما هذا صراع وتنافُس انتخابي قُبيل الانتخابات؟
صالح المطلك: ممكن، لكن هذا لا يجوز. لا يجوز أن يحصل سواء في الانتخابات، في الصِراع الانتخابي أو بعده.
وبالنتيجة سيجلسون سوية. فأنت كيف تتحدّث عن شخص — ربما قد يكون حليفك في المستقبل — بالألفاظ من هذا النوع، وربما تكون شريكه في المستقبل؟
أنا لا أرى أن هذا المستوى من الأداء مستوى يليق بالعراق. ولديّ خوف على العراق من تبوّء شخصيات من هذا النوع أن تكون في المقدّمة في المستقبل.
أحمد المشهداني: طبيعة هذه الاتّهامات ربما تنعكس على الجمهور السنّي؟
صالح المطلك: أكيد. الشاب في هذا المُكوّن، عندما يسمع قياداته =تتحدّث بهذا المستوى الهابِط — بهذا المستوى الذي لا يليق لا بهم كمُكوّن ولا بالعراق — أكيد يتأثّر بهم، خاصة الشاب اليافِع وفي مُقتبل العمر، ويسمع النقاش يصل لهذا المستوى، لن يكون لديه احترام لا للقادة ولا للدولة التي بها هكذا خطاب، وقد ينزلق إلى مستوى قريبٍ من المستوى الذي نراه عند قيادات البلد.
أحمد المشهداني: أسأل أيضاً: كيف ترى نسبة المُشاركة اليوم في المحافظات السنّية بالانتخابات؟ هل تراها نسبة عالية؟ هناك تحشيد لزعماء عشائر ونُخَب مُثقّفة في هذه المحافظات تريد المساهمة بشكلٍ فاعلٍ في الانتخابات؟
صالح المطلك: أنا أرى مؤتمرات حجم الحضور فيها كبير جداً لم نكن نشهده سابقاً. وهذا إذا انعكس على الانتخابات، أكيد يحصل بها نوع من المُشاركة الأكثر فاعلية.
لكن السؤال: هل أن هذه الأعداد الكبيرة التي تشارك في المؤتمر حضرته بقناعةٍ بأن تدافع لانتخاب الشخص نفسه الذي يعقد المؤتمر؟ أم أنها تدور من شخصٍ إلى شخصٍ آخر؟
ممكن التعبئة لمنطقة في أطراف بغداد، ينتقون الجمهور من مناطق أخرى، في إمكانيات هائلة للصرف من قِبَل الكتل السياسية لحضور هذا المؤتمر، ثم ينتقلون من هذا المؤتمر إلى مؤتمرٍ آخر.
وأسمع أن أناساً تحضر مؤتمراً معيّناً وهي تريد أن تنتخب شخصاً آخر وليس الشخص الذي تحضر مؤتمره. إذاً حضورك لماذا؟ هل هو مجرّد استطلاع للثقافة تريد أن تسمع؟
أحمد المشهداني: وربما يخلق حالاً من الانقسام داخل المجتمع السنّي؟
صالح المطلك: هذه الحال صارت — للأسف — جزءاً من الكتل السياسية السنّية. عملت على تجزئة المجتمع، تفتيت المجتمع، بحيث العشيرة الواحدة أصبحت 15 عشيرة.
سابقاً، حكيم واحد في العشيرة يُدير العشيرة، أو ربما أربعة يمكن أن يُديروها. الآن صارت عشرات. جزّأوا المجتمع. والغرض ماذا؟ تفتيت المجتمع هو حتى لا يفوز فلان من الناس. فنذهب ونرشّح من نفس منطقته إثنين أو ثلاثة مقابله حتى أضْعِف أصواته، ويفوز شخص آخر.
هذه عملية تفتيت الأصوات — صحيح تفيدهم انتخابياً — لكن الضَرَر الذي سيُصيب المجتمع هو ضَرَر كبير جدّاً، وهو فعلاً حصل. وهذه واحدة من الأمور الكارثية التي حدثت في البلد. هذه منظومة القِيَم الموجودة عند المجتمع الذي كنا نعرفها سابقاً بدأت تتغيّر. لأنه عندما يصل التنافُس إلى هذا المستوى — إبن العشيرة، إبن العمّ ضدّ إبن عمّه، الأخ ضدّ أخيه — هذا الموضوع الحقيقة أعتقد أن نتائجه سلبية جداً على المجتمع.
