من غزة إلى العالم… أين نقف في التحولات الاقتصادية؟

تتقدّم قضية الاقتصاد العربي ومستقبل نهوضه واجهة هذا النقاش في حلقة جديدة من برنامج "في الإمكان"، حيث نقرأ التحوّلات العميقة التي فرضتها حرب غزة، ونتناول انعكاساتها على التفكير الاقتصادي العربي وإمكانات استثمار اللحظة التاريخية لصياغة مشروع تنموي مستقل. فهل يمكن لإعادة إعمار غزة أن تتحوّل من مأساة إلى فرصة استراتيجية لبناء اقتصاد فلسطيني متحرّر من الهيمنة؟ وهل تمتلك الدول العربية الإرادة السياسية لتحويل مواردها الهائلة إلى قوة حقيقية تخدم المصالح القومية؟ في هذه الحلقة نسلّط الضوء على رؤية الباحث أحمد السيد النجار حول مستقبل التنمية العربية، ونناقش أفكاراً جريئة لإعمار غزة وتحرير الاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب قراءة معمّقة لتجارب النمو المستقل في العالم، وانعكاس التحوّلات الدولية على موقع العرب في الاقتصاد العالمي.

نص الحلقة

 

حمدين صباحي: تحيّة عربية طيّبة. 

الاقتصاد أساس النهضة الشاملة. هل تمتلك أمّتنا العربية القُدرة على مشروع نهضوي يستطيع اقتصادها أن يحمله إلى الآفاق التي نحلم بها كأمّة؟ وفي قلب هذه الأمّة الهدف الأسمى: تحرير فلسطين، والهمّ الأكبر: مُعاناة شعبنا الباسِل في فلسطين، وخصوصاً في غزّة. هل هناك مقوّمات لاقتصاد فلسطيني يُمكّن شعبنا أن يصمد؟ وأوّلها إعمار غزّة؟

فلسطين والأمّة العربية في قلب عالم موّار متفاعِل. هل ما يحدث في العالم الآن من تحوّلات اقتصادية يمكن أن يعين أمّتنا على مشروعها النهضوي؟ وهل يمكن أن تؤدّي إلى تأسيس نظام عالمي جديد متعدّد الأقطاب، أكثر عدالة وإنسانية، وتُعطِي فرصة لشعوب العالم الثالث أو الجنوب بنهوض يُحقّق كرامتها؟

هذه بعض أسئلة كبرى، كلها في الاقتصاد. وهي تحتاج إلى عقلٍ خبير. في هذا اللقاء، يُسعدني ويشرّفني أن يكون معنا واحد من العقول العربية النيّرة، الخبير الاقتصادي الأستاذ أحمد السيّد النجار، له إسهام مُتواصِل دؤوب مُتماسِك في رؤية اقتصادية جادّة واقعية نقدية ومُبشّرة لأوضاعنا الاقتصادية في الأمّة العربية.

أحمد السيّد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسّسة الأهرام، أسّس وترأّس تحرير "اتجاهات"، تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية، أصدر أكثر من 20 كتاباً وأكثر من 15 كرّاسة، وله أكثر من 3000 مقال في دوريات قيّمة. هو خبير بالمعنى الحقيقي، يمتلك عقلاً بارداً يتعامل مع أرقام الاقتصاد بواقعية وموضوعية، لكنه أيضاً يمتلك قلباً حارّاً يرتبط بأمّته، يعطي الولاء لمصر، لفلسطين، للعروبة، وللقِيَم الإنسانية، ويُدرك أن الاقتصاد ليس مجرّد حسابات وأرقام، إنها حياة الناس، هي العدل الاجتماعي، هي توفير بالتنمية فرصة حياة كريمة لكل امرأة ورجل في أمّتنا العربية، هي العدالة، هي الشفافية، هي القُدرة على أن نكسر ظهر الفساد الذي يستنزف مواردنا.

بهذا العقل البارد والقلب الحار، قَطَعَ أحمد السيّد النجار مسيرة مُشرّفة من الاجتهاد، وهو يتمتّع فوق عِلمه باستقامة أخلاقية ونزاهة تجعله من أكثر الأصوات التي أتمنّى أن تصل ليس إلى مسامعكم بل إلى عقولكم وقلوبكم.

أهلاً وسهلاً.

 

أحمد السيّد النجار: أهلاً بحضرتك، وشكراً على المقدّمة، وأتمنّى أن أكون استحقّها.

 

حمدين صباحي: تستحقّها. دعنا نبدأ من فلسطين، من حيث قلوب كل العرب تتّجه إلى غزّة. غزّة: حُطام بعد حرب الإبادة. ما رؤيتك لسؤال الإعمار؟

 

أحمد السيّد النجار: الحقيقة، الإعمار فيه جوانب متعدّدة. الجزء الأول: أنا لديّ قطاع تحوّل إلى عبارة عن أكوام من الرُكام. ماذا سأفعل في هذا الرُكام الذي يُقدَّر بـ50 إلى 70 مليون طن؟ الحقيقة أنه يقفز للذِهن مباشرة تجربة هولندا في ردم البحر. لأنه لو بحثت عن مكان لأضع فيه هذا الرُكام، أنا سأشوّه جغرافيا القطاع، التي هي الجزء اليابِس الخاص بالقطاع، وهي صغيرة جداً: 365 كيلومتراً مربعاً.

لكن لو استخدمتها في ردم البحر وتوسيع جغرافيا القطاع، ممكن أن أضيف من 30 إلى 40 في المئة من مساحة القطاع من خلال استخدام هذا الرُكام. استخدام عملي، واستخدام أيضاً فيه حسّ استراتيجي: أنت تبني أو توسّع مساحة هذا القطاع من خلال ما هدمه الكيان الصهيوني، ما هدمته قوات الاحتلال، أنا أوسّع القطاع.

ففكرة الردم في الحقيقة ممكن أن تضيف لمساحة القطاع، وتتخلّص من الرُكام من دون أن تؤذي الجزء اليابس المحدود جداً.

السؤال الثاني أو الفكرة الثانية هي: مَن يموّل هذه العملية لإعادة الإعمار بالنسبة للقطاع؟

الحقيقة، لا بدّ من اللحظة الأولى رفع دعاوى فردية ورسمية ضدّ الكيان الصهيوني، لإجباره على دفع تعويض عن كل ما هدمه من مبانٍ مدنية، منشآت عامة مدنية، كمستشفيات، مدارس، أو غيره، وأيضاً عن كل مَن قتله من مدنيين.

ولدينا نموذج في الحرب العالمية الثانية: الكيان الصهيوني ادّعى أنه يمثّل كل اليهود، بغضّ النظر إن كانوا روساً أو بولنديين أو فرنسيين أو أين ما كانوا، وحصل من ألمانيا على تعويضات في اتفاق أبْرِم في بروكسل سنة 1953، ودفعت ألمانيا تعويضاً، وفقاً لوزير الخارجية الألماني في سنة 1996، وصلت المدفوعات الألمانية إلى 60 مليار دولار.

