الدكتور محمد سالم الغبان - وزير الداخلية العراقي السابق

بين الأمن والسياسة والسلطة والإنتخابات يطل وزير الداخلية الأسبق والمرشح رقم واحد على لائحة بدر في بغداد لإنتخابات ألفين وخمسة وعشرين الدكتور محمد سالم الغبان الذي تولى إدارة واحدة من أكثر الوزارات حساسية في زمن كانت فيه الحرب على الإرهاب في ذروتها.

نص الحلقة

 

 

فتون عباسي: بين الأمن والسياسة والسلطة والانتخابات، يطلّ وزير الداخلية الأسبق والمرشّح رقم واحد على لائحة بدر في بغداد لانتخابات 2025، دكتور محمد سالم الغبّان، الذي تولّى إدارة واحدة من أكثر الوزارات حساسية في زمن كانت فيه الحرب على الإرهاب في ذروتها.

من ملفّات الأمن الداخلي إلى التوازُن بين الأجهزة، ومن دوره البرلماني إلى مشروعه الانتخابي، بقي الغبّان أحد الأسماء التي تجمع بين الخبرة الأمنية والرؤية السياسية، وهو يخوض اليوم معركة جديدة على عَتَبَة استحقاق يوصَف بالمصيري.

فهل يراه كذلك فعلاً أيّ برلماني يتوقّع في زمن الاصطفافات؟ وأية طموحات يحمل؟ كيف ينظر إلى الملفّات الساخِنة؟

من الحشد إلى المياه، ومن الأمن إلى السيادة، كيف ينظر إلى التحالفات الحالية والمستقبلية شيعياً ووطنياً؟

أيّ دور للعراق في الإقليم والعالم؟ وأية حسابات تحكم علاقاته بدول الجوار؟ ثم كيف يقرأ المشهد العراقي عموماً، وهو يتّجه إلى انتخابات جديدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والأمن؟

أهلاً بكم مشاهدينا الكرام إلى هذا الحوار مع الدكتور محمد سالم الغبّان، وزير الداخلية الأسبق ومرشّح رقم 1 بغداد عن بدر.

أهلاً ومرحباً بك، معالي الوزير، أو تحب دكتور أكثر؟

 

محمد سالم الغبّان: مَن ترغبين به.

 

فتون عباسي: الأمن كان ولا يزال مرآة الدولة العراقية ومحوره الأول في كل تحوّل سياسي. لذلك سأسألك بشكل مباشر: بعد سنوات من تولّيكم وزارة الداخلية، ما الذي تغيّر في مُقاربة الأمن العراقي؟

 

محمد سالم الغبّان: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً، شكراً لكم على إتاحة هذه الفرصة لنطلّ من قناتكم الفضائية الميادين على جمهورنا في العراق والجمهور في الوطن العربي.

لا شكّ أن الأمن في العراق تعافى لدرجةٍ كبيرة، وقطعت =الحكومة العراقية أشواطاً في استتباب الأمن. المواطن العراقي اليوم، بشكلٍ واضح، يشعر بالأمن والأمان بعد أن فقده لسنواتٍ طويلة. نحن كنا في المراحل السابقة، عندما نتحدّث مع المواطن، يطالب بالأمن والأمان ولا يطالب، حتى تنازل حتى عن حقوقه في الخدمات والحياة المعيشية المُستقرّة.

باعتبار تعرّض العراق منذ سنة 2003 إلى السنوات الأخيرة التي انتصرنا فيها على داعش، لأزمات وظروف صعبة كانت في العراق، وخاصة في العاصمة بغداد، تتفجّر يومياً عشرات المُفخّخات.

نعتقد اليوم ما حصل في هذا الملف لدرجةٍ كبيرة، هناك استقرار أمني جيّد حقيقة، وأجهزتنا الأمنية عموماً، جيش عراقي وشرطة وجهاز مُكافحة الإرهاب وحشد شعبياً، اليوم يمسك في كثير من المناطق لحفظ الأمن فيها واستتباب الأمن فيها.

اليوم، العراق ليس 2014 الذي شهد انهيارات أمنية، وإنما اليوم أجهزتنا قادرة على حماية العراق.

 

فتون عباسي: برأيك دكتور، اليوم المؤسّسة الأمنية هي أكثر مهنيّة، أم لا تزال رهينة التوازُنات السياسية العراقية؟

 

محمد سالم الغبّان: تحدّثتُ وأشرتُ إلى القُدرات الأمنية والقُدرات العسكرية. أما الأداء المهني، فنحتاج إلى مزيدٍ من تعزيز المهنية لدى الأجهزة وتقنينها، وأن تكون بالفعل منظومة مُتكاملة تعمل وفق القانون وتعمل على حفظ سيادة البلد.

 

فتون عباسي: حضرتك تولّيت وزارة الداخلية في ذروة الحرب على الإرهاب. ما أصعب قرار اتّخذتموه في تلك الفترة، وكيف ترك أثراً فيكم، إن كان على الصعيد المهني أو حتى على الصعيد الشخصي؟

 

محمد سالم الغبان: تعلمين، بالنسبة لوزارة الداخلية بالأساس مسؤولة عن الأمن الداخلي، كما هو في كل بلدان العالم، وليس معنية، قد تكون بالمعارك القتالية التي هي من مهام الجيش والقوات المسلّحة. ولكن للضرورة أحكام.

عندما شَهِد البلد انهيارات أمنية سقط فيها محافظات بالكامل — ثُلث العراق — والعاصمة كانت مُهدّدة، لذلك أوْلينا اهتماماً كبيراً ضمن استراتيجية الوزارة في تلك الحُقبة التي كانت فيها ظروف عصيبة جداً.

لذلك ركّزنا على أن نحوّل الشرطة الاتحادية إلى قوّة قتالية رديفة للجيش العراقي ومُساندة الحشد الشعبي. عملنا توليفة بين الحشد الشعبي الذي كان يتأسّس تواً، وهو يخوض المعارك، ومع الجيش العراقي الذي كان بالتدريج يتعافى.

 

فتون عباسي: كانت صعبة هذه التوليفة؟

 

محمد سالم الغبّان: لا، لم تكن صعبة، ولكن أقصد أنه بذلنا جهوداً كبيرة في كيفية تطوير الشرطة الاتحادية، تحويلها من شرطة عسكرية تُمْسِك سيطرة في داخل المدن، أن تتحوّل إلى قوّة مُقاتلة تخوض المعارك الشَرِسَة مع تنظيم داعش، إلى جانب الجيش العراقي وإلى جانب الحشد الشعبي وجهاز مُكافحة الإرهاب.

واستطعتُ أن أقول إنه تحوّلت هذه القوّة إلى قوّة ضارِبة وحاسِمة في المعارك. معركة الفلوّجة حقيقة، مَن حسم المعركة هو الشرطة الاتحادية وفرقة الردّ السريع التي دخلت إلى داخل المدينة، وأدّت إلى انهيار في صفوف داعش، وبالتالي...

 

فتون عباسي: أخبرنا عن هذه الحادثة بشكلٍ مفصّل أكثر؟

 

محمد سالم الغبّان: في البداية كان هناك تحدٍ كبير في تحرير الفلّوجة، باعتبار انعكاسات هذا الأمر حتى على الصعيد الإقليمي، بحيث إن رئيس الوزراء وقتها حيدر العبادي بعث وزراء ليطمئنوا الدول الإقليمية بأن الموضوع هو تحرير هذه المناطق من أَسْر داعش، وليس استهداف مُكوّن ما.

باعتبار أن الفلّوجة لها خصوصيتها، وكانت عصيّة على الأمريكان لمرتين، لم يستطيعوا دخولها. ولذلك، لتبديد هذا الانطباع أو الاتّهام أن هناك استهدافاً للسنّة، على العكس، نحن نريد أن نحرّر هذه المدينة من أَسْر داعش.

فلذلك كان تحدّي هذا الجانب السياسي. أما بالجانب الأمني والجانب العسكري، فكان أشدّ المقاتلين وأشرس تنظيم داعش موجوداً في داخل الفلّوجة.

لذلك، في البداية جرى تحرير لمُحيط الفلّوجة في السجر والسقلاوية والقرمة من قِبَل طبعاً الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية والجيش العراقي، كل هذه المنظومة وجهاز مُكافحة الإرهاب.

ثم الدخول إلى داخل الفلّوجة، وبالتالي إنهاء وجود داعش فيها وتخليص المُتبقّين. كان معظم سكان الفلّوجة قد هاجروا وتركوا الفلّوجة. مَن تبقّى، الذي كان — كما ذكرتُ — تحت =أسر داعش، استطعنا خلال أيام أن نخترق صفوف العدو ونُحْدِث انهيارات في داخل تنظيم داعش، وبالتالي مَن انسحب منهم انسحب، ومَن قُتِل قُتِل في هذه المعارك.

 

فتون عباسي: دكتور، استشهدتم سابقاً بحادثة ما بين الأنبار وبغداد عن امرأة مُسنّة، حاولت حضرتك إدخالها لأسباب إنسانية، تمريرها إلى بغداد، وقبلت وقتها بالرفض من الضابط.

لذلك أريد أن أسأل: كيف يمكن إصلاح منظومة أمنية لا تُتيح لمسؤول أعلى — وقتها — اتّخاذ قرار إنساني بهذه البساطة؟ وهل هذا التعقيد لا يزال قائماً حتى هذا اليوم؟ تحب أن تُخْبِر عن القصة كيف حدثت بطريقتك؟

 

محمد سالم الغبان: هذا الموضوع فيه تفاصيل، حقيقة لا أدري إن كنتُ أستطيع أن أفصّل بها، لكن بشكلٍ موجَز ومُخْتَصر أبيّن أنه أولاً كان هناك إرباك في الموضوع.

داعش عملت على الحالات الإنسانية في إيجاد نوع من الخروقات، وكان — كما ذكرتُ — التفجيرات والانتحاريون موجودون حتى نهاية 2017. انكسرت شوكة داعش وبدأت تتراجع العمليات، التفجيرات الانتحارية.

لذلك كانت هناك صعوبات في التعامل في هذا الموضوع. لكن الصورة الكلّية في هذا المشهد تعود إلى خَلَلٍ في إدارة الملف الأمني، والذي منذ تولّي مسؤولية وزارة الداخلية شخّصنا هذا الخَلَل: أنه يجب أن يكون ملف الأمن الداخلي بكل تفاصيله يكون بمسؤولية وزارة الداخلية.

 

فتون عباسي: وهذا ما قادكم إلى الاستقالة ما بعد تفجير الكرادة؟

 

محمد سالم الغبّان: نحن بدأنا بمعالجة هذا الخَلَل بتشكيل لجنة عليا برئاسة مستشار الأمن الوطني في وقتها الأخ فلاح الفياض، وعضوية وكلاء من وزارة الداخلية والدفاع والقيادات المعنية في هذا الشأن.

بعد دراسة مُستفيضة استمرّت لأكثر من تسعة أشهر، وضعوا الحلول والجَدْوَلة لنقل ملف الأمن الداخلي إلى الوزارة لتتحمّل مسؤوليّتها.

وأنا شخصياً تحدّثت مراراً بهذا الموضوع في موضوع أسباب الاستقالة، وبيّنت أنه لا بدّ من مُعالجة هذا الخَلَل الذي يؤدّي إلى نوعٍ من التداخُل في المسؤولية، ضياع المسؤولية.

عندما تحدث خروقات، لا يمكن محاسبة جهة، باعتبار هناك سَلْب للصلاحيات من الوزارة وإعطائها لجهات هي غير دستورية من حيث الدستور، إنما فرضها واقع والتي أقصد بها بالتحديد هم قيادات العمليات سواء في بغداد أو المحافظات الأخرى.

فرضتها ظروف الاحتلال، حيث شُكّلت سنة 2007. شكّلت العمليات وهي تستخدم موارد وزارة الداخلية. والمواطن وحتى النُخَب ترى أنه في أيّ خرق يحدث، أن هذه مسؤولية وزارة الداخلية المسؤولة عن الأمن الداخلي.

وبالتالي هذا التداخُل وهذا التقاطُع في المسؤولية يؤدّي إلى ضياع المسؤولية وعدم إمكان محاسبة المقصّرين. ولذلك بعد أن...

 

فتون عباسي: استقالتك كانت نوعاً من الاحتجاج؟

 

محمد سالم الغبان: قطعاً، قطعاً، قطعاً. باعتبار أنه انتهت هذه اللجنة العليا — وهي المشكّلة — بأمر ديواني من السيّد رئيس الوزراء العبادي، أعطت توصياتها بنقل الملف وفق جدْولة تستغرق ستة أشهر بالتدريج يتمّ نقل ملف الأمن إلى وزارة الداخلية، ويُستعاض به بالأمن المناطقي — سميّناه — والعمل الاستخباري، بدلاً من عَسْكَرة المجتمع والسيطرة التي لا تمنع الخروقات.