ولو كانت هناك قيادات سياسية يهمّها موضوع المجتمع وبناؤه بشكلٍ صحيح — لا يهمّها فقط أن تسعى بالانتخابات — لما حصل هذا الموضوع.
أحمد المشهداني: دكتور صالح، هل هناك وعي سياسي من قِبَل المجتمع السنّي باختيار الأصلح والأفضل ليُمثّله داخل قبّة البرلمان؟
صالح المطلك: أنا لا أستطيع أن أنفي وأقول لا توجد أسماء، ولكن للأسف أن موضوع الانتخابات في العراق أصبح موضوعاً مالياً وموضوع سلطة.
لديك سلطة، ومعك مال، تستطيع توظيفه لخدمة مناطق معيّنة، وتستنزف أموال الدولة، وتُبعثرها في أماكن بالأساس هي لا تحتاجها، لكن فقط لإرضاء الجمهور.
هذا إضعاف للدولة، ومحاولة شراء ذِمَم الناس بطريقةٍ غير صحيحة.
أحمد المشهداني: ما تقصده دكتور صالح في ما يتعلّق بشراء البطاقات الانتخابية والمال السياسي في المحافظات السنّية؟
هل هناك ملاحظات تمّ تأشيرها لديكم بأن هذه الأحزاب والكتل السياسية تقوم بشراء البطاقات الانتخابية، وأيضاً شراء ناس عبر المال؟
صالح المطلك: هذا الموضوع منذ سنة 2018 وحتى الآن هو قائم. من انتخابات 2018 بدأ موضوع شراء الأصوات وشراء الذِمَم وشراء البطاقات. أحياناً شراء البطاقات ليس فقط لاستعمالها في الانتخابات، لكن حتى لا يفوز فلان من الناس في منطقة معيّنة، تذهب وتشتري أصوات جمهور هذا الشخص حتى تُضْعِفه، وبالتالي لا فرصة للفوز. إضافة إلى أنه بفترات سابقة كانت تستعمل، الآن المفوضية يقولون إنه لا يمكن استعماله. لكن هذا الموضوع — على الأقل شراء البطاقات — لكي تُضْعف الآخرين.
اليوم الموضوع توجّه بطريقة أخرى، لأكثر تقنية، موضوع الركائز يسمّى: أنت تشتري 2000 ركيزة كمُرشّح، تعطيهم أموالاً، كل واحد تعطيه قد يصل لـ200 دولار للصوت الواحد حسبما أسمع. هذا الشخص يأتي بخمسة أو عشرة، يُكافأ بعدها بعد نتائج الانتخابات.
المُرشّح يضمن 2000 ركيزة، كل ركيزة تكسبه 2، 3، 4 — بالتالي يكون قريباً من الفوز أو يفوز.
هذا كله: شراء المُراقبين للانتخابات، كل مراقب يحصل على راتب ثلاثة أشهر قبل الانتخابات كموظّف يعمل عند الكتلة السياسية فلان، فيبقى هذا يأخذ راتباً، ويوم الانتخابات حتى يضمن على الأقل صوته. فشراء من هذا النوع أكيد يحدث، أكيد. وهذا سينعكس على نوع الطبقة السياسية التي ستفوز في المستقبل. لأن مَن يقبل أن يبيع صوته، لا يمكن أن تطمئّن له أن يكون قيادياً في هذا البلد.
ومَن يشتري صوت الآخر بمبلغٍ مالي، لا يمكن أن تطمئّن له أن يكون قائدًا في مجتمع يقود بلداً.
أحمد المشهداني: لماذا من الكتل السياسية السنّية (لم تفز مشروع إصلاحي في العراق؟)
صالح المطلك: أين حصل المشروع الإصلاحي؟ السنّة؟ الشيعة؟ أين؟ كل الكتل السياسية — للأسف — أخفقت في هذا الموضوع.
للأمانة، أنا عوّلت على مجيء الأخ السوداني في البداية، أنه =إبن الداخل، وأعرفه شخصية نظيفة عندما كان معنا في مجلس الوزراء، فقلت: على الأقل سيُحارب الفساد، وأيضاً يفهم المجتمع جيّداً لأنه هو لم يأتِ من خارج العراق، من داخل العراق.
