دراسة: "الأنهار الجوية" قد تشعل موجات حر في المحيطات وخصوصاً في الشتاء

دراسة حديثة تكشف أنّ "الأنهار الجوية" تلعب دوراً مباشراً ومفاجئاً في إشعال موجات الحر البحرية ورفع حرارة المحيطات، في اكتشاف علمي يغير فهم التغيرات المناخية.

  • "الأنهار الجوية" قد تشعل موجات حر في المحيطات

كشفت دراسة حديثة عن علاقة بين "الأنهار الجوية" Atmospheric Rivers وموجات الحر البحرية، وتفتح مجالاً لتحسين التنبؤ بارتفاع حرارة المحيطات.

لا تحدث موجات الحر على اليابسة فقط. فالمحيطات تشهد بدورها فترات من الارتفاع غير المعتاد في درجات الحرارة قد تمتد لأسابيع أو أشهر، وتترك آثاراً واسعة على النظم البيئية والثروة السمكية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر.

وكشفت الدراسة التي أجراها باحثون في جامعة "ديوك" الأميركية أنّ ظاهرة جوية تعرف باسم "الأنهار الجوية" قد تؤدي دوراً في نشوء بعض موجات الحر البحرية، خصوصاً خلال فصل الشتاء.

وتشير النتائج إلى أن تتبع هذه الظاهرة الجوية قد يساعد مستقبلاً في تحسين القدرة على التنبؤ بموجات الحر التي تضرب المحيطات.

ما هي الأنهار الجوية؟

"الأنهار الجوية" هي ممرات طويلة وضيقة في الغلاف الجوي تنقل كميات كبيرة من بخار الماء عبر مسافات شاسعة. وعادة ما تتحرك هذه الأنظمة فوق المحيطات، حيث يمكن أن تؤثر في درجات حرارة سطح البحر من خلال عمليات مختلفة تنقل الحرارة بين الغلاف الجوي والمياه.

وخلال الدراسة ركز الباحثون على سؤال محدد: هل يمكن لهذه الممرات الجوية المحملة بالرطوبة أن تؤثر في نشوء موجات الحر البحرية أو تطورها؟

وحلل الفريق البحثي بيانات جمعتها الأقمار الصناعية والسفن وأجهزة رصد أخرى، وتتبع الأنهار الجوية وموجات الحر البحرية في شمال المحيطين الهادئ والأطلسي، خارج المناطق المدارية، خلال الفترة بين عامي 1982 و2023.

علاقة واضحة في الشتاء

أظهرت الدراسة وجود ارتباط بين نشاط الأنهار الجوية وموجات الحر البحرية، لكن هذه العلاقة لم تكن متطابقة في جميع المناطق أو الفصول.

فخلال فصل الشتاء، رصد الباحثون زيادة غير معتادة في نشاط الأنهار الجوية قبل بلوغ موجات الحر البحرية ذروتها بنحو بضعة أيام.

ويشير هذا التتابع الزمني إلى أنّ الأنهار الجوية قد تكون أحد العوامل التي تسهم في دفع درجات حرارة سطح البحر إلى مستويات مرتفعة خلال بعض موجات الحر البحرية.

أما خلال الصيف، فكانت الأنهار الجوية أقل حضوراً قبل موجات الحر البحرية، ما يشير إلى أنّ آليات تشكل هذه الظواهر تختلف باختلاف الموسم.

وبذلك، لا تقدم الدراسة تفسيراً واحداً لجميع موجات الحر البحرية، لكنها تضيف عنصراً مهماً إلى فهم التفاعلات المعقدة بين الغلاف الجوي والمحيطات.

لماذا ترتفع حرارة المحيطات؟

تُعد المحيطات خط الدفاع الأكبر أمام الاحترار العالمي، إذ تمتص معظم الحرارة الإضافية الناتجة عن تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. لكن هذه الوظيفة تأتي بتكلفة بيئية متزايدة.

