تدمير البنية التحتية في غزة… العقاب الجماعي يتحوّل إلى تهديد للأمن البيئي

ليست كلّ الحروب تُختزل بعدد القذائف والضحايا، فبعضها يترك جروحاً تمتد إلى المياه والتربة والبحر؛ وما يحدث في العدوان على غزة يكشف أنّ تدمير البنية التحتية لم يعد فقط عقاباً جماعياً، بل بات يرتد تدريجياً ليهدّد الأمن البيئي والمائي.

  • تدمير البنية التحتية في غزة… العقاب الجماعي يتحوّل إلى تهديد للأمن البيئي (جيتي)
    عواقب كبيرة لتدمير البنية التحتية في غزة (جيتي)

لم تعد الحرب على قطاع غزة تُختزل فقط بعدد الضحايا أو بحجم الدمار العمراني، بل أصبحت تُنتج تداعيات تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، لتكشف حقيقة كثيراً ما تجاهلتها الحسابات العسكرية.

فالبيئة لا تعترف بالحدود، والكوارث البيئية لا تتوقّف عند الأسلاك الشائكة أو الجدران الفاصلة. فعندما تُدمَّر منظومات المياه والصرف الصحي، وتُستهدف البنية التحتية المدنية التي تحفظ التوازن البيئي والصحي، فإنّ آثار ذلك لا تبقى محصورة داخل المنطقة المستهدفة، وإنما تتحوّل تدريجياً إلى تهديد إقليمي يمتد إلى الجميع، بمن فيهم الطرف الذي تسبّب بهذه الكارثة.

وفي هذا السياق، بدأت مراكز أبحاث تابعة للاحتلال، إلى جانب تقارير صحافية وعلمية دولية، تطلق تحذيرات متزايدة من أنّ الانهيار الكامل لمنظومة المياه والصرف الصحي في قطاع غزة لم يعد يشكّل مأساة إنسانية للفلسطينيين فقط، بل تحوّل إلى مصدر خطر مباشر على الأمن البيئي والمائي  .

فمياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي تُقدَّر بمئات آلاف الأمتار المكعبة يومياً، لم تعد تجد طريقها إلى محطات المعالجة التي خرجت عن الخدمة بالكامل، وإنما تتدفّق إلى البحر الأبيض المتوسط، وتتسرّب إلى الخزّان الجوفي الساحلي المشترك، حاملة معها كميات هائلة من الملوّثات العضوية والبكتيرية والكيماوية.

هذه التطوّرات تكشف مفارقة استراتيجية لافتة، إذ إنّ سياسة تدمير مقوّمات الحياة في غزة، التي اعتُبرت جزءاً من أدوات الضغط العسكري، بدأت ترتد بصورة معاكسة على الاحتلال نفسه، بعدما تحوّلت البيئة إلى عامل لا يمكن إخضاعه لمنطق القوة العسكرية، ولا يمكن عزله بالحدود السياسية أو الأمنية.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by شبكة قدس | Quds network (@qudsn)

تدمير ممنهج لمنظومة المياه والصرف الصحي

قبل العدوان الأخير عام 2023، كانت غزة تمتلك منظومة متكاملة نسبياً لمعالجة مياه الصرف الصحي، ضمت خمس محطات رئيسية، وعشرات محطات الضخ، وشبكة أنابيب امتدت لأكثر من ألفي كيلومتر، إضافة إلى أحواض تجميع مياه الأمطار وخزانات المياه الجوفية التي كانت تُدار ضمن إمكانات محدودة، لكنها حافظت على الحد الأدنى من الاستقرار البيئي.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by blinxnews (@blinxnews)

إلا أن العدوان المتواصل أدى إلى انهيار هذه المنظومة بصورة شبه كاملة. فقد تعرضت محطات المعالجة للقصف المباشر أو خرجت عن الخدمة بسبب انقطاع الكهرباء ومنع إدخال الوقود وقطع الغيار، فيما دُمرت شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ، وتحولت الأحياء السكنية إلى مناطق تغمرها المياه العادمة.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 85% من البنية التحتية الخاصة بالمياه والصرف الصحي تعرضت للتدمير أو التعطيل، الأمر الذي جعل البلديات عاجزة عن معالجة المياه العادمة أو حتى ضخها بعيداً عن المناطق السكنية، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الانهيار البيئي الشامل.

من أزمة إنسانية إلى كارثة بيئية

النتيجة المباشرة لهذا الانهيار كانت فيضان مياه الصرف الصحي داخل المدن والمخيمات ومراكز الإيواء، حيث اختلطت المياه الملوثة بالشوارع ومصادر المياه المحدودة، وأصبحت بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية.

وتؤكد المنظمات الدولية أن غالبية سكان القطاع  باتوا يفتقرون إلى مياه شرب آمنة، فيما ارتفعت معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية والنزلات المعوية والتهاب الكبد الوبائي، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية وعدم قدرة المستشفيات على التعامل مع هذا الحجم من الأزمات.

لكن الأخطر أن هذه الكارثة لم تبق داخل غزة. فمع امتلاء البرك الترابية المؤقتة التي جُمعت فيها مياه المجاري، جاءت المنخفضات الجوية والأمطار لتدفع كميات هائلة منها نحو البحر الأبيض المتوسط، بينما تسرب جزء آخر عبر التربة الرملية إلى الخزان الجوفي الساحلي، الذي لا يتوقف عند الحدود  بين غزة والأراضي المحتلة.

تُعد هذه الحقيقة إحدى أبرز النقاط التي ركزت عليها الدراسات الإسرائيلية الحديثة. فالمياه الجوفية في الساحل الفلسطيني تشكل نظاماً هيدرولوجياً واحداً، يمتد من جنوب قطاع غزة إلى داخل الأراضي المحتلة، كما أن التيارات البحرية في شرق البحر المتوسط تتحرك بطبيعتها من الجنوب نحو الشمال، حاملة معها كل ما يُلقى في البحر من ملوثات.

وهذا يعني أن ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي تُصرف يومياً إلى البحر نتيجة توقّف محطات المعالجة، لا تبقى أمام شواطئ غزة، بل تنتقل تدريجياً نحو عسقلان وأسدود، حيث توجد منشآت حيوية تعتمد على مياه البحر.

وقد أظهرت صور الأقمار الاصطناعية وتقارير بيئية بقعاً واسعة من المياه الملوّثة تتحرك شمالاً، فيما حذرت دراسات أعدتها مراكز بيئية تابعة للاحتلال من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تدهور نوعية المياه الساحلية بصورة متزايدة، ما ينعكس على البيئة البحرية والاقتصاد الساحلي والأمن المائي.

الخزّان الجوفي… التهديد الصامت

إلى جانب البحر، يبرز الخزّان الجوفي الساحلي باعتباره أحد أخطر مسارات انتقال التلوّث؛ فالخزّان الذي تعتمد عليه غزة وجزء من جنوب فلسطين المحتلة يُعدّ نظاماً مائياً واحداً، وأي تلوث يحدث في أحد أطرافه ينعكس تدريجياً على بقية أجزائه.

ومع توقف محطات المعالجة، أصبحت البرك الترابية المؤقتة تمثل مصدراً دائماً لتسرب المياه العادمة إلى باطن الأرض، حيث تنتقل البكتيريا والفيروسات والنترات والمواد العضوية عبر التربة الرملية شديدة النفاذ.

وقد حذرّت تقارير إسرائيلية من أن استمرار هذه العملية سيؤثر في جودة المياه الجوفية المستخدمة داخل المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وسيزيد من تكاليف معالجتها مستقبلاً، فضلاً عن احتمال خروج بعض الآبار من الخدمة إذا تجاوزت مستويات التلوث الحدود المسموح بها.

محطة عسقلان… منشأة استراتيجية تحت التهديد

من بين أكثر المنشآت الإسرائيلية تعرّضاً للمخاطر تبرز محطة تحلية المياه في عسقلان، التي تُعدّ واحدة من أكبر محطات التحلية في المنطقة، وتوفر نسبة مهمة من احتياجات الأراضي المحتلة من المياه العذبة.

تعتمد هذه المحطة على سحب مياه البحر ثم تمريرها عبر منظومات ترشيح وأغشية دقيقة تعمل بكفاءة عالية، إلا أن هذه التكنولوجيا صُممت للتعامل مع مستويات طبيعية من التلوث، وليس مع كميات ضخمة من المياه العادمة والمواد العضوية.

لذلك، فإنّ وصول موجات كبيرة من مياه الصرف الصحي إلى المنطقة الساحلية يفرض ضغطاً متزايداً على أنظمة الترشيح، ويؤدي إلى انسداد الأغشية وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، وقد تضطر السلطات إلى إيقاف سحب المياه مؤقتاً عند ارتفاع مستويات التلوث، حفاظاً على سلامة المعدات وجودة المياه المنتجة.

