السودان... أرض من نور ونار

حروب متنقلة، مجازر ومجاعة في أرض يتجاور فيها النور والنار... من الخرطوم إلى الفاشر، هل سقطت الحلول السياسية؟ أكبر وأسرع أزمة نزوح في العالم، وأعتى معاناة إنسانية... السودان: حرب منسية إم إسقاط متعمد من دائرة الانتباه الدولي؟ هي حرب وجود داخلية أم صراع مصالح وقوى إقليمية؟

نص الحلقة

 

مايا رزق: قارّة داخل دولة، ونور في قلب نار.

أكثر من 500 قبيلة، ومئة لغة: مسلمون ومسيحيون وأصحاب مُعتقدات أفريقية.

نور حضاري وتاريخي، ومعقل الفنون والغناء والشعر والتراث.

 

مايا رزق: إنها أرض الثروات الطبيعية: النفط والذهب، الكثير من الذهب.

 

مايا رزق: إنها السودان، بلد ولِدَ من رَحْم حرب، وتغذّى عليها حتى صارت الحرب فيه جزءاً من الهوية، ومصيراً معلّقاً اليوم بين جنرالين.

هنا قلب إفريقيا. في هذه البُقعة الشاسعة التي تقف على ضفاف النيل وتمتد نحو الصحراء والسهول، موطِن 50 مليون إنسان، أرض لم تعرف طَعْم الاستقرار يوماً.

آخر الحروب التي ليس لها آخر حتى الآن، انطلقت شرارتها في الخامس عشر من نيسان (أبريل) عام 2023.

كان السودانيون يتهيّأون للإفطار في آخر يوم من شهر رمضان، قبل أن تمزّق الطلقة الأولى عند الفجر هدوء الخرطوم، وتفتح فصلاً جديداً من حربٍ لم يكن أحد يريدها.

إلا أن الكل في الداخل والخارج أعدّ العُدّة لها.

قبل أيام فقط من حرب عَنْوَنها البعض بـ"حرب الجنرالين"، كان البرهان وحميدتي شريكين في الحُكم وأكثر.

عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلّحة السودانية، الامتداد التاريخي للجيش الذي تأسّس تحت الحُكم البريطاني المصري.

ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، الرجل الذي لم يكن يوماً جزءاً من الجيش التقليدي، لكنه صار يقود قوّة تُضاهي جيشاً كاملاً.

 

قوات الدعم السريع، الإسم الجديد للـ"جنجويد"، قوّة دعمت حكومة عمر البشير، قاتلت خارج الجغرافيا السودانية، وتضخّمت قُدراتها العسكرية عاماً بعد عام، وتغذّت من الذهب الذي وضع حميدتي – كما يقول البعض – يده على أهم مناجمه.

أما الجيش، فكان يحمل إرث دولة مزّقتها الحروب منذ ولادتها.

نعود معاً إلى عام 55: إلى أول حرب أهلية بين الشمال والجنوب. حرباً غذّتها الانقسامات الإثنية والدينية، وراح ضحيّتها نصف مليون سوداني.

 

جعفر النميري: إننا لا نرضى بالحرية العبودية، ولا نرضى أن تُداس كرامتنا.

 

مايا رزق: عام 69، تسلّم الكولونيل جعفر محمد النميري السلطة عقب انقلاب، فكانت اتفاقية أديس أبابا عام 72 التي أنهت حرباً استمرّت 17 عاماً.

السلام لم يدم طويلاً. عدّاد الموت عاد بقوّة مطلع عام 83: حرب أهلية ثانية، مجدّداً، عقدان من الدم: مليونا قتيل، وملايين النازحين.

 

عمر حسن البشير: بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الشعب السوداني الأبيّ الكريم، إن قوّاتكم المسلّحة المنتشرة في طول البلاد وعرضها ظلّت تقدّم النفس والنفيس حمايةً للتراب السوداني وصوناً للعرض والكرامة.

ويترقّب بكل أسف وحرقة التدخل المُريع الذي تعيشه البلاد في شتّى أوجه الحياة، وقد كان الأمر صارخاً: فشل الأحزاب السياسية في قيادة الأمذة لتحقيق أدنى تطلّعاتها في الأمن والعيش الكريم والاستقرار السياسي.

 

مايا رزق: عام 89، صعد عمر البشير بانقلابٍ إلى السلطة، ظلّ فيها ثلاثة عقود.

عام 2003، اشتعلت دارفور. الحكومة استعانت بمليشيات الجنجويد، فقتل أكثر من 300 ألف شخص جرّاء القتال والجوع والمرض.

 

مايا رزق: في عام 2011، انفصل جنوب السودان.

وفي عام 2019، سقط البشير بثورةٍ شعبيةٍ دعمها الجيش والدعم السريع معاً، لكن السلطة الانتقالية التي تشكّلت بعدها لم تصمد طويلاً.

ففي عام 2021، أطاح الجيش الحكومة، ليبدأ صراع مكتوم بين البرهان وحميدتي.

الكتمان سُرعان ما انفجر حرباً أهلية متواصِلة، يقتل فيها السوداني السوداني، وسط صمت دولي وحسابات إقليمية تُضْبَط ليس بعيداً عن السودان.

 

مايا رزق: وهكذا ظلّت الغَلَبة للنار في ملتقى العالم العربي والإفريقي، الذي يمتدّ ساحله على البحر الأحمر بما يزيد عن 700 كيلومتر.

وقد تقول الجغرافيا السودانية الكثير.

ففي السودان اليوم أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر موجة نزوح سجّلتها الأمم المتحدة في التاريخ: مجاعة، كوليرا، أمراض قاتِلة، ومدن مُحاصَرة.

 

مايا رزق: لكن لماذا تَحْرق النار السودان؟ أهي لعنة الجغرافيا؟ أم لعنة الثروات؟ أم لعنة الجنرالات؟ أم أن السودان كان دائماً دولة تبحث عن هويّتها بين النور والنار؟

السودان أرض من نور ونار. اذهب أعمق، تفهم أكثر.

 

مايا رزق: أهلاً ومرحباً بكم، مشاهدينا الكرام. معنا الأكاديمي ومُستشار مركز إفريقيا للدراسات الدكتور ياسر يوسف إبراهيم. وينضمّ إلينا بعد قليل البروفيسور حسن الحاج علي، وهو أكاديمي مُختصّ بالعلوم السياسية.

أبدأ معك، دكتور، بعد الترحيب بك. كي نفهم السودان أكثر: مَن =يقرأ تاريخ السودان يلحظ وكأن الاقتتال بات جزءاً من الهوية السودانية.

لماذا السودان أرض حروب، وكأنها لا تنتهي؟ أهي لعنة الاستعمار؟ أم ربما أزمة هويّة؟

 

ياسر إبراهيم: شكراً جزيلاً لك وللسادة المشاهدين.

 

مايا رزق: أهلاً بك.

 

ياسر إبراهيم: صحيح، السودان ظلّ حتى ما قبل استقلاله في العام 1956 في حال حرب مستمرة. لا تهدأ وتسكت البنادق هنا إلا أن تتحرّك مجدّداً.

ظلّت الحرب الأهلية بين المكوّنات السودانية هي المشهد السائد في السياسة السودانية والتاريخ السوداني، كما ورد في المقدّمة.

بالتأكيد هنالك أسباب أساسية لهذه الحال التي ظلّ فيها السودان دائماً دولة تحت النار.

هناك أسباب داخلية وأسباب خارجية. مع أن الأسباب الخارجية أسباب قوية وحاضِرة، لكن أنا لا أفضّل دائماً أن نرمي بأخطائنا الداخلية على الخارج.

فلو لم يجد الخارج منفذاً إلى أخطائنا الداخلية وإلى تقصيرنا المحلّي، لما وجد طريقاً للتحريض والتعبئة السلبية ليتقاتل السودانيون.

السبب الأول والأساسي في تقديري الشخصي هو أن السودان في تكوينه الاجتماعي يظلّ دولة تبحث عن هويّتها منذ تشكّلها الأول وحتى تاريخنا الحاضر.

وظلّت الثنائيات القاتِلة تسيطر على البلاد: ما بين اتجاه عربي واتجاه إفريقي، وفي المجال السياسي والاجتماعي.

وكذلك جاء المُسْتَعْمِر الإنكليزي ليُعمّق من هذه الثنائيات المُتقاتلة في البلاد.

تمّ توظيف هذه الثنائيات الموجودة اجتماعياً – الباحِثة عن هويّة البلاد – تمّ توظيفها سياسياً لتكون وقوداً لخطاب الكراهية في البداية، ما بين الشمال الذي يغلب عليه الطابع العربي والإسلامي، وما بين الجنوب الذي يغلب عليه الطابع الإفريقي والمسيحي. فتقاتل الشمال والجنوب حتى انتهى بانفصال جنوب السودان في العام 2011.

لم تنتهِ قضايا الهويّة بانفصال جنوب السودان. لكن لنفهم هذه الحال، ينبغي أن نرجع إلى أن السودان نفسه كدولةٍ حديثة تشكّلت بعد العام 1821، حينما غزا محمد علي باشا السودان. كان السودان مجموعات مُتناثرة. محمد علي باشا وحّد هذه المجموعات المُتناثرة.

ومع أن التوحيد السياسي والإداري والهيكلي قد اكتمل للسودان حتى العام 1874، لكن ظلّت الهويّة التي تشكّل السودانيين والوجدان المشترك الذي يوحّدهم لم يتشكّل بعد.

ولذلك كانت قضية الهوية هي قضية أساسية حرّكت خطابات الكراهية، ووُظّفت قضية الهوية السياسية لتشعل الحروب.

هنالك عوامل خارجية طبعاً، بدأت من المُسْتَعْمِر الإنكليزي الذي فرض قوانين المناطق المقفولة ما بين الشمال والجنوب، وتمّ تحريض الجنوبيين وإفهامهم أن عدوّكم الأساسي هم الشماليون في شمال السودان.

وكذلك العوامل المُستأنفة بعد ذلك: قيام إسرائيل، ودخول السودان في محور المقاومة طويلاً، ومؤتمر الأطراف الثلاثة في الخرطوم الذي تمّت فيه المصالحة ما بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل.

إسرائيل تنبّهت لهذه البلاد، وظلّت تغذّي كذلك العوامل العنصرية والنعرات القبلية، بل وأمدّت المُتمرّدين بالسلاح في جنوب السودان حتى ينفصل، وفي دارفور لاحقاً. ولا تزال الآن – بتقديري الشخصي – هي حاضرة في المشهد بصورةٍ من الصوَر.

 

مايا رزق: سأتحدّث عن دور إسرائيل في المشهد السوداني.

ولكن، دكتور ياسر، أفهم منك أن هذه التعدّدية داخل السودان هي نوع من نقمة – إذا ما صحّ التعبير – في ما يخصّ ضياع هوية موحّدة للسودان.

أسألك عن حرب اليوم: برأيك، أهي حرب بين جنرالين كما يُعَنْوَن أو تُعَنْوِن الصحف العالمية، أم نتحدّث عما هو أعمق من ذلك بكثير ويعود بنا إلى الهوية السودانية نفسها؟

 

ياسر إبراهيم: حرب اليوم ليست حرباً بين جنرالين. هذه رواية تمّ تسويقها من بعض القوى السياسية الداعمة لمليشيا الدعم السريع.

حرب اليوم هي حرب شنّتها مليشيا الدعم السريع، كانت تريد في الخامس عشر من أبريل 2023 السيطرة على السلطة بالقوّة، وتنفيذ انقلاب خاطف والسيطرة على السلطة.

وحين فشل مخطّطها في ذلك اليوم، تحوّلت إلى الخطة "باء"، وهي شنّ حرب شاملة على السودان وعلى السودانيين. فاحتلّت ولاية الخرطوم التي أصلاً كانت هي، باعتبار أن حمديتي هو الرجل الثاني في السلطة، كان مكلّفاً بحراسة بعض المواقع السيادية وتمّ احتلالها.

وتمّ احتلال ولاية الجزيرة في وسط السودان، وولاية سنار، وكذلك ولايات دارفور الخمس، وبعض الولايات في إقليم كردفان.

الحرب التي تجري اليوم هي حرب شنّتها مليشيا الدعم السريع بهدف السيطرة على السلطة، مدعومة من بعض الدوائر الخارجية، ومدعومة كذلك من بعض القوى السياسية المُنبثقة عن الشارع السوداني التي لا تمثل أغلبية في الشارع السوداني. ولذلك تمّ تهجير الملايين من السودانيين، واحتلال منازلهم، وسرقة ممتلكاتهم، وارتكاب جرائم كبيرة جداً يَنْدى لها الجبين في كل ولايات السودان التي دخل فيها مليشيا الدعم السريع.

وبالتالي، رواية أن هذه حرب بين جنرالين يتنافسان على السلطة هذه ليست حقيقة. هذا جيش وطني تمّ الهجوم عليه، تمّ التمرّد عليه، وهو يدافع عن سيادة البلاد. والمواطنون السودانيون يكاد يكونوا بالإجماع يلتفّون خلف هذا الجيش اليوم لهزيمة مشروع المليشيا.

 

مايا رزق: بما أنك دكتور أتيت على ذِكر الفاتورة الإنسانية في ما يخصّ هذه الحرب اليوم، وهي بالمناسبة نتحدّث عن كارثة إنسانية ضخمة.

إذاً، مشاهدينا، مجاعة من صنع الإنسان – هكذا توصَف – أعتى أزمة إنسانية في تاريخنا الحديث: تدمير للمخازن، نهب للغذاء، حصار مناطق وأحياء، ضخّ سلاح بما يُطيل عُمر هذا الصراع.

حتى قبل أن يتجدّد هذا الصراع عام 2023، كان السودان – مشاهدينا – يعاني أزمة إنسانية حادّة خلّفت 15 مليوناً و800 ألف مواطن بحاجةٍ إلى مساعدات.

اليوم، بعد سنوات من الحرب، تدهور الوضع ليصبح عدد من يحتاجون إلى الدعم الإنساني 30 مليوناً و400 ألف شخص، أي أكثر من نصف سكان البلاد.

عدد الجِياع في السودان يفوق عدد مَن هم في بقيّة دول العالم مجتمعين.

80 في المئة من مناطق دارفور فوق عتبات الطوارئ.

بين المجاعة والقتال مشاهدينا، وأيضاً المجازر حركة نزوح هي الأكبر والأسرع في العالم.

وهنا مَكْمَن الخطورة: عدد النازحين داخلياً يُقدّر بعشرة ملايين ونصف المليون، بعضهم يُقتل في مسار البحث عن ملجأ.

في الفاشر وحدها، آلاف العائلات نزحت باتجاه بلدة طويلة المجاورة.

فرق الإغاثة الدولية رصدت وصول ما يزيد على 5000 شخص فقط، ما يعني أن نسبة كبيرة من النازحين تعرّضت للقتل خلال سعيها للأمان، أو هي مُحاصرة في نقاط ساخِنة.

ووسط هذا الصراع المُتفجّر في السودان، والعصيّ عن الحلول حتى الآن، في مناطق مختلفة، تعرّضت البنية التحتية لتدمير هائل، بما فيها النظام الصحّي.

أكثر من 70 في المئة من المستشفيات مُدمّرة، بعضها تحوّل إلى ثكناتٍ عسكريةٍ، ما يحرم الملايين من الوصول إلى الرعاية الصحية اللازمة، وسط انتشار الأوبئة.

وباء الكوليرا – الذي اعتبرنا أنه بات من القرن الماضي – أصاب في الفترة الماضية أكثر من 120 ألف شخص، وأودى بحياة 30 ألفاً.

وأمام الأزمة التراكُمية، هناك فجوة في التمويل. صندوق الأمم المتحدة للسكان ناشد الشهر الماضي للحصول على 145 مليوناً و700 ألف دولار أمريكي لبرامجه في السودان، ولم يستلم سوى 36 في المئة منها فقط.

خطّة الاستجابة الإنسانية التي تتطلّب نحو 4 مليارات و200 مليون دولار – كما يبدو هنا على الشاشة – جرى تمويل 28 في المئة منها حتى أواخر هذا العام.

صحيح أن عملية توصيل المساعدات تواجه مخاطر أمنية كبيرة، وهجمات على العاملين والقطاعات في الإمدادات، وتقييد الوصول إلى مناطق معيّنة. ذلك يتوازى مع قلّة الاستجابة الإنسانية والدولية لها.

ما يطرح السؤال: هل هي صعوبات تشغيلية أم قيود ومسألة إرادة سياسية خارجة عن جغرافيا البلاد؟

عن هذا الواقع وأكثر، سنسأل الأكاديمي المُختصّ بالعلوم السياسية البروفيسور حسن الحاج علي.

أهلاً ومرحباً بك، دكتور، في "اذهب أعمق" عبر شاشة الميادين.

الأرقام المتعلّقة بعدد القتلى في السودان وعدد النازحين – هذا العدد الكبير جداً غير المسبوق تاريخياً – يدفعنا إلى التساؤل: أهي مجرّد فاتورة متوقّعة لحرب أهلية عمرها سنتان في السودان، أم أنها عملية مُمَنْهَجة، ربما من أجل إحداث تغيير ديمغرافي معيّن، خطير في السودان؟

 

حسن الحاج علي: بداية، أودّ أن أشكر قناة الميادين على الاستضافة.

 

مايا رزق: أهلاً بك.

 

حسن الحاج علي: وتناول هذا الموضوع المهمّ، والذي لا يمسّ السودانيين فقط، ولكن حتى المشاهدين الكرام جميعاً.

