لماذا تقبل ألمانيا تلقي الأوامر من أميركا؟

نص الحلقة

 

جورج غالواي: إسمي "جورج غالواي"، مُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية. لا أراوغ في كلماتي بل أقول كلمتي حرّة وكذلك يفعل جمهوري. إذاً برنامج "كلِمة حرّة" هو كلمة حرّة لي وكلمة حرّة لكم، تابعونا  

مقدّمة:

جورج غالواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديثٍ عن (ألمانيا) وبالتأكيد عن القارّة الأوروبيّة بأكملها. (ألمانيا)، البلد الأقوى في (أوروبا) والاقتصاد الأكبر هناك بات يواجه مأزقاً كبيراً إلى درجة اضطرار المُستشار الألماني إلى التوجّه بسرعة نحو (الصين) في محاولة لإنقاذ علاقة (ألمانيا) مع خصمٍ واحد على الأقل من خصوم (الولايات المتّحدة) الأساسيين. لم يقتصر الأمر على تفجير بنيتها التحتيّة الحيويّة، أي خط أنابيبها "نورد ستريم 2"، على يد (بريطانيا) و(الولايات المتّحدة الأميركيّة) على الأرجح، لكنّ الشعب الألماني يجوب حالياً الغابات ويقطع الأشجار للحصول على تدفِئة. من الصحيح أنّ (ألمانيا) باتت تخسر مصانعها أيضاً، فبعض الشركات مثل BASF أغلقت أبوابها في البلاد وانتقلت إلى (الصين) وبعضها الآخر ينتقل إلى (الولايات المتّحدة). فضلاً عن المصانع، يتقدّم الألمان بطلب الحصول على بطاقات الإقامة الدائِمة في (الولايات المتّحدة) بأعداد كبيرة مع انتقال صناعاتهم إلى أماكن تتوافر فيها كميّات من الوقود والطاقة على الأقلّ. يُعزى ذلك مباشرةً إلى اعتماد (ألمانيا) أكثر من أيّ بلد في (أوروبا) على (روسيا) لمدِّها بالطاقة، خمسون في المئة من الطاقة الألمانيّة مستوردة من البلد المجاور لها في الشرق الذي يواجه حالياً عقوبات قاسية، لكن هذه ليست مشكلة (ألمانيا) الوحيدة. (ألمانيا) تضمّ عدداً هائِلاً من اللاجئين القُدامى وطالبي اللجوء وأنواعاً أخرى من المهاجرين الذين باتوا يشكّلون حالياً جيوباً من العاطلين عن العمل، ويُلقي السكّان الألمان باللّوم عليهم نتيجة مستويات البطالة والعمالة الناقصة وانعدام الأمن الوظيفي الذي تشهده البلاد. (ألمانيا) التي قدّمت في السابق الدعم للمناطق الأشدّ فقراً في (أوروبا) عليها أن تتّخذ الآن إجراءات تقشّفيّة لأنها رسمياً في حال ركود اقتصادي. إضافةً إلى ذلك، يواجه قطاعها المصرفي خطر الانهيار الشديد، فمصرف "دويتشه بنك" على وجه التحديد هو من المصارِف التي يراقبها معظم المراقبين لرؤية علامات تدلّ على أنّه سيكون أوّل قطعة دومينو مصرفيّة ستسقُط في الجولة الثانية من انهيار المصارِف بعد انهيار عام 2008 الذي لم تتعافَ منه البلاد كلياً. لدى (ألمانيا) حكومة أقليّة يقودها "شولتز"، الجندي الصغير كما أُسميّه، الذي يعتمد بالكامل على "حزب الخضر" الذي يُشجِّع في الوقت نفسه على شنّ حرب قد تعتقدون أنّها مضرّة قليلاً بالبيئة، وهو أيضاً عاشق للمساحات الخضراء والشعوذة والسحر بجميع أنواعه ما يؤدّي بصورةٍ متزايدة إلى نفور أغلبيّة الشعب الألماني منه. الاستقرار الذي حقّقته "أنجيلا ميركل" في (ألمانيا) على مدى سنوات عديدة يبدو الآن كأنّه صفحة من صفحات الماضي. لكن بالطبع، عندما يصيب (ألمانيا) أيّ مكروه تتأثّر (أوروبا) برمّتها، بالتالي أيّ انهيار قد تشهده (ألمانيا) قد يطاول بلداناً أُخرى في القارّة الأوروبيّة وهذا يشمل (بريطانيا) التي لم تعد عضواً في (الاتّحاد الأوروبي) لكنّها لا تزال من دون شك تتأثّر كثيراً بالأحداث هناك. كما جرت العادة، أنا مُحاط بمجموعة من الخبراء المُتميّزين وأنا الهاوي المُتحمِّس الوحيد بينهم                   

المحور الأول 

جورج غالواي: لنستهلّ الحديث مع أحد أسياد "بريكست"، "روبرت أولدز" هو أحد أعضاء "مجموعة بروج للأبحاث"، وهي إحدى المؤسّسات التي كانت تنادي (بريطانيا) بأعلى صوتها على مدى سنوات للخروج من (الاتحاد الأوروبي) ونالت مرادها في نهاية المطاف وكنت أحد حلفائِها على اليسار. نلنا مرادنا وحصلنا على "بريكست" لكننا لم نخرُج من (أوروبا) أليس كذلك "روبرت"؟ ما يحدث في (أوروبا) يطاولنا بصورة كبيرة. كيف ترى مستقبل (ألمانيا) القريب؟ 

روبرت أولدز: (ألمانيا) في مأزق كبير، جميع القرارات التي اتّخذتها في الآونة الأخيرة كانت خاطئة خلال اعتمادها على الغاز الروسي. ها هي الأنابيب قد فُجِّرت وباتت (ألمانيا) الآن تعتمد على الغاز الأميركي الذي يُباع لها بأسعار باهظة. أّما قطاع السيارات الذي حقّق نجاحاً كبيراً في (ألمانيا) بعد الحرب، فقد راهن المنتجون فيه بشدّة على وقود الديزل، ومن ثم انتشرت فضيحة "ديزل غايت" التي تشير إلى تلاعب منتجي السيارات بنتائِج الاختبارات لأن هذه السيارات كانت ملوِّثة جداً للهواء وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون كانت ربما بنسبة أقلّ، لكن "أوكسيد النيتروجين" والجسيمات التي تؤثِّر بالفعل في صحّة الإنسان كانت تنبعث من مخارِج سياراتهم بكميّات هائِلة وأُلقيَ القبض عليهم مُتلبّسين وواجهوا غرامات بقيمة ملايين الجنيهات الإسترلينيّة. بالتأكيد، باتت الهيئات التنظيميّة تنقلب ضدّ وقود الديزل، لذا (ألمانيا) في مأزق كبير. لكن ما نشهده بالطبع هو فوضى من صنع أيديهم إلى حدٍّ ما، فقد صنعوا الثروات بصورة كبيرة منذ عام 2001 من خلال استغلال البلدان الأُخرى في (أوروبا)، استخدام عملة اليورو بقيمة مُتدنية جداً قد يؤدّي إلى استغلال تكاليف وحدة العمل التنافسيّة في (ألمانيا)، فاستطاعت تدمير اقتصادات الدول الأُخرى على أطراف (أوروبا) من خلال بيع صادراتها واعتماد اقتصاد قائِم على التصدير، وهو ما جعل (ألمانيا) غنيّة جداً على حساب بلدان أُخرى لم تستطع منافستها. من هذا المنطلق، الألمان يتحمّلون تبِعات ما قاموا به، واقتصادات هذه البلدان مُدمّرة على يد (ألمانيا)، فضلاً عن الركود الاقتصادي العالمي الذي نشهده الآن مُجدّداً. (ألمانيا) تخسر أسواقها وستكون في مأزق كبير، لكن بالطبع، هذه فوضى من صنع يديها ولحُسن الحظّ (بريطانيا) خارِج ذلك. كما ذكرت، سيُدمّر نظام (ألمانيا) المصرفي أيضاً ولو كانت (بريطانيا) لا تزال ضمن (الاتحاد الأوروبي) ستكون مسؤولة عن ديون (ألمانيا) وكنّا سنضطرّ إلى الدفع في الوقت الذي لا تستطيع فيه (ألمانيا) تسديد قروضها للدائنين. لحُسن الحظ نحن خارج هذا الأمر الآن، وبالتالي نحن في معزل بعض الشيء وربما ذلك أمر جيِّد لأنّ الاقتصاد الأوروبي بات مُتصلّباً بفضل (ألمانيا)، فقد عبثت بالنظام واستخدمت (الاتّحاد الأوروبي) لوضع قوانين تدعم أضخم منتجيها وصنّاعييها وتكتّلاتها. "جيمس دايسون" رجل الأعمال البريطاني أراد وضع أنظمة تصبّ في مصلحة صناعته، لكن (الاتّحاد الأوروبي) أدخلَ أنظمة تصبّ في مصلحة الصناعة الألمانيّة، بالطبع كانت ستفعل ذلك لأنها مناهضة للمنافسة وتُفقِر البلدان المجاورة لها، و(أوروبا) من دون قيادة (ألمانيا) هو أمر جيّد جداً

جورج غالواي: الضغوط الاجتماعية التي سبّبها أحد أفعالهم هذه على مرّ العقود تُعدّ ضغوطاً شديدة، وأشير هنا إلى جرّ عدد هائِل من العمّال المهاجرين. كيف ترى انعكاس ذلك على الوضع في (ألمانيا)؟ 

روبرت أولدز: لطالما كان هذا النهج الألماني المُتّبع حتى خلال الحرب العالميّة الثانية، فقد أدخلوا الرقيق واليد العاملة الرخيصة إلى البلاد، وغالباً ما كانوا يُدخلون الرقيق من أجل إنتاج أسلِحتهم بعد الحرب واليد العاملة الرخيصة من (تركيا) للعمل في قطاع السيّارات، ومن ثمّ كانوا يُهدّدون العمّال قائلين: " إذا لم تقبلوا بأجور منخفضة فسنستبدلكم بموجاتٍ جديدة من المُهاجرين"، ومن ثمّ أدخلوا المزيد منهم وفتحت "أنجيلا ميركل" الأبواب للكثير من اللاجئين السوريين ولأشخاص هم في الأساس مهاجرون اقتصاديّون لكن بلدانهم كانت أساساً مُدمّرة بالكامل جرّاء قصف "الناتو" لـ (ليبيا) أو (أفغانستان) في بعض الحالات فقدموا إلى (ألمانيا) وظنّ الألمان بأنّهم سيحظون على منجم من اليد العاملة الرخيصة، لكن هذا الأمر لن يعود بالفائِدة إلا في حال تنامي الاقتصاد وقدرة (ألمانيا) على توفير فُرص عمل، لكنها لا تستطيع فعل ذلك حالياً. بالطبع، خسرت (ألمانيا) الكثير من الأصدقاء لأنّها واجهت مُشكلة المهاجرين الكبيرة فحاولت دفعهم إلى الخارِج نحو بلدان أُخرى في (أوروبا الشرقيّة) كـ (بولندا) و(المجر) اللتان مانعتا ذلك. بالتالي، عزلت (ألمانيا) نفسها في (أوروبا) وحاولت ممارسة التخلّي الاجتماعي عن المهاجرين الذين استقبلتهم عن طريق الخطأ ظنّاً منها أنّ ستتمكّن من استيعابهم وها هي تدفع الثمن، لكن بلدان أخرى ستتأثّر عقب ذلك

جورج غالواي: "تشارلز كيلي"، أنت تُقدِّم "بودكاست" عن الشؤون المالية ومؤلِّف، هل تعترف بـ (ألمانيا) التي وصفها "روبرت"؟                  

 تشارلز كيلي: نعم، أعترف بها. قضيت فترة طويلة في (ألمانيا) في الماضي واعترف بما قيل عن المهاجرين أيضاً عندما فتحت "أنجيلا ميركل" الأبواب أمامهم وقد يكون ذلك سبب موجة الهجرة هذه التي لا تزال قائِمة حتى اليوم بغضّ النظر عن سياسة الهجرة وجعل المهاجرين يهاجرون إلى هناك. ذهبت إلى (ألمانيا) منذ سنوات وكان أصدقائي الألمان يردّدون نكتتين دائماً، إحداهما تتعلّق بالسيّارات ويقولون، وأعتذر عن اللهجة، في (إنكلترا) لديكم سيّارة "الجاغوار" لكنّكم تحتاجون إلى سيّارتين منها، إحداها في الكراج للتصليح والأُخرى للقيادة

جورج غالواي: لم يُخطئوا في ذلك بالطبع

تشارلز كيلي: هذا صحيح، فلديهم "المرسيدس". والنكتة الأُخرى كانت عن التضخّم لدينا، فسألتهم: لماذا معدّل الرهن العقاري لديكم منخفضاً أكثر من بلادنا؟ فأجابوني: " بسبب التضخّم في بلادكم". لا تضخّم عندنا في (ألمانيا)"، أكيد ليس منذ (جمهوريّة فايمار) ولهذا السبب في رأيي هم يخشون التضخّم بشدّة. لكن ما يحدث اليوم هو مأساة، ذكرت حضرتك BASF وتحدّثت عن الركود الذي ستشهده (ألمانيا) العام المقبل، ثمّ لديك "البنك المركزي الأوروبي" وأودّ أن أقتبس مقطعاً من تصريحات مسؤوليه حينما قالوا إنّهم سيستمرّون في رفع أسعار الفائِدة لبلوغ هدفهم المتمثّل في تضخُّم بنسبة 2 %، أي أكثر من النسبة المطلوبة لإلحاق الألم في سوق العمل، أرادوا إلحاق الألم. استخدموا كلمة "ألم" في هذه الأوقات العصيبة مالياً ويبدو أنّهم غير مبالين. أحد ضيوفك في الأسابيع القليلة الماضية قال إنّهم لا يكترثون لأمر الناس العاديين الذين سيُعانون عندما تُقَرّ هذه السياسات، سيضعون العالم في مأزق مع طباعة هائلة للنقود على مقياس صناعي، 30 ترليون دولار طُبعت منذ الأزمة الماليّة الأخيرة ولا عجب من وجود تضخّم. الأمر ليس لأننا ننفق الكثير ونستمتع بذلك، بل لأنّ قيمة المال تنخفض كلّ عام بنسبة 10 % عن العام الماضي. وعلى الناس العاديين الآن أن يعانوا نتيجة أخطاء هؤلاء الأشخاص في حين أنّهم يلحقون الألم في سوق العمل، بالنسبة لي هذه مأساة حقاً

