حكاية شهداء الصحافة اللبنانية

لم يكن لدى الصحافيين اللبنانيين سوى كاميراتهم، لكنها لم تحمهم من الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة والمقصودة. في 13 تشرين الأول 2023، رحل عصام عبدالله، وتبعته وجوه وأسماء أخرى، من بينهم فرح عمر، ربيع معماري، وحسين عقيل الذين استُهدفوا في 21 تشرين الثاني 2023، ثم غسان نجار، محمد رضا، ووسام قاسم بعد استهداف مقر إقامة الصحافيين في حاصبيا… أسماء صارت جزءًا من ذاكرة المهنة وجرحًا في ضمير الصحافة. مرّت عامان، وما زال السؤال نفسه يطرح نفسه: من يحمي من يروي؟ هذه الحكاية ليست عن الموت، بل عن الحياة التي تتركها الصورة خلفها… وعن وعد بأن تبقى الكلمة حرّة، وأن تُحفظ العدالة مهما طال الغياب.

نص الحلقة

 

في بلدةٍ صغيرةٍ على الحدود اللبنانية كان الصحافيون هناك لا يحملون شيئاً سوى كاميراتهم، لحظةٌ واحدة كانت كفيلة بتغيير كل شيء، دوّى الصاروخ وسقطت العَدَسة أرضاً. توالت بعد ذلك الاستهدافات الإسرائيلية للفِرَق الإعلامية في لبنان وتوالت بعد ذلك أيضاً الأسماء والوجوه، أسماءٌ صارت جُرحاً في ضمير الصحافة وجزءاً من تاريخ المهنة. عامان مرّا وما زال السؤال نفسه يُلاحقنا، مَن يحمي؟ مَن يروي؟ هذه ليست مجرّد حلقةٍ عن الشهداء بل هي محاولةٌ لأن تبقى الكلمة الحرّة ولأن تتحقّق العدالة مهما طال الغياب، وأن يكون هذا ما حدث.

 

هبة محمود: لقد دخلنا بيوتاً كثيرة لعوائل الشهداء ونرى صوَراً للشهداء ولكن هذه المرة الأولى التي أرى بها صورةً بهذا الحجم.

 

سنا أبي حيدر: هذه الصورة ذات رمزيّة كبيرة حيث يظهر في خلفيّتها الحِزام الناري على مرج الخيام، لقد التُقِطت هذه الصورة قبل ثلاثة أيام من استشهاده، وهي تُظْهِر بربريّة ووحشية الاحتلال وتؤكّد على مهنية غسان، كان يرتدي درعه ويُمسِك بكاميرته، كان واضحاً أنه صحافي وأن الاستهداف كان بغرض القتل.

هبة محمود: هذه الصورة تذكّرني به، غسان والكاميرا، ولكن أنتِ سنا كيف تتذكّرينه؟

سنا أبي حيدر: هو لا يفارِق ذِهني أبداً، أتذكّره في المنزل، أول تعارُف بيننا، أتذكّر حينما وُلِد طفلنا علي كيف تغيّرت حياتنا، كان شريكي وصديقي، كنا أصدقاء مُقرّبين جداً قبل الزواج. غسان كان مَرِحاً والابتسامة لا تفارق مُحيّاه، خفيف الظِل، كان كطفلٍ ضخم.

هبة محمود: هل تتحدّثين معه؟ 

سنا أبي حيدر: دائماً.

هبة محمود: ماذا تقولين له؟ 

سنا أبي حيدر: زوجي موجود معي وأتكلّم معه وأخبره بيوميّاتي، قبل استشهاد غسان كان يساعدني على تعلّم قيادة السيارات، بعد استشهاده أصبحتُ مُجبرةً على القيادة لقضاء حاجات إبني، في المرة الأولى التي قُدْتُ فيها السيارة وقع حادث، حينها نزلتُ بلا وعي من السيارة واتّصلتُ به، كنتُ أريد أن أخبره بذلك، كانت لحظةً قاسية ولكنني أشعر دائماً بأنه موجود معي لذا كان هو الشخص الأول الذي فكّرتُ بالاتصال به عند وقوع الحادث.

هبة محمود: اعتدنا أن الإعلامي هو الشخص الذي يقف أمام الكاميرا، ولكن بطبيعة الحال الجزء الأساسي من الفِرَق الإعلامية هم الذين يقفون خلف الكاميرا، ربّما لهذا السبب محمد رضا غير معروف ولكن أنتِ زوجته وجزء من عائلته. 