وأقول إن الحرب الأهلية أو الحروب الأهلية ليست جديدة على السودان، وقضايا النزوح والقتل أيضاً ليست جديدة على السودان.

لكن الأمر الجديد في هذه الحرب هو الأعداد الكبيرة من الذين قُتِلوا، والأعداد الكبيرة من الذين هُجّروا قَصْراً من منازلهم ومن مناطق واسعة في السودان، لم تكن معهودة من قبل.

فهذا الأمر الجديد أدّى إلى التساؤلات وسط المُراقبين والباحثين: إن هذا أمر مُستجدّ، لم يُعْهَد من قبل في الحروب الأهلية السابقة في السودان، وهو أمر مقصود بذاته: استخدام العنف مقصود في ذاته لإخراج المواطنين قَصْراً من دورهم ومن منازلهم.

=ولذا نجد أن هناك أكثر من عشرة ملايين شخص قد اضطرّوا اضطراراً قَصْرياً للخروج من منازلهم. وهذا أدّى في بعض المناطق إلى إحلال بآخرين.

وجميعنا نتابع المرتزقة الذين استُخدموا وجُيء بهم إما من دول الجوار أو حتى من كولومبيا، وهي بعيدة.

 

مايا رزق: حتى إن الرئيس الكولومبي اعتذر عن هذا الموضوع.

 

حسن الحاج علي: الرئيس الكولومبي نعم اعتذر عن هذا الموضوع. لكن بالنهاية، المرتزقة موجودون ومشاركون في الحرب السودانية. وهذا العنف مقصود لذاته – بتقديري – لسببين: السبب الأول هو التغيير الديمغرافي الذي أُريد به استبدال شريحة من المواطنين بآخرين وفدوا من خارج البلاد. والسبب الثاني: إن استخدام العنف لإغواء المرتزقة الذين وفدوا من خارج البلاد لأخذ غنائم من هذه الحرب.

لذا نجد أن معظم المنازل التي تمّ احتلالها بواسطة مليشيا الدعم السريع قد تمّ نهبها – ليس فقط المنازل، حتى المرافق العامة مثل المستشفيات، المدارس – تمّ نهبها تماماً.

ليس هذا فقط، بل إنه تمّ نهب المتاحف المختلفة، بما فيها متحف السودان القومي الذي يضمّ إرث البلد وتاريخه وذاكِرته منذ 5000 عام – كانت موجودة – نُهِبَت أيضاً.

وبالتالي، هنالك خطّة مُمَنْهَجة لتفريغ البلد وتدميره من كل مُقوّماته الأساسية.

 

مايا رزق: لافِت ما تقوله، بروفيسور.

أيضاً اللافِت ما يحصل في السودان من تدمير للسجّل المدني: سجّلات الأملاك العقارية، سجّلات الأكاديمية.

ومن هنا أريد أن أسألك: هذا التغيير الديمغرافي أو هذا المحو التاريخي، وأيضاً المحو الديمغرافي، هو لمصلحة مَن؟

 

حسن الحاج علي: كما قلت، إن الأطراف المشاركة في هذه الحرب ليست أطرافاً محلية، ولا نستطيع أن نفهم القتال الذي يدور الآن في السودان من دون أن نضعه في إطاره الإقليمي والدولي.

هذا نزاع إقليمي، وفيه أطراف دولية متورّطة فيه. ولا يمكن أن نفصله عما يحدث في ليبيا، عما يحدث في اليمن، وعما يحدث في تشاد وفي منطقة الساحل الإفريقي. وهذه كلها مناطق مُترابطة في ما بينها.

لذا، أيّ تغييرات تطرأ – سواء كانت جغرافية أو اقتصادية – فهي مُترابطة بهذا الإقليم على امتداداته، سواء كان على امتداد الساحل الإفريقي أو على امتداد القرن الإفريقي وما بعد ذلك.

 

مايا رزق: يشاركنا أيضاً في هذا النقاش دكتور ياسر. أنت دائماً معنا.

هل للتهجير القسري الذي فُرض على السكان الأصليين في دارفور، وأيضاً في الخرطوم، صلة بمشروع التغيير الديمغرافي؟ وقبل قليل كنت تتحدّث عن دور إسرائيلي.

برأيك، هل من مصالح ربما إسرائيلية في هذا التغيير، وفي هذا السَحْق للأماكن في السودان؟

 

ياسر إبراهيم: الدور الإسرائيلي لم ينطفئ في السودان منذ سنوات طويلة ماضية. كانت إسرائيل حاضرة في جنوب السودان – وذلك باعترافها هي نفسها. بعد انفصال جنوب السودان، سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بإصدار بعض الوثائق، فصدر كتابان حينها. هذان الكتابان تحدّثا بالتفاصيل عما قام به الموساد في جنوب السودان حتى انفصل جنوب السودان.

وكذلك هناك محاضرة شهيرة قدّمها مدير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر في العام 2008، وتحدّث فيها عن استراتيجية إسرائيل في السودان في ما يخصّ دارفور. ذكر أن مشروع إسرائيل فيها هو استنساخ لما قامت به إسرائيل في جنوب السودان. وقال بالنصّ: "ملخّص الاستراتيجية الإسرائيلية في السودان هو: سودان هشّ ومجزّأ خير من سودان آمِن موحّد ومُستقلّ". وقال إن هذا البلد الكبير عاجلاً أو آجلاً سينتهي إلى التقسيم.

الآن، هي وجدت ضالّتها في مليشيا الدعم السريع، باعتبارها مليشيا وظيفية، وظّفت في هذا المشروع القديم – بوعيها أو بلا وعيها – وهي تنفّذ هذا المشروع.

الجزء الثاني: أصلاً هنالك مخطّط يقوده حمديتي وبعض دول الجوار في محاولة لتجميع بعض القبائل العربية الإفريقية في منطقة دارفور، وإفراغها من أهلها الأساسيين.