جورج غالواي: "جوزيف روبرتسون"، أنت المدير الاستراتيجي لـ "مجموعة المحافظين الأُرثوذكس. هل غياب حكومة مُحافِظة في (ألمانيا) اليوم هو ما ورّط البلاد في أزمة كهذه؟ وهل يستطيع الاشتراكيّون الديمقراطيّون، كما يُسمّون أنفسهم، مع حلفائّهم الخُضر أن يصمدوا سياسياً في وجه هذا الألم الذي سيُلحقونه بشعبهم؟

جوزيف روبرتسون: أعتقد أنّ الفوضى التي تُسبِّبها العولمة باتت تقترب من نهايتها وهي تتخطّى الأيديولوجيّات وتتجاوز الحدود القوميّة، فهي تأكل من نواة (ألمانيا) وتؤثِّر على (أوروبا) بأكملها، وبعض البلدان قد طفح بها الكيل. إذا نظرنا إلى البلدان الأُخرى نُلاحِظ أنّ (السويد) باتت تحيد عن التزاماتها تجاه أجندة عام 2030 و"الانبعاثات الكربونيّة الصفريّة". في رأيي، ما نراه في (ألمانيا) يمثّل استبدالاً للكبرياء القومي. فقد تركت (ألمانيا) تاريخها السيادي العسكري مع جميع هذه الأسلِحة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتوجّهت نحو العولمة كمصدر للكبرياء القومي. أرادت أن تتولّى دوراً قيادياً في المشروع العالمي وإحداث تغيير من الناحية الاقتصاديّة، وها هي تُعاني من عواقب ذلك. لأنّ في ظلّ تراجع الصناعة، باتت (ألمانيا) تتصرّف بتهوُّر وتفقد صوابها وتعتقد أنّه لا تزال ثمة فرصة لإنجاح الأمور. أضحت تبتعد عن الموارِد الطبيعيّة وتعتبر أنّ الطاقة الخضراء هي المُنقذ في كل هذا، لكن الواقع هو أنّ ما من بلد في العالم يمتلك شبكة طاقة خضراء ولا يُمكنه تحقيق ذلك في وقتٍ قصير جداً كهذا، لا سيما في ظلّ أزمة ماليّة. حقيقة اعتمادهم الكبير على الطاقة الروسيّة هو قطعة إضافيّة من كبريائهم القومي لأنها أظهرت أنّ في إمكانهم الوقوف لوحدهم في العالم وأن يصبحوا مثالاً للعولمة من دون أن يحتاجوا إلى مواردهم الخاصّة ويمكنهم أن يجعلوا من (ألمانيا) (دافوس) الجديدة، فباتوا مثالاً للعالم بأسره. الأمر يقف الآن عند مسألة كرهنا أو عدم كرهنا لذلك وإن كنّا نودّ أن نلحق بهم نتيجةً لذلك 

جورج غالواي: لست واثقاً من أنها أمثولة أم مُحاكاة ساخرة! المكان المتناقِض والمهمّ في الحكومة لـ "حزب الخضر" الذي يُطالب بشنّ حروب لا نهاية لها على الموارد الطبيعية قد دفعَ بالألمان للخروج إلى الغابات بحثاً عن أشجار ليقطعوها

جوزيف روبرتسون: أعتقد أنّه يُمكننا أن نربط ذلك بما يحدُث في (بريطانيا). دعنا ننظر إلى محطّات "دراكس" لتوليد الطاقة، هي مشاريع طموحة للأجندة الخضراء. لم نتكلّف عناء قطع أشجارنا بأنفسنا لأننا لا نريد أن نفعل ذلك بعد الآن، عوضاً عن ذلك أصبحنا نستورِد 80 % من الخشب الذي تستهلكه محطّات "دراكس" من (أميركا)، وذلك يسبب نفس الشيء تقريباً مع أنه يبدو غريباً بعض الشيء اقتصادياً. لكن الألمان فاقموا الوضع ولم يستجيبوا للأزمة من خلال فتح مصانع الفحم والتوجّه بكامل قواهم نحو الطاقة النووية والبحث عن مخرج، بل استمرّوا في تأثير هذه الكرة الثلجية المتفاقم من خلال الانسحاب من الخيارات الأُخرى المتاحة للحصول على الطاقة

جورج غالواي: دفعوا لـ (جنوب أفريقيا) و(إندونيسيا) ليحدّا من استخراجهما للفحم، والآن هم يبتاعون الفحم من هذين البلدين، أنا لا أختلق ذلك. لنستمع إلى رأي ألماني، " مايكل سيفورت" هو ألماني يعيش في (المكسيك) وعاش سابقاً في (الولايات المتّحدة). هو صحافي إثنوغرافي وصانع أفلام وثائقيّة بارز. شكراً لك لانضمامك إلينا أيها الصديق  

مايكل سيفورت: هذا من دواعي سروري 

جورج غالواي: لماذا (ألمانيا) هي أكثر مَن يُعاني بسبب العقوبات المفروضة على (روسيا)؟ أُصنّف هذا الأمر في المثل الصيني القديم الذي يقول: "عانوا الأمرّين ليرفعوا صخرة وإذ بهم يوقعونها على قدميهم"، والألمان أكثر مَن تضرّر أليس كذلك؟ 

مايكل سيفورت: أولاً يجدُر بنا أن نُشير إلى أنّ (ألمانيا) مبنيّة كدولة صناعيّة، الجميع يقولون إنّها دولة مُصدِّرة وما إلى ذلك لكن في الأساس، هي عبارة عن مجموعة من آلاف الأعمال التجاريّة العائِليّة الصغيرة، أعمال تجاريّة عائليّة تتضمّن نحو خمسين موظفاً لكن في بعض القرى مصانع تنتج منتجات دقيقة أو سلعاً قيِّمة تعتمد إلى حدٍّ كبير على التصدير. الصناعات الألمانيّة ما عدا شركات "فولكس واغن" و"سيمنز" و"بايرون" وغيرها لا تعتمد في الحقيقة على "وول ستريت" أو إئتمانات مماثلة، فهي قوّة منتجة في حدّ ذاتها. إذا وقعت أزمة ماليّة في (الولايات المتّحدة) سيكون الانهيار وشيكاً في مرحلةٍ ما لأنّ المصارِف ستنهار و(أميركا) ستليها لكن الأمر مُختلف في (ألمانيا). العقوبات المفروضة حالياً لا تؤثِّر في قطاع الطاقة وسوق العمل فحسب أو في إمكانيات التصدير والآلة التي تمثّلها (ألمانيا)، بل تؤثِّر أيضاً في الأُسَر الألمانيّة نفسها التي تُمثِّل الصناعة، فهي ليست بلدَ عمّال بل بلدٌ قائِم على الأعمال التجاريّة الصغيرة. حرفيّاً يوجد آلاف الأعمال التجاريّة في كلّ قرية في (ألمانيا)، فكّر في أنّهم يصنعون ستة آلاف نوع من البيرة، هذه الشركات تُنتِج ملايين الزجاجات من البيرة لكنّها لا تُصدّرها إلى الكوكب بأكمله، هم ينتجونها أكثر فأكثر. العجلة الإنتاجيّة اليوم تُعيقها العقوبات لأنّ وجودها إلى جانب التضخّم الذي يبلغ 10 % يحمِل تبِعات. بات الناس اليوم يدفعون عشرة أضعاف ما كانوا يدفعونه للحصول على الطاقة كالخبّاز واللحام ومَن يعمل في صناعة الآلات، وهذا الأمر يُثقل كواهلهم