 

فتون عباسي: هذا القرار كان صعباً على محمد سالم الغبّان الإنسان، الاستقالة من منصب كهذا المنصب في هذا التوقيت؟

 

محمد سالم الغبّان: بصراحة، عندما تصدّيتُ للوزارة، أتيت بمشروع، مشروع ورؤية واستراتيجية أن أنهض بأعباء هذه المسؤولية. بالتالي، عندما أصل إلى نتيجة أنه لا يمكنني أن أحقّق رؤيتي ومشروعي الاستراتيجي في النهوض بأعباء المسؤولية والارتقاء بالأداء الأمني بما يحقّق الاستقرار واستتباب الأمن في العراق، فلا يهمّني المنصب.

بل بالعكس، أصرَرْتُ على أنه إما أن تتمّ الموافقة على توصيات اللجنة — والتي هي تعود بالنفع والفائدة في معالجة هذا الخلل الأمني — وإما أنه لا أستمر في هذه المسؤولية. لم أكن مُتردّداً، ولم أندم على هذا الموضوع.

 

فتون عباسي: أتى الجواب بـ "لا" وقتها على المطلب؟

 

محمد سالم الغبان: نعم، في وقتها الأخ العبادي حتى لم يبحث هذا الموضوع، وإنما وافق عليه مباشرة بعد أيام قلائل.

 

فتون عباسي: لماذا برأيك؟

 

محمد سالم الغبّان: حدث نوع من التبايُن في وجهات النظر في إدارة هذا الموضوع. هو يرى من زاويةٍ معيّنة، يحسب حسابات قد تكون سياسية.

 

فتون عباسي: خارجية؟

 

محمد سالم الغبّان: لا، حساباته لا أعتقد خارجية. هو من وجهة نظري، أنا أعتبر القضية مبدئية ومنهجية، ليس لها علاقة بالحسابات السياسية.

 

فتون عباسي: لها علاقة بالحسابات الأمنية؟

 

محمد سالم الغبّان: لا.

 

فتون عباسي: التوازُنات الداخلية؟

 

محمد سالم الغبّان: لا أعتقد. حتى هو طرح عدّة مرات في الإعلام، حقيقة، بأنه كان هناك خلاف في معركة الموصل. كانوا محتاجين إلى قوات تشارك في هذه المعارك، وأنا كنت أتمَنَّع في إصدار الأوامر لهذه القوات أن تشارك وهي شرطة نينوى.

بينما هو الواقع ليس كذلك. هذه الشرطة هي شرطة محلية كانت، ومعظمهم مديريات خدمية، جنسية ودفاع مدني.

أنا حرصتُ على أن نُعيد بناء هذه القوى ألا تبقى خارج سيطرة الدولة. لأنه كان بعد انهيار الموصل، هؤلاء بعضهم بقيَ داخل الموصل، وبعضهم خرج في معسكر غير مُتابَع من الحكومة الاتحادية.

فهؤلاء استقدمتهم، وأوجدت لهم معسكراً بديلاً في صلاح الدين في سبايكر تحديداً، وأعدنا تنظيمهم بشكل أفواج لنهيّئهم لما بعد التحرير، أن يمسكوا بعد تحرير الموصل الأمن في الداخل.

الأخ العبادي أراد زجّهم في المعارك. وهذا حذّرته منه، وقلتُ له: هؤلاء ليسوا قوّة مقاتلة، هؤلاء أفراد شرطة محلية، وبعضهم أصلاً مديريات خَدَمية، لا يمكن أن يشتركوا في المعارك.

فكان هذا محلّ خلاف، وهو برّر بأن قبول الاستقالة بأنه حتى أتمكّن من استخدام هذه الأفواج بادّعاء أنهم معهم قائد الشرطة، ادّعاء بأن هؤلاء لديهم الجهوزية في المشاركة في الحرب.

 

فتون عباسي: واستُخدموا في ما بعد وقتها؟

 

محمد سالم الغبّان: لم أتابع الموضوع إن شاركوا أم لم يشاركوا. هو برّر هذا الموضوع وقبول الاستقالة أن هذه إحدى العقبات، مع أنه لم تكن هذه عقبة. الأمر هو القائد العام، وبإمكانه أن يأمر. بالتالي، علينا إلا أن ننفّذ.

 

فتون عباسي: بما أن حضرتك تحدّثت عن الرؤية والمشروع، فلننتقل مباشرة إلى الاستحقاق الانتخابي.

إلى أيّ مدى ترون هذا الاستحقاق في هذه الدورة 2025 هو مفصلي، ولماذا؟

 

محمد سالم الغبّان: الانتخابات ليست مفصلية بهذا المعنى الحرفي، ولكن هذه انتخابات مهمّة الآن. مهمّة من جانب، كما تعلمون، اليوم أن الأوضاع في المنطقة والعالم في متغيّرات سريعة وفي تطوّرات ومُنعطفات.

في العراق اليوم، هذه العملية الديمقراطية أيضاً بعد أكثر من عقدين من الزمن، وهذه الدورة السادسة للبرلمان، نحتاج أن نرسّخ هذه العملية الديمقراطية رغم العيوب والمثالِب الموجودة في مخرجات، في نتائج هذه العملية الانتخابية، التي لا زالت لم تحقّق طموح المواطن، بل هي دون المستوى المقبول.

 

فتون عباسي: لماذا لم تحقّق طموح المواطن حتى الآن برأيك؟

 

محمد سالم الغبّان: هناك مشاكل داخلية، وهناك تأثيرات خارجية وأجندات خارجية. إذا نتحدّث عن الداخل، كما تعلمون، نحن للأسف ككتل سياسية، كقوى سياسية، لا زال لا يوجد اتفاق على كثير من الثوابت والقضايا الاستراتيجية.

التي يُفترض لو حصل هذا التماسُك الداخلي وهذه الوحدة الداخلية بين القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها، أعتقد حتى المشاكل الخارجية ممكن أن نواجهها، ممكن أن نتغلّب عليها، التحدّيات التي تؤثّر على مخرجات هذه العمليات الانتخابية.

أما إذا نتحدّث عن التأثيرات الخارجية، فواضح هناك منذ 2003 وإلى الآن، للأسف إرادات وأجندات تعمل على إفشال هذه التجربة الديمقراطية لأسباب مختلفة.

 

فتون عباسي: مَن يعمل الآن في هذه الفترة، في ظلّ كل ما يشهده الإقليم والمنطقة من تحدّيات خطيرة، في ظلّ تشكيل شرق أوسط جديد، مَن يعمل على ضرب هذه الانتخابات بالمعنى الوطني العراقي الشامل، وليس فقط بمعنى استحقاق؟

 

محمد سالم الغبّان: كما تعلمون، بالنسبة هناك ما يسمّى بمشروع الشرق الأوسط الكبير. هناك مَن يريد أن يُعيد خارطة المنطقة. وبالتالي العراق ليس بمنأى، وبعيد عن هذه المتغيّرات التي تجري بالمنطقة، التي يخطّط أن تكون هذه الدول هي مُطبّعة مع الكيان الصهيوني.