هذه الجرائم الكبيرة التي تتمّ، والقتل المجاني، وتهجير المواطنين – في جنينا وحدها، عاصمة ولاية غرب دارفور، يوم دخلها حميدتي – تمّ قتل 15 ألفاً من قبيلة المساليت. القتل على الهوية، وبصورة مُمَنْهجة.

هذا مقصود به إحلال ناس آخرين غير سودانيين بالسكان الأصليين في هذه المنطقة، وتنفيذ المخطّط القديم بتهجيرهم وتجميع كل القبائل العربية الموجودة في شتات الساحل والصحراء الإفريقية، تجميعهم في دارفور وإقامة دولة لهم.

حين احتلّوا الخرطوم وولاية الجزيرة وسنار – قبل أن يتمّ طردهم بواسطة الجيش السوداني – كان المشروع هو السيطرة على كل السودان وتنفيذ ذلك المشروع.

وحين فشلت السيطرة على العاصمة الخرطوم وهزيمة الدعم السريع فيها، حينها اتّجهوا إلى دارفور وتمّ التركيز لتنفيذ المشروع هناك.

لكن أقول: كما أُفشل المشروع في الخرطوم وولاية الجزيرة بوسط السودان، سيفشل المشروع في دارفور قريباً إن شاء الله.

 

مايا رزق: تفضّل بالبقاء معنا، دكتور ياسر يوسف إبراهيم. والدعوة أيضاً موجّهة لك، بروفيسور حسن الحاج علي. فاصل قصير، ونتابع "اذهب أعمق". ابقوا معنا.

 

مايا رزق: مجدّداً، أهلاً بكم مشاهدينا الكرام.

أهمية كبرى من ناحية الجغرافيا السياسية والتجارة الدولية تضاف إلى موارد طبيعية تجعل من السودان في قلب المطامِع الخارجية.

جغرافياً، يمثّل السودان حلقة وَصْل بين شمال إفريقيا ومنطقة حوض النيل وشرق إفريقيا، ما يمنحه بُعداً جيو-إقليمياً مهمّاً.

وهو أيضاً جسر استراتيجي بين إفريقيا وغرب آسيا، يمتدّ من حدود مصر شمالاً إلى حوض النيل في الجنوب، ويطلّ بساحل طويل على البحر الأحمر شرقاً.

وهو يقع إذاً على أحد أهمّ الممرّات البحرية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا – أتحدّث عن باب المندب – وبما يعني ذلك من قيمة استراتيجية في التجارة والمواصلات البحرية، والتحكّم في ممرّات الشحن والطاقة.

فضلاً عن قُربه من مضائق وممرّات حساسة مثل باب المندب وبحر العرب. ميناء بور سودان يُعدّ هنا المنفذ البحري الحيوي، وبوابة البلاد إلى البحر والعالم.

إلى موقعه، يعتبر السودان خزّاناً للموارد الطبيعية، منها الذهب والمعادن وبعض حقول النفط والغاز.

ومع انفصال جنوب السودان، أصبح الذهب يُعْرَف اليوم بـ"النفط الجديد".

البلاد تعدّ من كبار منتجي الذهب في إفريقيا، أنتجت في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام ما يُقدّر بـ53 طناً.

الذهب يمثّل نحو 70 في المئة من الصادرات.

الزراعة بدورها تعدّ من الركائز الأساسية للاقتصاد السوداني، وهي رافِعة اجتماعية للملايين.

الأراضي الزراعية الممتدّة على ضفاف النيل تجعل السودان من البلدان ذات الإمكانات الكبيرة في الأمن الغذائي، وتمنحه إمكانية أن يكون سلّة غذاء داخل إفريقيا.

أضف إلى ذلك تنوّع المناخ والتربة، ما يسمح بتنويع المحاصيل واكتساب مرونة اقتصادية إضافية.

أجدّد الترحيب بالأكاديمي المُختصّ في العلوم السياسية البروفيسور حسن الحاج علي، وأيضاً الأكاديمي ومُستشار مركز إفريقيا للدراسات الدكتور ياسر يوسف إبراهيم.

أهلاً ومرحباً بكما من جديد.

أذهب إليك، بروفيسور حسن. في مستهلّ الحلقة، كنت سألت دكتور ياسر إذا ما كان هذا الصِراع في السودان بين جنرالين. أجاب: لا. وحضرتك أيضاً أشرت إلى مثل هكذا قراءة لما يحصل في السودان. من الواضح بأن مَن يقتل في السودان هم السودانيون، ولكن المُتحاربين هم من الخارج – ربما في دول إقليمية وعالمية.

أنت تطلعنا أكثر: من هم هؤلاء؟ وماذا يريدون من السودان؟ ولماذا كلما قرأنا عن السودان حالياً وعن هذه الحرب، نقرأ "الذهب"؟

 

حسن الحاج علي: نعم، حقيقة هذه الحرب – كما أشرت أنا في بداية هذا الحديث – إنها حرب إقليمية. لا نستطيع أن نختزلها بحرب جنرالين. هذا ليس صحيحاً. هذه السرديّة ليست صحيحة.

لكي أوضح هذا، سأتناول أولاً الفاعلين العسكريين المُسلّحين الذين يعملون الآن في الحرب السودانية.

هنالك – إذا بدأنا بدول الجوار – نجد أن هنالك مرافق أُنشئت في دول الجوار المختلفة: ابتداءً من تشاد، وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان. والآن يجري إعداد معسكرات عسكرية للتدريب في إثيوبيا. وهنالك إمداد لوجستي يمرّ من الصومال – من الخليج العربي إلى الصومال، إلى ليبيا – إلى قوات الدعم السريع في السودان.

ولا يمكن لمليشيا بقُدرات محدودة أن تمتلك مُسيّرات ومُصفّحات ودبّابات، وأن تكون لديها القُدرة على أن تجلب مرتزقة من أمريكا اللاتينية، وأن تجلب مرتزقة من دول الجوار المختلفة الذين يريدون عائداً مالياً. فهذا – باختصار – يوضِح لنا الفاعلين الكُثُر المُنخرطين في الشأن السوداني.

