نقد الوضعية الطائفية اللبنانية: رؤية الفيلسوف ناصيف نصّار
لماذا يرى الفيلسوف اللبناني ناصيف نصّار أنّ النظام الطائفي يتعارض مع المساواة والمواطنة والديمقراطية؟ وما هي رؤيته لكيفيّة الانتقال من الدولة الطائفية إلى مجتمع علماني علمي قائم على المواطنة والعقل؟
وجّه كثير من الباحثين اللبنانيين سهام النقد إلى النظام الطائفي، بوصفه مسؤولاً عن كبح أيّ محاولة للإصلاح أو التغيير.
وقد رسم الباحث الاقتصادي، الدكتور نجيب عيسى، جدليّة الخارج والطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج بشكل مكثّف، عبر قراءة تاريخية لتطوّر المجتمع اللبناني سياسياً واقتصادياً.
هكذا وصفه بأنه كان محكوماً بتفاعل 3 عوامل هي: الخارج، والطائفية السياسية، والاقتصاد غير المنتج. وقد جعل التفاعل بينها التضامن اللبناني الداخلي هشاً، تنخره الانقسامات العمودية، وعاجزاً عن توليد دينامية اجتماعية ذاتية دافعة نحو تغيير بنيوي في النظامين السياسي والاقتصادي.
وهذا ما جعل الخارج يؤدّي دوراً حاسماً في تحديد الوجهة التي اتخذها مسار هذا النظام، عبر سلسلة من الأزمات التي لا تنتهي الواحدة منها إلا بتسوية يرعاها الخارج، فتعيد إنتاج نظام سياسي مولّد للأزمات ونظام اقتصادي نيوليبرالي غير منتج، بحلة جديدة [1].
البحث عن نظام بديل
-
ناصيف نصّار
في سياق الأزمة اللبنانية في أواخر ستينيات القرن الماضي، وما رافقها من شعور بأزمة النظام السياسي وضرورة البحث عن نظام جديد أو بديل قابل للحياة، كتب ناصيف نصّار [2] مؤلفه "نحو مجتمع جديد: مقدّمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي"، الذي صدر عام 1970. وفي مقدّمة الطبعة الثالثة يوضح نصّار أنّ الغاية منه هي "البحث عن مجتمع لبناني جديد"[3]، من خلال تحليل الطائفية بوصفها "ظاهرة اجتماعية كلّية"، وكان مراده استخدام "النقد الاجتماعي التاريخي من وجهة فلسفية مستقلة" [4].
وأعاد في الطبعة السادسة تأكيد راهنية الكتاب، ما دامت الطائفية متحكّمة في النظام السياسي اللبناني، وتالياً في "وجودنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، وتمنع تاريخنا من الاندماج الفعّال في زمن الحداثة العلمية العلمانية" [5].
النظام الديمقراطي لا يحتمل وجود طوائف تحوّلت إلى كيانات سياسية، ولا يمكن أن تبقى "الطائفية السياسية الإطار الأيديولوجي للدولة اللبنانية".
وقد بيّنت الأيام أنّ الطائفية "مسألة لبنانية"، وأنّ الظاهرة الطائفية تجلّت أيضاً بوصفها عامل نزاع في عدد من المجتمعات العربية، فيما يطمح "المجتمع الجديد" إلى تجاوز الحالة الطائفية حقاً وفعلاً.
في التمهيد، يصفنا نصّار بأننا "كائنات تاريخية" [6]، ما يحتّم علينا إدراك وضعيتنا الاجتماعية في التاريخ، ووعي العوائق والمشكلات التي تواجهنا في مسيرة التقدّم الحضاري، وفي مقدّمتها المشكلة الطائفية. ومراده في تحليلها هو الفهم، لا تقديم إجابات حاسمة ونهائية، ولذلك تبقى أفكاره حولها مطروحة للنقاش والحوار.
وقد قارب هذه المسألة "من دون تفريط بمعيارية المقاربة الفلسفية ولا واقعية الفاعلية التغييرية" [7]، وفقاً لرأي الباحثة اللبنانية، باسكال لحود.