 

حمدين صباحي: نحن ممكن، وبناءً على الخِبرة التاريخية، أنه عامِلوا غزّة كما عاملتم أنفسكم؟

 

أحمد السيّد النجار: كما عومِلتم من ألمانيا.

 

حمدين صباحي: وشاهدوا معدّل كل ضحية من ضحايا النازي على كمّ حصل من الدولارات، واحسبوا عدد ضحايانا، واحتسبوا نفس الرقم؟

 

أحمد السيّد النجار: بدولار الوقت الحالي، لأنه دولار الخمسينات والستينات يساوي عشرات أمثال الدولار الحالي.

 

حمدين صباحي: وهذه حِسبة عادلة.

 

أحمد السيّد النجار: بالضبط. والتعويضات مستمرّة بالمناسبة حتى سنة 2030. عند سنة 2030 تكتمل وتفوق مئة مليار دولار التعويضات الألمانية، غير أنها بنت البنية الأساسية للكيان الصهيوني، أعطته أسطولاً تجارياً – الأسطول البحري التجاري – وهذا أيضاً كان من عندهم، إلى الكهرباء والماء، وكل البنية الأساسية التي شُيّدت.

 

حمدين صباحي: بالإضافة إلى حقّنا في التعويض، وأهمية مُلاحقة الكيان على جريمته بحيث يدفع ثمنها، كنت طرحت، أستاذ أحمد، في المؤتمر القومي الفائت فكرة تأسيس صندوق لإعمار غزّة، وأحد موارده الهامة كان دولاراً واحداً من ثمن كل برميل نفط عربي.

هل هذا كافٍ بالنسبة لغزّة؟ وهل تقدّم هذا الطرح على الأرض أو وجد سبيلاً للنور؟

 

أحمد السيّد النجار: الحقيقة، المؤتمر القومي العربي في الحقيقة قام بدور مُحترَم جداً بأن تبنّى الفكرة، وطُرِحت على الدول العربية.

الموضوع لاستجابة النظم السياسية العربية، الحقيقة أنه كما حدث أثناء حرب الإبادة على غزّة، لم تكن هناك في الحقيقة مواقف قوية من الدول العربية. نتمنّى، بعدما انتهت أو توقّفت على الأقل ونأمل أن يستمر هذا التوقّف لهذه الحرب الإجرامية، أن يكون في تعويض عن المواقف المُتخاذِلة، عن خُذلان الشعب الفلسطيني أثناء حرب الإبادة، بأن يكون هناك هذا الإسهام المحدود جداً: مجرّد دولار واحد عن كل برميل من صادرات النفط العربية، أن ينطلق ويكون مستمراً: صندوق دائم لأنماء وإعمار فلسطين. هذا يؤمّن حوالى 7 مليارات دولار سنوياً.

 

حمدين صباحي: 7 مليارات دولار؟

 

أحمد السيّد النجار: 7 مليارات دولار سنوياً. لو اقتطع دولار واحد عن كل برميل من صادرات النفط أو ما يُكافئ البرميل من صادرات الغاز، هذا يؤمّن كتلة مالية صُلبة يمكن الاستناد إليها في عملية إعادة الإعمار، وفي الإنماء بشكل دائم، وفي الحفاظ على الحقوق الفلسطينية بشكلٍ أو بآخر: إعانة العائلات الفقيرة، كل مَن يريد أو مضطرّ لبيع أية أرض، مضطر أن يبيع أيّ منزل، يتمّ الشراء – حتى في فلسطين 48 – يتمّ الشراء من الصندوق، ويقدّم أو يُوظّف بشكلٍ أو بآخر عربياً، بحيث تبقى الملكيات العربية عربية.

 

حمدين صباحي: ما تقييمك لحال الاقتصاد الفلسطيني، بغضّ النظر عن غزّة: غزّة والضفة والقدس؟

 

أحمد السيّد النجار: هو اقتصاد أسير.

 

حمدين صباحي: اقتصاد أسير؟

 

أحمد السيد النجار: أسير.

 

حمدين صباحي: أعتقد أن هذا عنوان كتابك؟

 

أحمد السيّد النجار: "الاقتصاد الصهيوني الغاصِب والاقتصاد الفلسطيني الأسير".

لأن الاقتصاد أسير ليس فقط بعد =تأسيس الكيان الصهيوني، من قبل، وأثناء الاحتلال البريطاني أو الانتداب البريطاني على فلسطين، كان في تقييد لتطوّر أو نمو الاقتصاد الفلسطيني، مقابل فتح كل الطرق أمام مجموعات الصهاينة التي وفدت لفلسطين.

عدد اليهود كان أقلّ من 2 في المئة قبل بدء موجات الهجرة، أو موجات كانت بنوايا الاغتصاب. لم تكن الأمور واضحة في البداية بالنسبة حتى للشعب الفلسطيني، لكن عندما اتّضحت وبدأت المقاومة في ثلاثينيات القرن الماضي، كان الانتداب البريطاني قوياً وقاهِراً للشعب الفلسطيني، مُناصِراً لمشروع الاقتصاد الذي كان ضلعاً أساسياً فيه ووعد بلفور، وأيضاً بكل التسهيلات التي قدّموها، والأراضي التي منحوها للصهاينة... الخ.

هنا الحقيقة، بالنسبة للشعب الفلسطيني، الشعب الفلسطيني من ناحية الاقتصاد الخاص به فعلياً واقع تحت الأسْر. وبالتالي، أيّ حديث عن تنمية أو تطوير فلسطين، وما زال الاحتلال قائماً، هو ما يسمّى "اقتصاد الضرورة"، وليس الاقتصاد المستقل والقادر على أن تفتح له آفاقاً أوسع كثيراً.

هو اقتصاد الضرورة، لأنه ببساطة، إذا بنيت استثمارات ضخمة وعملاقة يحتاجها الشعب الفلسطيني، أسهل أمر في أية حرب، وفي أيّ عدوان، سيحطّمها.

لكن لو قمت بمشروعات صغيرة ومتوسّطة، وبدل من محطّات الطاقة العملاقة، محطّات طاقة شمسية في كل مكان، ستكون هناك بدائل لها علاقة باقتصاد الضرورة، والأكثر مِنعة في ظلّ عدو إجرامي لا يتوّرع عن فعل أيّ شيء: دمّر مستشفيات، دمّر مدارس، دمّر محطات طاقة، دمّر كل منشآت مدنية.

ففكرة بناء اقتصاد الضرورة هي الأساس في ما يتعلّق بإعادة الإعمار، وأيضاً وضع الاقتصاد الفلسطيني الحالي: العملة التي يتمّ التعامُل بها هي العملة الصهيونية.

 

حمدين صباحي: الصهيونية صحيح.