هنالك تقارير الآن قدّمتها مراكز بحثية ومراكز إعلامية معروفة عن تورّط جهات إقليمية في الحرب السودانية الدائرة الآن. لماذا تنخرط هذه القوى الإقليمية في حرب السودان؟ هنالك أسباب مختلفة لهذا الانخراط.

نبدأ أولاً بالأسباب السياسية: فمنذ ما عُرِف بالربيع العربي، أصاب بعض دول المنطقة خوف وتوجّس من أن تمتدّ رياح التغيير لكي تُطيح ببعض الأنظمة الموجودة في المنطقة. وهذا شكّل هاجِساً إن أية محاولة للتغيير هذه غير مرحّب بها وغير مقبولة. وبالتالي، لا بدّ من العمل على إجهاض محاولات التغيير – إن كانت هذه المحاولات أن توقّف هذا.

السبب الثاني متعلّق بالموارد وسلاسل الإمداد وإدارة الموانئ. والسودان – كما أشرت – يقع في قلب منطقة جيوسياسية مهمّة تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وبالتالي موقعه مهمّ.

ليس ذلك فقط، بل إن السودان أيضاً يشكّل جسراً يمتدذ إلى منطقة الساحل الإفريقي ومنطقة إفريقيا بصورة عامة، وهي منطقة ذاخِرة بالموارد المختلفة.

هنالك الآن صِراع يدور حول المعادن الاستراتيجية أو المعادن الثمينة – كما يُقال – وهي موجودة في بعض دول الجوار، وفي السودان نفسه موجود جزء منها. لذا، هذا عامل آخر: هو العامل الاقتصادي، عامل الموارد.

وعامل ثالث متعلّق بقضايا الأمن الغذائي، ووفْرَة المياه، والأراضي الزراعية الموجودة في السودان – خاصة وأن قضية الأمن الغذائي أصبحت الآن من القضايا المهمّة التي تشغل بال العديد من قادة – ليس فقط دول الجوار والإقليم – لكن حتى عالمياً أصبحت من القضايا الملحّة.

هذا – بتقديري – عوامل ثلاثة تدفع ببعض القوى التي تريد أن يكون لديها أثر في تغيير التركيبة – ليس فقط السكانية – وأيضاً محاولة عمل هَنْدَسة سياسية فوقية لكي يتمّ تغيير الوجهة السياسية والتوجّه العام لعموم السودانيين.

 

مايا رزق: أسأل الدكتور ياسر عن هذا الأمر أيضاً.

من الواضح بأن اللاعبين كُثُر في السودان، ونتحدّث عن لاعبين كبار، أقوياء، متموّلين، ويموّلون ويسلّحون. والمطامع هي كثيرة، وبما أن الثروات في السودان كثيرة. أمام هذا الواقع، كيف يمكن أن نقيّم أو نقيس مِنْعة السودان في مواجهة كل هذه المخطّطات؟

 

ياسر إبراهيم: بالتأكيد، يواجه السودان اليوم هجمة شَرِسَة وكبيرة تستهدف موارده، وتستهدف تاريخه، وتستهدف وجود الدولة نفسها.

تكالُب إقليمي ودولي كبير جداً على السودان، وتقاطُع لأجندة تمظهر في الميدان، في العمليات الميدانية، والحرب نفسها في مستوى من مستوياتها هي تعبير عن هذا التكالُب الإقليمي والدولي، ومحاولة تغيير الخريطة السياسية والسكانية داخل السودان.

ولكن أقول إن هذا الاستهداف ليس جديداً على السودان. السودان منذ استقلاله ظلّ يواجه هذا الاستهداف من قوى مُتنوّعة وقوى مُتعدّدة.

صحيح أن المشروع هو مشروع واحد منذ استقلال السودان إلى اليوم، وهو مشروع إضعاف السودان، ومشروع ألا يعمل السودان على استغلال موارده وتنمية الدولة وبناء الإنسان السوداني، واستكمال بناء الهوية الوطنية الجامعة وبناء الدولة السودانية. هذا هو المشروع الكبير.

أحياناً يتغيّر الفاعلون فيه – الداخليون والخارجيون – نتيجة للتغييرات الإقليمية والدولية التي تحدث، لكن ظلّ المشروع ثابتاً، وهو إضعاف السودان. وإذا تمّ إضعافه، كذلك يمكن الانتقال إلى تقسيمه، بحسب الخطة الموضوعة والمُعلنة والمعروفة لكل الناس.

السودان واجه هذه الاستهدافات بقوّة منذ فترة طويلة: بُنية الدولة بُنية قوية، تماسُك الجيش السوداني نفسه عامل من عوامل مواجهة هذا الاستهداف، التفاف الشعب السوداني خلف الجيش بقوّة – وخاصة في هذه المرحلة التي يخوض فيها الجيش الوطني معركة الكرامة – كل هذه عوامل داخلية تعمل على مواجهة المُخطّطات الإقليمية والمُخطّطات الدولية.

رأينا في الفترة الأخيرة أن قيادة الجيش نفسها وقيادة مجلس السيادة الانتقالي تحدّثت بوضوح عن هذه المُخطّطات، وتحدّثت عن قوّة الدولة في مواجهة هذه المخطّطات، وعدم التنازُل عن وحدة السودان وسيادته وكرامته.

 

مايا رزق: هل تخشى، دكتور ياسر، وتقلق ربما من فكرة أن يتمّ تقسيم السودان مجدّداً؟

 

ياسر إبراهيم: هو بالتأكيد المُخطّط موجود ووارد، وهناك جهات تعمل عليه ليلاً ونهاراً.

برأيي الآن، تركيز حميدتي نفسه وتركيز داعميه على إقليم دارفور هو محاولة لضغط الدولة لكي تُذْعِن لحميدتي من أجل إحداث تسوية سياسية تعيد الدعم السريع إلى الواجهة السياسية والواجهة العسكرية.

إذا فشلوا في ذلك، فإنهم بالتأكيد سينتقلون إلى الخطّة "باء"، وهي محاولة فصل إقليم دارفور ليكون محطّة من محطّات إضعاف السودان بعد فصل جنوب السودان في العام 2011.

ولكن أقول: رغم هذه التحدّيات الكبيرة والاستهداف الكبير والخطر الكبير الذي يعيشه السودان الآن، لكني على المستوى الشخصي واثق من أننا كسودانيين قادرون على استعادة الدولة، وهزيمة التمرّد في إقليم دارفور وفي كردفان، واستعادة مسار بناء الدولة على أسُس وطنية سليمة.

 

مايا رزق: بروفيسور حسن، أعود إليك مجدّداً.

وهنا نسأل: بعد أن تحدّثنا عن الحرب، عن المستفيدين منها، وأجندة المقاتلين – أو مَن يُدير هؤلاء المقاتلين – أريد أن أسألك عن هذه الحرب وعن مصير هذه الحرب.

اسمح لي، يقول شارث سرينيفاسان – وهو الباحث الذي خصّص معظم سنوات حياته للبحث في قضية السودان – يقول في كتابه: "عندما يقتل السلام، السياسة". يقول: "السلام الذي تريده القوى الخارجية والوسطاء في السودان غالباً ما يتحوّل إلى سلام مُفْلِس، ومجرّد توزيع السلطة بين النُخَب المسلّحة أو الحركات المسلّحة".

هل تؤمنون بالمبادرات الخارجية، وأخيراً ربما هذه المبادرة التي أطلقها ترامب – بعدما قال بأنه لم يكن يعلم بأن الأمور سيّئة لهذه الدرجة في السودان – وهو قد استمع من وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان إلى سرديّته لما يحصل في السودان؟

 

حسن الحاج علي: دعيني في البدء أن أقول إن معظم السودانيين يريدون سلاماً في البلاد، ولا يريدون حرباً، لأنهم ذاقوا ويلات هذه الحرب.

لكن كل هؤلاء السودانيين يطرحون سؤالاً موضوعياً حول كيفية إقامة هذا السلام وتحقيقه على أرض الواقع. وخاصة أنه لدينا تجارب تاريخية في عمليات سلام مختلفة، بدأت منذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم اتفاقية =السلام الشامل في 2005، واتفاقيات أخرى عُقِدَت في بنجامينا وفي أبوجا ووساطات مختلفة. كل هذه الاتفاقيات لم تفلح في أن تحقّق وحدة أو سلاماً للسودان.

والسبب في ذلك أن هذه الاتفاقيات كان همّها الأساسي أن تصل إلى تسوية بين النُخَب الموجودة. وهذا هو المُرتكز الأساسي للدول الغربية في كل الصفقات التي يقومون بها – ليس في السودان فقط، لكن في كل مناطق النزاع.

هنالك افتراض على أن السبب الرئيسي وراء هذه النِزاعات هم نُخَب. وإذا ما تمّت ترضية هؤلاء النُخَب بإعطائهم جزءاً من الموارد الموجودة في البلدان المختلفة، فإنهم سيُذْعِنون ويوقفون القتال. لكن وضح أن هذه الفكرة بها خَلَل كبير، ولم تجلب سلاماً لا للسودان ولا للدول الأخرى التي انتهجت هذا النهج.

ماذا سيحدث في هذه الحال؟ المؤشّرات الآن تشير إلى أن حميدتي يتّجه بقوات المليشيا إلى أن يكون لديه وجود فاعل في دارفور. وهو يدرك أنه لن يستطيع أن يجلب اعترافاً أو شرعية من أية مؤسّسات إقليمية أو دولية.

لكنه يريد أن يفرض واقعاً في السودان – كما هنالك واقع موجود في ليبيا، كما هنالك واقع موجود في اليمن الجنوبي، كما هنالك واقع موجود في الصومال. وهذه كلها شبكات يقوم عليها كفيل واحد ومموّل واحد.

والهدف الأساسي في السودان – كما قال الدكتور ياسر – أن يستخدم هذا الوجود ليكون ورقة تفاوض تُعيد هذه المليشيا مرة أخرى إلى الواجهة السياسية – أن يكون لديها دور سياسي، وربما دور عسكري.

لذا، هو يطرح هذا الشعار: شعار الهدنة، لكن من دون أن تكون لديه نيّة للوصول إلى سلام. هذا التكتيك – الهدنة نفسها – هي مرحلة من مراحل الحرب، وليس الغرض منها الوصول إلى كفّ القتال وإغاثة المُحتاجين. هذا ليس هو الهدف. الهدف هو أن يكون هنالك وقف للقتال حتى يتمكّن هو من التزوّد بالسلاح، وإعادة تجميع قوّاته عبر الخطوط اللوجستية الموجودة في تشاد، والموجودة في ليبيا، وإفريقيا الوسطى. فهذا هو سبب الهدنة.

لذا، نجد أن شريحة كبيرة من السودانيين يرفضون أن يكون لهذه المليشيا دور سياسي أو عسكري في المستقبل. لماذا؟ كما أشرتِ أنت مطلع الحديث، أنه أكثر من عشرة ملايين من السودانيين تمّ تشريدهم قسراً من منازلهم. هؤلاء أصبح لديهم قضية شخصية ضدّ الدعم السريع، لأنه هو الذي أخرجهم من منازلهم، والذي نَهَب ممتلكاتهم، والذي قام بالاغتصاب، والذي قام بِنَهْب المرافق العامة. لذلك، هنالك الآن ضغوط شعبية على القيادة العسكرية والسياسية في البلاد ألا تقبل بأيّ دور للدعم السريع في المستقبل. وأية هدنة إنما هي تكتيك من ورائه هدف هو إعادة هذه المليشيا مجدّداً إلى الساحة السياسية.