أن تكون كمقدّمة لهذا التطبيع، يجب إضعاف هذه الدول، كما حدث في سوريا على سبيل المِثال، بغضّ النظر عن النظام الذي كان حاكِماً، وعن المشكلة مع الشعب السوري.

=أنا أتحدّث عن المشروع في المنطقة، المشروع الصهيوني والمدعوم أمريكياً والمدعوم من الغرب. لذلك العراق ليس بعيداً.

وإن فشل هؤلاء في أن يجعلوا العراق سار في هذا المشروع، خاضع لهذا المشروع من خلال الفعل العسكري أو الفعل الأمني، أو من خلال تغيير الواقع من خلال تغيير نتائج الانتخابات — نوعاً ما — بإيجاد رسائل، بإيجاد ضغوطات، بدفع كتل سياسية معيّنة أن تحقّق نتائج، في مقابل الضغط على الشارع على الناخَب أن يعزف عن المشاركة في هذه الانتخابات.

هناك عدّة أجندات نلاحظ ونتابع من خلال ما يجري الآن، من خلال سواء الإعلام، وسائل التواصُل الاجتماعي، في دفع الناخِب أولاً في عدم المُشاركة، إضعاف المُشاركة، وفي المقابل هناك تحشيد، وهنا كدفع لمشاركة واسعة في اتجاهات أخرى لتغيير موازين القوى.

 

فتون عباسي: على كل حال، الملف الإقليمي والدولي سنفرد له محوراً كاملاً في هذه الحلقة، لكن نحن لا نزال نتحدّث عن هذا الاستحقاق.

ترون بأن نتائج الانتخابات ستنتج برلماناً جديداً فعلاً، أم ستُعيد تشكيل التفاهمات القديمة: مكانك راوِح؟

 

محمد سالم الغبّان: هذا يعتمد على عاملين:

أولاً، إدراك القوى السياسية لخطورة هذه المرحلة وأهمية هذه المرحلة وهذه الانتخابات في إعادة ثقة المواطن بالعملية السياسية وبالانتخابات وبنتائجها.

وهذا ما يتطلّب نوعاً من الارتقاء بالشعور بالمسؤولية، الابتعاد عن الفئوية والمصالح والمكاسِب المحدودة، وتغليب مصلحة العراق، تغليب مصلحة الشعب العراقي.

وهو ما نأمله أن تدرك هذه القوى السياسية مسؤوليّتها في المرحلة القادمة.

 

فتون عباسي: عن أية قوى سياسية تتحدّث؟

 

محمد سالم الغبان: كل القوى السياسية.

 

فتون عباسي: الشيعية أم السنّية أم الكردية؟

 

محمد سالم الغبان: كردية وسنّية في خطابها، وشيعية في وحدة كلمة الكل. وبالتالي أن نتّفق على الثوابت الوطنية، على القضايا الكبرى المصيرية التي تُعيد أولاً الثقة للمواطن، وأن تجعل العراق مُستقرّاً.

وإن لم يستقرّ العراق ويستمر في هذا الاستقرار الموجود حالياً — كما أسلفتُ سواء من الجانب الأمني، من الجانب السياسي — نعزّز هذا الاستقرار حتى نستطيع أن ننهض بأعباء هي أهم. اليوم عندنا تحدّيات اقتصادية، تحدّيات أخرى.

 

فتون عباسي: جيّد جداً. فلنقف عند النقطة المتعلّقة بالموضوع الاقتصادي.

هناك مَن يتحدّث ضمن الإطار تحديداً عن استخدام موارد الدولة في الحملات الانتخابية.

ولكي نكون واضحين أكثر، السيّد نوري المالكي مَن يتحدّث عن ذلك، وتحدّث عنه أيضاً في مؤتمرات عامة عن استخدام موارِد الدولة، بأنه وصلت إلى خطوط حمر.

توافق على هذا الكلام؟ وإن كنت توافق، كيف يمكن حماية حياد المؤسسّات عما يجري الآن؟

 

محمد سالم الغبّان: أنا أودّ أن أكمل: أن الجانب الآخر في إعادة ثقة المواطن بالعملية الانتخابية هي المواطِن نفسه أن يكون أولاً يشارك في هذه الانتخابات، وتكون مشاركة واعية ومسؤولة.

وهذا يقودنا إلى الإجابة عن سؤال حضرتك. اليوم، بالفعل، هناك — مع شديد الأسف — استغلال بشع لموارد الدولة، سواء الموجودين بالسلطة أو بالنسبة لمَن يُتاح له نوعاً ما من استغلال هذه الموارِد.

لذلك على المواطن أيضاً أن يكون واعياً تجاه خياراته: في مَن يستغلّ اليوم هذه الموارِد ويوظّف هذه الموارِد، وبعضها أحياناً حتى تكون بمستوى الوعود وليس حقيقية. هذا من جانب.

وأيضاً بالنسبة للأجهزة المسؤولة عن تثبيت وتأشير هذه الخروقات والتصدّي لها وعدم التهاون بها، سواء كان بالنسبة للمفوضية العُليا المستقلّة للانتخابات، بالنسبة للقادة أن يأخذ دوره، الادّعاء العام في رَصْد هذه الحالات وعدم التهاون بها مع كائناً مَن كان.

 

فتون عباسي: دكتور محمد سالم الغبّان، سنذهب في فاصل قصير، ومن ثم نعود لاستكمال هذا الحوار مع معاليك.

إذاً، فاصل قصير، ومن ثم نعود. ابقوا معنا مشاهدينا.

 

فتون عباسي: من جديد، أهلاً بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة مع الدكتور محمد سالم الغبّان، مرشّح رقم 1 بغداد عن بدر ووزير الداخلية الأسبق. أهلاً بك من جديد دكتور؟

 

محمد سالم الغبّان: شكراً.

 

فتون عباسي: دكتور، سأنتقل مباشرة الآن إلى الحديث عن =الترشّح للانتخابات: من السلطة التنفيذية إلى العمل التشريعي، ما الذي دفعكم إلى العودة إلى الترشّح بعد تجربتكم في وزارة الداخلية؟

 

محمد سالم الغبّان: في الحقيقة، حضورنا السياسي والعمل في هذا المجال هو لم يتوقّف. نعم، في فترة ما تسلّمنا مسؤولية وزارة الداخلية، وعملنا طوال هذه الفترة لأقلّ من عامين، ثم انتقلت بعدها إلى مجلس النواب في دورته الرابعة، وكنت رئيساً لكتلة الفتح إلى نهاية الدورة النيابية.

