موسم الزيتون في فلسطين: اعتداءات متصاعدة ومواجهة وجودية للحفاظ على الأرض

لم يعد موسم الزيتون فقط قطاف موسمي، بل صار ساحة مواجهة وجودية. في الضفة الغربية تتصاعد اعتداءات الاحتلال والمستوطنين لمنع المزارعين من الوصول إلى أرضهم وقطف محصولهم، وفي جنوب لبنان يتشبث الأهالي بجذورهم رغم القصف والتهديدات. إنها هنا معركة الأرض والهوية.

  • المستوطن يهاجم، وجيش الاحتلال يقتلع الزيتون في الضفة الغربية؟ (الصورة: وكالة
    المستوطن يهاجم، وجيش الاحتلال يقتلع الزيتون في الضفة الغربية؟ (الصورة: وكالة "عود")

في الثقافة الفلسطينية، لم يكن الزيتون يوماً مجرد محصول زراعي، بل هو ذاكرة وهوية ووجود.

لكن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية المحتلة يتجاوز كل التصورات التقليدية حول موسم القطاف، فقد تحوّل هذا الموسم إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وأصبحت شجرة الزيتون هدفاً استراتيجياً في معركة وجودية لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى.

الأرقام التي سُجّلت منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر الجاري تكشف عن واقع مأساوي غير مسبوق: 219 اعتداءً خلال ساعات فقط، و136 اعتداءً تزامنت مع موسم القطاف، و3 شهداء برصاص المستوطنين.

هذه ليست أرقاماً هامشية، بل هي ترجمة دقيقة لسياسة ممنهجة تهدف إلى اقتلاع الفلسطيني من أرضه، ليس بالتهجير المباشر فقط، وإنما بتجفيف مصادر رزقه وتدمير مقومات حياته.

الهندسة المكانية للاعتداءات: خريطة جديدة للقطاف

ما يرصده تقرير "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان" يومياً ليس فقط حوادث متفرقة، بل هو نمط متكامل من الاعتداءات يوزَّع بذكاء إجرامي على محافظات الضفة كافة.

في رام الله والبيرة، جرفت قوات الاحتلال 35 دونماً واقتلعت مئات أشجار الزيتون المثمرة في كفر مالك، بينما احتجزت مواطناً واعتدت عليه في منطقة أبو شريف.

وفي جنين، أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع على  المزارعين في الفندقومية وجبع وسيلة الظهر، بينما هاجم مستوطنون قاطفي الزيتون في يعبد وسرقوا المحصول وطردوهم تحت تهديد السلاح.

وفي نابلس، أُصيب المزارع موسى الشرفا وطفل يبلغ من العمر 17 عاماً جراء اعتداء المستوطنين بالهراوات في جبل قماص ببلدة بيتا.

هذه الوقائع، المتزامنة والمتكررة، تكشف عن هندسة مكانية جديدة للاعتداءات: لم تعد تقتصر على مناطق محددة، بل امتدت لتشمل 7 محافظات على الأقل، محولة موسم الزيتون إلى ساحة حرب مفتوحة.

الأخطر من ذلك أن هذه الاعتداءات تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم خريطة الوصول إلى الأراضي. فالمزارع الفلسطيني لم يعد يسأل "متى يبدأ القطاف؟" بقدر ما يسأل: "هل الطريق إلى الأرض مفتوح اليوم؟" و"مع من يمكنني الذهاب؟" و"كم من الوقت يمكنني البقاء؟" أسئلة لم تكن جزءاً من تفاصيل الموسم قبل سنوات، لكنها اليوم تحدد مصير المحصول ومصير الأرض ذاتها.

شهادات من قلب المعاناة: "تنسيق كذب"

في بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله، يتحوّل الألم إلى كلمات مكتوبة بالدم. يقول عوض أبو سمرة، عضو المجلس البلدي في ترمسعيا، للميادين: "تنسيقات.. هذه التي أعطونا إياها، الخرائط.. والتنسيق مع الجانب الاحتلال الإسرائيلي ومع الجانب الفلسطيني، وقد أعطونا الخرائط: أين تنسيقنا؟ ومن أين ندخل؟ وإلى أين نذهب وإلى أين نعود؟ والتزمنا بهذا الكلام كله. وكما يقال: رضينا بالبين، لكن البين لم يرضَ بنا. نحن في منطقة، وقد رُتّب لنا تنسيق، ومع ذلك لا يسمحون لنا بالدخول. إنها سخرية فوق سخرية من هذا الحال كله".