 

أحمد السيد النجار: الأمر الآخر أنه تحت الاحتلال، المصدر الرئيسي للسِلع لفلسطين المحتلّة عام 67 هو الكيان الصهيوني.

 

حمدين صباحي: اقتصاد أسير لأنه اقتصاد واقع تحت هيمنة الاقتصاد المحتلّ؟

 

أحمد السيد النجار: وبالإجبار.

 

حمدين صباحي: ويمرّ عبر منافذه، وبعملته، وبأجهزته، وبكل ما يفرض عليه هذا المحتلّ.

ربما هذا يوسّع الدائرة قليلاً من فلسطين لأمّتها. وما حال الاقتصاد العربي؟

نحن دائماً كنا نقول: إذا كنا نريد الانتصار في هذا الصراع التاريخي بين الأمّة العربية وإسرائيل، وأن نحرّر فلسطين – وهذا حقّنا وواجبنا – فهذا رهن بنهوض عربي عام وبناء قوّة، لأن هذه مواجهة حضارية، ليس فقط بالسلاح، بكل عناصر النهوض، والاقتصاد هو عمود الخيمة في هذا النهوض.

هل الاقتصاد العربي كفؤ لأن يحمل مشروع النهوض العربي، أو مشروع نهضة عربية؟

 

أحمد السيّد النجار: للأسف، نعم. وأقول للأسف لأنه لا يتحقّق، رغم أن كل المقوّمات قائمة.

بالمناسبة، نحن الناتِج المحلّي الإجمالي العربي للعالم العربي هو سابع أكبر قوّة اقتصادية لو قيس الناتج المحلّي الإجمالي بسعر الصرف. وهذا ليس حقيقياً. الناتِج الحقيقي هو الناتِج بتعادُل القوى الشرائية.

 

حمدين صباحي: ممكن أن تشرح لنا الفارق بين سعر الصرف وتعادُل القوّة الشرائية؟

 

أحمد السيّد النجار: أحياناً أسعار صرف العملات تكون مُقدّرة بأقل من قيمتها الحقيقية أو بأعلى من قيمتها الحقيقية، أين كان.

أما ناتِج تعادل القوّة الشرائية، ببساطة: الناتِج، نأخذ نموذجاً عالمياً واضحاً جداً: الصين.

الناتِج وفقاً لسعر الصرف: 18 فاصل 2 تريليون دولار.

لكن نفس السِلع والخدمات التي قيمتها 18 و2 من عشرة تريليون دولار في الصين، لو أردت الحصول عليها في الولايات المتحدة الأمريكية، ستدفع 38 و2 من عشرة تريليون دولار للحصول عليها.

هذا ناتِج القوّة الشرائية هو القدرة الشرائية.

 

حمدين صباحي: القدرة الشرائية.

 

أحمد السيّد النجار: القدرة الشرائية لهذا الناتج الإسمي من السلع والخدمات. وبالتالي، هو الناتِج الحقيقي.

فالناتِج الحقيقي العربي حوالى 8 و3 من عشرة تريليون دولار، ونأتي في المرتبة الرابعة عالمياً: الصين، الولايات المتحدة، الهند، العالم العربي، وتليهم روسيا.

 

حمدين صباحي: نحن قبل روسيا؟

 

أحمد السيد النجار: قبل روسيا. العالم العربي مجتمعاً.

 

حمدين صباحي: قبل روسيا لو العالم العربي مجتمع؟

 

أحمد السيّد النجار: لو العالم العربي مجتمع.

وبالتالي، من ناحية الناتِج المحلّي الإجمالي العربي هو ضخم، ولكنه مُفكّك، بمعنى أن كل دولة وحدها.

فالمشكلة في هذه الحال أن هذه العناصر للقوّة الاقتصادية العربية غير مُتجمّعة، ولا يتمّ تجميعها، وغير مُتكامِلة.

تكامُل الاقتصاد العربي: بناء مشروعات تكامُلية وليس مشروعات تنافُسية، ربط سلاسل الإنتاج في البلدان العربية، بدلاً من ارتباطها بالمراكز الغربية أو المراكز الآسيوية أو غيره، يفرق كثيراً من مسألة تجميع عناصر القوّة الاقتصادية العربية.

الأمر الآخر أن نكفّ عن فكرة الرغبة في احتكار هيكل القوّة الاقتصادية في العالم العربي.

لو تطوّرت السعودية ومصر والعراق وسوريا والمغرب والجزائر، سيكون في مصلحة الجميع. الأمر في مصلحة الجميع.

تصوّر أنه لو نَمَت أو تطوّرت دولة، ستكون في الإقليم أقوى من الآخرين، ستتغيّر على الآخرين.

تصوّر في الحقيقة عفا عليه الزمن فكرة إقامة علاقات قائمة على تبادُل المنافِع، وعلى تكامُل المنافِع، في الحقيقة يملك الوطن العربي إمكانات هائلة فيها.

ولديه ميزة أن القُرب أو التلاصُق الجغرافي يخلق ميزة استثنائية هي نفقات النقل والتأمين على حركة البضائع والأشخاص وكل ما له علاقة بالعلاقات الاقتصادية: صفر في بعض الأحيان، مُنخفضة جداً في أحيان أخرى، مُقارنة بالعلاقات مع أية منطقة أخرى في العالم. لدينا أيضاً إمكانيات زراعية، صناعية، خدمية. من ناحية أخرى، لدينا إمكانيات بشرية، وهذه أكثر الإمكانيات التي لا تستغلّ أو يُساء استغلالها. إنه عندنا، وفقاً للبيانات الرسمية، أعلى معدّل بطالة في العالم: 12 و2 من عشرة في المئة من قوّة العمل العربية. لكن هذا غير حقيقي. معدّل البطالة في العالم العربي لا يقلّ عن ضعف هذا الرقم.

 

حمدين صباحي: الحقيقي؟

 

أحمد السيّد النجار: نعم. لكن الحكومات والأجهزة الإحصائية عادة تنزع إلى أنها تجمّل الوضع بأن تخفض معدّل البطالة. لكن حتى في معدّل البطالة المُعلن رسمياً، هو الأعلى عالمياً.

وبالتالي، أهم عنصر من عناصر الإنتاج وهو عنصر العمل القادِر على مدّ كل العناصر الإنتاجية الأخرى وخلق قيمة مُضافة وناتِج في الحقيقة مُعطّل.

وهناك أمر إسمه "نافذة الفرصة الديمغرافية".

 

حمدين صباحي: نافذة الفرصة الديمغرافية؟

 

أحمد السيّد النجار: ما هي؟

 

حمدين صباحي: بالنسبة للسكان؟

 

أحمد السيّد النجار: بالنسبة للسكان: عندما تكون الكتلة الأساسية من السكان في الفئة العُمرية من 15 إلى 65 – وهي المُنتجة، ويكون فيها البشر بمرحلة الإنتاج – عندما تكون الكتلة الأساسية من السكان من هذه الفئة، هذه تعطي الدولة أو مجموعة الدول التي فيها هذا الوضع إمكانية على الاعتماد على قوّة عمل ضخمة جداً في الإنتاج.

