القوات المسلحة المصرية ... تحديات متزايدة في محيط متقلب
تبدو المعركة في سيناء مشابهة بدرجة كبيرة للمعارك في سوريا والعراق، خصوصاً في ما يتعلق بالتكتيكات القتالية المستخدمة وتعدد الجبهات، حيث بات الجيش المصري يحارب أيضاً على الجبهة الغربية، بدعمه لقوات الجيش الوطني الليبي في محاولة لمنع محاولات داعش في شرق ليبيا من التمدد في اتجاه الحدود المصرية.
تبدو المعركة في شبه الجزيرة مشابهة بدرجة كبيرة للمعارك في سوريا والعراق، خصوصاً في ما يتعلق بالتكتيكات القتالية المستخدمة وتعدد الجبهات، حيث بات الجيش المصري يحارب أيضاً على الجبهة الغربية، بدعمه لقوات الجيش الوطني الليبي في محاولة لمنع محاولات داعش في شرق ليبيا من التمدد في اتجاه الحدود المصرية.
بداية العمليات الارهابية للعناصر المسلحة في سيناء كانت في منتصف عام 2012، وأستغلت فيها الضعف الذي طرأ على الاجراءات الأمنية في عموم مصر نتيجة للأحداث التي تلت ثورة يناير، ونفذت تفجيرات متتالية لأنبوب الغاز المتجه إلى أراضي فلسطين المحتلة والأردن، تلاها هجمات عدة متعاقبة خلال أغسطس/آب 2012 ويونيو/حزيران 2014، استهدفت مواقع عسكرية مصرية قرب الحدود مع فلسطين المحتلة وحافلات تنقل جنود في الشرطة والجيش في طريق عودتهم إلى منازلهم.
وعرفت هذه العمليات إعلامياً بــــ "مذابح رفح" وأسفرت عن استشهاد ما يقرب من 45 جندياً وضابطاً مصرياً ونتيجة لهذه السلسلة من العمليات، طرأ تحول واضح على التكتيكات العسكرية للجيش المصري الذي اطلق أول عملية أمنية موسعة استهدفت منطقة العمليات "رفح - الشيخ زويد - العريش" في اغسطس/آب 2012 مدعمة بالمدرعات والطائرات.
مثلت هذه العملية البداية الحقيقية للتحركات الواسعة للجيش المصري ضد التنظيمات الارهابية في شمال سيناء.
على الرغم من هذه العمليات، إلا أن البداية الحقيقية للعمليات النوعية الكبيرة ضد الجيش والشرطة سواء في سيناء أو في الدلتا تصاعدت بعد أحداث ثورة 30 يونيو/حزيران التي دعمها الجيش المصري وأسفرت عن إقصاء جماعة الأخوان المسلمين عن الحكم. ومن أهم هذه العمليات كان محاولة الاغتيال الفاشلة لوزير الداخلية المصري آنذاك محمد ابراهيم بواسطة سيارة مفخخة في سبتمبر/أيلول 2013، تلاها في ديسمبر/كانون أول من نفس العام عمليتين باستخدام سيارات مفخخة استهدفت الأولى مديرية أمن الدقهلية وأسفرت عن استشهاد 14 ضابطاً ومجنداً من الشرطة المصرية، والثانية استهدفت مديرية أمن القاهرة وتزامنت مع تبني "أنصار بيت المقدس" لعملية إسقاط مروحية عسكرية في شمال سيناء.
شهد عام 2014 عدة عمليات مشابهة منها تفجيرين انتحاريين في شهر مايو/آيار أستهدفا حافلة سياحية وحاجز للشرطة المصرية في جنوب سيناء ثم عملية موقع "كرم القواديس" في اكتوبر/تشرين أول والتي كانت من آخر الهجمات الكبيرة التي شنها "أنصار بيت المقدس"، قبل مبايعته لداعش، حيث هاجم عشرات من عناصر التنظيم عدة مواقع للجيش المصري وأسفرت الاشتباكات عن استشهاد ما بين 25 إلى 30 جندياً وضابطاً.