نعم، بعدها عملتُ ضمن منظّمة بدر لإدارة الانتخابات. في الدورات السابقة، في الدورة الخامسة، كنت رئيساً للماكينة الانتخابية. فلم أبتعد عن العمل السياسي، وإنما من خلال مواقع أخرى أدّينا دورنا.

واليوم نرى هناك ضرورة في التصدّي في هذه المرحلة. بصراحة، ما دفعني أنه نحتاج اليوم إلى تعزيز دور البرلمان الرقابي والتشريعي، أن نعمل على تشكيل حكومة مُقْتَدَرة قادرة على أن تنهض بأعباء المسؤولية.

التحدّيات القادمة: تحدّيات كبيرة أمامنا. أربع سنوات قادمة — نحن بتعبيرنا نسمّيها "ركبة الطواريج" — يشغلنا ذكر ليل نهار حقيقة أن نواجه هذه التحدّيات ونعمل على النهوض بأعباء المسؤولية الحكومية.

 

فتون عباسي: قبل الانتقال إلى التحالفات، مشروعكم الانتخابي تحديداً.

ما هي الملامِح التي يمكن أن تُخبرنا عنها الآن لهذا المشروع؟ وحضرتك منذ بداية الحلقة وأنت تركّز على المواطِن.

لذلك أسأل هنا: وواضح أنه لا ينحصر تركيزكم بالأمن فقط، ينحصر بالتنمية والخدمات. كيف تُخبرنا عن مشروعكم الانتخابي هذه المرة؟

 

محمد سالم الغبّان: الموضوع مهم. واليوم نتحدّث هناك استقرار أمني، وانعكس باستقرار سياسي. هذا يؤدّي إلى أنه يلامس احتياجات المواطن، بدءاً من الجانب الاقتصادي.

كما تعلمون، العراق — مع شديد الأسف — اقتصاده رَيْعي، يعتمد على النفط فقط.

 

فتون عباسي: وهذه مشكلة كبيرة؟

 

محمد سالم الغبّان: وهذه مشكلة كبيرة وتحدٍ كبير. لا يمكن أن يبقى العراق معتمداً فقط على بيع النفط وعلى التعيينات التي أرهقت كاهل الدولة.

واليوم ترهّل كبير في أجهزة الدولة والحكومة ومؤسّساتها ووزاراتها. لا بدّ من أن نضع حلولاً عاجلة واستراتيجية في تنويع الاقتصاد، في النهوض بقطاعات مهمّة.

 

فتون عباسي: القطاع الخاص؟

 

محمد سالم الغبّان: القطاع الخاص، القطاع الصناعي، القطاع الزراعي. كل هذه القطاعات تعاني من مشاكل بنيوية. فيجب أن ننهض بهذا الوضع.

استمرار الوضع الأمني والسياسي بالاستقرار هو يفتح مجالاً والفرصة للنهوض ومعالجة المشاكل الاقتصادية.

 

فتون عباسي: توجد مشاكل بنيوية في هذه القطاعات، أم أنها تذهب أكثر إلى سوء الإدارة وربما الفساد؟ هذا ما يمكن فعلياً أن يضرب — إن جاز لنا التعبير — العمل أو القطاعات في العراق؟

 

محمد سالم الغبان: لدينا مشكلة، صحيح، على مستوى التخطيط والأولويذات. يجب على الحكومة القادمة أن تكون لديها أولويّات، وأن تلامِس القضايا البنيوية، لا تهتمّ بالقضايا العاجلة والشكلية، والتي هي تعطي المواطن نوعاً من الانطباع بأن الحكومة تريد أن تعمل وتُنجز مشاريع.

لكن المهمّ أن تكون هذه المُعالجات أساسية وبنيوية. هذا ما نحتاجه اليوم.

أنا أضرب لك مِثالاً: اليوم العاصمة بغداد تعاني من اختناقات. بدلاً من الحلول الوقتية والشكلية، يجب أن نذهب إلى النقل العام الذي تفتقر إليه العاصمة. لا توجد اليوم عاصمة بالعالم ما بها نقل عام. الآن بغداد تفتقر بالكامل إلى النقل العام.

 

فتون عباسي: كمثال، لماذا برأيك؟

 

محمد سالم الغبّان: هذه مشكلة أساسية وبنيوية. هذا يحتاج إلى رؤية، يحتاج إلى تخطيط صحيح، ويحتاج إلى أن المسؤول لا ينظر للموضوع بمِنظار انتخابي ومِنظار وقتي وحسابات قد تكون أحياناً شخصية، وإنما ينظر بالفعل: أين تكمُن المشكلة، ويعالجها بشكلٍ بنيوي، حتى لو على مدار دورتين أو عشر سنوات.

تكون لدينا خطط استراتيجية، لا ينظر إلى نتائج هذه الخطط بالوقت المنظور، بالزمن المنظور.

 

فتون عباسي: مع الدورتين، حضرتك أو ضدّ الدورتين؟

 

محمد سالم الغبان: في أيّ موضوع؟

 

فتون عباسي: في موضوع رئاسة الوزراء؟

 

محمد سالم الغبّان: سابقاً تحدّثتُ بالإعلام: هناك توجّه — ليس فقط شخصياً — توجّه أنه في سبيل أن يكون المسؤول التنفيذي مُنتجاً أكثر، ويفكّر بإنجاز برنامجه ومنهاجه الحكومي، أن تكون محصورة بدورة واحدة.

المشكلة لأنه عندما يفكّر بالدورة الثانية وطموح الولاية الثانية، هنا تكمُن المشكلة. يبدأ كيف سيصل، يتماشى مع الوضع، يُرضي الأطراف، يتنازل عن بعض الاستراتيجيات أو الخطط التي يضعها الإنسان.

هكذا الحديث، لكن بالفعل إذا حصل توافُق القوى السياسية — وهذا فيه مصلحة للبلد وفي الأداء الحكومي — يكون أفضل. هذا يحتاج طبعاً لقرار.

 

فتون عباسي: بناءً على هذا الكلام، معاليك، كيف تصفون خريطة التحالفات الشيعية اليوم؟ الإطار التنسيقي مُتماسِك، أم هو يمرّ بإعادة تموضُع من جديد؟

 

محمد سالم الغبّان: أولاً، إلى الآن لا تصوّر عن التحالفات الموجودة بشكل عام — ولا أتحدّث فقط عن القوى السياسية الشيعية — بشكلٍ عام كقوى سياسية في البلد، لا تزال يوجد هناك أيّ تحالفات أو تصوّر للتحالفات.