بعد ذلك، ما الذي يحصل؟ يرتفع عدد السكان الذين يتجاوزون 65 سنة، مع تقدّم الطب وانخفاض معدّل الوفيات... الخ، وتبدأ تفقد نافذة الفرصة الديمغرافية.

كل الدول التي حقّقت نهضة اقتصادية كبرى حقّقتها في الفترة التي كانت كتلة السكان الرئيسية فيها في الفئة المُنتجة من 15 إلى 65.

العالم العربي حالياً: 65 شخصاً من عشرة بالمئة من عدد السكان في هذه الفئة العُمرية.

 

حمدين صباحي: إذاً، نحن أمام هذه الفرصة عربياً؟

 

أحمد السيّد النجار: لكنها لا تستمر طويلاً. النافذة تُغْلَق بعدما تتحوّل نسبة أكبر من السكان إلى نسبة كبيرة فوق 65، بسبب تقدّم الرعاية الصحية وغيرها، ويرتفع معدّل الأعمار، وتكون هناك كتلة كبيرة تتجاوز 65 سنة، وهذه فئة خارج الإنتاج.

نحن الحقيقة، هذه النافذة قبل أن تُغْلَق ينبغي أن نوظّفها.

 

حمدين صباحي: مَن يعلّق الجرس برقبة القط؟

بين مَن يقول مواردنا – بتعبيرك – ازدادت. للأسف، بإمكان مواردنا أن نقوم بنهضة كبرى اقتصادياً، ونحن أمام فرصة سكانياً: إن الشريحة الفاعلة في سوق العمل هي الأكبر. فما الذي تفعله الأمّة؟

أنت رجل خبير ومجرّب ومضطلع على البيئة السياسية الحاكِمة لأمّتنا.

 

أحمد السيّد النجار: الحقيقة أن الفكرة الاقتصادية لدينا، الإعلام: الدكتور محمود الإمام، الدكتور لبيب شقير، الدكتور إسماعيل صبري عبد الله، كثيرون، أعداد كثيرة حتى لا أنسى أحداً: الدكتور عبد الخالق، والدكتور إبراهيم العسوي... الخ.

أعداد من المفكّرين، بطول العالم العربي وعرضه، قدّموا كل ما له علاقة بفكرة التكامُل في بناء اقتصادات تكاملية في الوطن العربي.

وحتى في مركز دراسات الوحدة العربية كان عمل سلسلة لها علاقة بالمستقبلات البديلة بالنسبة للبلدان العربية.

 

حمدين صباحي: مشروع اتفاق المستقبل؟

 

أحمد السيّد النجار: بالضبط. كان فيه جزء منه متعلّق بمسألة النتائج التي ممكن أن تتمتّع بها البلدان العربية لو حدث بالفعل هذا البناء التكامُلي للاقتصادات العربية.

إذاً، الأمر متوقّف ليس غياب الأفكار أبداً – لا في جيل الروّاد ولا في الجيل الحالي – لكن أصلاً في مسألة النُخَب السياسية الحاكِمة.

هل لديها الإرادة السياسية لبناء هذا التكامُل؟ هل لديها الإرادة السياسية حتى لبناء النهوض الداخلي، بناءً على نموذج التنمية المستقلّة، الذي هو الوحيد الذي صنع اقتصادات لها قيمة في العالم؟

حتى في السياسي: أمريكا اللاتينية وغيره، في الحقيقة هذا هو النموذج الذي بنى الاقتصادات الحقيقية.

لو نظرت لتجربة البرازيل مثلاً قبل لولا دا سيلفا، كان فيها مشكلة ضخمة جداً في البرازيل لوقت طويل بسبب سوء توزيع الدخل، اعتماد النموذج الخاص بصندوق النقد الدولي.

حصلت تحوّلات جوهرية، لمجرّد بعض العدالة – وليست كل العدالة، العدالة نسبية ومحدودة – لن أقول لك إنها عتبة كبيرة – هذا ما استطاع فعله في فترة رئاسته الأولى – مكّنت البرازيل من القيام بنقلة في الاقتصاد، بمجرّد بعض العدالة الاجتماعية.

لأنه كلما ترتفع حصّة الشرائح الدنيا من الدخل – وليس لديها طرف الادّخار في الحياة – تحوّله لطلب فعّال على السِلع والخدمات.

طلب فعّال على السِلع والخدمات يحفّز الدول أو المستثمرين على إنشاء مشروعات جديدة، توظيف عاملين جُدُد، يأخذون دخولاً جديدة، يتحوّل لطلب فعّال على السِلع والخدمات، تخلق ما نسمّيه في عِلم الاقتصاد "مضاعف الاستثمار"، وهو المحرّك الأساسي لأية دورة نمو وإدخال اقتصادي طويلة الأجل أو مُستدام.

هنا، الدول العربية – النُخَب السياسية الحاكمة والإدارات الاقتصادية في البلدان العربية – الموضوع متوقّف حالياً: هل =تتبع نموذج صندوق النقد الدولي الذي لم يثمر إلا ديوناً ومشاكل اقتصادية؟ أو تتبع نموذجاً تنموياً للتنمية المستقلة في البلدان العربية يقيم نهضة حقيقية؟

 

حمدين صباحي: تنمية مستقلّة.

الحقيقة، ما ذكرته عن نموذج البرازيل (لولا دا سيلفا) مُلهم وموحي ومُؤاتٍ جداً لنقول: نحن قادرون على تحقيقه.

الخلاصة التي ذكرتها، أستاذ أحمد: في الأمّة العربية الموارد كافية، الأفكار والبرامج والبدائل التي أنتجتها النُخَب جاهزة وكفؤة.

مشكلتنا في غياب الإرادة السياسية أو القرار السياسي.

 

أحمد السيّد النجار: بالضبط.

 

حمدين صباحي: سنذهب إلى فاصل ونعود. شكراً جزيلاً.

 

حمدين صباحي: ما أنجزته البرازيل يفتح عيوننا على تجارب هائلة للتنمية في العالم في ظروف متعثرة كثيراً؟

 

أحمد السيّد النجار: صحيح. الدول العربية أيضاً جزء منها لديه فائض ضخم جداً، فوائض مُوظّفة في الخارج، في الغرب ==بشكل أساسي، وبعضها في الدول الآسيوية ودول العالم.

لو كانت هناك بالفعل نظرة لها علاقة بأن المًحرّك الأساسي لنمو وتطوّر أيّ اقتصاد هو الاستثمارات الجديدة – الاستثمارات الجديدة لأنها التي تضيف إنتاجاً جديداً، إضافة للاستثمارات القائمة – لو قمت بأية تطويرات فيها أو رفع كفاءتها أو زيادة الإنتاج فيها – فأيضاً تضيف للإنتاج.