الطائفية: نظام وأيديولوجية
-
مقاتلون خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)
ينطلق نصّار في مقاربة الظاهرة الطائفية بوصفها نظاماً متكاملاً يملك أسساً ودعائم في قطاعات المجتمع اللبناني كافة. وهي ليست ظاهرة طارئة، بل ارتبطت بتاريخ لبنان المكوّن من طوائف متعددة، وبسياسات الحكم المتبعة وفقاً لهوية السلطة. فكانت وسيلة ونتيجة في آن واحد: وسيلة استعملها الإقطاعيون والعثمانيون والغربيون لإثارة الفتنة وتعميق الانقسام بين اللبنانيين، تأميناً لمصالح السلطات المتعاقبة، ونتيجة لأنها تحوّلت من النطاق الضيّق لكلّ طائفة إلى نطاق الإدارة الموحّدة، بتواطؤ من الخارج ومن حكّام الداخل [8].
وكان الوضع على هذا النحو أيام المتصرفية (1861-1918)، وأيام الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943)، حيث ساد مبدأ التوازن الطائفي في الحكم والإدارة. وقد انعكس هذا التوازن أيضاً في النظام الدستوري اللبناني الذي أُنشئ في ظلّ الانتداب عام 1926، ثمّ استمر، بعد تعديلات متعدّدة، في الجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال.
الدولة عند نصار يجب أن تكون سيدة في نطاقها بصورة شاملة، وإلا فلا تكون دولة. ولا يمكن أن يبقى الوضع قائماً على انقسام "السيادة بين الطوائف والدولة".
وعلى الرغم من انجدال العلاقة بين السلطة والطائفية، الناتج عن التطوّر الداخلي للمناطق اللبنانية، فإنّ نصّار لا يعتبر الطائفية قدراً محتوماً، فهي بنت عوامل التاريخ وتزول بزوال تلك العوامل. بيد أنّ امتدادها العميق جعل منها مسألة معقّدة، إذ باتت منذ الاستقلال عام 1943 "أيديولوجية الدولة اللبنانية وأساساً عاماً للاستقرار والتوازن" [9].
وبدا كلام نصّار، المكتوب عام 1969، متفائلاً بإمكان تخطّي العقبة الطائفية. ويمكن أن يقرأ هذا التفاؤل في ضوء اعتقاده بأنّ تحوّل الطائفية إلى أيديولوجية مكتملة يعني اقترابها من استنفاد قدرتها التاريخية، بالتزامن مع ظهور قوى اجتماعية رافضة لها. فهي، في نظره، قد "استنفدت عبر تطوّرها جميع إمكاناتها الدافعة، ولأنّ قوى جديدة أخذت تتحرّك وتعمل معلنة رفضها الكامل لها" [10].
غير أنّ الطائفية استطاعت، بأيدي الطائفيين وألسنتهم، أن تجد باستمرار أسباباً جديدة لاستمرارها، معتمدة على الفتن والحروب ونشر الخوف وإيقاظ العصبيات والخشية من الآخرين. وما يبقى جوهرياً هو ضرورة فهم آليات النظام الطائفي حتى يمكن التفكير والعمل "على تغييره واستبداله بنظام اجتماعي سياسي آخر" [11].
آليات النظام الطائفي
-
بيروت عام 1972 وتظهر صور مرشحين للانتخابات البرلمانية
بسبب تداخل الطائفية في مجرى الحياة العادية للفرد اللبناني، كان حريّاً بهذا الأخير أن يهتم بالسياسة، لشعوره بأنّ الطائفية "تقف حاجزاً بينه وبين الشعور بالدولة كدولة لجميع المواطنين على حدّ سواء" [12]. ويبدأ هذا الشعور من الانتخابات التي تخصص لكلّ طائفة عدداً من النواب، ومن التوزيع الطائفي العرفي للرئاسات الثلاث، بحيث تكون رئاسة الجمهورية لماروني، ورئاسة مجلس الوزراء لسنّي، ورئاسة مجلس النواب لشيعي. ويرى نصّار في هذا التنظيم تعارضاً مع مبدأ المساواة الذي تقرّره المادة السابعة من الدستور، والتي تنصّ على أنّ: "كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية، ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامة من دون فرق بينهم".