ومع استمرار الاحترار العالمي، أصبحت موجات الحر البحرية أكثر شدة وتكراراً، في حين تميل الأنهار الجوية أيضاً إلى أن تصبح أكثر قوة مع ارتفاع حرارة الهواء وزيادة كمية الرطوبة التي يستطيع الغلاف الجوي الاحتفاظ بها.

وهنا تبرز أهمية الدراسة: فإذا كان تغير المناخ يؤثر في الظاهرتين معاً، فإنّ فهم الطريقة التي تتفاعل بها الأنهار الجوية مع المحيطات قد يصبح ضرورياً لفهم كيفية تطور موجات الحر البحرية في المستقبل.

تهديد للنظم البيئية والثروة السمكية

لا يمثل ارتفاع حرارة سطح البحر مجرد تغير في رقم على مقياس الحرارة.

فموجات الحر البحرية يمكن أن تؤدي إلى تغير الظروف التي تعيش فيها الكائنات البحرية، وتدفع بعض الأنواع إلى الانتقال إلى مناطق أبرد، بينما تتعرض أنواع أخرى للإجهاد الحراري أو النفوق.

كما يمكن أن تؤثر هذه الظواهر في النظم البيئية البحرية ومصايد الأسماك، ما يجعل موجات الحر البحرية قضية بيئية واقتصادية في الوقت نفسه. وتستمر آثار بعضها لأسابيع أو أشهر وتمتد عبر مساحات واسعة من المحيطات.

وتأتي هذه المخاطر في وقت تشهد فيه المحيطات بالفعل مستويات قياسية من الحرارة. ففي تموز/يوليو 2026، سجل متوسط حرارة سطح البحار العالمية أعلى مستوى لشهر تموز/يوليو منذ بدء القياسات، وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية Copernicus Data Space Ecosystem، مع موجات حر بحرية قوية في مناطق من الأطلسي والبحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: علماء يحذرون من كارثة بيئية وشيكة: الأكسجين يختفي من مياه الأرض

هل يمكن التنبؤ بموجات الحر البحرية؟

يرى الباحثون أنّ فهم العلاقة بين الأنهار الجوية وموجات الحر البحرية يمكن أن يوفر مؤشراً إضافياً لتحسين التنبؤ بهذه الأحداث.

فإذا أمكن رصد نشاط غير معتاد للأنهار الجوية وتحديد الظروف التي تجعلها مؤثرة في حرارة المحيط، فقد يصبح بالإمكان استخدام هذه المعلومات كجزء من أنظمة الإنذار المبكر بموجات الحر البحرية.

لكن الباحثين لا يزالون أمام سؤال أكبر: كيف ستتغير العلاقة بين الظاهرتين مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة؟

ويشير شينينغ هو، عالم المناخ الذي أشرف على الدراسة، إلى أنّ موجات الحر البحرية أصبحت أقوى وأكثر تكراراً مع الاحترار العالمي، في حين تزداد شدة الأنهار الجوية أيضاً مع ارتفاع حرارة الهواء ورطوبته. ولذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل الظاهرتين في مناخ المستقبل يمثل الخطوة التالية في البحث.

المحيط والغلاف الجوي نظام واحد

كذلك تسلّط الدراسة الضوء على حقيقة أساسية في علم المناخ: لا يمكن فهم ما يحدث في المحيطات بمعزل عما يحدث في الغلاف الجوي.

فالحرارة والرطوبة والرياح تتحرك باستمرار بين النظامين، ويمكن لظاهرة جوية أن تؤثر في المحيط، كما يمكن للتغيرات في المحيط أن تعيد التأثير في الغلاف الجوي.

ومع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب، قد يصبح فهم هذه الروابط أكثر أهمية، ليس فقط لتفسير موجات الحر البحرية التي تحدث اليوم، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كانت ستصبح أكثر تواتراً وشدة في العقود المقبلة.

اقرأ أيضاً: علماء يرصدون تضاعف انبعاثات الميثان في سيبيريا خلال عشر سنوات.. ما السبب؟

اخترنا لك