لكن العامل الأساسي لتطوّر أيّ اقتصاد هو الاستثمارات الجديدة.

وبالتالي، لو جزء من هذه الفوائض – ولا أتحدّث عن كل الفوائض العربية – توجّه للاستثمار في البلدان العربية على قاعدة تبادُل المصالح – ليس فعلاً خيرياً – يعني بالفعل يمكن أن يؤدّي إلى نقلة جبّارة في الاقتصادات العربية. معدّل الاستثمار العالمي حوالى 26 و6 من عشرة بالمئة. معدّل الاستثمار في بعض البلدان مُتدنٍّ للغاية. وحتى البلدان التي فيها معدّل الاستثمار مُرتفع، معدّل الاستثمار ليس في القطاعات الإنتاجية. فهنا مهمّ جدّاً أن يتمّ هذا التكامُل بين دول الفائض ودول العجز في ما يتعلّق بالاستثمارات.

الأمر الثاني: العالم العربي عليه ديون حوالى 620 مليار دولار – دول مدينة. طبعاً، أكبر دولة مدينة هي مصر. فالسعودية – ولكن السعودية يمكنها السَداد في لحظةٍ لو أرادت – عندها مئة مليار دولار ديون، لكنها لديها فوائض ضخمة واحتياطي ضخم. هي لأن السوق العالمية كانت تُتيح قروضاً بأسعار فائدة مُنخفضة.

هذه في دول أخرى: كـلبنان، والسودان، وتونس، والمغرب – هذه الدول الأكثر مديونية في العالم العربي.

الدول العربية الأفضل أن تتلقّى القروض وقروضاً طويلة الأجل من دول عربية أخرى، بدلاً من الاستناد من الخارج بشروط الدول الكبرى التي هي في الحقيقة شروطاً لها علاقة دائماً بالتبعية – الاقتصادات المدينة للدول الدائنة. والتبعية يتمّ من خلال وَكيلا الرأسمالية العالمية: صندوق النقد والبنك الدولي. والصندوق بالأساس – لأن البنك بات أكثر سياساته اجتماعية، أكثر من أن يقوم بدور إقراض أو فرض شروط أو غيره – الصندوق الذي يقوم بهذا الدور بصورة أساسية. ونرى دائماً شروطها في ما يتعلّق بالسياسات التي يتمّ من خلالها زيادة إيرادات الموازنة العامة للدولة، أنها جائِرة جداً، وتأتي على الفقراء والطبقة الوسطى من خلال الضرائب غير المباشرة. لأن الضرائب دائماً، إذا كانت مباشرة، تُصيب مَن تُفرض عليه مباشرة، وتكون أكثر عدلاً غالباً.

أما الضرائب غير المباشرة – التي هي ضرائب القيمة المضافة، الضرائب الخاصة على السِلع والخدمات وغيره – هذه ضرائب غير مباشرة، ويتحمّلها بالأساس الفقراء والطبقة الوسطى. فسياسات الصندوق دائماً مُتحيّزة ضدّ الشرائح الأكثر احتياجاً للدعم – الفقراء والطبقة الوسطى – وأكثر تحيّزاً للأثرياء.

هنا، لو الإقراض داخل الوطن العربي، يمكن أن تكون هناك سياسات اقتصادية اجتماعية أكثر إنصافاً وأكثر عدلاً، لو أرادت النُخَب السياسية الحاكِمة في الدول العربية ذلك.

فلدينا فرصة، ولكن شرطها إرادة سياسية للتعاون، للتكامُل، للاستثمار المشترك، للإقراض الداخلي في المنطقة العربية بشروط أكثر احتراماً للحقوق الاقتصادية الاجتماعية للمواطنين في الدول العربية.

وبالمناسبة، ليست البرازيل لوحدها نموذجاً. خذْ الصين.

 

حمدين صباحي: الصين؟

 

أحمد السيّد النجار: الصين كانت محطّمة تماماً بحربِ أهلية وحرب وطنية عظمى ضدّ الاحتلال الفاشي الياباني.

سنة 49، من سنة 1965 وحتى سنة 1980، هذه الدولة الخارجة من هذا الانقسام المُدمّر تماماً، تحقّق 6 و4 من عشرة بالمئة من النمو سنوياً.

=من 80 وحتى سنة 2014، متوسّط معدّل النمو السنوي 10 في المئة – أطول دورة نمو مرتفعة في التاريخ الحديث.

انتهت هذه الدولة التي كان اقتصادها حتى سنة 80 يُقدَّر بـ10 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي الأمريكي أن أصبح حوالى 65 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بسعر الصرف. أما بتعادل القوى الشرائية، فأصبح 131 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي الأمريكي الحقيقي. سنة 2024، هنا أنت لديك نموذج مُبْهر أيضاً.

 

حمدين صباحي: وهذا كان جزءاً من النتائج العظيمة الحقيقة أنه لم يرتبط بسياسات الصندوق؟

 

أحمد السيد النجار: بعيداً تماماً عن سياسات الصندوق. هي بَنَت نموذجها الأول في البداية، وكان نموذجاً قائماً على استراتيجية الإنتاج والتوزيع. ثم بدأت بالتحوّل نحو ما يسمّيه الحزب الشيوعي الصيني "اقتصاد السوق الاشتراكي"، بدءاً من سنة 80.

وتخيّل أن عدد الفقراء في الصين كان 835 مليوناً في مطلع الثمانينات. حالياً، قضت على الفقر المُدْقِع تماماً. حتى بعدما رفع البنك الدولي وصندوق النقد تعريف مَن هو دون الثلاثة دولارات يومياً للفرد، وقضت على الفقر الذي يسمّى بالفقر العام – وهو 4 و2 من عشرة دولار يومياً للفرد – لم يعد هناك في الصين مَن لديه هذا الدخل. أصبح الفقراء فعلاً عندهم الذين يجنون 8 دولارات ونصف دولار يومياً، وهؤلاء تصل نسبتهم إلى 17 في المئة من السكان. وهذا لا يُعتبر فقراً إطلاقاً بالنسبة لدول الدخل المتوسّط، وتعمل على القضاء على هذا النموذج من الفقراء اعتماداً على أنه تمت مُكافحة الفقر.

 

حمدين صباحي: ربما هو حتى يكون واضحاً لنا، نموذج الصعود الصيني لتنمية مستقلّة، مُعتمدة على الذات، متحرّرة من قيود وشروط صندوق النقد الدولي.

تقريباً في نفس الفترة، الاقتصاد النامي في تجارب منها تجربتنا العربية في مصر؟

 

أحمد السيّد النجار: غير صحيح.

 

حمدين صباحي: كان مساراً معكوساً عندما خضع في نفس الفترة لشروط الصندوق.

 

أحمد السيد النجار: صحيح.

 

حمدين صباحي: أصابه كثير من الأمراض التي لم تكن لديهم.