ذلك أنّ الطائفية عبّرت، في نظر نصّار، عن واقع القوى في المجتمع اللبناني، بينما عبّر مبدأ المساواة في الدستور "عن الغاية التي ينبغي للنظام السياسي أن يسير نحوها" [13].
ويُدرك نصّار أنّ غياب المساواة الفعلية بين المواطنين يخلق مشكلة لم ينجح النظام اللبناني في مواجهتها، ويبدّد صفته الديمقراطية. ومع ولادة أجيال جديدة تربّت على قيم الحرية والمساواة، تزداد الهوة بينها وبين النظام، وينعكس ذلك على موقفها من الدولة.
يضع نصّار خارطة طريق للوصول إلى الدولة العلمانية المنشودة، أساسها "إلغاء الوسيط بين المواطن والدولة". وتتمثّل أولى المهام لتحقيق الولاء الوطني في "تحرير الوظيفة من القيود الطائفية".
ويفنّد نصّار القول إنّ الطائفية عامل استقرار، مستشهداً بالحروب الداخلية التي توالت. كما يفنّد القول إنّ التسوية الطائفية ضرورية، ويراها تعبيراً "عن سياسة من لا غلبة له" [14]، تؤدي دائماً إلى تجميد الأوضاع.
ولأنّ ثمة فراغاً في الفكر السياسي، فإنّ التمسّك بالنظام الطائفي يعود، في زعمه، إلى "الاختلاف على البديل". ومن هنا تأتي محاولة بعض الأحزاب الطائفية تجديد نفسها وتجديد فكرها "على أساس ديمقراطي اجتماعي" [15]. وإذ يعلم نصّار أنّ المجلس النيابي القائم على أساس طائفي لن يثور على نفسه، فإنه يدعوه، من دون جدوى، إلى استخدام سلطته التشريعية "لتطوير النظام القائم"، درءاً للانهيار [16].
وكذلك الأمر في الوظيفة الإدارية، إذ كانت المادة 95 من الدستور، قبل تعديلها عام 1990، تنص على أنه: "بصورة مؤقتة والتماساً للعدل والوفاق، تمثّل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة، من دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة" [17].
وبات المؤقت هو الأساس الذي جرى على قاعدته التعامل مع طالبي الوظائف في الدولة. ويرى نصّار أنّ هذا الوضع يتعارض مع مبدأ المادة 12 من الدستور، التي تنصّ على أنّ: "لكلّ لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة، بحسب الشروط التي ينص عليها القانون".
ويستنتج نصّار من ذلك "الطابع المثالي للدستور، والتساند المحكم بين أجزاء البناء الطائفي" [18]. كما يرى أنّ محاولة التوفيق بين المادتين غير مقنعة، لأنّ الوظيفة التي تُمنح على أساس الانتماء الطائفي قد تتحوّل إلى وظيفة تخدم الطائفة بدلاً من أن تخدم الدولة [19].
ويزداد شعور المواطن بفقدان حقوقه مع قوانين الأحوال الشخصية التي تترك لمؤسسات الطوائف مسائل الزواج والطلاق والإرث وغيرها من المسائل المهمة. وينتقد نصّار النتائج الاجتماعية والسياسية لهذا التنظيم، ويرى أنه يكرّس ارتباط المواطن بطائفته ويحدّ من قيام مواطنة موحّدة.
وتنص المادة التاسعة على أنّ: "حرية الاعتقاد مطلقة، والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب، وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، على ألا يكون في ذلك إخلال في النظام العام، وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".
وكانت النتيجة، في تحليل نصّار، أنّ ارتباط الدولة بالطوائف أفقدها القدرة على تأكيد استقلالها تجاهها، وأنّ إدامة انقسام اللبنانيين أدّت بدورها إلى إضعاف الدولة، ما جعل "الشعور بالتمايز الطائفي أقوى من الشعور بالوحدة الوطنية" [20].