وتضيف إحدى المزارعات للميادين: "هذا تنسيق كاذب، إنهم يضحكون على الناس. لم أستطع حتى أن ألخّص ما جرى، فقد جئنا بهنّ بمشقة بالغة". أما مزارعة أخرى فتروي: "أربع مستوطنات، وأقاموا علينا بوابة، وجرفوا الزيتون كله، ولم يتركوا لنا إلا باب البيت".

 

البؤر الاستيطانية في كل ناحية

منذ أكثر من ساعتين، يحاول أهالي بلدة ترمسعيا الوصول إلى أراضي الزيتون الخاصة بهم، ولكن قوات الاحتلال الإسرائيلي تمنعهم من التقدم أكثر نحو أراضيهم، فيما تقوم مجموعات من المستوطنين "الإسرائيليين" بالتجوّل في هذه الأراضي وتصل حتى إلى محيط البلدة.

وتنتشر البؤر الاستيطانية في كل ناحية تقريباً، وتعزل آلاف الدونمات من الأراضي عن أصحابها. يعتدي المستوطنون على الزيتون أو يسرقونه، ويهاجمون المزارعين بعنف يتصاعد خطره كل يوم.

ويضطر الفلسطينيون إلى إجراء تنسيق أمني من خلال الارتباط الفلسطيني أمام جيش الاحتلال لدخول مناطق عديدة تضم آلاف الدونمات، الأمر الذي ينتهي في كثير من الأحيان، كما حدث هنا، من دون أن يظفروا بقطف شجرة واحدة.

وقد سُجّل خلال أقل من أسبوعين في هذا الشهر ما يزيد عن 140 اعتداءً على المزارعين، وفقاً لما رصدته الميادين.

الأرقام تتحدث: كارثة زراعية ممنهجة

لا يمكن فهم حجم الكارثة دون الغوص في الأرقام، وفقاً لوزارة الزراعة الفلسطينية، يُحرَم المزارعون من الوصول إلى نحو 250 ألف دونم من أصل 750 ألف دونم مزروعة بالزيتون في الضفة الغربية، أي ما يعادل 30% من المساحات المزروعة.

  • المصدر: مجلة
    المصدر: مجلة "المجلة" الفلسطينية

وهذا يعني أن ما يقرب من ثلث موسم الزيتون محكوم عليه بالفقدان قبل أن يبدأ. أما على مستوى الخسائر الممتدة، فقد تضررت واقتُلعت أكثر من 286 ألف شجرة زيتون منذ عام 2023 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2026، وبلغت الخسائر المباشرة لقطاع الزيتون قرابة 316.9 مليون دولار.

وفي شهر أيلول/سبتمبر الماضي وحده، سُجّلت 2051 اعتداءً، نفّذ الجيش 1404 منها والمستوطنون 647، واستهدفت الاعتداءات 14 ألف و600 شجرة، منها 9334 شجرة زيتون، وحدها جنين سجّلت تضرر 9839 شجرة.

 ترجمة حقيقية لمعاناة يومية

هذه الأرقام ليست إحصاءات باردة، بل هي ترجمة لمعاناة يومية يعيشها آلاف المزارعين الذين يخاطرون بأرواحهم للوصول إلى أراضيهم. وهي تكشف أيضاً عن أن الاعتداءات ليست ردود أفعال عشوائية، بل هي سياسة تهجير مقصودة بامتياز، تمارسها قوات الاحتلال والمستوطنون بشراكة كاملة.

"الاستيطان التلالي": رأس الحربة في معركة الأرض

تقف مجموعات "فتية التلال" في مقدمة هذه الاعتداءات، وهي جماعات استيطانية متطرفة تنطلق من البؤر الاستيطانية العشوائية المقامة فوق قمم الجبال المحاذية للقرى الفلسطينية. وبتشجيع علني من قيادات اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال، تسعى هذه المجموعات عبر العنف اليومي إلى فرض واقع استيطاني جديد، وتهجير المزارعين عن أراضيهم لضمها نهائياً وتحويلها إلى مجالات حيوية للمستوطنات.

"سياسة الأرض المحروقة"

ما يميّز هذه المجموعات هو أنها لا تكتفي بالاعتداء الجسدي، بل تمارس ما يمكن تسميته "سياسة الأرض المحروقة": إضرام النيران في الحقول الممتدة، وتقطيع الجذوع المعمرة، وسرقة المحاصيل والمعدات الزراعية، ورش المزارعين بغاز الفلفل. كل هذه الأساليب تهدف إلى تحقيق هدف واحد: جعل الحياة الفلسطينية على الأرض مستحيلة، ودفع المزارعين إلى ترك أراضيهم طوعاً أو قسراً.