 

أحمد السيد النجار: صحيح.

ما الاعتماد على الذات؟ الاعتماد على الذات أن تكون لديّ مُدخّرات محلية تموّل الاستثمارات المحلية.

الصين: تخيّل أن معدّل الإدخار والاستثمار فيها يتراوح بين ربع وثلث الناتج المحلي الإجمالي حتى سنة 1980، ثم أصبح أكثر من 40 في المئة، وصل في سنة من السنوات إلى 53 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي – إدّخار من المجتمع الصيني يُوجّه لتمويل استثمارات محلية. وبالتالي، دائماً في حديث يُقال إن الاستثمارات الأجنبية أدّت لنقلة في الصين... الخ. 96 في المئة من الاستثمارات في الصين محلية. كل الاستثمارات الأجنبية لا تزيد عن 4 في المئة. طبعاً أحجامها ضخمة، لكن أحجامها ضخمة مقابل أحجام أضخم كثيراً من الاستثمار المحلي.

مصر أيضاً في الستينات، بعد الخطة الخمسية الأولى، مصر كانت تقريباً في مقدّمة الدول النامية. الناتج المحلي الإجمالي المصري كان 5 وواحد من عشرة مليار دولار. كان الناتج الإجمالي الكوري 3 مليارات دولار.

 

حمدين صباحي: مَن؟

 

أحمد السيّد النجار: كوريا الجنوبية.

 

حمدين صباحي: كوريا كانت بعد مصر؟

 

أحمد السيّد النجار: بمراتب.

دَخْل الفرد أيضاً في مصر كان أعلى بكثير من دَخْل الفرد في كوريا في ذلك الوقت – ليس مجرّد أنه حجم الناتج أكبر، لكن متوسّط نصيب الفرد من الدَخْل. لذلك، كارثة 67 كان فيها جزء في الحقيقة: تحطيم هذه التجربة، تحطيم هذا النهوض بالفعل القائم على سواعد محلية، أموال محلية، إدّخار محلي، استثمار محلي بشكل أساسي. وطبعاً كان في القلب منه المشروع الأعظم لهذه الفترة: مشروع سدّ مصر العالي.

وهو الحقيقة نموذج لكيف تكون المشروعات القومية الكبرى مُستنهضة للاقتصاد، تجمع كل شيء في الاقتصاد. هذا المشروع الذي غيّر مصير مصر من أمّة خاضعة لنَزْف النهر، إلى نهر خاضع لإرادة الأمّة. لك أن تتخيّل أن مصر كانت تفقد ثلثيّ سكانها في الجفاف السباعي كل ما يأتي.

 

حمدين صباحي: ثلثيّ السكان؟

 

أحمد السيد النجار: ثلثيّ السكان في الجفاف السباعي.

عندما تأتي سبع سنوات مُتتالية، كان يحصل أن بعض القرى تفنى تماماً. ومن هنا ظهرت ثقافة "وضع اليد"، التي نحن نستغرب: هي قادمة من أين؟ كان يذهب لهذه القرية – وفي فناء كامل لسكانها – يضع يده على الأرض الموجودة فيها.

 

حمدين صباحي: لأنه لا يوجد فيها أحد؟

 

أحمد السيد النجار: لا يوجد أحد.

 

حمدين صباحي: السبع سنوات العِجاف عندما كانت تأتي على مصر كانت تُبيد ثلثيّ المصريين؟

 

أحمد السيّد النجار: فناء. وهي كانت تتكرّر.

وفي كتاب المقريزي – الذي هو "إغاثة الأمّة بكشف الغمّة" – هذا الكتاب عاصَر جفافاً سباعياً.

طبعاً، الروايات مروّعة عن ما حدث في البشر، ما الذي كانوا يضطرّون لأكله. وأمر مُرعب هذا الذي كان يحدث في كل جفاف سباعي. وبالمناسبة، الجفاف السباعي أول توثيق له كان في عهد الدولة المصرية القديمة. الدولة المصرية القديمة تُقسَم ثلاث مراحل: قديمة، وسطى، وحديثة.

ففي القديمة – القديمة – في زوسر، في برديات سنفرو – موجود جفاف سباعي، الجفاف السباعي، والآثار المروّعة له، =وكيف تمّت المواجهة. هنا، السدّ العالي أنقذ مصر منه.

وبالمناسبة، جاء جفاف سباعي لمصر بين عامي 1980 و1987، ووصلت مصر لحد السيف في سنة 87 – كان مُتبقياً 5 مليارات متر مكعّب فقط في بحيرة ناصر. نحن سحبنا منها سنوياً ما بين 10 و15 مليار متر مكعب للمساعدة في سدّ الفجوة حتى الآن. لكن سنة 87 وصلنا لحدّ السيف.

لو لم يأت الفيضان الكبير سنة 88، دول منابع النيل: المجاعات تسبّبت في موت 22 مليون شخص من الجوع المباشر في إثيوبيا، وربما 6 إلى 8 مليون من ثار الجوع في أوغندا وتانزانيا وكل دول منابع النيل. مصر لم تشعر به.

 

حمدين صباحي: ربما هذه إشارة هامة لقيمة وتأثير السدّ العالي.

هو أيضاً الذي يُعيدنا لأن الإمكانيات متاحة إذا وجِدَت إرادة سياسية.

أمّتنا العربية كلها تستطيع أن تبني نهوضاً اقتصادياً، وتتجنّب خسائر، وتحقّق منافع، ويعمّ خير على كل هذه الأمّة.

 

أحمد السيّد النجار: هو استنهض صناعة لها علاقة به، وكل ما له ببناء خطوط الكهرباء. لأنه كان في وقتٍ من الأوقات 54 في المئة من كهرباء مصر في منتصف السبعينات تأتي من السدّ العالي. هو أنار الريف المصري، بدّد ظلام عشرات القرون.

الصناعات الكثيفة الاستخدام للطاقة – كمجمّع الألومنيوم أو غيره – لو لم يكن السدّ العالي، لم تكن هذه الصناعات هنا.

في الحقيقة، أن يكون هناك تفكير استراتيجي متكامِل – ليس مجرّد أنه لديّ مشروع حتى أسيطر على النهر – استخدم المياه أيضاً للتوسّع الزراعي، عمل إمكانية لتوسّع 2 مليون فدّان. هذه مساحة دولة.

وطبعاً مع الاستخدامات الأحدث لوسائل الريّ الأحدث، ممكن أن تتضاعف المساحة. لأن الريّ بالغَمْر يستهلك حوالى 6 ونصف ألف متر مكعب للفدان. الري بالتنقيط يستهلك 2000. هنا لو استخدم الريّ بالتنقيط، تستطيع أن توسّع المساحة التي تستخدم بها كمية الوِفْر المائي. لأنه عمل وِفْراً مائياً.