جورج غالواي: (أوروبا) تدفع الثمن بالفعل لكن (ألمانيا) تكبّدت الخسارة الكُبرى. المصانع الألمانيّة تُغلِق أبوابها حرفياً لتعيد افتتاحها خارِج البلاد ويصطفّ الألمان في الطوابير للحصول على بطاقة الإقامة الدائِمة في (الولايات المتّحدة). هل تقول إنّ هذا هو مصير (ألمانيا) في عام 2022؟ 

مايكل سيفورت: للأسف هذا هو الواقع. في أواخر التسعينيّات اتّخذ المُستشار الألماني الشهير الديمقراطي الاشتراكي "غيرهارد شرودر"، النهج الشبيه بنهج "ترامب" لإدارة السياسة، فاستقلّ طائِرة ألمانيّة شبيهة بـ "إير فورس وان" وكان معه خمسون أو ستّون من أبرز المديرين التنفيذيين في الصناعة وطار بهم إلى (السعودية) و(الصين) وحول العالم لإبرام صفقات وتمتّعت (ألمانيا) بالازدهار الذي تلا ذلك لأنّ النهج الذي اتّبعه كان عملياً. نحن قوّة تصديريّة تُنتِج بضائِع ممتازة ولا تنحصر منتجاتنا بخيوط تنظيف الأسنان فحسب بل ننتج آلات عالية الدقّة، وهو ذهبَ ليبيعها للجميع وبالفعل اشتروها

جورج غالواي: كيف يُمكن للألمان، الذين تسبقهم سمعتهم في أنهم شعب عقلاني وكادح، أن يوافقوا على جملة من الإجراءات التي كانت غير عقلانيّة إلى حدٍّ كبير من منظور المصلحة الوطنيّة الألمانيّة وقد تؤدّي إلى خراب اقتصادي؟ 

مايكل سيفورت: لا أعتقد أنّ الألمان يفعلون ذلك ولا حتى أظنّ أنّها أزمة اقتصاديّة كما نُسمّيها، لأننا إذا نظرنا إلى ما تتّخذه الحكومة من إجراءات، أعني هي تبني مشروعاً بقيمة مليار دولار في (برلين) لاستضافة الحكومة الألمانيّة الجديدة أياً كانت، وإذا كان في إمكانها إنفاق مليار دولار على البنى التحتيّة لأغراض سياسيّة وإداريّة فهذا يعني أنّها تمتلك المال ولديها خُطط، لكن الخطط لا تشمل في الحقيقة الشعب الألماني، وأعتقد أنّ تراجع الصناعة لا يعود إلى الذكاء الاصطناعي والتشغيل التلقائي بل ببساطة إلى مَن يدعونهم "الآكلون عديمو الفائِدة". بالتالي، هناك ملايين الألمان الذين لا يؤدّون أيّ دورٍ أساسي وسيتم الاستغناء عنهم. لذا، الشعب الألماني لا حيلة له في الأمر، وهذا عبارة عن تدمير ذاتي لا يمُتّ إلى المنطق بصِلة. مثلاً، في إمكاننا أنا وأنت أن نُجري محادثة عبر تطبيق "زووم"، وإذا كنت أستاذاً في إمكانك التحدّث مع ثمانين ألف طالب ولن تدعو الحاجة إلى العدد نفسه من الأساتذة أو إلى عشرة آلاف منهم للقيام بالتدريس، شخص واحد يمكنه تدريس ثمانين ألف طالب. بالتالي، تكتسح التكنولوجيا الساحة، وفي عام 1848 اكتسحت الصناعة (ألمانيا) وتسبّب ذلك في أزمة اقتصاديّة ودامت هذه الأزمة 170 عاماً، علامتنا التجاريّة هي عبارة عن سلسلة من الأزمات إلى حدٍّ ما. لذا، هذا ما لم تكُفّ الحكومة عن القيام به، لكن في هذه المرحلة بدا الأمر يتعارض تماماً مع التوصّل إلى نتائِج هادفة، فلا يُمكننا استضافة خمسة ملايين لاجئ، ثلاثة ملايين من (سوريا) و(الشرق الأوسط) ومليون من (أوكرانيا)، لا يمكننا فعل ذلك وعليهم العودة إلى بلدانهم. سيضطرّون إلى الاندماج في مُجتمعاتنا والقبول بوظائِف ذات أجور منخفضة وسيحلّون مكان نصف القوى العاملة الألمانيّة في السنوات القليلة المقبلة، ماذا سيفعل هؤلاء الناس؟ هم يطلبون من المتقاعدين الألمان أن ينتقلوا للعيش في (اليونان) حيث الطقس دافئ لأنّ راتبهم التقاعدي لا يستوفي متطلّبات المعيشة في (ألمانيا) وسيموتون من البرد، هذا كلّه غير منطقي، وفي الوقت نفسه تُنشئ (الولايات المتّحدة) المراكز القياديّة وتأتي بالمفاهيم العسكريّة التي تخدم مصالِحها وتستثني المصالِح الألمانيّة. لا أعتقد أنّ (ألمانيا) ستجني أيّ فائِدة من "الدائِرة القطبيّة الشماليّة" والطرق التجاريّة إلى (الصين)، هذه كلّها استفادة أميركية. لذا، الصورة الكبرى التي أراها والتي تتمحور حول "الدائِرة القطبيّة الشماليّة" تفيد بحرق (أوكرانيا) وتقويض (ألمانيا) لأنّهما لا يحملان أيّ أهميّة بالنسبة للحكومات التكنوقراطيّة الكبرى أو أياً يكن إسمها حول العالم. لذا، أعتقد أنّ الشعب الألماني ليس له أيّ يد في هذا الموضوع

جورج غالواي: (ألمانيا) بلد مستقلّ وذو أهميّة كبيرة، لماذا تقبل (ألمانيا) أن تُملي (الولايات المتّحدة) عليها ما تقوم به؟ 

مايكل سيفورت: لكي أختُم النُقطة، تعليقي الأخير هو التالي: سمِعتم بالمُصطلح الألماني الذي يتحدّث عن أولئِك الذين يعتبرون "بوتين" شخصاً ذكياً على نحوٍ عقلاني، يدعونهم بـ "المتعاطفين مع بوتين" أو الأشخاص الذين يتفهّمونه، وهذا الأمر غير مقبول بتاتاً، فأنت تتعاطف معه. لا يستطيع المرء التوصّل إلى حلٍّ سلمي إن لم تكن على دراية بما يريده الطرف الآخر أو بما يُفكِّر فيه. السخرية في هذا الموضوع أنّ "بوتين" سياسي ذكي إلى حدٍّ كبير وهو فصيح وذو جاذبيّة كبيرة ولا يسأم المرء من سماعه يتحدّث طوال اليوم. آتني بشخصٍ مثله في (ألمانيا) أو (الولايات المتّحدة)، هذا أمر مستحيل، لدينا أغبياء يقرأون ما يُكتَب لهم على الأوراق فحسب. وزيرة الخارجيّة الألمانيّة لا تُجيد التحدّث باللغة الإنكليزيّة حتى. السيّدة "بريبوك"، هي سياسية من "حزب الخصر" مؤيِّدة للحرب ومتطرّفة ولا ندري من أين جاؤوا بها. لا تمتلك أية مقوّمات باستثناء خلفيّتها في "المنتدى الاقتصادي العالمي" وتدريبها فيه، وها نحن نراها اليوم تتفوّه بالتفاهات. في السبعينات عندما كنّا في المدرسة، حشدونا في الشارع لنتظاهر ضدّ الطاقة النوويّة، كان ذلك عام 1974. أذكر أنني كنت أقف في محطّة للباص وأحمل لافتةً عليها شمس مُبتسمة وتقول: "شكراً، لا نريد طاقة نوويّة". هؤلاء الأشخاص "أصدقاء البيئة" هم مَن حشدونا آنذاك لأننا كنّا أولاداً يسهل التأثير بهم، وها هم الأشخاص أنفسهم مع أولادهم يُديرون الأمور ويحثّوننا على المُشاركة في الحروب وإرسال المزيد من الأسلِحة، وافتحوا مناجم الفحم. هم مَن يفعلون ذلك وهذا يثير الدهشة والتعجب 

جورج غالواي: قد يكون هذا أعظم أذيّة للنفس في التاريخ السياسي والاقتصادي الدولي. سنناقش الأمر بعد الفاصل، ابقوا معنا  

المحور الثاني 

جورج غالواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديث عن (ألمانيا)، مع أنّ الحديث لا يقتصر فقط على (ألمانيا) "روبيرت"، لكن (ألمانيا) أكثر البلدان تضرّراً، وفقاً للوصف الذي سمعناه من ضيفنا الألماني، وأنا وصفت الأمر بأذيّة وطنيّة للنفس وبات أشبه بانتحار وطني لـ (ألمانيا) بالنسبة لي

روبرت أولدز: اتّخذت (ألمانيا) بعض القرارات المروِّعة، مثل التخلّص من الطاقة النوويّة والاستثمار بكثافة في طاقة الرياح التي لا تستوفي متطلّباتها من الطاقة، وقد يكون ذلك السبب الحقيقي.  ربما الأمر إلى حدٍّ ما عبارة عن عمليّة احتيال كطريقة لإعادة توزيع مال العُمّال الأقلّ ثراءً وإعطائه لشركة ما لأنها بحاجة إلى الدعم لتعمل وهي غير فاعلة، وإذا كانت فاعلة لما اضطرّ الناس للضغط على الحكومات لتبنّي سياسات لبناء توربينات الرياح برّاً أو بحراً لأن المسألة ستكون منطقيّة وذات أهميّة وجدوى اقتصاديّة، لكنّها ليست كذلك. لهذا السبب يُمارسون الضغط للعمل على الأجندة الخضراء لأنّها تدرّ الكثير من المال على أحدهم في طريقة ما على غرار مسألة "كوفيد" عندما أعيد توزيع الثروات على نحوٍ كبير لمصلحة أثرياء العالم وأكبر الشركات، إضافةً إلى نزع السلطة من أيدي أمثالنا لكيلا نُطالب بما نريده ونتحكّم في سير حياتنا الخاصّة. كانت السُلطة في أيدي الكثير من الشركات والحكومات التي استغلّت هذه الفرصة، وأعتقد ثمّة أجندة تدرّ الكثير من المال على أحدهم وهذه تدفعها الكثير من هذه السياسات

جورج غالواي: "جوزيف، الحقيقة التي لا تُخفى على أحد هنا تطرّق إليها ضيفنا الألماني. السبب المباشر للأزمة الحاليّة إلى جانب المشاكل الأساسيّة والتاريخيّة الكامنة هو أنّه يتبيّن لنا أنّ (ألمانيا) وافقت على أن تكون طرفاً عدائياً جداً في الحرب بين "الناتو" و(روسيا) في (أوكرانيا). هل من دلالة على أنّ الشعب الألماني بدأ في التساؤل حيال الفائِدة التي تعود عليه من كل هذا وحيال السبب الذي يدفعه إلى المُحاربة في الخطوط الأماميّة في سبيل "جو بايدن" و(واشنطن)؟

جوزيف روبرتسون: الأمر تعدّى الدلالات، إذ أظهر استبياناً حديثاً أنّ أكثر من 50 % من الألمان يعتقدون أنّ الحكومة لن تتمكّن من تجاوُز الأزمات الماليّة في الشتاء، وقال 31 % منهم إنّهم لن يتمكّنوا من شراء هدايا عيد الميلاد ويعتقدون أنّ (ألمانيا) ستُنفق مبلغاً قدره 280 مليار دولار على الأقلّ لتدارك الأزمة التي تسبّبت بها هذا الشتاء. لذا أصبح الناس قادرين على رؤية الحقيقة بعد سقوط الأقنعة، وبات الناس على دراية تامّة بالوضع.  أشكّ في أنّ الـ 50 % الذين لا يقولون الأمر نفسه يعتقدون أنّ ما يمتلكونه من ثروة سيحميهم من هذه الأزمة، لكن في نهاية المطاف ستطالهم براثنها. النقابات تنظِّم احتجاجات هناك تماماً كما يحصل هنا، ستُغلَق شركات خدمة البريد وسيستقيل الممرّضون وستغرق مؤسّسات الخدمة المدنيّة في حالٍ من الفوضى أكثر مما هي عليه الآن، وسيواصل أنصار "حزب الخضر" الضغط لتنفيذ هذه الفكرة لاعتقادهم أنّ لديهم الدعم الشعبي الكافي على الرغم من جميع هذه الصعاب الملموسة، إذ يُحاولون الضغط من أجل منع حدوث الاضطرابات المدنيّة ولا يعتقدون أنّها ستحدث، لكن سيحدُث ذلك لأنّ الناس يُقاومون كما يفعلون الآن، في النهاية سيطفح الكيل بهم. إذا لم تستطع تقديم هدايا عيد الميلاد لأطفالك فسيطفح بك الكيل، إذا كنت لا تستطيع تدفئة منزل عائِلتك خلال فصل الشتاء فسيطفح بك الكيل. صوّتَ عدد كافٍ من الأشخاص في (السويد) على هذا الموقف وكذلك في (إيطاليا) وستليها (ألمانيا)، وسيحين دورنا بعدها. سيتّحد الناس في موقفهم وسنشهد المزيد من التحالفات بين شعوب كل هذه البلدان وستحصل القاعدة الشعبيّة على ما تريده بغضّ النظر عن رأيّ الإيديولوجيا. زمن الأحزاب قد ولّى وآن الأوان لتنتفض الشعوب. هذا الحدث أكثر وطأةً من "بريكست" لأنه حدثٌ على مستوى (أوروبا) وربما على مستوى العالم أجمع. سنشهد ذلك في جميع البلدان التي سبّبت هذه الأزمة لشعوبها بحُكم الانضمام إلى "اتفاقيّة باريس للمناخ" وجميع المُعاهدات الأُخرى التي كما قال "روبرت" ليست سوى طريقة لإدارة الثروة وإعادتها إلى الأشخاص الذين يريدون توزيعها 

جورج غالواي: "تشارلز"، أظهر "شولتز" شيئاً من الاستقلاليّة في التفكير من خلال التوجّه نحو (الصين) والتقرّب من الحكومة الصينيّة الأمر الذي أثار غضب البعض، بمن فيهم (واشنطن)، التي تُفضِّل التعامل مع (الصين) على أنّها منبوذة ويجب الابتعاد عنها قَدْرَ الإمكان. هل سينجح ذلك في حلّ أزمة (ألمانيا)؟ ما الفائِدة التي ستحصدها (ألمانيا) من التقرّب إلى الحكومة الصينيّة في (بكين)؟

