ينبوع حياة وخصب.. أي مكانة للخضر في الأدب والمعتقدات الشعبية الإيرانية؟

له حضور كثيف في المعتقدات الشعبية وصولاً إلى الأدب الفارسي والصوفي خاصة. أي مكانة للخضر في إيران على مرّ التاريخ؟

في إحدى قصائده يقول الشاعر الإيراني، صائب التبريزي، أحد أشهر شعراء القرن السابع عشر: 

بحذرٍ شديد، تناول الكأس من يدِ الخضر

خشيةَ أن يسقيك ماء الحياة بدل الخمر

تحيل هذه الأبيات إلى المكانة الرمزية للخضر لدى الإيرانيين وأدباؤهم على وجه الخصوص، وقد ورد ذكره في الكتب الفارسية القديمة، مثل "اسكندر نامه" و ملحمة "الشاهنامة" وتاريخ "البَلْعَمي" وغيرها، كما يكثر الحديث عن قصته مع النبي موسى. 

كما جاء في القرآن، وقصة الإسكندر حين سار رفقة جيشه والخضر في ظلمات العالم، بحثاً عن ماء الحياة، لكن الخضر وحده من أدركها فاغتسل وشرب من ماءها العسليّ حتى نال الخلود واخضرَّت عباءته؛ فماء الخلود لا يستحقه إلا من ارتوت روحه قبل ذلك، بخمرة العشق الإلهي. كيف "ارتوى" الإيرانيون من كأس الخضر حتى ظل خالداً في وجدانهم وأدبهم؟

إن شخصية الخضر الغامضة والتي تمازجت فيها المرويات الدينية بالأساطير أكسبته حضوراً خصباً وغنياً في الثقافة الشعبية الإيرانية والأدب الفارسي، خاصةً في حقل التصوف والعرفان.

مكانة "الخضر" في الثقافة الشعبية

تُنسَب الكثير من الأماكن في إيران إلى الخضر، كبعض الينابيع المرتبطة باسمه والتي يُدَّعى أنها تفجرت ببركته، فباتت مقدسةً عند البعض، مؤمنينَ بآثارها العلاجية.

وتنسبُ إليه أيضاً، بعض المقامات والمزارات والجبال والأشجار والصخور، أو آثار حوافر الخيل وآثار الأقدام في بعض المواضع.

كما أن تأثير الخضر حاضرٌ في الحياة اليومية، فهو شفيع الناس جميعاً، يقضي حوائجهم ويُعينُ المساكين والمكروبين منهم، ويغيثهم عند مواجهة الحرائق والغرق، ويحميهم من شر الظالمين والشياطين ومن خطر الثعابين والعقارب. فكل من يناديه بصدقٍ وصفاء نية يسارِعُ إلى نجدته. كما أنه، وفق الاعتقاد الشعبي، الموكل أيضاً بالمياه، وواهب البركة للمحاصيل، وحارس قطعان المواشي.

هكذا يعتقد بعض أهالي فيروز آباد مثلاً أن وفرة القمح سببها عصا الخضر المباركة التي يحملها. فالبركة تحلُّ في الحقول وتكثر المحاصيل وتزدهر إذا مرَّ بها الخضر ببقرته أو جاموسته. وكذلك بعض المزارعين في منطقتي ممسني وكازرون القريبتين من محافظة فارس. وهذا يشبه الاعتقاد السائد لدى العشائر الرُّحَّل في غرب إقليم فارس، فمرور بقرة الخضر أو عجلِه بسهولهم يبارك مزروعاتهم ونبات أرضهم.

ويدعي بعض الأسلاف أنهم أبصروا بقرته لكنهم عجزوا عن الإمساك بها، وكانت سبباً لوفرة الخيرات في العام الذي شُوهِدَت فيه.

يُعتَقَدُ أيضاً أن الغنم يتكاثر ويزداد نسله إذا مرَّ الخضر بين القطيع كما في منطقة زرين آباد، ويكثر لبن المواشي إذا نظرَ إليها، كما يعتَقِد سكان منطقة علي آباد كتول؛ فهو صاحب الأغنام وحاميها في ثقافة أهالي كرمان أيضاً.

وفي كل عامٍ يقوم مربّوا الماشية في جبال البُرْزْ بنذر شاةٍ للخضر من أجل زيادة خصوبةِ القطعان، وفي اليوم الأربعين من فصل الربيع (وهو اليوم الأول الذي يستخرجون فيه الحليب لصناعة الجبن) ينذرون الحليب لـــ "الخواجة الخضر" ويتصدقون به.

وفي كثيرٍ من المناطق تطلب النساء العاقرات، أو تطلب الحوامل تسهيل ولادتهن من هذا الوليّ الصالح.

أما في أذربيجان فيُطلَقُ على إحدى ليالي الشتاء "ليلة الخضر"، حيث يطبخون 7 أنواعٍ من الحبوب يسمونها (قاووت)، ويأكلون منها قبل النوم، معتقدين أن أحلامهم هذه الليلة ستحدِّدُ مصير حياتهم.

ويؤمن الكثيرون أيضاً أن الخضر "حلَّال المشاكل" يُنقِذُ الناس في المواقف العصيَّة، فيعتقد بعض أهالي القرى المحيطة بمدينة سمنان مثلاً أن التائه في الصحراء إذا نادى الخضر بصوتٍ عالٍ فإنه يُغيثُه ويرشده إلى طريقه الذي ضلَّ عنه.

