ما قالته الحرب
12 يوماً مرّت... توقّف إطلاق النار، لكن نهاية الحرب لم تتأكّد بعد. ومع ذلك، يمكن القول إنّها أرست مرحلةً استراتيجيةً جديدة. فما الذي قالته الحرب؟
نص الحلقة
محمد فرج: 12 يوماً مرت، توقّف إطلاق النار ولم تتأكّد نهاية الحرب، لكنها حتماً أسّست لمرحلة استراتيجية جديدة.
عام 1815، قوات كبيرة من التحالف السابع تمكّنت من هزيمة القوات الفرنسية، وبذلك كانت تلك المعركة، معركة واترلو، نهاية الحروب النابليونية.
عام 1919، أعلنت معاهدة فرساي نهاية الحرب العالمية الأولى، وفيها فُرِضَت الشروط القاسية على ألمانيا التي لم تعد إمبراطورية كما كانت قبل الحرب.
عام 1945، كانت نهاية النازية: رفع السوفيات العَلَم على مبنى الرايخ، وانتهت ألمانيا هتلر.
تُعْتَبر هذه كلها أمثلة واضحة على النصر المُطلق التكتيكي والاستراتيجي. ولكن الحال في حروب القرن الحادي والعشرين مختلفة إلى حدّ ما. مثلاً، على الرغم من كل الجنون الميداني والقتل الأمريكي في العراق وأفغانستان، واشنطن في النهاية انسحبت، ولم تتمكّن من فرض نظامها السياسي المُشتهى في البلدين. جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في وقت لاحق على كل هذه التجارب وبنسخة مختلفة عنها، لتفتح النقاش أيضاً على قراءة أخرى للانتصار والهزيمة.
لا تنتظر الحروب الحديثة في الغالب حسماً واضحاً كمعركة واترلو أو الحروب العالمية. ولكنها تطرح السؤال المهم: مَن يستطيع تغيير الواقع الاستراتيجي بعد الحرب؟
بشأن ما قالته الحرب حول الخُلاصات والاستنتاجات، نحاور الأساتذة: حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران؛ ناصر قنديل، رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية؛ أنطوان شلحوت، الخبير بالشؤون الإسرائيلية؛ وليام لورانس، الدبلوماسي الأمريكي السابق.
حسن أحمديان: إسرائيل طبعاً حقّقت إنجازاً في المعركة الأولى، لكنها لن تنتصر في الحرب. بالنسبة للإيرانيين، وقف الحرب وفرض ضغط عسكري على العدو وإجباره على القبول والدفع باتجاه وقف إطلاق النار من دون تحقيق أهدافه التي أعلنها في بدء الحرب وفي بدء المعركة الأولى للحرب، يعتبر إنجازاً كبيراً.
ناصر قنديل: هذه الحرب قالت: إما أن تخرج بعدها أمريكا قوّة مُهيمنة تسحق إيران، وإما عدم سحق إيران فإن هذا يعني الفشل في المواجهة، وظهور إيران كقوّةٍ إقليمية.
أنا لا أناقش إن إيران انتصرت على طريقة الحروب التي تنشب بين الحلفاء والمحور في الحرب العالمية الثانية.
أنا أقول: جاءت أمريكا في حربٍ من أجل إسقاط إيران، هي وإسرائيل أعدتا حزماً قاتلة من أجل تحقيق الهدف، فشلتا في تحقيق الهدف، واحتاجتا إلى وقف إطلاق نار لا يوجد أي ميثاق سياسي معه صفر.
أنطوان شلحوت: من متابعتي للشأن الإسرائيلي، ربما أكثر عبارة تتمّ السُخرية منها في سياق هذه الحرب على إيران، وأيضاً في سياق الحرب المتعدّدة الجبهات، هو ما يعلنه نتنياهو بأنه يتطلّع إلى "النصر المُطلق". أصبحت هذه بمثابة نكتة أو مثار سُخرية للعديد من التعليقات والتحليلات.
محمد فرج: أوضح التصوّرات لنتائج الحرب ينطلق من لائحة الأهداف التي وضعها الطرف المُعتدي، صراحة أو ضمنيًا، ونتيجة كل منها إنهاء البرنامج النووي كاملاً، وقف التخصيب النووي، إثارة الاضطرابات الداخلية، إسقاط النظام، إضعاف برنامج الدفاع الصاروخي.
العجز الأمريكي والإسرائيلي عن تحقيق الأهداف من خلال الحرب يعني عدم تحقّق إضعاف الحيثية السياسية لإيران في المنطقة ومنع إضعاف استقلالية قرارها؟
حسن أحمديان: طبعاً، بالنسبة للأهداف التي أُعْلِن عنها في بدء الحرب، كان هناك تركيز هائل على المجتمع الإيراني والخلافات الداخلية في إيران واستخدامها لتضخيم الوضع وزيادة الهوّة والخلافات داخل المجتمع وبين المجتمع والنظام السياسي في إيران.
رئيس الوزراء الإسرائيلي خرج بتصريح لافت يدعو الإيرانيين للانتفاضة واستغلال هذه الفرصة التاريخية ليتحرّروا من نظامهم، حسب فَهْمِه للمجتمع الإيراني الذي بدا بعيداً كل البُعد عن الواقع المعاش في إيران. نتيجة الحرب، كان هناك التفاف هائل حول العَلَم وحول النظام.
على مستوى النظام، حالة التكيّف التي أوضحها النظام مع واقع الحرب التي فُرِضت وبوهت بها إيران، أظهرت مقدرة كبيرة داخل النظام على الردّ المسرّع على الهجوم الذي ضُرِبت به إيران، ثم تعيين قادة بدلاء. الواقع يقول بأن سرعة التكيّف أظهرت في ما أظهرت أن النظام متماسك إلى حدّ كبير.
محمد فرج: الدعم العسكري والتكنولوجي الغربي لإسرائيل في الحرب متعدّد المسارات:
مسار أول يسمّى "البوليصة الاستراتيجية" للتعبير عن مخزون احتياطي الحرب للحلفاء. هذا يتضمّن المخازن الأمريكية التي تفتح أبوابها للاستهلاك الإسرائيلي في الحرب، ويتضمّن أيضاً ما بُني تاريخياً من منظومة دفاع وبنية تحتية عسكرية جاهزة.
تقول الـCNN والـWall Street Journal إن الولايات المتحدة الأمريكية استهلكت خلال الحرب ربع ما اشتراه البنتاغون من صواريخ "توماهوك".
مسار ثانٍ: الجسر الجوّي للامتداد لضمان استمرار العدوان والتزويد بالأسلحة الحديثة خلال الحرب.
مسار ثالث: التنسيق العملياتي، ومن ذلك التدريبات والمُناورات المشتركة وبناء شبكات العمل المشترك في مجال الاستخبارات والسايبر.
مثلاً، متقاعدو الوحدة 8200 في جيش الاحتلال ينشئون شركات سايبر جديدة تنسّق مع الشركات التكنولوجية الأمريكية مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت، فضلاً عن التنسيق المستمر بين 8200 ووكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA).
في تصريح للقائد العام للجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي خلال لقائه بطيّاري قواعد أصفهان وتبريز وهمدان الجوية يقول: "واجهنا في حرب الـ12 خلاصة تكنولوجيا الغرب والناتو. الغرب والناتو لم يتردّدا في تقديم أيّ دعم للكيان الإسرائيلي، وزوّداه كل ما يحتاج إليه، وكلما واجه نقصاً ما تدخّلا مباشرة وقدّما له دعماً شاملاً".
ناصر قنديل: لأن الكلفة التي تكبّدها الجيش والمجتمع، ماذا قالت الكلفة على الجيش؟ قالت: ليست لدينا دفاعات جوية قادرة على التعامل مع الصواريخ الإيرانية، بخلاف ما كنا ندّعيه. هذا لم يعد للنقاش: إن الصواريخ تصل، وإن الصواريخ تتجاوز الدفاعات الجوية، وإن الصواريخ تدمّر. هذه صواريخ ليست بلاستيك، وليست صواريخ كرتون، وليست صواريخ صوَر تلفزيونية. رأس متفجّر 1500 كيلو تبيّن أنه صحيح: 1500 يزيل قاعدة عسكرية بكاملها عن الخارطة.
ينزل أربعة مبانٍ دفعة واحدة. هذا رآه العسكريون والمدنيون. عند العسكريين قالوا: نحن متخلّفون بجيل على الأقل عن مستوى تقدّم الصواريخ الإيرانية وتعاملها مع الدفاعات الجوية.
ثانيًا، ليس لدينا جواب بعد على كيفية التعامُل مع الصواريخ الفرْط صوتية.
ثالثًا، ليست لدينا القدرة على تدمير البنية الصاروخية القادرة على الاستمرار بالحرب رغم كل ادّعاءاتنا بالسيطرة على الأجواء الإيرانية.
محمد فرج: فرضت هذه الحرب مجموعة من المراجعات على كل الأطراف: ما هي نقاط الضعف والقوّة على المستويين العسكري والاجتماعي؟
كم استهلكت الحرب من مخزون القوّة الاستراتيجي؟
أية تعديلات على العقيدة العسكرية فرضت الحرب الالتفات إليها؟ كيف راجعت الدول الأخرى خطواتها والدور قد يأتي عليها؟
على المستوى العسكري:
تراجع إيران: الخرق الاستخباراتي الذي تسبّب في إطلاق المُسيّرات من داخل الأراضي الإيرانية.
تراجع إسرائيل: الثغرات التي حفرت في جدار طبقات الدفاع الجوي الغربي والإسرائيلي.
على المستوى الاجتماعي:
تطمئن إيران لهويّتها، وتقلق إسرائيل من تفكّكها وتشظّيها وغيابها لدى المستوطنين.
يقول الباحث راز زيميت في مركز الأمن القومي الإسرائيلي في دراسة تقييمية لنتائج الحرب: الإجراءات الإسرائيلية كانت تهدف إلى تقويض أسُس النظام في إيران وتشجيع تحرّكات شعبية ضدّه. بعد أن انجلت غبار المعركة، من الواضح أن إسرائيل ليس أنها لم تحقق هذا الهدف فقط، بل أيضاً حدث تأثير معاكس تماماً له.
حسن أحمديان: بالنسبة للمشاكل التي شابت العملية العسكرية والانتقادات والمراجعات في ما بعد، يركّز الحيّز الأول على الجانب الذي بدأت به إسرائيل حربها ضدّ إيران. وهذه الحرب بدأت بمقدرة استخباراتية أظهرت حيّزاً واسعاً من النفوذ والتغلغل والاختراق الإسرائيلي، وكذلك بناء شبكات في الداخل استُخْدِمَت في المرحلة الأولى في العملية الصاعقة التي بدأت بها الحرب. لذلك، الجانب الأول من النقاشات المركّزة على المراجعات يركّز على هذا البُعد.
على المستوى العسكري أيضاً، هناك استهدافات، تعلمون أنه في بدايات الحرب، في الأيام الأولى للحرب استُهْدِف الكثير من منصّات إطلاق الصواريخ والمدن الصاروخية الإيرانية.
اتضّح في مراحل لاحقة أن إيران أيضاً تكيّفت مع هذا الوضع، ولذلك في نهاية الحرب لم تُضرب الكثير من منصّات الإطلاق. هذا التكيّف أتى بطيئاً لأنه في نهاية المطاف، المقدرة على الوصول للقُدرات العسكرية الإيرانية على الأرض قبل انطلاقها كان أحد أوجه الإنجاز الإسرائيلي الذي تداركته إيران في مراحل نهاية الحرب.
أنطوان شلحوت: هناك الكثير من أوراق السياسات التي كُتبت من جانب معاهد أبحاث يُعتدّ برأيها على المستوى الإسرائيلي البحثي، وأيضاً على المستوى الإسرائيلي الرسمي، تقول إن أهمّ أمر أثبتته هذه الحرب هو ما سبق أن حذّر منه كُثُر من قادة المؤسّسة الأمنية، وهو أن شنّ حرب على إيران أولاً لن يكبح البرنامج النووي الإيراني، بل على العكس سيؤدّي إلى تسريع وتيرته.
ناصر قنديل: التفوّق التقني الإيراني في معادلة طيران صواريخ دفاع الطيران والدفاع الجوّي مع الصواريخ حسمت لصالح إيران في العقل العسكري الأمريكي الإسرائيلي. وبالتالي، الذهاب إلى حرب مرة أخرى يحتاج ردم فجوة تقنية، ما لم تكن إيران قد سبقت إلى مرتبة جديدة.
عند المدنيين إن إسرائيل غير محمية. إن مدننا، مساكننا، بيوتنا، منشآتنا الاقتصادية، منشآتنا العسكرية، نحن مكشوفون. كل الحديث عن أن إسرائيل مُحصّنة انتهى دفعة واحدة.
أنطوان شلحوت: في إسرائيل طبعاً هناك رياضة قومية بين مزدوجين تسمّى "غسيل الكلمات". هم لا يتحدّثون عن هجرة، هم يتحدّثون ربما عن "إعادة اختيار المسكن". المعلومات الضئيلة التي يجري نشرها: هناك حركة هجرة تتصاعد من يومٍ إلى آخر. وهذه الهجرة هي أحد الأبعاد الاجتماعية لهذه الحرب المستمرة التي، كما ذكرت، وصلت إلى ذروتها بالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
محمد فرج: مخزون القوّة الاستراتيجي هو إحدى نقاط مراجعة الحرب. التقارير الغربية بخصوص كم تمتلك إيران من الصواريخ البالستية مُتضاربة.
الجنرال الأمريكي كينيث ماكنزي في عام 2023 قال: 3000 صاروخ.
التلغراف نشرت تقريراً خلال الحرب تقول فيه: بين 2000 و3000 صاروخ.
التقديرات الإسرائيلية، بحسب جينسا المؤسّسة اليهودية للأمن القومي في الولايات المتحدة تقول: 2000 صاروخ.
في كل الأحوال، تبدو حالة عدم اليقين هذه جزءاً من أوراق الحرب بيد إيران.
حسن أحمديان: طبعاً، هذه المعلومات حول القدرات الصاروخية الإيرانية غير موجودة بالعلن. لا يعرفها إلا القائمون عليها. في نهاية المطاف، التقديرات قد تقترب أو تبتعد عن الواقع. خارجياً، أية تقديرات غير دقيقة لأنها تبتعد عن النقاشات، على الأقل في الداخل الإيراني.
إيرانياً، يجري الحديث عن 8000 ربما من الصواريخ الرئيسية، بعيداً عن عشرات الآلاف من الصواريخ الأخرى. هذه الصواريخ التي أحدث سقوط بضع مئات منها على إسرائيل، هذا التوازن من الرعب أفضى إلى وقف لإطلاق النار.
يجري الحديث عن هذا العدد، لكن طبعاً التقديرات الإسرائيلية والأمريكية والغربية تقول بتقليص والحدّ من هذا العدد. في نهاية المطاف، يترك الأمر للواقع بين هذين الرقمين: إن كان الإيرانيون أو الغربيون وتقديراتهم أقرب للواقع. لكن الواقع يقول بأن الإنتاج الإيراني مستمر، ولذلك لا يمكن القول بحدّ محدّد أو عدد محدّد للقدرات الصاروخية الإيرانية.
محمد فرج: العقيدة العسكرية أو العقيدة الأمنية هل هي في موقع المراجعة بعد الحرب بالنسبة إلى إيران وكذلك إلى إسرائيل؟
بالنسبة إلى إيران، تقول دراسة في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية: أعادت الحرب مركزية مفهوم الردع. خلال العقدين الماضيين، اعتمدت إيران على مزيج من التسلّح الصاروخي والمُسيّرات في مواجهة خصومها.
يتوازى ذلك مع برنامج نووي سلمي يحافظ على إمكانات التسلّح. وتقول الدراسة: في طهران يدور حوار استراتيجي مفاده أن الردع لا يستطيع أن يعتمد على التسلّح التقليدي والغموض النووي فقط، ولكن ربما أهملت الدراسة النقاش الأهمّ:
وهو التحوّل إيرانياً من الدفاع النَشِط إلى الهجوم، هل هو ممكن؟
بالنسبة إلى إسرائيل، من المعروف أن عقيدتها الأمنية مبنية أساساً على عناصر الردع والإنذار المبكّر والحسم. ومن الواضح أن العناصر الثلاثة تعاني إشكاليات مزمنة منذ اجتياح الأقصى، وتعرّت أكثر بالحرب على إيران.