لكن الرجل قدّم خدمات كبيرة للناس. حقيقة أنه عمل مشاريع. أنا عندما كنت بالحكومة، كنت أتحدّث مع إخواني في الحكومة لينشئوا مَعْلماً واحداً نفتخر به، لا يوجد حتى الآن مَعْلم.
هذا طريق التاجي وطريق كركوك من البوابات صاعداً — من 2003 إلى حدّ قبل سنة — هو في مشكلة، بحيث مَن يأتي من صلاح الدين يتأخّر ساعة أو أكثر في مسافة 20 كيلومتراً. الآن هذا الموضوع انتهى، الناس تذهب وتعود بشكلٍ سهل. الاختناقات في بغداد خفّت كثيراً.
أرى موضوع النفط، سواء مصانع التكرير أو البتروكيماويات أو مشروع الغاز، موضوع الكهرباء صار فيه نوع من التحسّن، وموضوع الصحّة والمستشفيات حصلت إنجازات كبيرة جدّاً.
هذه الإنجازات إذا سُمِحَ لها أن تتراكم لفترة أخرى أنا أعتقد وضع البلد سيتحسّن.
لكن قناعتي أنه ستكون هناك مُحاربة كبيرة جداً عليه وعلى مشروعه في المستقبل، لأنه يحاولون ألا يتكرّر شخص لأكثر من مرحلة.
لأنه إذا تكرّر لأكثر من مرحلة ونجح، سينعكس الموضوع على الأصوات التي سينالونها بالانتخابات، وبالتالي رصيدهم — حتى وإنْ بقوا في الدولة — هو أضعف بكثير من لو أتوا بشخصٍ آخر حديث الخبرة، وممكن أن يسيّروه كما يريدون.
مشكلة النظام السياسي الحالي كأنه أعداء النجاح. أيّ شخص ناجح ليس من السهل أن يتكرّر، لأن في تكراره زيادة التجربة وزيادة الإنجاز، وربما يحصل على نسبةٍ تؤهّله لأن يكون صاحب قرار حقيقي، وليس يأخذ قراره بتوجيه الأحزاب السياسية المحيطة به.
أحمد المشهداني: دكتور، ابقَ معنا. سنذهب إلى فاصل قصير، ونعود. ابقوا معنا مشاهدينا.
أحمد المشهداني: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا في هذا الحوار الخاص مع الدكتور صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق.
أهلاً بك دكتور مجدّداً. كنت تتحدّث عن الصراع السياسي بين قوى الإطار التنسيقي. ما انعكاسات هذا الصراع على الداخل؟ على المواطِن بشكلٍ عام؟
صالح المطلك: نحن حتى الآن بسبب هذا الصِراع السياسي لم نستطع التأسيس لبلدٍ لديه سيادة كاملة، لا الأجواء العراقية فيها سيادة، ولا القرار السياسي الداخلي عندنا في هذه المرة.
حتى ترى أن كل الحكومات العراقية التي شُكّلت منذ عام 2003 فصاعداً، كلها بتأثير أو بتدخّل خارجي.
وأنا أعتقد أنه عيب على البلد، وعيب على بلدٍ مثل العراق يسمح لأطرافٍ دوليةٍ أخرى تتدخّل باختيار مَن يأتي رئيس وزراء، ومَن يأتي رئيس جمهورية، ومَن يأتي رئيس برلمان. هذا الموضوع يجب أن ينتهي.
أحمد المشهداني: برأيك، لا زالت التدخّلات الدولية في اختيار رئيس الوزراء بالتحديد، واختيار التشكيلة الحكومية؟
صالح المطلك: ربما تراجعت قليلاً، لكن أنا أعتقد أنه لا زالت باقية، ولا زال هناك مَن ينظر إلى التجربة السياسية العراقية أنها غير ناضِجة وغير مؤهّلة لأن تصنع القرار بنفسها، وبالتالي يجب أن تأخذ القرار من الخارج.
أحمد المشهداني: أسألك أيضاً دكتور: ما موقفك من إدارة الأخ الأكبر للحكومات؟ تجارب مختلفة. كيف تنظر لإدارة الأخ الأكبر للحُكم؟
صالح المطلك: طبعاً، الأخ الأكبر يتحمّل المسؤولية الأكبر.