بعد مبايعة فصيل "أنصار بيت المقدس" لتنظيم داعش في نوفمبر/تشرين ثاني 2014 نفذ بأسمه الجديد "ولاية سيناء" عدة عمليات خلال العام الماضي منها الهجوم الذي نفذه في يناير/كانون ثاني، واستهدف فيه مقر الكتيبة 101 في مدينة العريش واستراحة لضباط الشرطة وفندق تابع للقوات المسلحة، مما أسفر عن عدد من الشهداء والجرحى.
لوحظ انخفاض تدريجي لمستوى العمليات التي تنفذها "ولاية سيناء"، وهذا يعزى إلى الضربات الأمنية المتلاحقة التي تعرض لها عناصر التنظيم.
نقطة التحول الكبرى في ملف سيناء كانت في يوليو/تموز 2015 حين تصدت قوات الجيش المصري لهجوم متزامن كبير شنه عشرات من عناصر "ولاية سيناء" على مواقع عسكرية عدة في رفح والشيخ زويد ولاحقت المروحيات المصرية ما تبقى من عناصر مهاجمة عقب صد الهجوم، وقامت بالقضاء على أكثر من 100 عنصر. خلال هذه المعركة التي أصبحت البداية الفعلية لانكسار التنظيم في سيناء حيث أحجم منذ هذا الهجوم الفاشل عن تنفيذ أي هجمات موسعة، كما شكل هذا الهجوم أيضاً بداية تحول مهم في العقيدة العسكرية المصرية تكتيكياً واستراتيجياً.
هذا النجاح الباهر في التصدي لهجوم بهذا الحجم شكل علامة فارقة في مسار العمليات العسكرية المصرية في سيناء من حيث التكتيكات واستراتيجية إستخدام الامكانيات التسليحية المتوفرة، تكتيكياً أتُخذ عقب هذه العملية قرار بإنشاء "قيادة منطقة شرق القناة ومكافحة الأرهاب" من اجل إدارة كامل العمليات العسكرية في سيناء بقوات من الجيشين الثاني والثالث، تحت قيادة الفريق أسامة عسكر، الذي أطلق عملية عسكرية واسعة النطاق ومتعددة المراحل فجر اليوم السابع من شهر سبتمبر الماضي تحت اسم "حق الشهيد". وهي عملية تم إنهاء مرحلتها الأولى والبدء في مرحلتها الثانية في أكتوبر الماضي، وشكلت تحولاً كبيراً في الاداء العسكري المصري على كافة المستويات.
القوات المشاركة في هذه العملية كانت للمرة الأولى قوات مشتركة من كل أقسام الجيش المصري، حيث تشارك قوات من الجيشين الثاني والثالث مدعومة بالدبابات والمدفعية والعربات المدرعة بجانب قوات التدخل السريع والوحدات البحرية الخاصة والضفادع البشرية والقوات الجوية ووحدات الهندسة العسكرية بجانب وحدات من قوات مكافحة الارهاب التابعة للشرطة، وهي العملية العسكرية الأكبر في سيناء منذ توقيع إتفاقية كامب ديفيد عام 1979. هدفت هذه العملية في مرحلتها الاولى التي استمرت 16 يوماً إلى التطهير التام لمناطق العريش والشيخ زويد ورفح من نقاط تمركز المسلحين ومخازن ذخيرتهم وأماكن إعاشتهم، ثم بعد نجاح هذه المرحلة تم تطوير الاهداف في المرحلة الثانية الجارية حتى الآن، لتتمحور حول تكثيف التعاون مع قوات الشرطة لتأمين المرافق والأهداف الحيوية وتنفيذ بنود خطة الرعاية الصحية والغذائية التي قامت بإعدادها غرفة العمليات من أجل دعم أهالي سيناء.
تميزت هذه العملية بصفتين أساسيتين، فهي عملية "هجومية" و"مشتركة"، مثلت تطوراً نوعياً في التكتيك المتبع من قبل الجيش المصري في سيناء حيث تحولت قوات الجيش في رفح والشيخ زويد والعريش إلى وضعية الهجوم وليس إلى وضعية الدفاع، كما كانت الحال في الشهور الماضية، حين كانت القوات تتحصن في مواقعها ونقاطها ولا تهاجم مواقع الارهابيين المحتملة إلا في حالة الضرورة القصوى، وكانت هذه المهمة تترك غالباً للقوات الجوية، لكن الآن باتت جميع القوات في سيناء في حالة هجوم مركز ومستمر على كل المواقع والبؤر الإرهابية التي تم تحديدها مسبقاً، وهذه الحالة يتم تنفيذها بخطة مشتركة بين كل القوات المنفذة للخطة بما يضمن التكامل فيما بينها.