لأسباب منها: تعتمد على قراءة هذه القوى السياسية للمزاج الإقليمي الدولي وتأثيراته. بالتالي موجودة من جانب آخر. هذا يعتمد على موازين القوى ونتائج الانتخابات وعدد المقاعد النيابية حتى الإنسان يرسم التحالفات.

الآن من المُبَكّر أن نتحدّث عن تحالفات.

 

فتون عباسي: من المُبَكّر؟

 

محمد سالم الغبان: نعم. أما بالنسبة إلى الإطار، الإطار أصلاً ليس تحالفاً حتى نتحدّث عن تماسُك وغيره. هو اسمه إطار تنسيقي، هو ينسّق المواقف. وهذا أمر جيّد، حسبما أعتقد.

الإطار التنسيقي يؤدّي دوره بشكلٍ صحيح، استطاع أن يعبر بنا بأزمات كبيرة، استطاع أن يشكّل هذه الحكومة الحالية — حكومة السيّد السوداني — هي حكومة الإطار. الإطار اتّفق عليها. لم يأتِ السوداني بكتلةٍ مثلاً بوزن بالتالي مكّنه من أن يكون رئيس وزراء. إنما هو الإطار. هذا الدليل على التنسيق العالي وتغليب مصلحة البلد التي استطاعت أن تنتج هكذا حكومة وتقدم.

 

فتون عباسي: والآن ستغلب مصلحة البلد في ظلّ خلاف ظاهر لا يخفي نفسه ما بين بعض أطراف الإطار التنسيقي ورئيس الوزراء الحالي السيّد السوداني والاعمار والتنمية.

كيف تنظرون لمستقبل التحالفات — حتى لو حضرتك قلت إنه من المُبَكّر — لكن في منحى عام يمكن أن تبدو؟

 

محمد سالم الغبان: قطعاً، موازين القوى ونتائج الكتل وعدد الأعضاء هو مهمّ. لكن يبقى أكيد التوافُقات هي الأساس في رَسْم المرحلة القادمة وفي تشكيل الحكومة القادمة.

ولا أرى هناك مشكلة كبيرة في هذا الموضوع. بالتالي لا بدّ من أن نمضي في هذا الموضوع أن تشكّل حكومة على أساس أن تحقّق إعادة ثقة المواطن بعمليته السياسية.

وبالتالي هذا يحتمّ على القوى السياسية أن تغلّب مصلحة العراق، وأن تتنازل حتى أحياناً حتى عن استحقاقات انتخابية، كما جرى في مراحل سابقة.

حدثت هذه الأمور في استحقاقات انتخابية، لكن يحدث تنازل عنها في سبيل أن يمضي البلد في تشكيل حكومته. نحن أمام تحدّيات.

 

فتون عباسي: تتوقّع تنازلاً أيضاً هذه المرة؟

 

محمد سالم الغبان: لا بدّ من أن تحدث هذه التنازلات إذا تطلّب في أن نمضي. وأنا أتوقّع ألا نواجه مشكلة كبيرة في تشكيل الحكومة.

 

فتون عباسي: هل يمكن أن =تتشكّل الحكومة في أقلّ من ستة أشهر؟

 

محمد سالم الغبّان: نعم، إن شاء الله، إن شاء الله. هذا توقّعي.

 

فتون عباسي: ما موقع بدر في التحالفات المقبلة، خصوصاً مع قوى مثل دولة القانون، العصائب، الحكمة، الإطار التنسيقي المُصغّر دعنا نسمّيه؟

 

محمد سالم الغبّان: بدر جزء مهم وأساسي في الإطار، وكان دائماً يسعى. نحن لدينا شعار نسمّيه "أمّ الولد"، حتى نتنازل أحياناً عن استحقاقاتنا في سبيل أن نغلّب مصلحة البلد ومصلحة العراق، وتمضي العملية السياسية لتحقّق غاياتها.

ولذلك سيكون بدر حاضِراً في المرحلة القادمة أيضاً، وله دوره المحوري والأساسي في الإطار في تقريب وجهات النظر، وكذلك أيضاً في مشاركته في تشكيل الحكومة القادمة.

 

فتون عباسي: ما التحدّي الذي يواجهه بدر فعلياً هذه الفترة؟

 

محمد سالم الغبّان: من أية ناحية، يعني؟

 

فتون عباسي: من ناحية التحالفات، من ناحية الوضع الداخلي، من ناحية مع كل ما تحاول جهات خارجية فعلياً الضغط عليه أو مُحاصرته؟

 

محمد سالم الغبّان: بدر منذ 2003 وإلى الآن هو مشارك بالعملية السياسية، ويتصدّى لمواقع مختلفة: تنفيذية، برلمانية، محافظين. التحدّيات دائماً موجودة. لا ننكر أن هناك تحدّيات.

لكن أعتقد في هذه المرحلة لا توجد تحدّيات نستطيع أن نعتبرها تقف أمام تحقيق نتائج سواء بالانتخابات — ككتلةٍ وازِنة ومحورية ومهمّة في العملية السياسية وفي مجلس النواب المُرتَقب.

 

فتون عباسي: ألّا تتخوّفون من الضغوط الأمريكية؟

 

محمد سالم الغبّان: في أيّ مجال؟

 

فتون عباسي: في ما يخصّ في ما يصدر من عقوبات ومحاولات لإقصاء فصائل مقاومة عن العمل السياسي؟

 

محمد سالم الغبّان: نحن بعد سنة 2003 الكل يعلم أنه تخلّينا عن السلاح طواعية، تحوّلنا من فيلق بدر إلى منظّمة مشاركة في العملية السياسية، وليس لدينا جناح عسكري.

وإنما نعم، كان لنا دور بطبيعة التجربة التي كنا نمتلكها قبل 2003، عندما كنا فيلق بدر وهذه التجربة وظّفناها في تأسيس وتنظيم وقيادة الحشد.

وكان على رأس — كما تعلمون — هذه الهيئة أو على هذا الكيان الجهادي الحاج الشهيد أبو مهدي المهندس، وهو كان سابقاً قائد فيلق بدر.

بالتالي، دورنا انحصر ضمن هذه المؤسّسة وفي إطار الدولة، وليس خارج الدولة، وليس لدينا جناح عسكري أو سلاح خارج الدولة.

 

فتون عباسي: تتخوّفون من أيّ طرف سياسي داخلي، أن يحاول أن يساوِم في التحالفات المقبلة على هذه النقطة؟ بمعنى: التذرّع بالضغوط الأمريكية؟ أعددتم العدّة لهذا الموضوع؟

 

محمد سالم الغبّان: غير واضح.