عبير ضاهر: محمد رضا إنسان وطني، يحبّ مهنته، هادئ، مُتروٍّ، يفكّر ملياًّ قبل القيام بأيّ عمل، شجاع، لم يكن يخشى الذهاب إلى الجنوب رغم الخطر، لقد رافق ربيع وفرح حين اعتُدي عليهما، وحينما كان عائداً ذات مرةٍ من الجنوب أطلق الاحتلال الرصاص عليه وكان هناك فيديو يوثّق هذا الأمر ولكنه تابع مُهمّته من دون خوف أو تردّد. 

هبة محمود: ألم تجعله هذه الاعتداءات يتراجع؟

عبير ضاهر: كلا لأنه كان مقتنعاً بما يقوم به، لم ألمس أيّ تردّد لديه بل كان يذهب إلى عمله مُرتاحاً، ولكنه في المرة الأخيرة أوصاني على بناتنا، طيلة سنة كاملة كان يذهب محمد إلى الجنوب لمدة أربعين يوماً ويأتي إلى المنزل لأسبوع أو إثنين ثم يذهب إلى الجنوب مجدّداً.

سنا أبي حيدر: قبل أن يذهب في مهمّته الأخيرة كان يُردّد دوماً أنا مكاني ليس هنا يجب أن أكون في الجنوب، أخبروه هاتفياً بضرورة الالتحاق بالعمل عند الساعة الثانية من اليوم التالي فطلب مني أن أجهّز أغراضه في الحال، كان مُتحمّساً جداً، أوصاني بنفسي وبعلي لأننا كنا في حال حرب وفي منطقة تعرّضت كثيراً للاستهداف. قال لي سيصبح لديكم شهيداً يشفع لكم، ضعوا لي صورة كبيرة وجميلة، حينما كنتُ أتّصل به خلال وجوده في الجنوب في المواقع المتقدّمة فكان يُمازحني ويقول لي تعالوا لنلعب ألعاب الهاتف، ويطمئنّ علينا، كان يقول لي نحن صحافيون ولن يستهدفونا، اتصّلتُ به للمرة الأخيرة عند الثانية بعد مُنتصف الليل قبل استشهاده بساعةٍ ونصف الساعة.

هبة محمود: كيف تلقّيتِ الخبر؟ 

سنا أبي حيدر: كان يُفترض أن يبدأ دوامي عند الخامسة فجراً، رنّ هاتفي قبل الساعة الرابعة وطلبوا مني التحدّث إلى أحد غيري، اختبرتُ وجعاً لم أشعر به قبلاً، وجع الروح، شعرتُ بأن غسان انسلخ عني. فجأةً شاهَد صورة أباه على التلفاز فَفَهِم أنه استشهد، لم يكن يُقرن الشهادة بالموت، كان صعباً جداً أن نشرح له أن أباه لن يعود. غسان كان يصوّر فيديو يومياً يتحدّث فيه إلى علي ويوصيه بأنه رجل البيت من بعده وأن انتبهوا لأنفسكم وأنا أحبّكم كثيراً. قلتُ له لماذا تُرسِل هذه المقاطع يومياً فيطلب مني أن أريها لعلي، أحسستُ وكأنه يودّع علي.

 

للميادين شهداء صحافة، وللبنان ككل قائمةٌ أطول من ضحايا الاستهدافات الإسرائيلية، ولكل اسمٍ منها حكايةٌ لم تكتمل.

أمام هذا الإرث المُثقل بالدم والواجب المهني كانت وجهتنا نحو نقابة المُحرّرين بيت الصحافيين وممثّلهم الشرعي.

هبة محمود: لنفهم أكثر آلية إحقاق العدالة لهؤلاء الصحافيين، أنتم تقومون كخطوةٍ أولى بالتوثيق، تنقلون هذا التوثيق لمنظّمات إنسانية وأممية، ثم المرحلة التالية كيف تكون بعد الاستنكار والإدانة والمواقف الإنسانية؟

 