وأنا من تجربتي بالحُكم أن القرار يؤخَذ من الأخ الأكبر، أما الآخرون فهم إما مُشاكسين يصبحون، أو تابعين. وبالتالي يتحمّل المسؤولية الكبرى الأخ الأكبر في إدارة هذا البلد. حتى باختياره لحلفائه من المُكوّنات الأخرى أيضاً يتحمّل مسؤولية كبيرة جداً. الموضوع الذي عرّجنا عليه في البداية: لا أرى أنهم يريدون أنداداً بالعمل السياسي أو أكّفاء بالعمل السياسي. يريدون أتباعاً. والشخص القوي المطلوب أن يبحث عن شخصٍ قوي موازٍ له حتى يستطيع أن يُدير البلد بشكلٍ سليم.
أما أن تبحث عن أشخاصٍ =ضِعاف حتى توجّههم بجهاز التحكّم، هذا الموضوع غير صحيح، ولا يبني بلداً، حتى وإن أبقاك في السلطة لفترةٍ معينةٍ، لكن لا يمكن أن تبني بلداً.
الأغلبية — أنا طبعاً الموضوع يزعجني جداً — أن أرى أنه يجب أن نعمل بنظام المُكوّنات: أخ أكبر وأخ أصغر وما إلى ذلك. نحن كلنا إخوة. الآن مَن يقول: عندي سنّي أقرب عليّ من شيعي زامَلته لفترةٍ طويلةٍ جداً، وصارت بيني وبينه علاقة أقوى من العلاقة مع السنّي.
نحن أبناء بلد واحد. ليس معقولاً أن نقسّم أنفسنا سنّة وشيعة، وهذا يصبح الأكبر، وذاك يصبح الأصغر.
نحن جميعنا مُكوّن واحد، مُكوّن عربي، والمُكوّن الكردي هم إخواننا وأعزاؤنا، نتفاهم معهم بطريقةٍ أخلاقيةٍ إنسانيةٍ حضارية.
أحمد المشهداني: أسألك أيضاً عن إنجازات الحكومة برئاسة السيّد محمد شيّاع السوداني. كيف ترى هذه الإنجازات؟ وفي المقابل، كيف ترى هذا الصِراع الدائر بين قوى الإطار التنسيقي؟
صالح المطلك: الإطار التنسيقي محظوظ — قناعتي — بوجود السوداني حتى الآن، والعراق محظوظ بوجود الأخ السوداني في الحُكم.
وإلا لو سار العراق بما يريده الآخرون أثناء الحرب التي قامت، لكان العراق الآن في وضع آخر تماماً سيّذىء جداً.
لكن حقيقة الرجل عمل بحكمة، بحيث لم يتنازل عن القضية الكبرى وهي قضية فلسطين والقضايا الوطنية وكان صوتاً لها في الجامعة العربية وفي أماكن أخرى، وعبّر عن رأيه.
لكن أبعد العراق أن يُزجّ في معركة من هذا النوع وهو غير مؤهّل لها. للأسف الشديد هناك جحود بالموضوع، الاتفاق الذي أبْرِم مع تركيا قبل يومين.
أحمد المشهداني: اتفاق مائي؟
صالح المطلك: الاتفاق المائي. نحن وصلنا إلى موضوع المياه أصبح موضوعاً كارثياً. لو بقي الموضوع أسبوعين أو شهراً، لكنا في مشكلة كبيرة جداً، حتى الحصول على ماء الشرب، إضافة إلى التلوّث الذي يحصل.
أنت تأتي بطريقةٍ دبلوماسيةٍ، وطريقة التفاهُم مع الجيران، وتحاول حلّ الإشكال، وتحصل على الحدّ الأدنى من احتياجاتك المعنية، بحيث لا تعرّض بلدك إلى كارثة. هذا هو دور كبير جداً، موضوع كبير جداً، المفروض الجميع مُتفهّم له سواء كانوا خصوماً أو أصدقاء.