ما الذي يمكن أن تراجعه إسرائيل؟ فشل حروب المسافات البعيدة، ثغرات الدفاع الجوّي في مواجهة الصواريخ الإيرانية، عدم القدرة على خوض حرب طويلة ضد خصم بحجم إيران.
حسن أحمديان: على مستوى العقيدة العسكرية، تقديري أن هناك مراجعات ونقاشات هائلة. النقاش الرئيسي هو مدى جدوى التزام إيران بالدفاع، مدى جدوى التزام إيران بحالة الردع من دون المبادرة. وهذا النقاش أيضاً يأخذ حيّزاً كبيراً. لذلك، البعض يتحدّث عن ضرورة مراجعة هذا الوضع، وبالتالي اتخاذ الاستباق عقيدة أو جزءاً من العقيدة العسكرية. إن اتّضح أن إسرائيل أو حليفتها الولايات المتحدة يمكن أن تُباغِت إيران أو يمكن أن تهاجم إيران، على البلاد أن تسبق الأمر وتقوم بفعل يستبق الواقع الذي سيُفرض على البلاد. هذا أيضاً جزءٌ تقديري أنه يدخل شيئاً فشيئاً في التغيير في العقيدة العسكرية الإيرانية.
مفهوم المُباغتة ومفهوم الاستباق يدخلان بترصّد وتأني إلى التخطيط العسكري الإيراني. وهذا يحدث تغييراً هائلاً في العلاقة أو الصِدام بين إيران وإسرائيل.
أنطوان شلحوت: هناك حاجة لأن تعيد إسرائيل النظر في كل عقيدتها الأمنية التي كانت تتحدّث عن عدد من المبادئ التي انهارت مبدأً وراء مبدأ في هذه الحرب: بدءاً من مبدأ الإنذار المبَكّر، ومبدأ الردع، ومبدأ نقل الحرب إلى أرض العدو، ومبدأ الحسم. كل هذه المبادئ انهارت في هذه الحرب. ولذلك، هناك حاجة لإعادة النظر في هذه المبادئ، بالإضافة إلى مبدأ آخر هو مبدأ الدفاع، أيضاً هذا المبدأ انهار، وهو انهار أكثر شيء أثناء الحرب التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، والتي تعرّضت خلالها الجبهة الداخلية إلى هجمات لم تكن مسبوقة في تاريخ دولة الاحتلال، كما يُنشر بين السطور.
محمد فرج: مراجعات الحرب لم تفرض نفسها على إيران وإسرائيل فقط، بل على دول مثل باكستان وتركيا أيضاً. التصريحات الباكستانية أثناء الحرب كانت لافتة: باكستان الدولة المسلمة فيها مزاج شعبي حقيقي مُناصِر للقضية الفلسطينية.
تركيا تجد نفسها أمام ثلاثة معطيات جدّية فرضتها الحرب:
أولاً: التوسّع الإسرائيلي لا يستثني أحداً، والهاجِس الإسرائيلي منصبّ على إضعاف الدول القوية في المنطقة.
ثانياً: إيران قدّمت النموذج الجدّي في مواجهة الاحتلال، ماذا عن تركيا؟
ثالثاً: يحدث كل ذلك في ظلّ توتّرات تركية إسرائيلية بشأن سوريا.
وليام لورانس:
ناصر قنديل: ثلاثة محاور مطروحة على هذه الدول. ربما لم يكن مرّ الوقت الكافي بعد حتى تخرج باستنتاجاتها ونراها في السياسات، لكنها الآن في مخاض صناعة رؤاها الاستراتيجية.
الأول: أن أمريكا ليست بالقوّة التي كنا نظنّ. إن هذه حرب خاضتها أمريكا وإسرائيل ولم تنجحا مع إيران. فإذا أمريكا القديمة لم تعد موجودة، لماذا نكون خاضعين؟
الإشارة الثانية: المزيد من بناء القوّة الذاتية.
الإشارة الثالثة: هي مزيد من الاقتراب من إيران باعتبارها قوّة إقليمية أثبتت موجوديّتها.
لكن أعتقد أن الأهمّ هو مناقشة المسألة الإسرائيلية، لأن أحد أرصدة القوّة الإيرانية هو موقعها من إسرائيل. تركيا وباكستان الآن سؤال كبير، رأي =عام مُلتهب إلى جانب فلسطين والقضية الفلسطينية وجد أمام عينيه ما تفعله إيران، ويسأل حكومته وقيادته وجيشه: متى سنكون نحن إيران الثانية في إلحاق الأذى بإسرائيل؟
أنا أعتقد أن باكستان ستُترجم هذا عندها بمزيد من التنسيق مع إيران بالمسألة الفلسطينية.
محمد فرج: دراسة في معهد ستيمسون تطرح عنواناً لافتاً: في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، محور المقاومة بقي جانباً.
تقول الدراسة: ابتداءً من الصراع الإيراني الإسرائيلي، وبعده الصراع الإيراني الأمريكي في الحرب، بقيت قوى المقاومة هادئة. حتى أنصار الله في اليمن خفّفوا عملياتهم بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة والذي سبق الحرب.
حزب الله لم يتّخذ أيّ إجراء. المقاومة العراقية بقيت هادئة.
تصدّت هذه الدراسة لسؤال واحد: لماذا لم تدخل قوى المقاومة في الحرب؟
لكنها لم تناقش أسئلة أخرى: هل يختلف مستوى دعم إيران لقوى المقاومة في المنطقة بعد الحرب؟
هل ينمو رأي داخل إيران يقول: "دعونا من هذا الدعم"؟ ما هي آفاق العمل المشترك في محور المقاومة في المستقبل؟
ناصر قنديل: عام 2015، وصلت إيران إلى الاتفاق النووي الذي كان كثيرون يعتقدون أن قوى المقاومة هي عناصر ضغط تفاوضي لصالح إيران أن حروبها، أن حزب الله، أن حماس، أن الآخرين هم مجرّد عناصر قوّة تفاوضية حتى تصل إيران إلى ما تريد من أمريكا. وعندما تصل، كان يعدنا خصوم المقاومة في لبنان: سيكون رأس حزب الله على الطاولة، وسلاح حزب الله على الطاولة.