جوزيف القصيفي: في الحقيقة أُرسلت كل الوثائق والمعلومات والمواقف وكل ما يتّصل بهذه الجرائم إلى اتحاد الدولة للصحافيين الذي بالشراكة مع النقابة الفلسطينية وبدعمٍ منا كنقابةٍ لبنانية بصورةٍ أساسية، نحن (شاركة) غير مباشرة معنيون فيها بصورةٍ أساسية. كل المعطيات أصبحت في عُهدة المحامي الذي قدّم الدعوى إلى المحكمة الدولية، هناك اتجاه جادّ كان للنظر فيها ولكن كما تعلمين اليوم قُضاة التحقيق لا يملكون الضمانة لأنفسهم، تعرفين أن المحكمة اتّخذت قراراً بإدانة نتنياهو. بحسب قراءتي فإن موازين القوى في العالم لا تسمح واقعياً باتخاذ إجراءاتٍ حاسِمة وحازِمة على الأرض لمنع الإفلات من العِقاب، ولكن هذه القرارات التي اتُّخذت والتي سوف تُتّخذ مهمّة جداً وهي قائمة وتنتظر أيّ ظرف تتبدّل فيه موازين القوى وتتعدّل فيه بعض المُعطيات لكي تأخذ سبيلها إلى التحقيق. 

 

بقي السؤال مُعلّقاً لا إجابة نظريةً أو فعليةً له، كيف تُصان حقوق ضحايا الصحافة لتتجاوز مرحلة الاستنكار والإدانة فحسب؟ كرّرت إسرائيل استهدافاتها وكرّرنا بدورنا سؤالنا المُلحّ، هذه المرة توجّهنا إلى نقيب المصوّرين الصحافيين، سألناه بوضوحٍ ما الذي تفعلونه اليوم لحماية المصوّر وضمان حقّه؟

 

علي علوش: قبل أن أجيبك على سؤال أين وصلت التحقيقات، قبل الحرب كنا نفترض أن الإنسانية في العالم وأن المؤسّسات الدولية على المحكّ، نحن واثقون اليوم أن إنسانية اليوم اهتزّت ولكن ليس بالشكل الذي كنا نتمنّاه والمؤسّسات الدولية سقطت. لا أريد أن أكون سوداوياً وعليّ أن أفعل ما يجب فعله، لن أقول =إنه ليست هناك نتيجة، كل مَن عَمِل واجتهد عافاه الله وهذا واجبنا جميعاً ولكنني لستُ موهوماً بأن ما عُمِل عليه حتى اليوم أدّى إلى إظهار الحقيقة وتحقيق العدالة. الأمل يجب أن يبقى موجوداً بقُدرةٍ خارِقة وليس بالمؤسّسات الدولية، الحِراك على مستوى الحكومة اللبنانية أو الدولة اللبنانية لم يكن بالشكل المطلوب. التقيتُ بوزير الإعلام السابق زياد مكاري والوزير الحالي  وناقشنا بعض القضايا، ولكن عملياً لا شيء يُذْكَر. 

 

هبة محمود: الحديث عن الدور الرسمي لمؤسّسات الدولة اللبنانية، هل تشعرون أن هناك تقصيراً من قِبلها أم أننا نستطيع القول إنه ليس بالإمكان أفضل مما كان؟

 

جوزيف القصيفي: تعاطٍ مناسباتي للأسف، كي أكون عادلاً فإن الظرف الذي حصل فيه الاستهداف الإسرائيلي كان في مرحلة فراغ، لن أضع اللّوم على الدولة لأنها كانت بوضعٍ غير سليم، كان هناك تقصير، كانت هناك مواقف لا بدّ من أن تُقال في مناسباتٍ كهذه ولكنها ظلّت في الحيّز النظري.

هبة محمود: هل قابلتم المُقرّر الأممي؟ 

سنا أبي حيدر: نعم واستغرب من عدم إجراء ِأي تحقيق معنا من قِبَل الدولة ولم يُسأل عن طبيعة عمل غسان رغم أنه كان عضواً في النقابة، لم يطرق بابنا أحد. أنا على تواصُلٍ دائم مع عوائل شهداء الصحافة وهؤلاء أيضاً لم يسأل عنهم أحد وكان الصمت الرسمي هو نفسه، لا أعرف كيفية تعامل مؤسّساتهم معهم ولكن مؤسّستنا احتضنتي أنا وابني، كانت المؤسّسة السقف الذي يحمينا، أما الآخرون لا أعرف كيف يجري التعاطي معهم، على الصعيد الرسمي لا توجد أية مبادرة.

حاول اتحاد الصحافيين والصحافيات وهو نقابة صحافة بديلة غير رسمية رفع مستوى العمل والخروج بما هو أكثر من الإدانات والاستسلام للواقع.

علي علوش: إسرائيل التي تعترف بقتلنا وبارتكاب الإجرام والتجويع بحقّ الأطفال في غزّة لن تؤثّر فيها البيانات والتحرّكات. نحن كنقابة قمنا بنشاطات ومراسلات من قِبَل متخصّصين في القانون الدولي، بالضغط للتوصّل إلى الحقيقة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والقضائية،  هذا الإجراء يجب أن تقوم به الدولة، الجميع يعرف أننا قمنا بنشاطات على جميع المستويات ولكن كل هذا لا يُعادل نقطة دمٍ لشهيد أو جريح.

عبير ضاهر: بعد مرور سنة كلّفت وزارة العدل القيام بدراسة الإجراءات القانونية التي يجب اتّخاذها من أجل الصحافيين، نحن نعتبرهذا القرار ضعيفاً وقد تمّ نتيجة الضغوطات والجهود التي قام بها مشكوراً اتحاد الصحافيين والصحافيات، وأعتقد أنه لولا الضغط لما اتّخذت الدولة هذا القرار.

 

علي علوش: بعض الجرحى عانوا في سبيل التداوي، هناك مَن استغرق علاجهم شهراً أو نصف شهر ليستطيعوا المشي، الدولة لم تقدّم لهم شيئاً ولا حتى مؤسّساتهم قدّرت الجهود التي بذلوها أو الوضع النفسي لهم، ولكن كانت هناك مؤسّسات جيّدة وقامت بواجباتها لأنه حين يذهب أحمد أو جمال إلى الجنوب يخشيان على أبنائهما مما ستحمله لهم الحياة، هذا وضع الصحافيين في لبنان وهذا ما قامت به المؤسّسات المحلية. 

سنا أبي حيدر: مطلبي هو ألا تضيع دماء غسان سُدى، نريد اعترافاً بالجريمة، هذه جريمة منصوص عليها في القوانين الدولية، الظلم وقع عليهم مرتين، مرة بقتلهم ومرة بالغدر بهم، علينا أن نستحصل على إدانةٍ دولية لهذه الجرائم، الإدانة لن تعيدهم إلينا ولكنها تُثبت الحق، لن نسكت عن حقنا أبداً، غسان كان مُتعاطفاً جداً مع غزّة، حين كان يرى أطفال غزّة كان يتمنّى لو بإمكانه أن يأتي بأطفال غزّة إلى منزلنا، مطلبنا فقط هو إدانة المجرم، ربّما هذا يُبرّد بعضاً من النار المُتقّدة بداخلنا.

عبير ضاهر: الهدف هو أن يُحاكَم العدو المجرم الذي ضرب بكل القوانين عرض الحائط، يجب أن يُحاكَم لمنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل. الكل مسؤول، الشعب مسؤول بالمطالبة، والدولة يجب أن تكون أكثر جُرأةً وسرعةً في التقدّم بالشكاوى.

علي علوش: أنا فخور بانتمائي إلى هؤلاء المصوّرين لأنهم قدّموا الكثير، فخور بانتمائي لمجموعةٍ من الأبطال، لم تُرهبهم الصواريخ، المصوّرون في الميادين أو غيرها لم يعارضوا الذهاب إلى الجنوب خوفاً.

 

هبة محمود: ماذا ترى في هذه الكاميرا؟ هدفاً؟ خطراً أم وسيلة توثيق وإظهار الحقيقة؟ 

 

علي علوش: للأسف هي هدف مُعلن من قِبَل العدو الإسرائيلي، لكنها في الحقيقة أصدق ما يُقال، أصدق ما قد يخرج ويتأرشف ويُوثَّق لحاضرنا وماضينا ومستقبلنا، الكاميرا لا تزوّر بل تنقل الحقيقة فقط.

جوزيف القصيفي: الصحافي أو الشهيد الحيّ الذي يذهب بملء إرادته إلى نقاط الخطر ويعلم بأنه قد يموت، يودّع أبناءه ربّما للمرة الأخيرة، هذه شهادة لا تُثمّن ولا تُقدّر، تحيّة إلى شهداء الصحافة اللبنانية لأنهم أهم منا وأكرم منا، وهل أعظم من أن تقدّمي حياتك فداءً لمهنتك ووطنك! 

يركض الصحافي نحو مصيره، خطوته واثقة، طريقه واضحة ورسالته حاضرة، أما الأثمان فهي غاليةٌ وحتى لو كانت غياباً في الجسد ستبقى حضوراً لا يزول في الروح.