أسمع الآن بعض القنوات الفضائية الشابّة تركّز على هذا الموضوع، وسلبيات وما إلى ذلك، وسيادة. إخواني، إذا مات شعبك من العطش، أين بقيت قيمة السيادة؟ على ماذا أنت ذاهب تبحث؟ لماذا تعطي الشركات التركية مشاريع استصلاح أو تعطيها مشاريع سدود؟ نحن نعطيها سواء شركات تركية أو جهة أخرى. ومن مصلحتنا أن نتفاهم مع جار. الآن مصلحتنا أيضاً تقتضي أن تكون علاقتنا به جيّدة سواء رضينا عليه أو لم نرضَ. المُناكفة مع الجيران غير صحيحة. المُناكفة بين الكتل السياسية غير صحيحة. مَن يبحث عن البلد وتطوير البلد واستقرار البلد، عليه ألا يذهب إلى أمورٍ صغيرةٍ ممكن أن تعكّر صفو المجتمع وتُسيء لعلاقاتنا بجيراننا.
أحمد المشهداني: هذه القوى السياسية ماذا تريد من السيّد السوداني؟ دائماً ما تُؤشّر هذه القوى السياسية لملاحظات سلبية وغير ذلك. ما الذي تريده؟
صالح المطلك: قناعتي: تريده ألا يترشّح لدورةٍ ثانية. هذه القضية الأساسية.
لأنهم يعتقدون أنه إذا ترشّح لولايةٍ ثانية — بالإنجازات التي قام بها — ممكن أن يزداد قوّة في المرحلة القادمة أكثر. وليس مطلوب شخص قوي بالعراق.
النظام السياسي في العراق الناس تعيش بالفساد بشكلٍ بَشِعٍ جداً، ولديها شهيّة السلطة صارت فوق المعقول، فيريدون شخصاً يأتمر بأوامرهم.
أما شخص تكون لديه كتلة سياسية كبيرة داخل البرلمان، وممكن أن يكون عنده نوع من الاستقلالية باتخاذ القرار، غير مطلوب. ليس مطلوب شخص قوي في العراق في هذا النظام السياسي الحالي.
ويمكن لو تسألهم يقولون لك: نعم، لا نريد شخصاً قوياً، نريد — كما قالوا — نريد مديراً عاماً يُدير رئاسة الوزراء.
أحمد المشهداني: هل هناك من تغيير في العراق في قادم السنوات، ربما تغيير سياسي من الداخل، من الخارج؟ رؤيتك دكتور صالح؟
صالح المطلك: رؤيتي أنه إذا حُظيَّنا بشخص ممكن أن لديه حبّاً للعراق بعيداً عن الطائفية، يقود البلد بشكل عادل، من الكرد والسنّة والشيعة والتركمان، كل مُكوّنات المجتمع ينظر لهم بعين واحدة.
أما هذا الشخص إذا صحّت له الفرصة أن يحكم لفترةٍ أطول أنا أعتقد أن البلد ممكن أن يتغيّر.
لكن أن نبقى بالتغيير كل أربع سنوات، يأتينا شخص جديد قليل التجربة، ومُحاط بكتل سياسية توجّهه كما تريد، وهذه الكتل السياسية أصلاً مغمورة بالفساد، لا يمكن أن يحدث إصلاح حقيقي في البلد.
أحمد المشهداني: لنذهب قليلاً إلى موضوع التأثيرات الإقليمية للعراق. هل لا زال التأثير الإقليمي موجوداً في العراق؟
صالح المطلك: أعتقد أن الحكومات العراقية من 2003 وصاعداً كلها تشكّلت بتدخّل خارجي. أذكر: نحن في سنة 2010 فازت العراقية بأعلى المقاعد البرلمانية أمام الكتل السياسية الأخرى. وكان يُفترض أن تُكلّف بتشكيل حكومة، تستطيع أن تشكّل حكومة أو لا تستطيع هذا موضوع آخر، لكن على الأقل المفروض تُكلّف. لكن التدخّل الخارجي الأمريكي والإيراني بنفس الوقت. وربما تقول لي: كيف الأمريكان والإيرانيون يتّفقون؟ أقول لك: في تلك الفترة اتّفقوا على أن القائمة العراقية لا تأخذ رئاسة الوزراء، لأنها مشروع وطني وقتها، والمشروع الوطني غير مقبول أن يصل للحُكم في العراق. وإنما يجب أن تبقى الدولة بنظام المُكوّنات: سنّة، شيعة، أكراد.
هذا الموضوع أفسد العملية الديمقراطية، وحتى الآن نعاني من نتائجه كمجتمعٍ وكبلدٍ وكدولة، لأن حدث عزوف عند المواطن يقول لك: أنا طُلب مني الخروج للانتخابات، وفعلاً خرجنا بنسبةٍ عاليةٍ نسبياً، لكن النتيجة: حصلنا على القائمة الأكبر، ولم نُعطَ الفرصة أن نشكّل.