أما في المناطق الساحلية المطلّة على الخليج الفارسي، يُعتبر الخضر حامياً وحارساً للسفن والبحارة، يُسارِعُ لإغاثة الصيادين عند العواصف الشديدة والغرق. وله في بندر عباس وجزيرة قشم مزاراتٍ عِدّة، وعندما لا يُصَادُ السمكُ من البحر لندرته أو لسببٍ آخر، يجتمعُ بعض الصيادين عدة ليالٍ في مزارٍ له، يضيئون الشموع، ويذكرون الله، وينذرون ويقدم بعضهم قرباناً، وتبقى قلوبهم معلقةً الى حين عودة الصيادين الآخرين بالسمك الوفير، في طقسٍ أشبه بصلاة الاستسقاء.

أما أهالي لورستان فيعتقدون أن الخضر وإلياس النبيّ كلاهما خالدان، فالخضر موكلٌ باليابسة وإلياس بالبحر، وكلاهما متواريان عن الأنظار.

الخضر في الأدب الفارسي وحياة الشعراء

من الاعتقاد الشعبي إلى الأدب الفارسي، حيث يتمتع الخضر أيضاً بنصيبٌ وافرٌ من التناص والرمزية وشرح واسع لخصاله وقصصه، خاصةً ما جرى بينه وبين النبي موسى، وقصته مع إكسير الحياة. 

ففي الأدب الصوفي يرمز عين الحياة لمنبع العشق والمحبة، فمن ذاق ذلك الماء لم يفنَ، وفي التعبير الإشاري تدلّ على فم المعشوق أو كلام شيخ الطريقة العابق بالحكمة، يقول سعدي الشيرازي:

لو أبصرَ الخضر شفتيكَ لقال

هذه ضفة عين الحياة

ذلك أن ماء الحياة سراب أمام عظمة شفاه المعشوق الأزليّ. كما أشار الشعراء إلى أن كل موضعٍ تطأه قدما الخضر الميمونتين يخضَرُّ ويُزهِر. هكذا لقّبه حافظ الشيرازي بــ "سعيد الأثر" ونظامي كنجوي بــ "صاحب القدم الظافرة".

يذكر حافظ الشيرازي الخضر قائلاً:

تكدر ماء الحياة، فأين الخضر السعيد الأثر

وفاضت دماء الورد، فماذا أصاب نسمات الربيع المنتظرة 

أما العطار النيسابوري فيقول:

نسيم الخضر، لو جازَ الصحراء

لأضحت البيداء روضةً مورقة

وقد ادعى بعض الشعراء رؤية الخضر مباشرةً ومقابلته ونسبوا بعض ما نظموه من قصائد لإلهامه أو ما أملاه عليهم.

ويُروى أن سعدي الشيرازي أقام زمناً في بيت المقدس وبلاد الشام وقد تشرف بخدمة الخضر. وبحسب ما ذكره الشاعر عبد الرحمن الجامي، أن الشاعر أمير خسرو الدهلوي، ببركة شيخه نظام الدين أولياء، نال شرف مصاحبة الخضر وتوسل إليه أن يضع ريقه في فمه. غير أن الخضر أجابه أن هذه المِنحة قد أُعطِيَت لسعدي الشيرازي.

كما يذكر الشاعر الخاقاني أيضاً أن الخضر زاره يوماً فسأله: "ما الذي دفع شخصاً بعظمتك أن يزور شخصاً مثلي؟". فأجابه الخضر: "ليلة الأمس كنت في إحدى زوايا جبل لبنان، جليساً لنفوسٍ قتَلَت الحرص والطمع بداخلها، فأخذ أحدهم يهمسُ ببعض أشعارِك، فدبَّ الوجدُ في الجَمْع، واضطربت أحوالهم، وسَرَت بينهم نشوة السَّماع، فصاحوا جميعاً: من الحيف أن يكون هذا الشاعر أسيرَ العالم الترابيّ. ثم قالوا لي: بلطفِ الأزل، كن حافظاً له، أيها الخضر، إذهب إليه وكن له واعظاً. وامتثالاً لرضا ذلك الجمع، جئتُ من تلك البلاد البعيدة، من أجل وعظك وهدايتك".

وكان مما وعظ به الخضر الخاقاني: "أعظم المواعظ أن تعي: أن الأيام كالسُّم والمَنّ معاً [المن مادة طعمها كالعسل أرسلها الله إلى بني إسرائيل في التيه]. فلا تجالس المنافق، ولا تصاحب هذا الحوت؛ ولا تدع الزمان يخدعك، فيمضي عمرك وأنت غافل".

المصادر

- المعتقدات الشعبية لدى الشعب الإيراني، الدكتور حسن ذو الفقاري بالتعاون مع علي أكبر شیر 

- الخضر في المعتقدات الشعبية، محمد مير شکرایي

-أغاني شيراز، الدكتور إبراهيم أمين الشواربي 

-الخضر في الأدب الفارسي، طاهرة قهرماني فرد

-ویکی فقه، الخضر عليه السلام 

-الشاهنامة ملحمة الفرس الكبرى، دار العلم للملايين

اخترنا لك