 

مايا رزق: بما أننا نتحدّث عن الساحة السياسية – كما قلت، بروفيسور – وأيضاً السؤال موجّه لك، دكتور ياسر. يتحدّثون بأن ما يحصل الآن في السودان هو نتيجة عُمق سياسي ليس وليد اللحظة، بل هو لعقودٍ طويلة، وهو نتيجة وجود هذه العباءة العسكرية، وكأنها الوحيدة التي يمكن أن تغطّي هذه البلاد الشاسِعة في إفريقيا.

حضرتك كنت من رجال الدولة، وكنت وزيراً في حكومة في عهد عمر حسن البشير، وتدرك جيّداً – ربما – ما أتحدّث عنه عندما أتحدّث عن عُقْم في السياسة، وعدم وجود – إذا ما صحّ التوصيف – لأحزاب سياسية فاعلة وقادرة أن تفوق قوّة العسكر.

كيف يمكن أن تتم مُعالجة هذه المُعضلة؟ أم أنها مرض وباء أبدي مُصاب به السودان؟

 

ياسر إبراهيم: هنالك مشكلة مُزْمِنة وقديمة في الأداء السياسي للأحزاب.

الأحزاب التي ورثت السودان بعد ذهاب المُسْتَعْمِر، والأحزاب الحديثة التي جاءت بعدها – بتقديري الشخصي – كلها انتهت إلى الإنهاء التام نتيجة للخلافات السياسية الداخلية، ونتيجة للتطوّرات السياسية الداخلية. هذا ليس وقته، ولا يتّسع الوقت للحديث عن ذلك.

ولكن صَدَقَ المُفكّر السوداني أبو القاسم حاج حمد حين وصف الأحزاب السياسية السودانية، صبيحة الاستقلال، بأنها "وصلت مُنْهَكة إلى بوابات سرايا الحاكِم العام واستلمت الحُكم". فإذا كانت هذه الأحزاب مُنْهَكة في العام 56، فما بالها بعد 70 سنة – أكثر من 70 سنة من الاستقلال؟

أقول: صحيح أن هذه مسألة موجودة، لكن قضية الحرب الحالية هذه هي قضية انحراف الفترة الانتقالية التي كانت تحكم فيها قوى سياسية صغيرة مدعومة من الخارج، أرادت أن تستقوي ببندقية الدعم السريع، حرّضت تلك الفترة على هذه الحرب.

الأولويّة اليوم – بتقديري الشخصي – هي هزيمة مشروع المليشيا، واستعادة الدولة. ومن ثم يمكن النظر بكيفية إطلاق الأحزاب السياسية السودانية، وإعادة تأهيلها، وإطلاق حوار وطني سياسي سوداني يناقش كل هذه القضايا، ويستأنف الحياة المدنية، ونرى فيها دور الأحزاب، ومناقشة دور الجيش. كل هذا مقبول ومُتاح.

لكني أعتقد أن الأولويّة اليوم هي هزيمة مشروع المليشيا، ومواصلة القوى السياسية في التفافها خلف الجيش لدعمه حتى دَحْر وهزيمة مشروع المليشيا. من ثم يمكن النظر سياسياً فيما يمكن أن يكون عليه مستقبل الحكم في السودان.

 

مايا رزق: الحلّ عسكري هو قبل أن يكون سياسياً.

أريد أن أسألك: كيف تنظر إلى ما بات يسمّى بمبادرة ترامب للبحث عن حلّ في السودان؟

وأيضاً، الدول الأوروبية تتّجه إلى فرض عقوبات على كل من البرهان وحميدتي؟

 

ياسر إبراهيم: هنالك تحرّك خارجي كبير جداً في هذه الفترة الأخيرة تجاه السودان.

كانت هناك طبعاً مسألة الرُباعية الدولية التي تضمّ الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر، والإمارات، ووضعت خارطة طريق في أغسطس الماضي. السودان رفض هذه الخارطة لأنها تتدخّل في الشأن السوداني. ووصفها رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان بأنها "ورقة الإمارات" في مُخاطبته لكبار الضبّاط في الأسبوع الماضي، وجدّد رفض الحكومة السودانية لها.

أعتقد أنه بعد لقاء سموّ الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس ترامب، أنه عملياً تمّ تجاوز لهذه الورقة وللرُباعية نفسها.

دخول السعودية بهذه القوّة، وتصريحات الرئيس ترامب – أنا أعتقد أن هذه مرحلة جديدة من مراحل المحاولات الخارجية للتوسّط في هذه المسألة. وهذه مسألة مهمّة وجوهرية.

مجلس السيادة ومجلس الأمن والدفاع رحّبا بجهود المملكة العربية السعودية. ولكن حتى الآن، لا توجد تفاصيل حول التحرّكات المُزْمَع أن تكون بعد تصريحات الرئيس ترامب وتدخّل الأمير محمد بن سلمان.

ربما تتمّ العودة إلى منبر جدّة، الذي قام بعد الحرب مباشرة، وتمّ التوقيع فيه على إعلان جدّة في العام 2023 في مايو، والذي رأت المليشيا حينها بالتجمّع في مناطق معيّنة والخروج من الأعيان المدنية، لكنها لم تلتزم بذلك.

النقطة الأخيرة في هذه المسألة: أنا أريد أن أقول إن السودانيين ينبغي أن يعوا أن الحلّ بأيديهم، وأن هذه مشكلتهم، وأن الحلّ ينبغي أن يكون في الداخل. وأن المجتمع الدولي – الصديق وغيره – هم مساعدون في مسألة الوصول للحلول التي يرتضيها السودانيون.

 

مايا رزق: شكراً جزيلاً لك، دكتور ياسر يوسف إبراهيم، الأكاديمي ومُستشار مركز إفريقيا للدراسات، كنت معنا من إسطنبول.

الشكر أيضاً موصول لك، بروفيسور حسن الحاج علي، أكاديمي مُختصّ بالعلوم السياسية، كنت معنا من الدوحة.

كنت أريد أن أسألك: ما إذا كان التغيير في السودان لن يحصل إلا إذا تغيّر النظام الدولي، ولكن لم يسمح لنا الوقت. 

إلى هنا، مشاهدينا الكرام، نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة من "اذهب أعمق".