وبالتالي إذا خرجنا مجدّداً وحصلنا على نفس النتيجة — حصدنا القائمة الأكبر — وهناك إرادة ألا تسمح لنا بأن نُدير الدولة، إذاً لا توجد فائدة من الانتخابات.
ولذلك صار الانطباع عند الناس أنه لا فائدة من الانتخابات، لأن القرار يُتّخذ إقليمياً ودولياً. وأيضاً باتفاقات بين الكتل السياسية الحالية. لكن التأثير الإقليمي والدولي موجود، فأدّى لردود فعل عند الناس، انعكست على التجربة الديمقراطية بشكل سيّئ جداً.
أحمد المشهداني: وبالتالي اليوم تيّار مهمّ وهو التيّار الوطني الشيعي بقيادة السيّد مقتدى الصدر هو مُقاطِع للعملية الانتخابية؟
صالح المطلك: قاطَع. أنا لديّ وجهة نظر في مُقاطعته الأوّلية. أنت مُقاطِع، الأخيرة ربما لديه تصوّر آخر.
مُقاطعته الأوّلية: البرلمان كان لديه أغلبية به، والحكومة كانت حكومته، الكاظمي كان قريباً جداً من هذا التيّار، ورئاسة الجمهورية ليست ضدّه. لم يكن هناك مبرّر للانسحاب. كان يجب أن يعطّل الموضوع: أنه لا تُشكّل حكومة إلا من خلاله، أو تبقى الحكومة الحالية التي يستطيع توجيهها. فلماذا اتّخذ هذا القرار؟ لا أدري.
أما قرار المُقاطعة الآن، فأعتقد أنه يريد أن يُثبت أن هذه العملية السياسية خاطئة، وبالتالي يجب أن تصلح. لكن مَن يصلحها؟ هنا السؤال.
إذا ليست إرادة خارجية، لم يبقَ حلّ سوى أن تصلحها من الداخل.
أحمد المشهداني: صعب الإصلاح من الداخل؟
صالح المطلك: الإصلاح الآن صعب إلا إذا وعت الكتل السياسية أنها هي والبلد الذي تُديره الآن تأخذه نحو الهاوية، وشعروا بهذا الخطر، وبدأوا يفكّرون بطريقةٍ أخرى لبناء دولة. وهذه "إذا" كبيرة.
أحمد المشهداني: دكتور صالح، اليوم هناك اهتمام أمريكي بالعراق، واتفاقات اقتصادية تُعْقَد مع الجانب الأمريكي، وأيضاً مبعوث ترامب مارك سافايا إلى العراق. كيف ترى علاقاتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
صالح المطلك: كحكومة، أنا أعتقد جيّدة. ككتلٍ سياسية، أعتقد بأن العلاقة غير طبيعية.
وبكل صراحة، هذا النظام غيّرته أمريكا، وجاءت به أمريكا، وهي التي رَسَمَت العملية السياسية. إنْ كانت هناك إرادة حقيقية من الأمريكان بأن يساهموا مع الكتل السياسية الموجودة حالياً في إصلاح هذا النظام الحالي، أنا أرى — على الأقل — محاولة تكفير عن الخطأ الذي ارتكبوه بالعراق، أمراً جيّداً.
أحمد المشهداني: أسألك أيضاً موقفك من المُتغيّرات في المنطقة، وخاصة ما حدث في غزّة وسوريا ولبنان وإيران. هل هناك انعكاسات على العراق؟
صالح المطلك: غزّة أوجعت قلوبنا جميعاً. كل عراقي، كل عربي، كل مسلم يرى هذه الإبادة الجماعية التي تحدث بهذا الشعب، يتألّم ألماً كبيراً جدّاً، ويقف بإجلال الحقيقة لهذا الشعب الذي قاوَم بهذه الطريقة.
انعكاساتها على العراق أنا أعتقد أن الموضوع ليس موضوع غزةّ، بل الموضوع هو مشروع شرق أوسط جديد.
هذا مشروع الشرق الأوسط الجديد أعتقد أنه يستهدف كل المنطقة، حتى ليس فقط العراق، بل أبعد من العراق.