 

فتون عباسي: يمكن أن يقوم أيّ طرف في إطار التحالفات — بعد الانتخابات — بمحاولة التحصّل ربما على مكاسب معيّنة في التحالفات من بدر، سيستخدم ورقة الأمريكي أو الضغط الأمريكي في ذلك؟ برأيك، تتوقّعون ذلك وتتهيّأون له أم لا؟

 

محمد سالم الغبّان: لا أرى وجود هكذا أمر حقيقة. حتى لو هناك توجّه من جهة معيّنة، فلن يتمكّن من تحقيق هكذا، باعتبار لا يوجد مبرّر قانوني، كما بيّنتُ.

بالنسبة إلى بدر، نحن منخرطون في العملية السياسية وكيان أساسي في العمل السياسي.

 

فتون عباسي: يُقال بأن بدر تراهن على خبرتكم الميدانية. حضرتكم، على ماذا تراهنون الآن بالترشّح عن بدر في بغداد رقم 1؟ العملية ليست سهلة ببغداد؟

 

محمد سالم الغبّان: طبعاً، في بغداد التنافُس شديد، كما تعلمون. ثقل العملية الانتخابية في بغداد، باعتبار رُبع المقاعد النيابية في بغداد: 69 مقعداً نيابياً من أصل 329.

وأيضاً عدد الناخبين يمثل خُمس الناخبين من مجموع عشرين مليون وأربعة ملايين وكسر من الناخبين هم في بغداد. وهناك تنافس شديد: أكثر من 2057 مرشّحاً في بغداد يتنافسون على 69 مقعداً.

لذلك بالنسبة إلى بدر، قدّمنا كمرشّح لنخوض هذه العملية الانتخابية لما نمتلكه من تاريخ وتجربة عملية سواء في الجانب الأمني وفي الجانب السياسي والإداري.

كذلك لدينا تجربة نمتلكها، ولدينا رؤية وإرادة في المرحلة القادمة سواء على مستوى البرلمان وتعزيز الدور الرقابي والتشريعي، وأن يكون البرلمان أكثر فاعلية في المرحلة القادمة، أو على مستوى الحكومة أن تكون حكومة بالفعل حكومة مُقْتَدَرة وقادِرة على النهوض بأعباء المسؤولية والبلد.

 

فتون عباسي: ستدفعون باتجاه تشريع قوانين جديدة؟

 

محمد سالم الغبّان: في برنامجنا الانتخابي لدينا أولويذات طبعاً، والجانب الاقتصادي هو الجانب الأهمّ لأنه يشكّل التحدّي الأكبر.

=وكما أشرتُ إلى أنه نحتاج إلى أن نعمل في المرحلة القادمة والدورات القادمة على تغيير هذا المسار أن يكون اقتصاداً يعتمد على موارد متنوّعة غير النفط.

لذلك نعم، بعضها يحتاج إلى تشريعات، بعضها يحتاج إلى قوانين الآن الموجودة أن نذهب ونفعّلها بشكل عملي، سواء في موضوع الاستثمار، دعم القطاع الخاص، لتمكين الشباب أن يكونوا مشاركين في الدورة الاقتصادية من خلال المشاريع الصغرى والمتوسّطة، ومن خلال فتح المجال أمام هذه الشريحة المهمّة في الشعب العراقي.

 

فتون عباسي: والشباب شريحة — كما قلت حضرتك — مهمّة لمستقبل العراق، والأكثر حضوراً في التأثير على هذا المستقبل.

كيف تعملون، وكيف ستعملون على إعادة ثقة الشاب العراقي بالدولة العراقية وبالبرلمان العراقي؟

 

محمد سالم الغبّان: كما تعلمون الشاب لديه طموح، بالتالي يريد أن يكون له دور، أن يكون مشاركاً سواء في المجال السياسي والاقتصادي.

لذلك نحتاج بالفعل أن نُعيد الثقة إلى هؤلاء الشباب، والذين يشكّلون القوّة المحرّكة للبلد في كل الجوانب، سواء الجوانب التنموية أو الجوانب الاقتصادية، الجوانب حتى السياسية والاجتماعية.

في بدر، نحن وضعنا في البرنامج الانتخابي خطوات ومشاريع عملية واقعية ممكن تطبيقها بشكل تدريجي لتُعيد ثقة الشاب بالعملية السياسية، وأن يكون مشاركاً في هذه العملية.

حتى مثلاً في مجلس النواب، كما تعلمون، القانون بالنسبة لسنّ المرشّحين خفّضناه إلى 30 عاماً. واليوم هناك أعداد كبيرة من الشباب من المُرشّحين.

بالتالي، هذا جزء من هذا التوجّه الذي نسعى إليه في أن يكون الشباب — والشباب حاضرون — في القضايا المصيرية للبلد.

 

فتون عباسي: بما أن حضرتك تتحدّث عن الشباب وعن أهمية إعادة الثقة ما بين المواطن العراقي — تحديداً فئة الشباب — مع الدولة، هذا أيضاً يمكن أن يقود إلى طرح مسائل استراتيجية مهمّة تهمّ الشاب العراقي فعلياً لأنه ترسم مستقبل العراق.

ونتطرّق للأكثر جدلاً: نبدأ بموضوع الحشد الشعبي، ونسأل: كيف تنظرون إلى دور الحشد الشعبي في منظومة الدولة؟ وما هي حدود العلاقة ما بين الأجهزة الأمنية والحشد في الميدان والسياسة؟

 

محمد سالم الغبان: نحن ندري بالنسبة للحشد كان له دور كبير في قلب المعادلة وفي تغيير الواقع من حالة الانهيار الأمني والانهزام إلى حالة النصر وتحرير الأراضي المُسْتَلبة التي سيطر عليها داعش.

وبالتالي حقّق هذا الأمن والأمان. هذه المنظومة اليوم نحن بحاجة إلى تقنينها، تكون أكثر تحت كَنَف الدولة، أن تكون ضمن المنظومة الأمنية بالكامل، وننهي هذه الجدلية الآن أو الاتّهامات أنه الحشد هناك سلوكيات، تصرّفات على كلا جماعات لديها سلاح باسم الحشد.

يجب أن ننهي هذه الجدلية، وأن تكون هذه المنظومة بالكامل هي جزء من الدولة، خاضعة للقائد العام للقوات المسلّحة، وأن تقنّن بقوانين.

الحشد لديه قانون إجمالي، وهو القانون رقم 40 لسنة 2016. نحتاج إلى تعديل هذا القانون، يحدّد هيكلية الحشد بالكامل، ويُبيّن مركزه القانوني والتراتبية الهرمية في الهيكل التنظيمي، وصلاحيات رئيس الهيئة، رئيس الأركان، وكل مفاصل هذه الهيئة.