أنا لا أريد أن أقول إن هذا لم يحدث فقط، بل أريد أن أقول ما قاله ترامب: قال ترامب إن الصواريخ الدقيقة التي وصلت لحزب الله وصلت ما بعد الاتفاق النووي، وإن الأموال الضخمة التي تدفّقت على حزب الله وحماس وسواهما تدفّقت بعد الاتفاق النووي، وإن إيران وظّفت أغلب عائداتها من الاتفاق النووي لدعم ما يسمّيه هو "الجماعات الإرهابية"، ونسمّيه نحن "حركات المقاومة".
حسن أحمديان: قبل هذه الحرب التي فُرِضَت على إيران، كان هناك نقاش داخلي نخبوي - على المستوى النخبوي - كان يُطرح: إلى أيّ مدى دعم المقاومة على المستوى الإقليمي يُسهِم في قُدرات إيران أو يزيد في قُدرات إيران، وإلى أيّ مدى يضرّ بالمصلحة القومية الإيرانية؟
هذا كان نقاشاً نخبوياً. طبعاً، الموقف الرسمي واضح. على المستوى الرسمي، كان هناك استمرار في الدعم، وما زال إلى حدّ كبير بعد الحرب التي فُرِضَت على البلاد.
على المستوى الشعبي وعلى المستوى النخبوي، تجد أن الإجابة على ذلك السؤال تغيّرت عن مرحلة قبل الحرب. القول بأن دعم المقاومة يأتي بمصلحة ليس فقط للمقاومين أمام إسرائيل، بل أيضاً للأمن القومي الإيراني أصبح أكثر قوّة، ونسمعه بشكل أكبر في إيران.
بعبارة أخرى، يرى الإيراني بوضوح أن قوّة المقاومة تعني قوّة إيران، وضعف المقاومة يعني استهداف إيران. فإن أتت الحرب بشيء، فهي زادت من إرادة الإيرانيين، شعباً ونخباً ورسميين، بدعم المقاومة.
ناصر قنديل: اليمن أعلن رسمياً على لسان قيادته: إذا جاءت أمريكا بالحرف لحرب على إيران، فإن اليمن سيعتبر اتفاق وقف إطلاق النار بينه وبين أمريكا لاغياً، وسوف يستهدف السفن الأمريكية والأسطول الأمريكي والقواعد الأمريكية. هل حدث هذا؟ لم يحدث. لماذا لم يحدث؟ لأن إيران لم تتمنَّ، بل توسّلت اليمنيين: رجاءً، لا تهينونا. شعبنا لن يرحمنا، يؤذينا أن يشترك أحد في الحرب دفاعاً عن إيران. هذه مهمّتنا نحن الإيرانيون. الإيرانيون يشعرون بالإهانة إذا تدخّل أحد. كان كل الكلام: إن هؤلاء تربّيهم وتسلّحهم وتموّلهم إيران ليوم الحشر. ما هو يوم الحشر؟ يوم الحرب الأمريكية الإسرائيلية. جاءت الحرب، قاتلت إيران.
محمد فرج: قبل الحرب على إيران، كانت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان قد وصلت إلى ما يقارب 3500 خرق، خروقات برية وبحرية وجوية.
وقبل الحرب أيضاً، كان التغوّل في الأراضي السورية مستمراً في القنيطرة ودرعا، فضلاً عن تثبيت نقاط عسكرية إسرائيلية من جبل الشيخ إلى الرفيد في تلك الفترة.
إسرائيل كاتس قال قبل الحرب: "هذا الاحتلال سيبقى في سوريا إلى وقت غير محدّد"، وقت مفتوح.
من نتائج الحرب على إيران أنها من جهة أولى تسبّبت في انتكاسة معنوية لإسرائيل في جنونها التوسّعي، ومن جهة ثانية أعطت نموذجاً لدول أخرى أن مسار التطبيع ليس هو الطريق الصحيح لِلَجْم إسرائيل. وتعمّقت هذه الصورة بعد استهداف إسرائيل الوفد المفاوض لحركة حماس في قطر في التاسع من أيلول 2025.
ماذا قالت الحرب على إيران لجهة توسّع العدوان الإسرائيلي، ولجهة التطبيع؟
ناصر قنديل: أنا رأيي معادلات المنطقة تغيّرت. الذي يجري الآن من توحّش، من تطبيع، من توسّع، هو استعانة بالاحتياطات من التطبيع.
"تطبيع" هي الدول المُطبّعة أصلاً، لكن غير معلنة.
"تطبيع" هي الدول التي تأمرها أمريكا: "افعلي"، فتفعل ما كانت تأمرها. لماذا؟
لأن هامش إسرائيل كان مرتاحاً، وبالتالي كان التطبيع يريدونه عندما تنضج الشعوب. الآن أصبحت حاجة سياسية وإعلامية، وبالتالي استراتيجية للقول: إن إسرائيل ليست ضعيفة أمام رأيها العام، وليس أمام أحد آخر.
حتى التوسّع، هذا التوسّع عندما يتمّ في الجغرافيا بجيش مكسور الروح، أنا أعتقد أنه نعم، إسرائيل يمكن أن تتوسّع، لكن في المناطق الرخوة مثل سوريا.