وفي هذا السياق، يتكامل دور جيش الاحتلال مع دور المستوطنين عبر تكتيكات متعددة: إعلان الأراضي المستهدفة "مناطق عسكرية مغلقة"، وفرض قيود صارمة على منح التصاريح الأمنية للوصول إلى الأراضي الواقعة خلف الجدار الفاصل أو القريبة من المستوطنات، وملاحقة المتطوعين والنشطاء المساندين للمزارعين.

هذه الشراكة بين الجيش والمستوطنين ليست جديدة، لكنها تتصاعد بشكل غير مسبوق في مواسم الزيتون، حيث تتحول إلى آلية ممنهجة لإفشال الموسم بالكامل.

 

جنوب لبنان: جذور راسخة في وجه الاحتلال

إذا كانت الضفة الغربية تعيش معركة الزيتون اليومية تحت وطأة الاعتداءات، فإن جنوب لبنان يقدم نموذجاً موازياً في الصمود والتمسك بالأرض، حيث لا يشكل موسم قطاف الزيتون هناك مجرد نشاط اقتصادي، بل هو حكاية شعب اختار المواجهة والانتصار للحياة. وفي بلدة زبقين الحدودية، وعلى الرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي على مرمى حجر من حقولهم، أصر الأهالي كباراً وصغاراً على ممارسة قطافهم المعتاد، وخرجوا إلى بساتينهم في موسم الحصاد.

هنا لا تنتهي الحكاية عند قطاف المحصول. فعودة أبناء الأرض إلى حقولهم تعني استئناف العمل في أراضٍ تعذر الوصول إلى بعضها بفعل الاعتداءات "الإسرائيلية"، فيما لا تزال أراضٍ أخرى تحت الاحتلال.

وبينما عاد بعضها إلى أصحابه وما يتعذّر الوصول إليه، يتواصل العمل وتظل الأرض حاضرة في حياة أهلها. إنه أكثر من كونه موسم لقطاف الزيتون في جنوب لبنان، إنه موعد سنوي يجدد فيه الأهالي العلاقة الراسخة بأرضهم، ويؤكدون فيه أن حب الأرض مقاومة.

وهكذا تتقاطع حكايات الزيتون من الضفة الغربية إلى جنوب لبنان، لتؤكد أن هذه الشجرة المباركة لم تعد مجرد محصول، بل أصبحت رمزاً جامعاً للمقاومة والصمود والتمسك بالهوية في وجه كل محاولات الاقتلاع والتهجير.

لماذا يصمد المزارع؟ سؤال الهوية والوجود

في خضم هذا الواقع المأساوي، يبرز سؤال جوهري: لماذا يصرّ المزارع الفلسطيني واللبناني على الذهاب إلى أرضه رغم كل هذه المخاطر؟ الإجابة لا تتعلق بالمحصول فقط، بل تتعلق بالهوية والوجود. يقول أحد المزارعين: "هذه الشجرة زرعها جدي، وبعض الأشجار كانت هنا قبل أن أولد. إذا توقفت عن الذهاب إليها لأن الطريق صعب، ماذا سيبقى منها بعد 10 سنوات؟"

هذه الشهادة تختصر معنى الصمود الفلسطيني. فالوصول إلى الأرض يعني استمرار العلاقة بها، والعناية بالشجرة، والحراثة، والتقليم، والقطاف، ونقل هذه العلاقة إلى الأبناء. أما الابتعاد عنها، حتى لو كان قسرياً أو بدافع الخوف، فيحمل معنى يتجاوز خسارة الزيت إلى الخشية من أن تتحول الأرض تدريجياً إلى مكان لا يعود أصحابه جزءاً من يومياته. وهنا تكمن خطورة السياسة "الإسرائيلية": فهي لا تستهدف المحصول فحسب، بل تستهدف كسر العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتفريغ الأرض من أهلها تدريجياً.

الزيتون رمز الصمود

في النهاية، يبقى موسم الزيتون في الضفة الغربية وجنوب لبنان اختباراً حقيقياً لإرادة الشعوب في البقاء. فما يحدث ليس فقط اعتداءات على محصول زراعي، بل هو معركة على الأرض والهوية والوجود.

وكل شجرة زيتون تقتلع، وكل دونم يجرف، وكل مزارع يُمنع من الوصول إلى أرضه، هو حلقة في سلسلة طويلة من محاولات اقتلاع الإنسان من جذوره.

لكن ما تكشفه هذه المعركة أيضاً هو أن التمسّك بالأرض، رغم كل المعاناة، يبقى الضمانة الحقيقية لبقاء القضية حية، ليس فقط في المحافل الدولية، بل في قلب كل شجرة زيتون، وفي وجدان كل مزارع يصمد على أرضه، من فلسطين إلى لبنان.

اقرأ أيضاً: الضفة الغربية على حافة الانفجار.. اعتداءات المستوطنين تطارد موسم الزيتون

اخترنا لك