أيضاً انتقلت القوات الموجودة في سيناء بهذه العملية إلى استراتيجية "الهجمات الاستباقية" والتي تهدف لإجهاض أي عمليات محتملة من جانب العناصر الارهابية، وهو ما حدث فعلياً خلال العام الماضي حيث تم إحباط عشرات العمليات باستخدام سيارات مفخخة أو عبوات ناسفة جانبية، وكان من أهم نتائج هذه الاستراتيجية نقل المعركة إلى داخل المناطق التي يتواجد فيها المسلحون، مما سبب ارتباكاً كبيراً في صفوفهم وإنهاء لأي فرصة لإستمرار تواجدهم في المناطق التي درجوا على إستخدامها كنقاط إنطلاق لتنفيذ عملياتهم، وتدمير القدرات المتوفرة لديهم في التصدي لقوات الجيش أو مهاجمتها سواء على مستوى التسليح أو على مستوى الافراد.
كانت النتيجة الاكبر لهذه المرحلة هو الإنحسار الواضح في عمليات تنظيم "ولاية سيناء" على مستوى الكم والنوع وإقتصارها في الفترة منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن، على تفجير العبوات الناسفة الجانبية في الدوريات المدرعة المصرية بعد أن كانت السمة الأساسية للهجمات هي العمليات الهجومية والإنغماسية الواسعة المشابهة لما ينفذه تنظيم داعش في سوريا والعراق.
أيضاً كانت عملية إسقاط المروحية العسكرية المصرية درساً أستفيد منه مصرياً بشكل كبير وتمثل هذا في الصفقة التي وقعتها مصر مع روسيا أواخر العام الماضي لتوريد 28 منظومة للحرب الالكترونية من نوع "President-S" مخصصة للإنذار والحماية الإلكترونية للمروحيات من الصواريخ الرادارية والحرارية، وسيكتمل تسليم بنود هذه الصفقة بحلول منتصف 2016 مع إحتمالية شراء 30 منظومة إضافية خصوصاً وأن سلاح الجو المصري سيبدأ في وقت لاحق من العام الحالي خطة لتحديث ما يقرب من 45 مروحية متعددة المهام من نوعي ""Mi-8T و"MI-17"، ولا ننسى فى هذا الصدد ان نشير إلى ان الدعم التسليحي المصري للجيش الوطني الليبي. لم يتوقف حيث وصل إلى ليبيا مؤخراً 6 مروحيات من نوع "Mi-8T" و6 مقاتلات من نوع "Mig-21MF" مرسلة من سلاح الجو المصري دعماً لعمليات سلاح الجو الليبي ضد تنظيم داعش.
إذن نصل إلى استنتاج واضح بأن تطوراً نوعياً طرأ على العقيدة العسكرية المصرية منذ مطلع العقد الحالي، كانت عقيدة هذا الجيش منذ العهد الملكي مروراً بعهد الرؤساء جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك تتركز في اتجاه واحد فقط وهو الاستعداد والتجهز لأي حرب محتملة مع إسرائيل، لكن منذ ثورة يناير وما ترتب عليها بات ضمن عقيدة هذا الجيش أيضاً مبدأ محاربة الارهاب في الداخل والخارج، بما يقتضيه الأمن القومي المصري، لكن هل جاء ذلك على حساب الاستعداد القتالي لأي اعتداء خارجي؟
كثف الجيش المصري خلال الشهور الأخيرة من مناوراته التدريبية في كافة أفرع القوات المسلحة، بل إنه في شهر واحد نفذ ثلاث مناورات بحرية وهي مناورة "ذات الصواري" ومناورة "رمسيس 2016" مع البحرية الفرنسية ومناورات "تحية النسر" مع الامارات العربية والولايات المتحدة، تسليحياً وصل إلى مصر حتى الآن 6 مقاتلات متعددة المهام من نوع "Rafale" من مجموع 30 مقاتلة ستشكل إضافة هامة جداً لسلاح الجو المصري، ويضاف إليها 46 مقاتلة روسية من نوع "Mig35" تعاقدت مصر مع روسيا عليها لتكون بمثابة مقاتلات الصف الثاني في سلاح الجو المصري، ويتوقع بدء وصول أولى هذه المقاتلات العام القادم ويستمر التسليم حتى عام 2020. بالنسبة لسلاح النقل الجوي تتفاوض مصر مع روسيا لشراء عدد من طائرات النقل الاستراتيجي من نوع "Il-76MD" ومع شركة ايرباص لشراء طائرات النقل العسكري متعددة الاستخدامات "A400M Atlas" و التي من الممكن استخدامها في عمليات التزود بالوقود جواً.
أما بالنسبة للمروحيات القتالية يتوقع بدء تسلم مصر أولى دفعات صفقة المروحيات الاستطلاعية الهجومية الروسية من نوع، "ka-52 alligator" التي تم التعاقد عليها بالفعل ويتوقع بدء تسليم الأعداد الأولية منها خلال العام الحالي مع احتمالية تعاقد مصر على أعداد من النسخة البحرية منها المسماه"Ka-52K" . بالنسبة للطائرات دون طيار أحرزت مصر تقدماً كبيرا في البرنامج التصنيعي المشترك بينها وبين الصين لإنتاج طائرة الأستطلاع دون طيار "ASN-209"، كما وقعت الهيئة العربية للتصنيع المصرية مؤخراً إتفاقية لتجميع طائرات بدون طيار من طراز "Patroller" مع شركة ساجيم الفرنسية ليتم التجميع النهائي لهذه الطائرات داخل مصنع الطائرات الخاص بالهيئة في مصر.
على المستوى البحري انضمت إلى البحرية المصرية خلال الفترة الماضية عدد مهم من القطع البحرية فرنسية الصنع منها الفرقاطة الشبحية الثقيلة "FREMM"والكورفيت الصاروخي الشبحي "GOWIND 2500"الذي دخل اول كورفيت منه إلي الخدمة فعليا وتم الاتفاق على بناء الثلاثة كورفيتات المتبقية في الترسانة البحرية بالأسكندرية، والكورفيت الصاروخي الشبحي الأمريكي "Ambassador MK III" الذى تم تصميمه وبناؤه بمواصفات خاصة بالبحرية المصرية التي تسلمت كورفيتين منه عام 2014 واثنين آخرين العام الماضي. يضاف إلى القطع البحرية السابق ذكرها سفينتي الهجوم البرمائى "MISTRAL" اللتين ستنضمان خلال هذا العام للأسطول البحري المصري بجانب أربع غواصات ديزل هجومية من نوع "Type 209" المانية الصنع يتوقع ان تدخل اول غواصة منها إلى الخدمة في البحرية المصرية العام الجاري ويستمر توريد باقي الغواصات بحد اقصى عام 2018. وهذه القدرات البحرية لدى مصر تعطي انطباعاً واضحاً أنها هجومية بحت وستعطي للبحرية المصرية قدرات كبيرة على تنفيذ عمليات بحرية وبرمائية في مناطق بعيدة جغرافيا عن السواحل المصرية.
إذن من الواضح ان العقيدة العسكرية المصرية مازالت تضع التهديد الأسرائيلى كأولوية أولي خصوصاً أن صفقات التسلح المصرية الحالية والمستقبلية تعتبر رداً مباشراً على الصفقات النوعية المنتظر وصولها الى الجيش الأسرائيلى ومن أهمها المزيد من غواصات "دولفين" الألمانية ذات القدرات المتفوقة والتى تمتلك منها البحرية الأسرائيلية حتى الأن أربع غواصات بالأضافة إلى مقاتلات السيادة الجوية من نوع "F-35A" التي سيتسلم سلاح الجو الاسرائيلي في نهاية العام الجاري أول مقاتلتين منها ضمن 33 مقاتلة تعاقد عليها مع الولايات المتحدة.