ربط النزاع القائم بينها وبين المقاومة في جنوب لبنان، وبينها وبين المقاومة في غزّة، بمعنى عجز عن التسوية وعجز عن الحسم العسكري، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على حدود القوّة الإسرائيلية. وهنا أنا أستعيد لفكرة "القوس المشدود". أنا برأيي أن إسرائيل بلغت مرحلة أن القوس المشدود بلغ حافّة انقطاع الوتر.
محمد فرج: واشنطن أيضاً عادت إلى حجرة التفكّر بعد هذه الحرب وفشل نتائجها الميدانية في تغيير الواقع الاستراتيجي مع إيران.
رافائيل كوهين، المدير في مركز راند للأبحاث، يقول: إن الحرب كانت محدودة بأدوات محدودة لمدة محدودة، ما يعني أن عوائد الحرب كانت محدودة أيضاً.
يناقش في إطار تغيير الاستراتيجيات الإسرائيلية والأمريكية: إما الذهاب إلى حرب أطول، وإما التركيز فقط على الدبلوماسية.
في الحرب الطويلة، يضع مجموعة من المحاذير، منها أن إسرائيل خلال الحرب تجنّبت أن تخسر طيّاريها، ولكن في الحرب الطويلة قد ينفذ حظ إسرائيل. ويقول أيضاً إن الأمريكيين منقسمون بشأن لعب دور مباشر، وهذا قد يجعل إسرائيل من دون ظهرها القوي.
يخلص كوهين في النهاية إلى أن الخيار الأفضل هو تكرار الحرب المحدودة وشراء الوقت لتغيير الظروف.
مراكز الأبحاث الأمريكية تناقش خيارات كثيرة للسياسة الأمريكية المقبلة مع إيران، ولا تتبنّى جميعها طبعاً أطروحة كوهين. منها ما يتحدّث عن استراتيجية "الدّفع إلى الخلف" عبر الدبلوماسية والعقوبات، منها ما يتحدّث عن دبلوماسية متعدّدة الأطراف، ومنها ما يتحدّث عما يسمّى "الحرب الوقائية".
من وسط النقاشات المزدحمة لبنوك التفكير، أين يمكن أن تتوجّه واشنطن؟
وليام لورانس:
حسن أحمديان: إن كانت هناك مواجهة أخرى، هل ستنأى إيران بنفسها أو ستبتعد عن استهداف هكذا قواعد؟ هناك قواعد كثيرة. في السنوات الماضية، شهدنا أن إيران استهدفت مراكز أمنية إسرائيلية في شمال العراق. هل سيتكرّر ذلك في دول أخرى؟ تقديري أن هذا سيكون في المستقبل، لأنه في نهاية المطاف، القدرات التي ستُستخدم ضدّ إيران تؤثّر على أمنها القومي.
وليام لورانس:
محمد فرج: في عددها لشهر أيلول 2025، تنشر Foreign Affairs مادة بعنوان "طرق إلى إيران لم تُؤخذ". تقول الدراسة: إذا كان ترامب لا يريد لإيران أن تذهب في مسار كوريا الشمالية وتصبح دولة مسلّحة نووياً، وإذا كان لا يريد الذهاب إلى حرب أخرى مع إيران، يجب على إدارته التفكير في حلّ دبلوماسي.
يعرض عدد من الدراسات هذه المقارنة بين إيران وكوريا الشمالية، ولكن هذه غالباً ما تتجاهل أن إمكان عزل واشنطن لإيران بالطريقة التي عزلت بها كوريا الشمالية هو أمر غير ممكن وغير قابل للتنفيذ. فلماذا؟
وليام لورانس:
حسن أحمديان: الحالة الكورية مختلفة، لأنه أساساً جغرافية إيران وموقعها وتأثيرها على خمس مناطق تحيط بإيران تختلف فيه إيران عن حالة كوريا. كوريا الشمالية معزولة جغرافياً، لا تؤثّر على مناطق كثيرة. أهم جار لها الصين، وهو الذي يمدّها بالقُدرات، وإمكانية استمرار الاقتصاد الكوري الشمالي.
بينما إيرانياً، هناك مناطق خمسة تحيط بالبلاد، ولذلك الوضع مختلف. وغير ذلك، هناك علاقات إقليمية واسعة لإيران، الخمس مناطق التي تحيط بها. أضف إلى ذلك أن هناك علاقات دولية لإيران أيضاً تبعدها عن الحالة الكورية، مع مجموعة البريكس، وبشكلٍ محدّد روسيا والصين.
النموذج الإيراني لا يمكن بطبيعته الجغرافية وموقعه الاستراتيجي وعلاقاته الإقليمية والدولية أن يعيد إنتاج النموذج الكوري الشمالي. بل ربما ندخل في خانة مختلفة إن تسلّحت إيران نووياً، وهو سؤال كبير، تأثير ذلك على المنطقة وعلى المستوى الدولي سيكون مختلفاً بشكل كامل عن تأثير كوريا الشمالية.
محمد فرج: أكّدت الحرب حجم الحماية الأمريكية لإسرائيل، وأنه لا يوجد عامل يمكن أن يقطع الطريق على هذه العلاقة المستمرة. ولكن من جهة أخرى، أظهرت فجوة بين الرغبات الإسرائيلية في الحرب الشاملة والمستمرة، والمحاذير الاستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وليام لورانس:
أنطوان شلحوت: جاءت هذه الحرب لتثبت أن إسرائيل لا يمكنها أن تكون بمفردها، وأن تخوض حروباً بمفردها من دون دعم وتأييد الولايات المتحدة. هذه الأمور الآن يجري الحديث عنها بشكل جليّ في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وكذلك في الدراسات والأبحاث الأمنية والاستراتيجية.