تشارلز كيلي: أعتقد أنّ (الصين) سوق كبير لـ (ألمانيا). الألمان يعملون في سبيل (ألمانيا) وقد قرّروا التصرّف، وأعتقد أنّها خطوة جيّدة ومُفيدة لهم بدلاً من مُسايرة (أميركا) طوال الوقت، وأوافق على ما قلتم "جوزيف" و"روبرت" وحضرتك، أنه وضع غريب حقاً بالنسبة إلى ثورة الناس لأنّهم سبق أن تحمّلوا ظروف الإقفال وتعايشوا مع هذه الظروف مُستسلمين 

جورج غالواي: لستُ واثقاً من أنّ "جوزيف" لا يبالغ في التفاؤل ومن المُفارقة أن أقول ذلك لك

جوزيف روبرتسون: لكننا الآن في صدد مواجهة البرد والجوع 

روبرت أولدز: بدأت الاحتجاجات منذ مدّة في (ألمانيا) وبلدان أوروبيّة أُخرى ضدّ العقوبات المفروضة على (روسيا) وتريد إنهاء التورّط في تلك الحرب

جوزيف روبرتسون: وهذا ما يفعلونه في (المجر) أيضاً  

روبرت أولدز: أو حتى من أجل الانحياز إلى وجهة النظر الروسيّة، لذا نجد الناس متأهّبين إلى حدٍّ ما. بالطبع، الحضارة على وشك الفناء قريباً بسبب الجوع، وحين تجوع الشعوب ستتغيّر المواقف لا مُحالة 

جورج غالواي: هذا اقتباس جيِّد، أتمنّى لو قلت ذلك 

تشارلز كيلي: فليأكلوا الكعك، إذا لم يجدوا الخبز فليأكلوا الكعك

جورج غالواي: لنذهب إذاً إلى (الصين) ونتحدّث إلى البروفيسور "بنجامين تشاو"، وهو بروفيسور في "كليّة باريس للتكنولوجيا وإدارة الأعمال" في (فرنسا) وفي جامعة "ساوث ويسترن للتمويل والاقتصاد" في (الصين). شكراً لك بروفيسور على انضمامك إلينا 

بنجامين تشاو: شكراً على استضافتك

جورج غالواي: ما هو هذا الخلاف الذي تورّط فيه "شولتز" في محاولة التفاوُض بشأن ميناء (هامبورغ)؟ كيف تُفسِّر ذلك؟ 

بنجامين تشاو: أعتقد أنّ ضغوطاً آتية من داخل (ألمانيا) وخارِجها فد غذّت ردود الفعل لتقييد الاستثمار الصيني الحالي في ميناء (هامبورغ). الخلاف في (ألمانيا) كان بشأن السماح لشركة "كوسكو" الصينيّة بالمُشاركة في مُلكيّة الميناء ما أدّى إلى نزاعٍ سياسي، ولا تزال (ألمانيا) تتصارع حتى الآن مع تبِعات الضغط الأميركي عليها من أجل فصلها عن الاعتماد على الغاز الطبيعي الروسي. أنشأ مشرِّعون من "حزب الخضر" و"الحزب الديمقراطي الحر" ائتلافاً حاكماً في العام الماضي مع "شولتز"، وانتقد "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" الاقتراح الأصلي علناً، ورفضت ست وزارات ألمانيّة الصفقة في البداية بحجّة أنّ شركة "كوسكو" التي تمتلك في الأصل الحصّة الأكبر في الميناء قد تحصل على نفوذٍ أكبر من اللازم. في نهاية المطاف، توصّلت (ألمانيا) إلى تسوية عبر السماح لشركة "كوسكو" بالحصول على حصّة أقلّ من 25 % بدل حصّتها الأساسيّة التي كانت 35 %.  وزارة الاقتصاد الألمانيّة قالت إنّ القرار قد اتّخذ لمنع الاستثمار الاستراتيجي لشركة "كوسكو" في الميناء وليقلّل من استحواذها لينحصر دورها ضمن استثمار مالي بحت. كما تعلمون، الحصّة التي تتجاوز نسبة 25 % للشركة المُستثمِرة يُمكن أن تؤثِّر في قرارات الشركة. في السياق الأوروبي الأكبر، ساد الخوف أعتقد من أنّ استثمار "كوسكو" قد يزيد احتمال تأثير (بكين) في البنية التحتيّة الحيويّة لـ (أوروبا) لاسيّما أنّ (الصين) سبق وأن استثمرت في عدد من موانئ (أوروبا). هذا الرأي بالطبع لم يأخذ في الاعتبار الناس والبنية التحتيّة التي هي في حاجة ماسّة الى استثمارٍ أجنبيّ. أما في السياق الغربي الأكبر، أعتقد أنّ (الولايات المتّحدة) تؤدّي دوراً فاعِلاً في توجيه مسار أزمة (أوكرانيا) التي أضعفت (أوروبا) كثيراً و(ألمانيا) على وجه التحديد التي تحتاج إلى طاقة رخيصة لقطاعها التصنيعي الذي يُمثِّل جانب العرض في الاقتصاد الألماني، أما الطرف الذي يمثّل جانب الطلب للمنتوجات الألمانية فهو (الصين) بالطبع. إذا كان جانب الطلب مقيّداً أيضاً، أعتقد أنّ الاقتصاد الألماني سينهار حتماً. نظراً إلى التغييرات التي تطرأ على الاقتصاد العالمي من حيث تعزيز الانفتاح والتعاون والتجارة، التي لن تفيد (الصين) و(أوروبا) فحسب، بل ستؤدّي أيضاَ إلى انتعاش الاقتصاد العالمي 

جورج غالواي: (ألمانيا) بلدٌ مستقلّ ذو أهميّة كبيرة، لماذا يجب عليها الامتثال إلى أوامر (الولايات المتّحدة) في قراراتها لاسيما عندما تكون تبِعات ذلك على (ألمانيا) واضحة جداً؟ 

بنجامين تشاو: أعتقد أنّ أفضل استراتيجيّة يجب على (ألمانيا) اتّباعها من صفقة "كوسكو" الحاليّة وغيرها من أشكال التعاون مع (الصين)، وكما تبيّن لنا من زيارة "شولتز" الأخيرة لـ (الصين)، (ألمانيا) تسعى إلى تحقيق التوازن لكنّها تبتعِد عن نهج المُستشارة السابقة "ميركل" التي منحت الأوليّة التجاريّة لـ (الصين) التي تهتمّ أكثر باحتياجات (الولايات المتّحدة)  لاسيّما في النظر إلى (الصين) على أنّها الدولة المنافِسة في مجال التكنولوجيا المتطوِّرة، لذا، (ألمانيا) تتّبع الآن "تحالف العيون الخمس" في تقويض نموّ (الصين) من خلال تقييد مبيعات شركات الرقائِق الإلكترونيّة التي تُزوِّد (الصين) بالرقائِق الإلكترونيّة المتطوِّرة ومُحاولة إجبار (الصين) على الابتعاد عن التكنولوجيا المتطوِّرة، مع أنّ (الصين) بالطبع لا تحذو حذو (الولايات المتّحدة). في الوقت نفسه، تهتمّ (ألمانيا) باحتياجات شركاتها لأن في السنوات الخمسين الماضية تعزّزت في الواقع التجارة الثنائيّة بين (ألمانيا) و(الصين) ألف مرّة، وبلغ معدّل النموّ السنوي 10% تقريباً في السنوات الخمس وعشرين الماضية. (ألمانيا) أهمّ شريك منفرِد لـ (الصين)، ومع تقدّم الاقتصاد الصيني كما تعلم طوّرت (الصين) صناعتها، ومن خلال الدعم الكبير من (ألمانيا) شهدنا الكثير من الإنجازات العلميّة والاستثمارات، وأحياناً أُقيمت مشاريع مُشتركة، ولا تزال (ألمانيا) تحتفظ بجزء من هذه المنتجات المتطوِّرة وتكنولوجيّتها وأسرارها، وتعمل أيضاً مع الشركات الصينيّة لتصنيع منتجات أقلّ جودة قليلاً في البداية وتطويرها تدريجياً بفعل التعاون التكنولوجي. في المقابل، استفادت الشركات الألمانيّة من النموّ الهائِل للسوق الصيني 