وهذا لا يعني فقط خسائر مالية، بل يفتح الباب أمام تحديات تتعلق بالأمن المائي ، الذي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على تحلية مياه البحر.

البيئة البحرية… خسائر تتجاوز الإنسان

ولا يقتصر تأثير مياه الصرف الصحي على محطات التحلية، بل يمتد إلى النظام البيئي البحري بأكمله، فارتفاع تركيز المواد العضوية يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين في المياه، ويؤثر في التنوع البيولوجي، ويزيد من نفوق الأسماك والكائنات البحرية، كما يرفع احتمالات تلوث السلسلة الغذائية البحرية.

وقد شهدت السنوات الماضية إغلاقات متكررة لبعض الشواطئ الجنوبية  نتيجة ارتفاع مؤشرات التلوث، بينما يحذر خبراء البيئة من أن استمرار تدفق المياه العادمة من غزة سيجعل هذه الظاهرة أكثر تكراراً واتساعاً.

ولا يقتصر الأمر على البيئة البحرية، بل يمتد إلى قطاع الصيد والسياحة الساحلية، اللذين يعتمدان على نظافة المياه وجودتها.

حين ينقلب العقاب الجماعي على أصحابه

تكشف هذه المعطيات خللاً استراتيجياً في التفكير العسكري الذي ينظر إلى تدمير البنية التحتية المدنية باعتباره وسيلة ضغط على السكان، فقد أثبتت التجارب الحديثة أن استهداف شبكات المياه والصرف الصحي لا يؤدي فقط إلى مضاعفة المعاناة الإنسانية، بل يخلق أخطاراً بيئية عابرة للحدود لا يستطيع أي طرف السيطرة عليها.

فالبيئة ليست ميداناً للحرب التقليدية، وإنما منظومة مترابطة، وكل خلل فيها ينتقل تلقائياً إلى المناطق المجاورة. ومن هنا، فإن تدمير محطات معالجة المياه في غزة لم يقتصر أثره على الفلسطينيين، بل بدأ ينعكس تدريجياً على البيئة في الأراضي التي تحتلها "إسرائيل" ذاتها، سواء عبر البحر أو المياه الجوفية أو حتى انتشار الحشرات والأمراض المرتبطة بالمياه الراكدة.

تحذيرات  متزايدة

اللافت أن كثيراً من هذه التحذيرات لم تصدر عن جهات فلسطينية أو عربية، بل عن مراكز أبحاث إسرائيلية وصحف عبرية ومنظمات أممية، أكدت أن استمرار انهيار البنية التحتية في غزة سيحوّل المنطقة بأكملها إلى بؤرة تلوث إقليمي.

وتشير هذه الدراسات إلى أنّ معالجة آثار التلوث ستحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات بمليارات الدولارات، حتى لو توقفت الحرب فوراً، لأن إعادة بناء شبكات المياه ومعالجة الخزان الجوفي وتنظيف البيئة البحرية ليست عمليات يمكن إنجازها في فترة قصيرة.

ففي النهاية، تكشف أزمة المياه والصرف الصحي في قطاع غزة أن الحروب الحديثة لم تعد تنتهي عند خطوط المواجهة، بل تمتد آثارها إلى الموارد الطبيعية والبيئة والصحة العامة، لتصيب الجميع بدرجات متفاوتة.

فحين تُدمر محطات المعالجة، وتُقصف شبكات المياه، وتُحرم المدن من الكهرباء والوقود، لا يبقى التلوث داخل الحدود التي رُسمت على الخرائط، بل يجد طريقه إلى البحر والمياه الجوفية والهواء، متجاوزاً كل الحواجز السياسية والعسكرية.

ولذلك، فإن ما يجري اليوم في غزة لا يمثل فقط كارثة إنسانية غير مسبوقة، بل يشكل اختباراً حقيقياً على البيئة في المنطقة بأسرها. فقد أثبتت الوقائع أن العقاب الجماعي، مهما بدا في لحظته أداة ضغط عسكرية، يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى تهديد مباشر للطرف الذي استخدمه، وأن البيئة، بخلاف ميادين الحرب، لا تعرف منتصراً ومهزوماً، بل تفرض على الجميع دفع ثمن الإخلال بتوازنها.

اقرأ أيضاً: "أطباء بلا حدود": "إسرائيل" تستخدم المياه سلاحاً في غزة

 

 
 

اخترنا لك