18 – نحن أخذنا 7 ونصف مليار من أصل 22 متر مكعب. السودان حصل على 14 ونصف، ونحن سبعة ونصف. وبالمناسبة، نحن مَن دفعنا كل تكاليفه، بما فيها تكاليف التعويضات للنوبة السودانية التي غرقت ببحيرة ناصر.

 

حمدين صباحي: الله ينجّي السودان ويقيه مما هو فيه الآن، يا رب.

دعني أرى معك، وبخبرتك على الاقتصاد العالمي: هل هناك أمل أو إمكانية لأن النظام الاقتصادي المُهيمن يحصل له تغيّر كبير؟ ونحن نرى مقدّمات لهذا التغيّر.

وكيف ومتى تكون أمّتنا العربية وغيرها من دول الجنوب في وضع يسمح لها بأن تنمو من دون الخضوع لهيمنة أمريكية، أو لهيمنة الدولار الأمريكي، أو لما تفرضه أدوات كصندوق والبنك الدوليين على هذه الأمم التي تتمنّى أن تنال حقّها في الحياة، ولا تستطيع في ظلّ هذا النظام العالمي؟

 

أحمد السيّد النجار: هذا النظام القائم أصبح بالفعل مثل صخرة انحدرت من قمّة التلّ، ولا رادّ لها – سيسقط، سيسقط – لأنه نظام غير عادل. وكل الأسس التي قام عليها تغيّرت.

مثلاً، نظام النقد الدولي قام في البداية على أنه قرار تأسيس صندوق النقد الدولي يعمل على استقرار أسعار الصرف والعمليات بين الدول. وأصبح يعمل على اضطراب أسعار الصرف بين الدول – لا علاقة له بقرار تأسيسه.

الأمر الثاني: اعتمد الدولار كعملة احتياط دولية على أن تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بتحويل أية دولارات عند أية دولة إلى ذهب. انتهى هذا الأمر في آب (أغسطس) 71. أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إيقاف تحويل الدولار إلى ذهب. أنهت قاعدة الذهب. وبالتالي أصبح الدولار غير مغطّى بالذهب. وبعهد ريغان، كان مغطّى بالإنتاج: الإصدار النقدي الجديد كان مغطّى بالإنتاج. من عهد ريغان، فُصلت فكرة الإنتاج عن إصدار الدولار. وبالتالي لم يعد مغطّى لا بالذهب ولا بالإنتاج.

 

حمدين صباحي: بات مطبعة حرّة؟

 

أحمد السيد النجار: ورق.

بالفعل، الولايات المتحدة الأمريكية تنهب العالم مقابل مجرّد أوراق لا غطاء لها من الذهب أو من الإنتاج.

بداية من عهد ريغان، البعض يتصوّر أن الولايات المتحدة تطبع وتشتري سِلَع وخدمات العالم. بالتحليل الأخير، يحصل ذلك. لكن كيف يحصل؟ كل سنة ستجد أنه يحصل جدل بين الإدارة الأمريكية وبين الكونغرس بمجلسيه على رفع سقف الدّيْن. رفع سقف الدّيْن يعني أن الدولة الأمريكية ستموّل كل إنفاقها من خلال ديون وسندات خزانة مغطّاة بإصدار الفيدرالي الأمريكي لدولارات جديدة. سقف الدّين الحالي الأمريكي: 36 و1 من عشرة تريليون دولار. الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي: 29 و2 من عشرة – أكبر من الناتج المحلي بكثير. فهذا الدّين في الحقيقة هو الشاهد الرئيسي على فكرة كيف تستغلّ الولايات المتحدة العالم. طبعاً، لو أية دولة عندها هذه الديون التي هي أكبر من ناتجها المحلي الإجمالي بكثير، تنهار. لكنها لا تنهار بسبب وضعية الدولار كعملة احتياط دولية. الدولارات عندما تخرج من الولايات المتحدة الأمريكية – تُصدّر من المطبعة الخاصة بالفيدرالي الأمريكي – وتذهب للعالم ولا تعود للولايات المتحدة.

مصر والسعودية يتبادلان السِلع والخدمات بينهما بالدولار. تفضّل الدولارات تذهب وتعود بين مصر والسعودية، بين مصر وسوريا، بين مصر والجزائر، بين مصر والمغرب، الصين ودول أخرى... وهكذا الأمر. وبالتالي، طالما استمرّ الدولار في وضعية عملة الاحتياط الدولية، ستستمر الولايات المتحدة قادرة على الإثراء على حساب العالم من خلال نهبه من خلال هذه الآلية. ما الذي حصل؟ بدأت الاحتجاجات منذ أزمة عام 2008، وبدأت من الغرب كثير من الدول الأوروبية أن هناك مشكلة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وفي وضعيّة الدولار كعملة احتياط دولية.

ثم الصين وروسيا والهند وعدد من الدول بدأ فعلاً تمرّد على هذه الوضعية، وبدأ التحوّل في سلّة احتياطات هذه الدول من الدولار إلى سلّة عملات أخرى، وبدأت التعامُلات فيما بينها تتمّ بعملاتها بشكل أساسي.

بالذات دول البريكس: 90 بالمئة من تعاملات روسيا مع دول البريكس حالياً تتمّ تسويتها بعملات هذه الدول – عملة روسيا مع عملة هذه الدول.

بدأ بالفعل يتراجع وضع الدولار كعملة احتياط: من 75 في المئة من سلّة احتياط العالم في وقت من الأوقات، إلى حوالى 49 في المئة حالياً. وهذا تراجع. فكرة هذه الصخرة التي انحدرت ولا رادّ لها تكمل.

 

حمدين صباحي: ما هو البديل بعدما يتمّ هذا الانحدار؟ أين النظام العالمي البديل الذي يتهيّأ بأن يحلّ محلّ الحالي؟

 

أحمد السيّد النجار: بداية، حتى النظام القديم: لماذا اختير الدولار؟

الولايات المتحدة عندما اختير الدولار كعملة احتياط، كان الاقتصاد العالمي محطّماً بعد الحرب العالمية الثانية. الصين مدمّرة بالحرب الأهلية والحرب ضدّ اليابان. أوروبا مدمّرة.

 

حمدين صباحي: كلّها خارجة من حرب؟

 

أحمد السيّد النجار: الجزء الأوروبي من الاتحاد السوفياتي مدمّر، وهكذا. فكان 40 إلى 45 في المئة من الناتج العالمي أمريكياً. الصادرات الأمريكية كانت من ربع إلى ثلث الصادرات العالمية.

حالياً، أنت تتحدّث عن الناتج =الأمريكي: 14 و9 من عشرة في المئة من الناتج العالمي وفقاً لتعادل القوى الشرائية. لم يعد لا 40 ولا 45، ولا 30، ولا 20.

الصادرات الأمريكية حالياً: أن تتحدّث عن أن القوّة التصديرية الرئيسية في العالم هي الصين، وفارق كاسِح. صادراتها: 3400 مليار دولار. صادرات الولايات المتحدة: 2065 مليار دولار. في فارق هائل في الصادرات بين الإثنين.