جورج غالواي: هل تُشير زيارة "شولتز" إلى (الصين)، على الأقلّ جزئياً، إلى أنّ (ألمانيا) تحاول الحفاظ على نوعٍ من التوازن في علاقاتها الجيو سياسيّة مقارنةً بـ (المملكة المتّحدة) مثلاً؟

بنجامين تشاو: أمضيت أربعة أشهُر في (كامبريدج) في عام 2020، وكنت على علمٍ بكل ما يحدُث أثناء جائِحة "كوفيد" والتوتّرات بين (المملكة المتّحدة) و(الصين) بعد حادثة "هونغ كونغ" في محاولة لتقييد توسّع (الصين). لكن تغيير القيادات العليا الحالي في (المملكة المتّحدة) قد لقّن العالم درساً وهو أنّ (الوليات المتّحدة) وحدها هي الساذجة إثر محاولتها تقييد (الصين) أو أيّ شريك تجاري ضخم قد يعود عليها بمنفعةٍ كبيرة. هذا خطأ جسيم نظراً إلى تبِعاته على استقرار الاقتصاد وما إلى ذلك. في زيارة المستشار الألماني "شولتز" إلى (الصين) مؤخّراً أعلن رفض (ألمانيا) عزل بلدٍ مُعيّن وقطع العلاقات مع (الصين) وأعلن أنّ (ألمانيا) لا تزال مستمرّة في عملها مع (الصين) وهذا دليل على ذكائه، وشاركه في الرأي المُفوّض التجاري لـ (الاتّحاد الأوروبي) "فالديس دومبروفسيكس" في "قمّة الهندسة الميكانيكيّة" الأخيرة في (ألمانيا) في (برلين) قائِلاً إنّ قطع العلاقات مع (الصين) خيارٌ غير متاح أمام الشركات في (الاتّحاد الأوروبي) لأنّ (الصين) سوقٌ مهمّ ومورِد استثمار ذو قيمة لـ (الاتحاد الأوروبي)، وتابع قائِلاً إنّنا نحاول بناء علاقات تجاريّة متوازنة ومتبادلة مع البلاد  

جورج غالواي: حسناً، يقولون إنّ الكلام نفسه يُعاد ويُكرّر لكنّنا في الحقيقة نتعرّض لضغطٍ سياسيّ في طُرُقٍ مُختلفة لا علاقة لها بالاقتصاد أو الواقع الاقتصادي أو مصالِحنا الاقتصاديّة أقلّه. يُمارِس اللوبي الأخضر ضغطاً هائِلاً علينا، إلى جانب التبِعات التي ذكرناها، والآن نتعرّض لضغط من جانب حكومة (الولايات المتّحدة) على خلفيّة (روسيا) و(الصين)

تشارلز كيلي: نعم، أوافقكما الرأي تماماً "جورج". أودّ الحديث عن الشعب الألماني لأنّه شعب جيِّد يُجيد الادّخار إنْ لم تخنِ ذاكرتي، لا ينفقون الكثير من الاعتمادات الماليّة وقد لا أعني بكلامي الأجيال الصاعدة، لكن بالتأكيد الألمان حريصون جداً على نفقاتهم ومُدّخراتهم، إذاً ربما لديهم الحظ في تجاوز الأزمة. لكن في (المملكة المتّحدة)، لا يمتلك الملايين من الناس أيّة مدّخرات، وربع سكّان (المملكة المتّحدة) يمتلكون أقلّ من مائة جنيه إسترليني من المُدّخرات. إذاً لسنا بعيدين سوى راتب أو راتبين عن كارثة وشيكة وإعلان الإفلاس. من جهة أُخرى، قبل بضع سنوات كنّا نتوقّع انهيار الدول الأوروبيّة الجنوبيّة التي تُسمّى "البيغز"، أي (البرتغال) و(إيطاليا) و(اليونان) و(إسبانيا) وفجأة ربما (ألمانيا) الآن. بالتالي يمكن ضمّ حرف G إلى تلك الدول في حال أحكَم الركود الاقتصادي قبضته عليها. من المُفاجئ رؤية بلدٍ قويّ ينزلق نحو الهوّة، والطريقة التي ساقونا بها إلى هذا الأمر غير منطقيّة من خلال تبعات هذا الركود على الاقتصاد وعلى الناس العاديين الذين سيُعانون بسببه 

جورج غالواي: "روبرت"، أجد صعوبة في تصديق ما يجري، فالوضع أشبه بالحلم. إذا سلكنا طريق أذيّة النفس مراراً وتكراراً، فأين سينتهي بنا المطاف؟ إذا حتى (ألمانيا)، ذلك البلد البراغماتي والصناعي والماهر في ادّخار الأموال بات في حالٍ من الجنون، ماذا تركنا إذاً لباقي الدول الأوروبيّة؟

روبرت أولدز: بُنيَت (ألمانيا) على أُسس متينة وهي مُهيمِنة في (الاتّحاد الأوروبي). لم تتبع بالضرورة النهج الصحيح المُعتَمد، أي ممارسة التقشُّف بقساوة في الداخل، فقيّدَت طلباتها المحليّة للاعتماد على التصدير. كانت تبيع السيارات لـ (روسيا) وتعتمد عليها في المقابِل للحصول على الطاقة، وفي حال أغلقت هذه الأسواق في وجهها 

جورج غالواي: لقد أُغلِق السوق الروسي بالفعل، فقد انسحبت شركة "مرسيدس" من (روسيا) للتوّ، ما يُعدّ نوعاً من أذيّة النفس الوطنيّة 

