لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بحدوث الزلازل القوية؟

قد يبدو التنبؤ القصير المدى بحصول زلزال قوي بدقة وقبل دقائق أمر مستحيل حالياً، حيث يشهد العالم حصول زلازل قوية تؤدي إلى كوارث إنسانية ومادية هائلة. والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات هائلة من البيانات للتنبؤ بها!

  • هل يمكن التنبؤ الدقيق بحدوث الزلازل القوية؟
    التنبؤ القصير المدى بحصول زلزال قوي بدقة وقبل دقائق أمر مستحيل حالياً

يُسجّل في العالم يومياً مئات الزلازل، وأحياناً الآلاف، معظمها ضعيف أو غير ضار أو لا يُرصد إلا بواسطة الأجهزة، لذا لا يصل إلى وسائل الإعلام إلا جزء ضئيل منها، وفق ما أوضح بيتر شيبالين، من الأكاديمية الروسية للعلوم ومدير معهد نظرية التنبؤ بالزلازل والجيوفيزياء الرياضية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.

وأشار شيبالين إلى أنّ هذا أمرٌ بالغ الأهمية لأنّ اهتمام الجمهور عادةً ما ينصبّ فقط على الكوارث.

في الواقع، الأرض في حركة دائمة. يرصد علماء الزلازل هذه الحركة من خلال شبكات الرصد ويستخدمونها لفهم المناطق الأكثر عرضة للزلازل الخطيرة.

هل يستطيع العلماء التنبؤ بزلزال قوي قبل وقوعه؟

وأوضح شيبالين أنّ الإجابة الصريحة هي لا، ليس بدقة من حيث الزمان والمكان والشدة، وأنّ التنبؤ القصير المدى بدقة يصل إلى دقائق أمر مستحيل حالياً. ما يستطيع العلماء تقديره بثقة أكبر هو أماكن احتمالية وقوع الزلازل القوية، مع العلم أنّ هذا التقدير نفسه ينطوي على قدر من عدم اليقين.

تكمن المشكلة الرئيسية في ندرة الزلازل القوية على المدى الزمني البشري. ففي منطقة ما، فقد يتكرّر حدث كبير مرّة كلّ 100 أو 1000 أو حتى 10000 عام. لا تغطي الملاحظات العلمية الحديثة سوى جزء صغير جداً من هذه الدورات. وهذا يعني أنّ الباحثين غالباً لا يملكون أمثلة كافية من المكان نفسه لوضع قواعد تنبؤ دقيقة.
 
حتى الزلازل المتشابهة قد تتصرّف بشكل مختلف، ويعطي شيبالين مثالاً على زلزالي كامتشاتكا الكبيرين عامي 1952 و2025. كان مركزاهما متقاربين، وكانت شدّتهما متقاربة، ومع ذلك لم تكن الأحداث وآثار التسونامي متطابقة. يوضح هذا لماذا لا تكفي المقارنة البسيطة مع الماضي للتنبؤ الموثوق.

لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حلّ المشكلة بمفرده؟

يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كميات هائلة من البيانات القابلة للمقارنة لتعلّم أنماط موثوقة. لكنّ الزلازل القوية نادرة، ولكلّ منها خصائص فريدة. ووفقاً لشيبالين، يُعدّ هذا النقص في بيانات التدريب سبباً رئيسياً لعدم قدرة الذكاء الاصطناعي حالياً على التنبؤ بالزلازل على المدى القصير.
 
يكمن التحدّي العلمي الأعمق في فهم ما يُحفّز حدوث الصدع. يحتاج العلماء إلى معرفة سبب بدء الزلزال في لحظة محددة، وتحت أيّ ظروف يمكن أن ينتشر الصدع لعشرات الكيلومترات. ويشير شيبالين إلى أنّ هذه الآلية لا تزال غير مفهومة تماماً.

ما يمكن للعلماء فعله اليوم؟

على الرغم من استحالة التنبؤ الدقيق، إلا أنّ علم الزلازل ليس عاجزاً، حيث يستطيع الباحثون اليوم إنتاج تنبؤات متوسطة المدى. وقد تُشير هذه التنبؤات إلى احتمال وقوع زلزال قوي في منطقة معيّنة خلال فترة تقريبية، كأن تكون خلال عام. هذه التنبؤات ليست دقيقة بما يكفي لإجلاء السكان، لكنها تُساعد فرق الطوارئ على الاستعداد.

يعتمد الرصد الحديث بشكل أساسي على أجهزة قياس الزلازل والملاحة عبر الأقمار الاصطناعية. تسجّل أجهزة قياس الزلازل الموجات الزلزالية الناتجة عن الزلازل. وتستطيع أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية قياس الحركات الطفيفة لسطح الأرض باستمرار. ومن خلال تحليل هذه التحوّلات السطحية، يستطيع العلماء تقدير ما قد يحدث داخل مناطق الزلازل.

التغيّر المناخي والزلازل: بين الحقيقة والخيال

قد يؤثّر التغيّر المناخي على النشاط الزلزالي في بعض الحالات المحدّدة، ولكن ليس بالطريقة البسيطة التي تُروّج لها وسائل الإعلام. فعند ذوبان الأنهار الجليدية، يخفّ الضغط عن الصخور تحتها، مما قد يزيد من النشاط الزلزالي في بعض المناطق. كما أنّ ذوبان الجليد والتربة الصقيعية قد يجعل البنية التحتية أكثر عرضة للتلف، لذا حتى الزلازل الصغيرة قد تُسبّب أضراراً أكبر.

ومع ذلك، يؤكّد شيبالين أنه لا توجد علاقة مباشرة بين التغيّر المناخي وتواتر الزلازل القوية. فمصادر الزلازل الكبرى عادةً ما تقع على أعماق 10 كيلومترات أو أكثر، حيث يكون تأثير التغيّرات المناخية السطحية ضئيلاً.

أفضل حماية من الزلازل.. الاستعداد لها

بما أنه لا يمكن التنبؤ بدقة، فإنّ الاستراتيجية الأكثر فعالية هي تقليل الأضرار قبل وقوع الزلازل. في روسيا، بدأ تطبيق هذا النهج بعد زلزال يالطا عام 1927. وفي عام 1937، تمّ إنشاء أول خريطة عامة لتصنيف المناطق الزلزالية، وأصبحت خرائط المخاطر الزلزالية لاحقاً إلزامية في تخطيط الإنشاءات.
 
تساعد هذه الخرائط في تحديد مدى قوة تدعيم المباني في المناطق الخطرة. تم تحديث هذه الخرائط في عامي 1997 و2016، ومن المتوقع إعداد مجموعة جديدة منها ابتداءً من عام 2027 باستخدام مبادئ محسّنة وبيانات متراكمة أكثر.
 
وفي هذا السياق، يؤكد شيبالين ضرورة أن تكون الحماية من الزلازل قائمة على تقييم المخاطر. ففي المناطق التي قد تُلحق فيها الزلازل المتوسطة أضراراً بالمباني، ولكن من غير المرجّح أن تتسبّب في وفيات أو إصابات خطيرة، قد يكون التأمين في بعض الأحيان أكثر منطقية من التدعيم المفرط. أما في المناطق التي تُهدّد فيها الزلازل القوية الأرواح، فتظل معايير البناء الصارمة ضرورية.

ويمكن أن تظلّ التنبؤات مفيدة، حتى وإن لم تكن دقيقة تماماً، فليس من الضروري أن يكون التنبؤ دقيقاً تماماً ليُفيد. ويستذكر شيبالين تنبؤاً صدر عام 2006 يتعلق بزلزال أوليتورسكي. لم يكن التنبؤ دقيقاً من حيث التوقيت أو الموقع، ولكنه شجّع على إجراء تدريبات الاستعداد للطوارئ. وعند وقوع الزلزال، كانت فرق الطوارئ أكثر استعداداً.
 
وكان زلزال هايتشنغ عام 1975 في الصين الحالة الوحيدة المعروفة على نطاق واسع في التاريخ التي سمح فيها التنبؤ الدقيق بالإخلاء وإنقاذ الأرواح. هذا المثال مهم، ولكنه يبقى استثنائياً وليس نموذجياً، بحسب شيبالين.

ما الذي قد يتغيّر في المستقبل؟

قد تتحسّن التنبؤات بالزلازل، ولكن ببطء. ويُقدّر شيبالين أنّ التنبؤات المتوسطة المدى الأكثر موثوقية، والتي تخلو من الأخطاء الكبيرة، قد تصبح ممكنة في غضون عشر سنوات تقريباً. أما التنبؤات قصيرة المدى، فقد تستغرق عقوداً عديدة، لأنّ التقنيات الحالية لا تزال عاجزة عن رصد العمليات التي تبدأ في أعماق الأرض وتفسيرها بشكل كامل، وفقاً لما ذكرته "بوابة روسيا العلمية".
 
لذا لا يمكن التنبؤ بالزلازل كما يُتنبأ بالطقس. لا يستطيع العلماء الجزم بحدوث زلزال معيّن غداً في وقت ومكان محددين. لكن هذا لا يُضعف علم الزلازل.
 
تكمن أهميته اليوم في الاستعداد: تحديد المناطق الخطرة، وتحسين الخرائط الزلزالية، وتدعيم المباني، والتخطيط للاستجابة للطوارئ، والحد من الخسائر الاقتصادية والبشرية. والدرس العملي واضح: قد لا نتمكن من منع الزلازل أو التنبؤ بها بدقة تامة، لكننا نستطيع بناء مدن وأنظمة ومجتمعات أكثر مقاومة للزلازل.

اقرأ أيضاً: دراسة تحل لغز سبب استمرار الهزات الارتدادية لأعنف الزلازل على الأرض

اخترنا لك