حالياً، العلاقة الإسرائيلية الأمريكية هي علاقة من التماهي شبه التام، إن لم يكن التام، بسبب وجود إدارة أمريكية داعمة برئاسة دونالد ترامب.
ولكن بالتوازي مع ذلك، يجب أن أشير إلى وجود فجوات في هذه العلاقة على مستوى الرأي العام الأمريكي. ما شهدناه في خضمّ هذه الحرب المستمرة هو أن هناك تململاً إسرائيلياً من ردّات الفعل التي حدثت من جانب بعض أوساط الرأي العام في الولايات المتحدة، والتي تتوقّع =ردّات الفعل هذه بأن تتطوّر في الأيام المقبلة، في السنوات المقبلة.
محمد فرج: أيّ جولة تفاوض جديدة بين واشنطن وطهران بعد الحرب محكومة بمعطيات مختلفة عن التفاوض قبلها. منسوب الثقة بالدبلوماسية الأمريكية في تراجع مستمر.
قبل الحرب، كان منبع عدم الثقة هو الانسحاب غير القانوني من الاتفاقيات الدولية، كما حدث في انسحاب ترامب من خطّة العمل الشاملة المشتركة عام 2018.
بعد الحرب، يضاف عنصر عدم ثقة جديد وهو أن الحرب حدثت أصلاً وسط جولات المفاوضات.
تسويات ما بعد الحرب جزء من التفاوض. فتعويضات الخسائر الإيرانية المادية والمعنوية تجد طريقاً إلى طاولة التفاوض.
الغموض النووي كبديل من الشفافية النووية حق لإيران. فبعد أن كانت مكافأة الشفافية النووية الإيرانية هي الحرب، فمن حقّ إيران الذهاب مرحلياً أو استراتيجياً إلى خيار الغموض النووي. ومن حقّها أيضاً تقييد إجراءات التفتيش للوكالة التي سلّمت معلومات عن المنشآت النووية الإيرانية لأطراف شنّوا حرباً عليها.
في دراسة منشورة في "Foreign Affairs" بعد الحرب بشهرين، بعنوان "الطريق إلى اتفاق جيّد مع إيران"، تقول: الإيرانيون مصمّمون على شروط مسبقة للتفاوض لا تقبلها واشنطن، مثل تقديم ضمانات بعدم الهجوم على إيران خلال المفاوضات. أية محدّدات يمكن أن تحكم المنطق التفاوضي في المستقبل؟
حسن أحمديان: المسار الدبلوماسي مع الدول الغربية يُبنى على واقعين:
واقع الحرب التي فُرِضت على إيران، وواقع النقاشات التي سبقت الحرب التي فُرِضت على إيران.
الحرب قالت لإيران بأنه لا يمكن الوثوق بأيّ شكل من الأشكال. سابقاً كان يُقال بأنه لا يمكن الوثوق بأن المفاوضات تُفضي إلى حل.
اليوم يجري الحديث عن أنه لا يمكن الوثوق بأن المفاوضات لن تُستخدم لخديعة أخرى لفرْض عدوان جديد على إيران.
لذلك، الصورة من التفاوض مع الدول الغربية - بشكل محدّد الولايات المتحدة - تغيّرت. هذا لا يعني بأية حال من الأحوال أن إيران لن تترك الباب مفتوحاً للتفاوض.
وليام لورانس:
حسن أحمديان: ربما سنشهد ميلاً أمريكياً أكبر للتفاوض، ونأياً إيرانياً أكبر من التفاوض. لكن هذين الاتجاهين سيلتقيان في نهاية المطاف في منطقة ما أو على إطار ما، وربما يفضي ذلك إلى اتفاق.
في الجولات التي مرت من المفاوضات الإيرانية الأمريكية، الأمريكيون لم يكونوا واضحين في الاتجاه والإطارات التي يريدون تمريرها. في الجولات الأولى حتى الرابعة، لم يكن هناك طرح أمريكي. في الجولة الأخيرة التي ربما أتت نتيجة المفاوضات الإسرائيلية الأمريكية وقرب موعد الحرب، شهدنا أو هكذا يُطرح أنه شهد فريق التفاوض الإيراني جموداً أمريكياً: يُطرح على الطاولة ما يعلمون أنه لن يُقبل إيرانياً، ويُقال: عليكم أن تقبلوا بذلك، وإلا فلا شيء.
فلذلك، العملية التفاوضية مضت باتجاه الحرب.
هل يمكن تغيير ذلك في المستقبل؟ هناك مَن يشكّك، وهناك مَن يرى بأنه هناك جدوى للتفاوض مع الولايات المتحدة.
هذه الحال من الغموض يُراد لها بناء أوراق ضغط أمام الأطراف الغربية. البعض يتحدّث غربياً بأن هذه الحالة من الغموض قد تفضي إلى إعلان مختلف الحال النووية أو التسلّح النووي.
إيرانياً، النقاشات تأخذ اتجاهات مختلفة. لا يوجد إجابت واضحة، لأن المُراد من حال الغموض أساساً أن لا تكون هناك إجابة واضحة.
طبعاً، لاحظ: قبل الحرب، خرج شخصان مهمّان، اليوم أحدهما تسلّم منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، السيدّ علي لاريجاني، وشخص آخر أيضاً مستشار للمرشِد الأعلى في إيران، السيّد خرازي. الرجلان تحدّثا بذات الاتجاه: وإن استُهدفت البلاد، فمن الممكن، لم يقطعا بالموضوع بل تحدّثا عن إمكانية انتقال إيران من عقيدتها النووية الموجودة وقتها إلى عقيدة نووية مختلفة. من الممكن أن تغيّر إيران عقيدتها النووية، هكذا قال الرجلان. وهذان الشخصان لا يتحدّثان عن الهواء. هناك ما يُطرح من قِبَل هكذا شخصيات يشير إلى واقع النقاشات على مستويات عليا.
محمد فرج: جميع استطلاعات الرأي العام العربي تقول إن نسبة ساحقة منه ضدّ التطبيع مع كيان الاحتلال، ضدّ جرائمه في فلسطين ولبنان واليمن. ولكن كيف أثّرت هذه الحرب في هذا الرأي العام بشأن إيران التي قاتلت إسرائيل بشكل مباشر؟
ناصر قنديل: أنا أعتقد أن السؤال الأصعب على الرأي العام العربي هو التالي: هل يتمّ الاختباء وراء العداء لإيران لتبرير التخاذُل في نُصرة فلسطين؟
لا، رأيي: العداء لإسرائيل والفرحة بالصواريخ الإيرانية التي استهدفت إسرائيل كان باهراً في الشارع العربي. لكن بعد نهاية الحرب، لم نرَ أن هذا تحوّل إلى عنصر حاضر في الحياة السياسية والإعلامية العربية لصالح تقارُب عربي إيراني.
فقط استطراد صغير: في الماضي، كنا نقول إن تقرّب إيران من العرب من البوابة التي تمثلها القضية الفلسطينية. أخشى أن نكون بلغنا مرحلة أن تقرّب العرب من القضية الفلسطينية بوابته هو علاقة طيّبة مع إيران.
محمد فرج: الحرب الثانية بين إسرائيل وإيران مقبلة، هذا ما تقوله Foreign Policy في تقريرها في شهر آب 2025. يقول التقرير: في الجولة المقبلة، ستضرب إيران بطريقة حاسمة من البداية لتبديد أية فرصة للهيمنة العسكرية الإسرائيلية.
الحرب المقبلة ستكون أكثر دموية. وإذا خضع ترامب للضغوط الإسرائيلية مجدّداً، فإن الولايات المتحدة ستواجه حرباً تكون الحرب على العراق سهلة بالمقارنة معها.
ما هي احتمالات أن نشهد حرباً ثانية؟
أنطوان شلحوت: برأيي أنه نعم، ممكن أن تتجدّد. ودليلي إلى ذلك هو أنه لأول مرة في تاريخ الحروب الإسرائيلية، تُسمّى هذه الحرب، خصوصاً من جانب الأبواق التي تروّج لسياسة نتنياهو ولسياسة الحكومة الحالية، "حرب إيران الأولى". هذا إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على أنه ستكون هناك ربما "حرب إيران الثانية" و"حرب إيران الثالثة".
إذا قارنّا ذلك بالحرب الإسرائيلية على لبنان سنة 1982، لم تُسمّ في حينه "حرب لبنان الأولى"، سمّيت "حرب سلامة الجليل". ولكنها سمّيت "حرب لبنان الأولى" بعد أن شنّت إسرائيل حرب تموز/يوليو 2006 وأسميتها "حرب لبنان الثانية". وأيضاً، الحرب التي خاضتها إسرائيل الآن ضدّ حزب الله، هناك مَن أسماها "حرب لبنان الثالثة".
حسن أحمديان: نحن إزاء واقع فُرض على إيران، استُخدمت فيه الاستخبارات والقوى الأمنية بشكل كبير في بدء الحرب. لكن نعلم من الخبرة السابقة في ملفات عدّة أن هذه القُدرات يجري بناؤها لعدّة سنوات، ثم تُستخدم دفعة واحدة.
هل يمكن لإسرائيل أن تبني ذات الشيء وأن تستخدم ذات القُدرات لمُباغتة إيران مرة أخرى؟
ثم، هل يمكن لإيران أن تباغِت مرة أخرى من ذات الطريقة وبذات الشكل؟
هذه طبعاً تقديري أنها بعيدة عن الواقع. ولذلك، المُهوّلون من قرب موعد حرب ثانية بين إيران وإسرائيل، برأيي أن عليهم التريّث ومراجعة هذه النقاط والتحدّيات التي شابت العملية السابقة، وإمكانية تغيير واقع الحرب من قِبَل إيران. لأنه في نهاية المطاف، إيران لن تقف كما كانت في السابق تنتظر لتُفرَض عليها حرب، ثم تقوم بالرد.
ناصر قنديل: قلائل الذين هم ينتبهون أن رئيس أركان الجيش الأمريكي عندما تحدّث عن ضربة فوردو قال: "لقد أنفقنا 15 عاماً في التحضير لهذه الضربة". وعندما تحدّث نتنياهو عما أعدّه استخباراتياً لإيران وحزب الله قال: "نحن 20 عاماً ونحن نستعدّ لهذا النوع من العمليات".
أعتقد أن أمريكا وإسرائيل أفرغتا ما في جيبَيْهما مما تمّ تحضيره طوال عقدين. وبالتالي، عندما تنجح إيران الآن بأن تثبت وجودها بعد هذا، فإن الزمن المفتوح أمامها هو زمن لا تستطيع أمريكا وإسرائيل شنّ حرب جديدة، لكن تستطيع إيران بناء معادلات قوّة جديدة.
محمد فرج: 12 يوماً من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كانت نتيجتها الفشل. ثلاثة عناوين كُتبت بالدم:
أسوار إيران عالية ومنيعة.
لا حدّ فاصل بين الوحشية الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأمريكية.
أعلى من صوت الجرس، الإيراني بمواجهة الاحتلال لم يتبَقَّ.
فمَن يسمع؟