يا زريف الطول

يظهر ضوء الشمس الأول. ظلّ الشاحنة يمتد طويلاً خلفك… كأنه ذكرى لم تتأخر عنك أبداً. والطريق أمامك لا ينتهي. بل يبدو كأنه وُلد للتو… ليبدأ من جديد.

 

في منتصف الأربعينيات من عمرك، لا تكون الطريق مجرد مسافة تقطعها، بل تصبح شكلاً آخر من الحياة، يمتدّ داخلك كما يمتدّ أمامك. أنت تقود شاحنة ضخمة، تمشي في الصحراء كظلٍّ معدني طويل نسيه النهار عند الحافة.

بين الكويت والأردن عبر السعودية، لا يبدو الطريق طريقاً، بل شريطاً من العزلة المشدودة بين ليل بارد ورمال لا تتعب من الامتداد.

تمرّ عليك حفر الباطن كاسم عابر، كأنها لا تخصّ أحداً، ومع ذلك يمرّ عبرها كل شيء: الوقت، والتعب، وأشياء لا اسم لها في الذاكرة.

في الكابينة، الليل أهدأ من أن يُحتمل. فتشغّل المسجّل. "يا زريف الطول وين رايح تروح"، لا تدخل الأغنية أذنك فقط، بل تنزلق إلى مكان أعمق منك، كأنها تفتح باباً كنت تظنّه أُغلق منذ زمن.

وفجأة… لا تعود الشاحنة شاحنة. أنت في عرس. ساحة قرية صغيرة مضاءة بارتباك الفرح، وأقدام تضرب الأرض كأنها تستدعيها كي تتذكّر نفسها. الأرغول يصرخ، وصوت "يا زريف الطول" يتحول إلى جسد كامل من الدبكة.

أنت هناك… شابّاً بين إخوتك وأقاربك، قريباً من الجميع حدّ الإندماج. الأيدي تتشابك، الضحك يرتفع فوق الغبار، وامرأة تقف على الطرف الآخر من الفرح… كأنها بداية حياة كاملة لم تبدأ بعد.

لكن العرس لا يكتمل. يخترقه فجأة صوت آخر. بوق شاحنة آتٍ من الاتجاه المقابل. تعود إليك الدنيا دفعة واحدة.
تردّ التحية بزمورٍ قصير، تلقائي، كأن الطريق كلّه صار لغة واحدة تتبادل الإشارات بدل البشر.

ويمرّ الصوت… لكنّه لا يختفي. شيء فيه يتحول. الزمور نفسه يصبح صفيراً طويلاً، ثم جسراً. جسرٌ خشبيّ يهتز فوق نهر الأردن. وأنت هناك. على الضفة، تنتظر. حقائب قليلة… وقلوب كثيرة لا تُرى.

تأتي العائلة خطوة خطوة، كأنهم يعبرون من حياة إلى حياة. كان الانتظار أطول من السفر، واللقاء لا يشبه الفرح الكامل… بل يشبه نجاته المتأخرة. ثم تعود إلى المقعد.

"يا زريف الطول وقف تا قلك". يداك على المقود، والصحراء أمامك كما كانت، كأنها لم تتحرك من مكانها يوماً.
الأغنية ما زالت تعمل، لكن صوتها أخفّ… كأنه يبتعد ليترك مساحة لشيء لا يُقال. ضوء شاحنة خلفك يومض.
تجاوزٌ بطيء، إضاءة متقطعة كنبضٍ معدني. ومع الوميض… يعود الجيش. تدريب. صراخ أوامر قصيرة. أرض تهتز تحت أقدام لا تملك خيار التوقف. ثم وجوه رفاق قدامى، ثابتين داخل صور لا تتغيّر، كأن الزمن نسيهم هناك.

ومرة أخرى… ضوء. لكن هذه المرة ليس تدريباً. بل صحراء أخرى… أكثر كثافة، فيها شيء يشبه النار والرماد.
معركة الكرامة. لا تراها كحدث… بل كصدى. كأنها وقعت داخل رأسك، وما زالت تحدث كلما سكت العالم. ينخفض الضوء. ويعود الطريق.

"يا زريف الطول يا عود الريحان". تخفّف السرعة، وتلمح شاحنة متوقفة على جانب الطريق. سائقها يرفع يده بتحية عابرة وهو يبدّل إطاراً مثقوباً. تتوقف لحظة… أو كأنك تتوقف داخلك. لا كلمات كثيرة. تحية وضحكة صغيرة... عرض للمساعدة ثم تلويحة يد،  ونظرة تقول إن الطريق واحد، وإن التعب واحد، وإن الليل لا يفرّق بين أحد. ثم تمضي. الأغنية تواصل سيرها معك، لكن الزمن داخلها لم يعد كما كان.

"يا زريف الطول وين رايح تروح... بقلب بلادنا تعمقت الجروح". التقاعد يمرّ كظلٍّ هادئ لا صوت له. مكاتب بعيدة، أوراق أقل، أوامر لا تأتي. ثم حياة جديدة بلا رتبة ولا حدود. شاحنة بدل البزة العسكرية، وطريق بدل المعسكر.

وأطفالك… وجوه صغيرة تنتظر عند كل عودة، تكبر بسرعة لا تستطيع مواكبتها. هدايا بسيطة تفرحهم أكثر مما تفهم أنت. ونظراتهم عند الوداع… كانت دائماً أطول من الوداع نفسه.

وزوجتك… صوتها أقرب شيء إلى طمأنينة حقيقية: "كل شيء بخير… لا تفكر كثيراً". وفي لحظة ما، لا تعود تميّز بين الطريق والذاكرة. كأنهما شيء واحد يتحرك في الاتجاه نفسه. قبل الفجر بقليل، يخفّ الليل كأنه يتعب هو الآخر.
الصحراء تستيقظ على طريقتها: لون رماديّ يتسلل إلى الرمل، وسماء تتراجع ببطء عن سوادها.

يظهر ضوء الشمس الأول. ظلّ الشاحنة يمتد طويلاً خلفك… كأنه ذكرى لم تتأخر عنك أبداً. والطريق أمامك لا ينتهي.
بل يبدو كأنه وُلد للتو… ليبدأ من جديد. وفي لحظة صمتٍ كاملة… تطلق زموراً طويلاً جداً. ليس تحية. ولا ردّاً. ولا إنذاراً. بل هو شيء يشبه كل ذلك معاً، أو لا يشبه أي شيء. شيء يشبه شوقاً لا يجد طريقه، وحنيناً لا يعرف أين يعود،
واحتجاجاً هادئاً على أن كل هذا يمر… ولا يتوقف.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك