COP 17 والعدالة المناخية.. من يتحمل فاتورة تدمير الطبيعة؟

في يريفان، حيث اجتمع ممثلو نحو 200 دولة لإنقاذ الطبيعة، تتقاطع الطموحات المعلنة مع فجوة التنفيذ المزمنة. فمؤتمر الأطراف الـ 17 ليس محطة احتفالية هامشية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول على تحويل الوعود إلى أفعال ملموسة.

  • COP 17 والعدالة المناخية.. من يتحمل فاتورة تدمير الطبيعة؟
    يأتي مؤتمر  (COP17) في ظل سياقٍ دوليّ بالغ التعقيد (الصورة: armenpress)

في مشهدٍ بات يتكرّر كلّ عام، تلتئم نخبةُ صنّاع القرار البيئي في العالم تحت سقفٍ واحد، تُطلق التصريحات الطموحة، وتُعقد الآمال على "قمةٍ" جديدة تُعيد للطبيعة عافيتها. هذه المرة، كانت العاصمة الأرمينية يريفان مسرحاً لمؤتمر الأطراف السابع عشر (COP17) لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوّع البيولوجي، تحت شعارٍ يحمل في طياته شيئاً من التحدي والاستعجال: "العمل من أجل الطبيعة".

 لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ويحتاج إلى إجابة لا تُجمّل الحقائق: هل نحن أمام محطةٍ مفصلية تُترجم الوعود إلى أفعال، أم أننا نشهد فصلاً جديداً من مسلسل طويل من الالتزامات غير المُلزمة؟

يأتي هذا المؤتمر في ظل سياق دوليّ بالغ التعقيد، تحكمه مفارقةٌ صارخة. ففي الوقت الذي يجتمع فيه ممثلو قرابة 200 دولة لمحاولة إنقاذ الأنظمة البيئية، صدر تقرير "فجوة الانبعاثات" الأممي ليضع العالم أمام حقيقة مرّة: الانبعاثاتُ العالمية للغازات الدفيئة بقيت عند مستوياتٍ قياسية عام 2025، والخططُ الحالية تُشير إلى احترار قد يصل إلى 2.6 درجة مئوية هذا القرن، حتى لو أوفت الحكومات بتعهّداتها المناخية الأخيرة.

والأسوأ من ذلك، أنّ السياسات الحالية قد تدفع الكوكب نحو احترارٍ يبلغ 2.8 درجة مئوية. هذه الأرقام ليست مجرّد إحصاءاتٍ جوفاء، إنها ناقوسُ خطر يدقّ بقوة، محذّراً من أنّ "الاحترار الذي يفضي إلى وقوع كوارث واسعة النطاق" لم يعد سيناريو افتراضياً، بل أصبح واقعاً نعيش فصوله الأولى. 

إنجازات الأسبوع الأول: قراراتٌ على الورق.. واختبارٌ على الأرض

شهد الأسبوع الأول من المفاوضات حراكاً دبلوماسياً مكثّفاً، أسفر عن اعتماد 14 قراراً دولياً في إطار اتفاقية التنوّع البيولوجي وبروتوكولي كارتاخينا وناغويا. غطّت هذه القرارات محاور حيوية، من السلامة البيولوجية والأنواع الغازية الدخيلة، إلى المساواة بين الجنسين في العمل البيئي، وآليات الرصد والامتثال.

وقد اعتبرت الأمينة التنفيذية للاتفاقية، أستريد شوميكر، أنّ "نتائج الأسبوع الأول تُعدّ خطوةً مهمّة، لكنّ نجاح مؤتمر الأطراف السابع عشر سيُقاس بالتغييرات الحقيقية التي يُحدثها لصالح الطبيعة والإنسان". هذه العبارة، على دقتها، تختصر جوهر الإشكالية: فالقراراتُ وحدها لا تُنقذ النظم البيئية.

ولعلّ من أبرز ما خرج به هذا الأسبوع، إطلاقُ الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) لأوّل استراتيجية عالمية موحّدة لمكافحة الأنواع الغازية الدخيلة، التي تُصنّف كأحد أكبر 5 محرّكات لفقدان التنوّع البيولوجي. الاستراتيجية، التي تركّز على الإنذار المبكر والاستجابة السريعة وحماية الموائل الحساسة، تمثّل خطوةً تقنية مهمة، لكنّ فعّاليتها تبقى رهينةً بتوفّر التمويل والالتزام السياسي من الدول.

فالمؤتمر، الذي جاء لتقييم منتصف المدة لإطار كونمينغ-مونتريال العالمي Kunming-Montreal Global Biodiversity Framework، انعقد وسط اعتراف أممي صريح بأنّ الالتزامات الحالية لن تحمي سوى 26% من البيئات البرية و12% البحرية بحلول 2030، وهو ما يقلّ كثيراً عن الهدف المتفق عليه عالمياً (حماية 30% بحلول 2030). 

والأخطر من ذلك، الفجوة التمويلية التي قُدّرت بنحو 700 مليار دولار لبرامج حماية الطبيعة، في مشهد يزداد تعقيداً بانسحاب الولايات المتحدة من التزامات المناخ والتنوّع البيولوجي، وبقائها خارج اتفاقية التنوّع البيولوجي أصلاً. وهنا يظهر السؤال التقليدي: هل نحن أمام إرادة سياسية حقيقية، أم أمام إدارة دبلوماسية للعجز؟

  • COP 17 والعدالة المناخية.. من يتحمل فاتورة تدمير الطبيعة؟

المال لا يأتي من حيث يُنتظر

في ظل فجوةٍ تمويلية عالمية تُقدّر بـ 700 مليار دولار لبرامج حماية الطبيعة، برزت في يريفان توجّهاتٌ نحو آليات مالية مبتكرة، تحاول تجاوز الاعتماد التقليدي على الموازنات الحكومية الشحيحة. أبرز هذه الآليات كانت "سندات المتنزهات" (Park Bonds)، التي أطلقها البنك الأفريقي للتنمية بالتعاون مع دول مثل كوت ديفوار وموريتانيا وغينيا.

هذه السندات، المصمّمة لجمع نحو 300 مليون يورو من أسواق المال، تهدف إلى تمويل حماية المحميات الطبيعية في غرب أفريقيا، وصون سلالات مهدّدة بالانقراض مثل فيل الغابات وشمبانزي غرب أفريقيا. وتُعدّ هذه الخطوة تكريساً لنموذج "التمويل المختلط"، حيث تُستخدم عوائد المشاريع البيئية (بما في ذلك أرصدة الكربون) لجذب رؤوس الأموال الخاصة.

بالتوازي، تصدّر مفهوم "اعتمادات التنوّع البيولوجي" (Biodiversity Credits) كأداةٍ سوقية واعدة. وخلافاً لآليات التعويض التقليدية، لا تُشترى هذه الاعتمادات للتعويض عن تدمير بيئةٍ ما، بل تُمثّل استثماراً إيجابياً مباشراً في الطبيعة (Nature-Positive)، حيث تدرجها الشركات كأصولٍ بيئية في تقارير استدامتها.

هذه الآليات، على الرغم من أهميتها في تعبئة رأس المال الخاص، تطرح تساؤلات جوهرية حول المخاطر: هل يمكن قياس "وحدة" التنوع البيولوجي بدقةٍ كما نقيس الكربون؟ وما الذي يضمن أنّ هذه السوق لن تتحوّل إلى أداةٍ جديدة "للغسل الأخضر" (Greenwashing)؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدّد ما إذا كانت هذه الأدوات حلاً فعلياً أم مجرّد مسكّنٍ مؤقت.

حين تتحوّل الطبيعة إلى "وصفة طبية"

وسط ضجيج التمويل، برز إطلاق "التحالف الدولي لوصفات الطبيعة" (INPA) كأحد الابتكارات غير التقليدية. التحالف، الذي أُعلن رسمياً في يريفان، لا يهدف إلى تمويل المحميات، بل إلى دمج "وصف الطبيعة" في الممارسات الصحية العالمية، عبر تشجيع الأطباء على توجيه المرضى لقضاء وقت في الطبيعة لتحسين الصحة النفسية والبدنية. هذه المبادرة، رغم أنها قد تبدو هامشية في مواجهة فجوة 700 مليار دولار، تعكس تحوّلاً في الخطاب: لم يعد الحفاظ على الطبيعة "ترفاً بيئياً"، بل أصبح شرطاً للصحة العامة والاستقرار الاقتصادي. لكنها تطرح سؤالاً حول أولويات النظام الدولي: لماذا ننجح في ابتكار "وصفات" للصحة، ونعجز عن ابتكار "وصفات" ملزمة لتمويل الحفظ؟

 الظلّ الأميركي: عندما يكون أكبر اقتصادٍ هو المشكلة

لا يمكن تحليل مسار العمل البيئي الدولي من دون التوقّف عند الدور الأميركي، الذي بات يمثّل، في السنوات الأخيرة، عقبةً كأداء أمام أيّ تقدّم جماعي. فوفقاً لتقارير وكالة "رويترز" و"npr"، تبرز الولايات المتحدة كالاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي شهد ارتفاعاً حاداً في معدلات التلوّث المسبّب للاحتباس الحراري خلال العام الماضي، بنسبة 2.4% مقارنة بعام 2024. ويعود هذا الارتفاع إلى زيادة الطلب على الكهرباء (بما في ذلك مراكز البيانات الضخمة للذكاء الاصطناعي) وعودة الاعتماد على الفحم، فضلاً عن سياسات إدارة ترامب التي دعمت حرق الوقود الأحفوري وخفّفت المعايير البيئية.

الأخطر من ذلك، هو الانسحاب الأميركي من اتفاقية باريس للمناخ، ومحاولة إخراج البلاد من كلّ جهود الأمم المتحدة المتعلقة بالمناخ، بل وتراجع وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA) عن اعتبار الغازات الدفيئة تهديداً لصحة الإنسان.

هذا الموقف لا يمثّل مجرّد تخاذل عن المسؤولية، بل يُقوّض أسس النظام الدولي للعمل المناخي، ويجعل تحقيق الأهداف العالمية أكثر صعوبة. فحين يكون أحد أكبر الملوّثين التاريخيين والحاضرين خارج الإطار الجماعي، تصبح أيّ جهودٍ تبذلها الدول الأخرى محدودة الأثر.

تقييم دبلوماسي لمنتصف الطريق: "الإرادة موجودة، لكنّ الطريق مفقود"

يصف تقرير الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) حصيلة الأسبوع الأول بأنها "حرّكت المؤتمر نحو الخيارات الصعبة، لكنها لم تحلّها"، مشيراً إلى أنّ الوزراء مطالبون بتحويل الأدلة على قصور التنفيذ إلى قرارات ملموسة، مدعومة بتمويل موثوق يصل إلى 30 مليار دولار سنوياً بحلول 2030 للدول النامية. وهنا يبرز التناقض الجوهري: ففي الوقت الذي تتحدّث فيه الدول عن "الطموح"، لا تزال المساهمات المعلنة في صندوق "المعلومات الرقمية للموارد الجينية" (DSI) لا تتجاوز 10,656 دولاراً من 5 شركات فقط، في مؤشر كاريكاتوري على هشاشة الالتزامات الطوعية.

وبينما تحاول أرمينيا، بصفتها رئيسة المؤتمر، تقديم "إعلان يريفان" كأساس سياسي للعمل، فإنّ غياب الولايات المتحدة عن طاولة المفاوضات، وتراجعها عن التزاماتها المناخية السابقة، يجعل أيّ إجماع عالمي أشبه ببناء على الرمال.

في الأيام الأخيرة من المؤتمر، تكثّفت المفاوضات الوزارية حول ملفين شائكين: صندوق التمويل المشترك، وآلية التقاسم العادل للمنافع من المعلومات الرقمية للموارد الجينية. النتائج الأولية تشير إلى أنّ المؤتمر قد يخرج بإعلان سياسي قوي، لكن من دون آليات إلزامية جديدة. فالخطر ليس في فشل المؤتمر، بل في نجاحه الشكلي: إعلان يُطمئن الرأي العام، بينما تظلّ البنى المالية والاقتصادية التي تدفع نحو تدمير الطبيعة من دون تغيير.

إنّ قمة يريفان كشفت حقيقة مرّة: العالم يمتلك التكنولوجيا والأطر القانونية والأفكار المالية المبتكرة، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية لإخضاع الاقتصاد لمنطق البقاء البيئي. فمن دون تحويل "سندات المتنزّهات" و"اعتمادات التنوّع البيولوجي" من أدوات هامشية إلى سياسات مركزية، ومن دون إلزام الدول الكبرى بتمويل الحفظ كما تُلزم نفسها بتمويل الحروب، سيبقى شعار "العمل من أجل الطبيعة" كلاماً جميلاً في مدينة يريفان، بينما تستمر الأنظمة البيئية في الانهيار بصمت. السؤال ليس هل تنجح الدول في وقف تدهور الطبيعة؟ بل هل قرّرت أصلاً أن تنجح؟

قمة يريفان ليست نهاية المطاف، بل محطةٌ في مسارٍ طويل. النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد القرارات المعتمدة، بل بمدى انعكاسها على أرض الواقع: في عودة أعداد الأنواع المهدّدة، وفي تقلّص مساحات الغابات المطيرة، وفي تحوّل المدن إلى فضاءاتٍ أكثر استدامة. حتى ذلك الحين، ستبقى الطبيعةُ تنتظر، والصورةُ الكبيرة لا تزال غير مطمئنة.

اقرأ أيضاً: آمال حذرة مع انعقاد مؤتمر "كوب17" حول التنوع البيولوجي

 

 

اخترنا لك