أحمد المشهداني: لكن العراق رافض هذا المشروع، رافض مشروع التطبيع؟
صالح المطلك: العراق رافض لمشروع التطبيع.
العراقيون بشكلٍ عام هم ثقافتهم مبنية على ألا تطبيع مع إسرائيل. لكن إذا تغيّرت الأمور، نحن لا نعرف كيف ستكون هذه الكتل السياسية: ما الذي ستكون وجهة نظرها من موضوع التطبيع ككتلٍ سياسية؟ أما كمجتمعٍ، المجتمع رافض للتطبيع. لكن الكتل السياسية ومصالحها: هل ستضحّي بمصالحها أمام هذا الموضوع؟
=أحمد المشهداني: ما الذي تريد أن تقوله دكتور صالح المطلك؟ هناك كتل سياسية تتماهى وتنسجم مع المشروع الإسرائيلي؟
صالح المطلك: أنا أعتقد أن هناك مَن موجود في الكتل السياسية الذي لديه البقاء في السلطة أهمّ من أي شيء آخر، واضح.
أحمد المشهداني: ممكن أن نرى كتلة سياسية تنسجم مع رؤى التطبيع وهذا الشرق الأوسط الجديد الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟
صالح المطلك: كلامي كان واضحاً: أمام البقاء في الحُكم، قسم لا بأس به من الكتل السياسية سيقبل أيّ شيء مقابل أن يبقى بالحُكم.
أحمد المشهداني: دكتور صالح، بصراحة: هل تصوّت في هذه الانتخابات؟ ولمَن ستعطي صوتك؟ وأيّ من القيادات السياسية السنّية قريبة من أفكار الدكتور صالح المطلق؟
صالح المطلك: أنا لو كنت مؤمناً بكتلةٍ سياسيةٍ معيّنة، أكون معها، لكنت دخلت في العمل السياسي. لكن أنا لست مؤمناً بأن الكتل السياسية — على الأقل الحالية — ممكن أن أكون جزءاً منها. وهل هناك شخصيات داخِلة ضمن هذه الكتل السياسية تستحقّ أن تعطيها صوتك؟ أقول لك: لا.
أحمد المشهداني: ما هي مؤشّراتك على الكتل السياسية السنّية الجديدة؟
صالح المطلك: على الكتل السياسية السنّية... أنا أعتقد فيها بلاء كبير على الوسط السنّي بالذات. هذه المُناكفات التي تراها أمامك هي مزيد من التمزيق للمجتمع، ومزيد من ضياع حقوق المجتمع.
أحمد المشهداني: لكن لديهم إنجازات، ولديهم جمهور واسع؟
صالح المطلك: مثلاً، الجمهور الذي أراه بالساحات — تحدّثنا عنه — هل هو جمهور ثابت؟ هل هو جمهور يأتي بمصلحة أو جمهور أتى بقناعته؟ هل هو جمهور مُتحرّك من ساحةٍ إلى ساحة أخرى؟ أما أنه إذا إنجازات: أين الإنجازات التي قامت بها؟
أحمد المشهداني: في محافظة الأنبار؟
صالح المطلك: محافظة الأنبار، أمس واحد قال لي: أنا ذهبت لداخل محافظة الأنبار، الأمور التي رأيتها جيّدة هي الشارع العام، الطريق العام، وكان طريق مُبلّط داخل ما يسمّونه المحافظة، وإضاءة وكهرباء وغير ذلك. لكن عندما تدخل للداخل، هناك أشياء كثيرة يجب أن تُنجز. سؤال: كم مدرسة بُنِيَت في الأنبار؟ كم مستشفى بُنِيَت في الأنبار؟ هل استطعنا توحيد المجتمع الأنباري؟ وهل استطعنا أن تكون سياسة القانون موجودة؟ هذه كلها أمور مهمّة.
أنا أعتقد أن هناك أموراً ظاهرية عمل عليها البعض لأن تكون جاذِبة للزائر القادم، لكن الأمور في الداخل والبنية التحتية بالذات لا زال أمامهم طريق طويل للإنجاز.