هنا، عندما نقول إنها فقدت عناصر القوّة، فقدت عناصر القوّة فعلاً – ليس مجرّد ادّعاء عليها أو رغبة إرادية أننا لا نريدها. وبالتالي، في الواقع العملي، الصين هي أكبر مصدّر. وبدأت كثير من الدول تستورد من الصين، تتعامل باليوان. وبالتالي، طرح مسألة أن اليوان يكون عملة الاحتياط الدولي. هذا الطرح في الحقيقة سيُعيد إنتاج النموذج الأمريكي مجدّداً. لأنني أنا لست محتاجاً أنه بدل الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون عندي الصين. بل محتاج أن يكون طريقة تعامل عادلة بين الدول، من خلال الهدف الأساسي من صندوق النقد الدولي في ما يتعلّق بسياسات الصرف: استقرار أسعار الصرف. يجب أن يعود – الذي هو نفسه دمّره – يجب أن يعود استقرار أسعار الصرف.

لو استقرّت أسعار الصرف، تستطيع الدول أن تتبادل السِلع والخدمات في ما بينها بعملات – طالما هي مستقرّة. لكن لا ينفع مثلاً أن تقول لي: أن أتبادل مع الصين باليوان والجنيه المصري، والجنيه المصري ينخفض من 15 جنيه مقابل الدولار لـ50 جنيه مقابل الدولار. سيكون لا داعي للاحتفاظ بأية جنيهات مصرية من الصين. سيكون فقط القدرة الشرائية لهذه الأموال. وبالتالي، لا بدّ من استقرار أسعار الصرف. وبعد ذلك، يمكن التعامل بين الدول بعملاتها المحلية.

أيضاً هناك نقطة مهمّة: أنه لا بدّ من أن تكون هناك تجارة عادلة وتوازُن في التجارة بين دول العالم. لا ينفع مثلاً وأنا لديّ عجز تجاري مع الصين 9 مليارات، أقول: "سأتعامل باليوان والجنيه"، وافترض أن الجنيه ثابت مستقرّ. أناس سيُسدّدون لها بالقدر الذي أصدره منها، ستبقى لديّ تسعة مليارات. كيف أسددّها؟ سأقترض. وبالتالي، يجب أن تكون هناك التجارة العادلة. الصين لديها فائض بالتجارة معي، لكن أنا يمكنني أن يكون لديّ فائض في تجارة الخدمات معها. لو هي استخدمت الخدمات التي لديّ، كالخدمات السياحية التي تقدّم – يطلع منها دولة سنوياً 130 مليون سائح صيني – لـ5 إلى 10 ملايين سنوياً جاؤوا لمصر – يستطيعون تعادل في تجارة السلع والخدمات.

 

حمدين صباحي: عدد السائحين الصينيين يشكّل هذه الإيرادات؟

 

أحمد السيد النجار: بالضبط.

ففكرة التجارة العادلة بين الدول، إضافة إلى استقرار أسعار الصرف، تستطيع بناء عليه، أن تعتمد على التعامل أو تسوية الالتزامات الدولية بالعملات المحلية.

إلى أن يتم ذلك، أنت تسوّي الالتزامات الدولية بالعملات التي هي أكثر جَدارة من ذلك. 

بالمناسبة، صندوق النقد الدولي أدخل اليوان الصيني ضمن وحدة حقوق السحب الخاصة (SDR). لم تكن موجودة. تجد دولاً كبريطانيا مثلاً – وهي بحجم مقاطعة كبيرة في الصين – الاقتصاد البريطاني كان لها حصّة كبيرة، ولا توجد للصين. عملوا حصّة للصين حوالى 11 في المئة، لكنها لا شيء بالمقارنة مع قُدرة وقيمة الاقتصاد الصيني مُقارنة باليورو الذي لديه 30 في المئة، والدولار له 41 في المئة.

 

حمدين صباحي: دكتور أحمد، بخبرتك كخبير اقتصادي جادّ وحسّك الوطني والقومي، إذا كنا نختم هذا اللقاء الآن، ما المشروع الذي تطرحه أو توصي به – حتى فلسطين والأمّة ومكانة الأمّة العربية في العالم – من زاوية اقتصادية؟

 

أحمد السيّد النجار: تبقى فكرة الصندوق العربي لأنماء وإعمار فلسطين مسألة جوهرية.

ولإشراك الشعوب العربية – وحتى لا يكون التمويل مجرّد دولار واحد عن كل برميل نفط مصدّر أو ما يوازيه من الغاز – لكن أيضاً: يوم أجر عمل واحد سنوياً من كل مشتغل عربي – اغتياري: آفّق، آفّق، لم يوافق – هو حر. هناك ناس قد تقبل، وناس ترفض – هم أحرار.

هذا يؤدّي لحال من النهوض العام: أننا نشارك في أمر له علاقة بإعادة إعمار وأنماء بلد عربي تعرّض للقهر والسحق، للاستيلاء على أرض 48، وتدمير الأرض المحتلّة سنة 67. يخلق هذه الحال القومية مرة أخرى: هي حال نهوض عام، وحال تشارك وتضامن شعبي، وليس مجرّد تضامن نُظم.

الأمر الآخر: أن كل ما له علاقة بالثروات العربية القابلة لبناء صناعات تكاملية – كالنفط والغاز – نحن ننتج حوالى 25 مليون برميل يومياً من النفط، نكرّر منها حوالى 10 ملايين، الباقي يصدّر بصورته الخام.

في بلدان عربية غير الدول المصدّرة للنفط – بلدان عربية قابلة وقادرة على استيعاب صناعات تكرير النفط أو صناعات البتروكيماويات. والدول العربية المصدّرة للنفط لديها الأموال لتمويل الاستثمارات لإنشاء هذه المعامل لتكرير أو البتروكيماويات في مصر، في المغرب، في تونس، في سوريا. تستطيع أن تقوم بهذا التكامل الذي يخلق من هذا المورد العربي مصدر لقيمة مضافة عظمى، وأيضاً تشغيل عمالة.

أيضاً الغاز: الغاز مكوّن رئيسي في صناعات الأسمدة. سماد اليوريا مثلاً: 65 في المئة من قيمة مكوّناته.

 

حمدين صباحي: كل هذه فرص قائمة. أودّ أن أشكرك.

 

أحمد السيّد النجار: التصنيع الزراعي... الخ.

 

حمدين صباحي: شكراً جزيلاً.

كلام واضح. الفقر ليس مكتوباً على هذه الأمّة. الأمّة هذه غنية بمواردها وبعقولها. تحتاج فقط قراراً: إن كان هناك قرار سياسي بأن ننهض وننمو اقتصادياً، فهذا النهوض العربي في الإمكان. شكراً جزيلاً.

 

أحمد السيّد النجار: شكراً لحضرتك.