هذا من جانب. ومن جانب آخر، نحتاج إلى قانون الخدمة والتقاعُد لمُجاهدي الحشد الشعبي الذي يرسم المسار القانوني ويحدّد المركز القانوني لمُنتسبي الحشد.

باعتبار الآن لا يوجد قانون يغطّي هذه المساحة القانونية. عندما ينتمي أو يتطوّع أو يعيّن الشخص في الحشد، لا يوجد مسار قانوني يعالج هذه كما هو موجود الآن بالنسبة للقوات العسكرية.

نحن لدينا قانون خدمة وتقاعُد عسكري، بالنسبة للداخلية لدينا قانون خدمة وتقاعُد قوى الأمن الداخلي، وبالنسبة لموظّفي الدولة لدينا قانون الخدمة والتقاعُد المدني.

الحشد لا زال يفقد هذا الغطاء الذي يضمن حقوق المقاتلين في الحشد، وفي نفس الوقت يحدّد المسار القانوني للترقية والتنقّلات في كل مراحل الخدمة، وأيضاً يضمّ للتقاعُد.

 

فتون عباسي: المياه أزمة باتت تهدّد الأمن القومي العراقي.

كيف يجب أن يتعامل العراق اليوم مع تركيا وإيران في هذا الملف؟

 

محمد سالم الغبّان: في الوقت الذي ندرك أن هناك تغيّرات مناخية، وهي هناك مشكلة وأزمة مياه موجودة في كل دول المنطقة، وليس فقط في العراق، ولكن مشكلة مياه العراق الآن تعاني من الشحّ.

وهذه شحّة المياه في تزايُد، وهناك تراجع سواء في موضوع الإطلاقات أو موضوع توفّر المياه بالنسبة للريّ والزراعة. خاصة، هذا الموضوع يحتاج إلى استراتيجية وإلى خطوات.

ما حصل من اتفاقية أخيرة بين الحكومة العراقية والحكومة التركية، أعتقد هي خطوة وليس حلاً شاملاً واستراتيجياً وجذرياً، لكنها خطوة جيّدة.

على أقل تقدير الآن، هي نقلت هذه الأزمة إلى نوع من التعاون المشترك، نوع من الإدراك للمسؤولية — المسؤولية من الجانب التركي إلى حقّ العراق في مياه دجلة والفرات.

وبالتالي نحتاج إلى معالجة استراتيجية شاملة لهذا الموضوع تتناول المشكلة ليس فقط في إطلاقات المياه من الجانب التركي، وإنما تتناول أيضاً حتى موضوع طريقة إدارة الخزّانات، في قضية تخزين، وقضية طريقة الريّ والسقي تكون ضمن التقنيات الحديثة الممكنة، وأن تكون تركيا مساهمة في هذا، أن يكون هناك نوع من المصالح المشتركة لمعالجة هذه الأزمة.

وبالتالي، المسار الدبلوماسي، المسار الفني، كلها مطروحة في هذه المُعالجات.

 

فتون عباسي: ماذا عن الوجود العسكري الأجنبي؟ كيف يمكن أن تتحقّق معادلة التوازُن ما بين السيادة والأمن في ظلّ الوجود العسكري الأجنبي؟ وهل ما زال العراق بحاجة إلى دعم عسكري خارجي برأيكم؟

 

محمد سالم الغبّان: بدءاً، نحن نستطيع أن نقول: حقّقنا شطراً جيّداً في استراتيجية تعزيز سيادة العراق. ولكن لا نزال نحتاج إلى تعزيز سيادة العراق، خاصة السيادة المالية على أموال العراق.

والسيادة، كما تعلمون، لا تتجزّأ.

في الجانب العسكري، لا أعتقد العراق بحاجة إلى حماية عسكرية بعد أن تعافى العراق. واليوم أجهزته وقوّاته المسلّحة وقوّاته الأمنية هي قادرة على حماية البلد والدستور لا يسمح بتواجد أجنبي لقوات أجنبية أو قواعد عسكرية.

نعم، توجّهنا أن تكون هناك علاقات ثُنائية مع دول التحالف الذي كان مشكّلاً لمُحاربة داعش، وأن لا تقتصر هذه التحالفات أو التفاهُمات على الجانب الأمني، تكون في الجوانب الأخرى.

ولدينا اتفاقية الإطار الاستراتيجي للتعاون والصداقة بين الولايات المتحدة وجمهورية العراق في مجالات مختلفة: مجالات اقتصادية خاصة، مجالات ثقافية، مجالات سياسية.

 

فتون عباسي: لضيق الوقت وعذراً على المقاطعة: الانسحاب الأجنبي قابل للتنفيذ الواقعي، أم أنه أصبح جزءاً من توازُن إقليمي مفروض على العراق لا يمكن تغييره؟

 

محمد سالم الغبّان: لدينا نحن توافق مع الولايات المتحدة بأن يُنهى تواجد التحالف الدولي، وتتحوّل العلاقة إلى ثنائية. وكان الموعد المحدّد هو في الشهر التاسع 2025، ونُفّذ هذا الأمر بانسحاب تدريجي لهذه القوات، وتحوّلت العلاقة إلى ثنائية.

لكن الوضع الإقليمي بطلب من الولايات المتحدة والحكومة العراقية وافقت على هذا، أن يكون هناك تواجُد جزئي في إقليم كردستان لبعض هذه القوات لحين سبتمبر 2026.

 

فتون عباسي: سؤال أخير: =التوازُن ما بين بغداد وطهران وأنقرة وواشنطن.

هل العراق قادر اليوم في ظلّ كل ما يحصل على تحقيقه، أم سيبقى في إطار الضغط من أجل توزيع الأدوار ضمن كل هذه التوازُنات الحاصِلة؟

 

محمد سالم الغبّان: المنطلق في هذا الأمر هو تماسُك ووحدة الداخل. إذا كانت هناك رؤية مشتركة ووحدة قرار، أعتقد قادرين على أن نضع مصلحة العراق أولاً في ظلّ هذه التوازُنات أو الصراعات الإقليمية أو حتى العامل الدولي.

ويجب على العراق أن يُدير هذه العملية على أساس مصالحه. اليوم الولايات المتحدة، إيران، تركيا، دول الخليج، هي كلها تنظر إلى مصالحها.

فيجب على العراق أيضاً أن ينظر إلى مصالحه. أينما تكن مصالحه، يجب أن يُدير هذه العملية بحِكمة وبتوازُن: لا عزلة، ولا ارتهان لطرف ما.

 

فتون عباسي: كل الشكر لك دكتور محمد سالم الغبّان، وزير الداخلية الأسبق ومرشّح رقم 1 بغداد عن بدر، على وجودك معنا في هذه الحلقة وعلى حُسن الاستضافة.