أحمد المشهداني: دكتور صالح، لماذا لا نقول إنه في الأنبار أحزاب سياسية نجحت وقدّمت نموذجاً ناجحاً، وبالتالي صار هناك وعي بالنسبة للمواطن السنّي في هذه المحافظات، ويلتفّ حول شخصية سياسية مثل السيّد الحلبوسي؟
صالح المطلك: أنا لا يهمّني موضوع أنه إنجاز جرى في الأنبار وحدها.
أنا يهمّني إنجاز جرى في البلد ككل، وإنجاز المحافظات الأخرى السنّية، والمشروع الذي تُدار به الدولة: كيف يتمّ؟ هل هناك غُبْن أم ليس هناك غُبْن؟ أليس هناك تساهُل من قِبَل قوى سياسية أمام الغُبْن الحاصل لمُجرّد بقائهم في السلطة، =ولمُجرّد بقائهم حلفاء لفلان أو علاّن؟ هنا السؤال. هناك ناس لديها قضية كبرى التي تدافع عنها، وليس هدفها فقط الوصول للسلطة. وهل هناك كتل سياسية الآن تستطيع أن تقول عليها نظيفة، لم تسرق المال العام، وهي باقية قوية في المُكوّن السنّي؟
أحمد المشهداني: دكتور، برأيك هل هناك كتل سياسية معيّنة تريد التفرّد بالقرار السنّي؟
صالح المطلك: أكيد، أكيد.
أحمد المشهداني: ما هي أهدافها؟
صالح المطلك: الأهداف في الحقيقة: جَهْل وقلّة وعي.
بأننا أنا أريد أن أكون زعيماً بأيّ شكلٍ من الأشكال، بغضّ النظر عن النتائج التي تحدث. وهو لن يستطيع أن يصبح زعيماً من دون تعاون مجتمعه وتعاون السياسيين الآخرين الموجودين في محيطه. اليوم المجتمع السنّي لا يمكن أن يقوده زعيم واحد.
خلص، صارت كتل سياسية كثيرة، وكل كتلة سياسية — وفق القوانين الانتخابية الحالية — ستحصل على رصيد معيّن. وبالتالي من الصعب أن أية كتلة سياسية — مهما جَنَت من أموال من المال العام — تستطيع أن تحصل على الأغلبيّة.
أحمد المشهداني: أسأل أيضاً عن زملائكم القيادات السياسية السنّية، انعزلوا عن المشهد؟
صالح المطلك: عُزِلوا ولم ينعَزلوا، عُزِلوا.
أحمد المشهداني: مَن الذي عزلهم؟
صالح المطلك: الكتل السياسية الشيعية.
أحمد المشهداني: لماذا؟
صالح المطلك: قلت لك: لم يريدوا أنداداً، ولا أناساً أقوياء. أرادوا أتباعاً. قد تكون اختلفت مع شخصيةٍ سياسيةٍ معيّنة بمرحلة من المراحل، لكن إذا هذه الشخصية السياسية تستطيع أن تقود المجتمع بالاتجاه السليم، وتبني معك بلداً مُتماسِكاً، ليس صحيحاً أنك تُقصيها. هناك شخصيات حاولنا أن نُعيدها للمشهد السياسي، رفض إعادتها للمشهد السياسي.
أحمد المشهداني: لم تجبني على سؤالي دكتور: هل ستصوّت في الانتخابات؟
صالح المطلك: لما لا أصوّت بالانتخابات؟
أحمد المشهداني: تشارك بعملية الاقتراع؟
صالح المطلك: أنا مع المُشاركة مع كل الملاحظات التي لديّ.
أعتقد الحلّ الآن في المُشاركة الواسعة وليس فقط مُشاركة. المُشاركة الواسعة بالانتخابات لكي تحدث تغيير نوعاً ما، ويمكن أن يحدث تغيير أكبر بالسنين القادمة.
أحمد المشهداني: بناءً على المُشاركة؟
صالح المطلك: نعم، أدعو للمشاركة الواسعة وليس للمشاركة العادية بالرغم من أنني غير مُرشّح.
أحمد المشهداني: دكتور صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء الأسبق، شكراً جزيلاً لك في هذا الحوار الخاص.
صالح المطلك: حيّاك الله، أخي العزيز.
أحمد المشهداني: شكراً جزيلاً من الميادين بلاس.
صالح المطلك: يا مرحباً بك، أهلاً وسهلاً.
أحمد المشهداني: وأنتم مشاهدينا، شكراً لطيب المتابعة، وإلى اللقاء.