روبرت أولدز: كان اقتصاداً مُزيّفاً ومغموراً بأرقام ضخمة من الأموال على مقياس مهول، وهذا في الواقع مخالِف لمعاهدة "ماستريخت"، إذ تمنعهم المعاهدة من إقرار قوانين شبيهة. عادةً ما يشتري "البنك المركزي الأوروبي" السندات الماليّة نيابةً عن مصارِف أُخرى من أجل إبقاء القطاع المالي حيّاً، لكنّه يعتمد على أجهزة الإنعاش وسيلقى حتفه في نهاية الطريق. هذا النموذج لم ينجح مع (ألمانيا) رغم بعض اللحظات الجيِّدة التي منحهم إيّاها، لكن تبِعاته ألحقت أذىً كبيراً ببلدانٍ أُخرى. إذا نظرنا إلى ما فعلوه بـ (اليونان) بعد الانهيار الاقتصادي الذي شهِدته بعد أن هرعت إليهم طالبةً الدعم، لكن (ألمانيا) هدّدتها بالتوقّف عن دعمها بالمال إلا بعد أن اتّبعت تدابير تقشّفيّة قاسية أدّت إلى رفع معدّلات البطالة بنحو 30 % وخفض تعويضات نهاية الخدمة وتضوُّر الكبار سنّاً من الجوع، إضافةً إلى إجبار (اليونان) على بيع موارِدها، كميناء "بيرايوس" الذي باعته للصينيين مقابل مبلغٍ لا يُذكَر من المال. يُمكن إذاً القول إنّ (ألمانيا) ارتكبت جرائِم اقتصاديّة فظيعة في حقّ البلدان المجاورة لها والأشدّ ضعفاً، وها هي الآن تنال عقابها 

جورج غالواي: واليوم، تُشجِّع السلطات المتقاعدين على ترك (ألمانيا) والانتقال للعيش في (اليونان)، لا يمكنك التصالح معهم. "جوزيف"، نعيش في عالمٍ من الديمقراطيّة بعض الشيء، إذ تقوم علاقة ما بين تعاسة الشعوب وسقوط الحكومات، لكن هذه العلاقة لا تجلِب بالضرورة حكومات أفضل، بل فقط تُسقِط الحكومات المحليّة على الأقلّ، وأشير هنا إلى (إيطاليا) بالطبع. نترُك الحُكم على أداء الحكومة الجديدة للمستقبل، لكن (إيطاليا) في الوقت الراهن تخلّصت من أحزاب الوسط. كم سيمضي من الوقت قبل تأثير هذه الحكومات في صنع القرارات السياسيّة على أرض الواقع من جانب عامّة الشعب في هذه البلدان الأوروبيّة؟

جوزيف روبرتسون: أعتقد أنّ هذا ما يحصل الآن. قلت آنذاك إننا لسنا على رأس الموجة بل في قعرِها حالياً وفي إمكاننا التحسّن. ما رأيناه في (إيطاليا) يُثير الدهشة، إذ لم يقتصر الأمر على تصويت الشعب بل إدراك الأحزاب السياسيّة ضرورة التوصّل إلى اتفاق لإحداث تغيير، وهذا نادراً ما يحدُث. نجاح "برلسكوني" في إبرام اتفاقٍ مع أحد يدلّ على خطورة الوضع 

جورج غالواي: حينها سيُصبح الطرف الثالث 

جوزيف روبرتسون: الأقل

جورج غالواي: أجل الأقلّ

جوزيف روبرتسون: وأعتقد أنّ السيناريو قد يحدُث هنا ولا يزال الطريق مُتاحاً من أجل بناء شيءٍ مترابِط، ربما عبر حزب جديد أو ائتلاف جديد، لا يسعنا سوى الانتظار. لكن "حزب فوكس" في (إسبانيا) سيستقطب دعماً كبيراً، وثمّة ثورة بالفعل في (فرنسا) من كلا الطرفين السياسيين. لقد خرج "حزب الوسط" من اللعبة، إذ جلّ ما يفعله هو خلق نوعٍ من المركزيّة، ما يرجعنا إلى نُقطتك عن المصارِف، فالخطوة المقبلة هي العملات الرقميّة. لن نحمل بعد اليوم أوراقاً نقديّةً في جيوبنا ما سيُمكِن الحكومات من بسطِ سيطرتها وتحديد ما تفعله بأموالك الخاصّة، وهذا النهج سيفشل في (ألمانيا) كما قال ضيفك منذ قليل، إذ تقوم البلاد على الشركات الصغيرة والمتوسِّطة وليس على اليد العاملة والنُخبة فحسب، البلاد تقوم على الطبقة المتوسِّطة والأعمال التجاريّة الصغيرة. إذا خسِرت هذه الأعمال قدرتها على تحويل الأموال وبدأت تعاني على مستوى الخدمات اللوجستيّة، سينهار كلّ شيء، والأمر سيّان إلى حدٍّ ما في (بريطانيا). إذا واجهنا موقفاً مماثلاً لما يحدُث في (الصين)، مثل فرض نظام ائتمان اجتماعي، لن ينجح ذلك في المُجتمع الأوروبي لأننا غير معتادين على العيش تحت سيطرةٍ ما في (أوروبا)، وسيتحرّك الشعب ضدّ ذلك ما سيتركهم من دون بديل بعد إقفال الأعمال وغياب أيّ بديل سوى إعادة هيكلة النظام القائِم 

جورج غالواي: يا له من أمرٍ عجيب. "تشارلز"، الكلمة الأخيرة لك، أنت الخبير المالي هنا. كم من الوقت أمامنا قبل تكرار سلسلة انهيارات المصارِف في عام 2008 بدءاً ربما من مصرف "دويتشه بنك" في (ألمانيا)؟

تشارلز كيلي: قرأت اليوم عن توقُّع انهيار مصرفين مهمّين، قد يتكرر السيناريو نفسه، فأسواق البورصة تواجه تضخّماً كبيراً بسبب التيسير النقدي الكمّي وطباعة الأموال، لعلّنا ربما على الهاوية بالفعل. أمّا بالنسبة إلى النهاية، فلا يسعني سوى أن أقول للناس إننا عاجزون عن التحكّم في ما يقوم به "البنك الدولي" و"المنتدى الاقتصادي العالمي" والاقتصاد العالمي، كل ما يسعنا فعله هو التحكّم في اقتصادنا، وهذا موضوع كتاباتي ومدوّنتي وبرنامجي الإذاعي، أنّ عليك الاهتمام بأمورك الخاصة لأننا حظينا بأوقاتٍ جيّدة في السنوات العشر الماضية حينما كانت الفوائِد منخفضة والاقتراض الرخيص متوفِّر ما أعطانا فرصة الاستمتاع بأيّامنا، إضافةً إلى إعادة تمويل البيوت وشراء المزيد منها، وها قد ظهرت الآثار السيّئة لما قمنا به. بالتالي، يجدر بالناس خفض نفقاتهم والادّخار بدل الشراء الاندفاعي باستخدام البطاقات الائتمانية. إذاً علينا تنظيم شؤوننا الماليّة أولاً، فلا قدرة لنا على التحكّم في الأحداث بعد اجتماع ""دافوس" المُرتقب

جورج غالواي: نعم، لكن مع اختفاء راتبك الشهري فلا حول ولا قوّة لك، وستموت من البرد في بيتك هذا الشتاء 

تشارلز كيلي: في المقابل تتوافر فُرص عمل كثيرة، فـ (أوروبا) تحتاج إلى ملايين السائقين. إذاً تتوافر بالفعل فُرص عمل 

جورج غالواي: نعم، لكن أسعار وقود الديزل الضروري للشاحنات أصبحت مُكلِفة أو مُنِعَ في طريقة أو في أُخرى، كل هذه العوامل يتعارض بعضها مع بعض. يجتاح الخارِج نوعاً خطيراً من الجنون. آمل أنّكم استمتعتم بحلقة اليوم. كنت معكم أنا "جورج غالواي" وهذا كان برنامج "كلمة حرّة" وأنت كنتم جمهوراً رائعاً، شكراً على المشاهدة..