ما يبقى جوهرياً هو ضرورة فهم آليات النظام الطائفي حتى يمكن التفكير والعمل "على تغييره واستبداله بنظام اجتماعي سياسي آخر".
ويتطلّب تمتين الوحدة الوطنية، في رأيه، تغيير القوانين المنظمة للأحوال الشخصية وإقامة تشريع مدني موحّد للأحوال الشخصية، أسوة بوحدة التشريع في مجالات قانونية أخرى، كالمعاملات التجارية والعقارية والمسائل الجزائية [21].
ولا يختزل نصّار العلاقة بين النظام الاقتصادي الليبرالي ونظام الطوائف في علاقة سببية مباشرة، لكنه يرصد تقاطعات وتداخلاً بينهما يجعل كلاً منهما قادراً على خدمة الآخر، في سبيل مواجهة التيارات المعادية لهما معاً. ولطالما كان المجلس النيابي "حلقة وصل بين التركيب الاقتصادي والبناء الطائفي" [22].
ويستشرف نصّار أنّ أيّ تغيير في المجتمع اللبناني سيطاول النظامين معاً، وإن كان يعتقد أنّ الاقتصاد يتطوّر بسرعة، خلافاً للنظام الطائفي الجامد ومعه النظام السياسي. ويخلق الاقتصاد، بفعل حركته، تيارات اجتماعية ناشطة تحمل وعياً طبقياً يتجاوز الوعي الطائفي.
وما تمسّك النظام الاقتصادي بالنظام الطائفي، في عرف نصّار، إلا بسبب غياب نظام بديل يكفل مصالح الرأسماليين. ويعتبر أنّ النظام الاقتصادي واقع في مأزق، إذ يدرك "عدم مطابقة البناء الطائفي للمجتمع اللبناني المتجدّد، ويدرك أنّ مصلحته ليست في دعم القاعدة الشعبية، ويعلم في الوقت نفسه ألّا سبيل لمنع التطور باتجاه العدالة والديمقراطية" [23]. فما العمل؟
نحو مجتمع علماني علمي
-
يصف نصّار الدولة اللبنانية بأنها دولة فريدة فلا هي دولة دينية ولا علمانية
تتطلّب عملية البحث عن حلول، في نظر نصّار، البحث في طبيعة الدولة ووضع تصوّر جديد لها يفكّ "الرباط القائم بين الطوائف ونظام الحكم والإدارة". فالنظام الديمقراطي لا يحتمل وجود طوائف تحوّلت إلى كيانات سياسية، ولا يمكن أن تبقى "الطائفية السياسية الإطار الأيديولوجي للدولة اللبنانية" [24].
وبحكم تطوّر قوى المجتمع اللبناني، يظهر أمامنا طريقان للتغيير: إما أن يطوّر النظام السياسي نفسه من داخله، أي "الثورة في الشرعية" بعبارات موريس الجميل، وإما أن يواجه ثورة تطيح به، أي "الثورة على الشرعية". والوجهة المرجوة هي "وجهة الدولة العلمية العلمانية"، أي الدولة التي تقف من الدين موقفاً محايداً، وتترك للمواطنين حرية المعتقد.
ويصف نصّار الدولة اللبنانية بأنها دولة فريدة، فلا هي دولة دينية، لأنها تكفل دستورياً حرية المعتقد، ولا هي دولة علمانية، لأنّ الأحوال الشخصية فيها من اختصاص الطوائف. وبالتالي، هي "دولة لم تنجح في الوصول إلى العلمانية بسبب نفوذ القوى الطائفية المتحالفة مع الزعامات التقليدية الرأسمالية" [25].
ويضيف أنه يمكن عدّ الدولة اللبنانية "حالة من الحالات التي لم تتوصّل فيها السلطة السياسية إلى توكيد استقلاليتها تجاه السلطات الفاعلة في المجتمع بما يكفي لتكون سلطة دولة حقة، ومن هنا ضعفها داخلياً وخارجياً" [26].
لذلك يضع نصّار خارطة طريق للوصول إلى الدولة العلمانية المنشودة، أساسها "إلغاء الوسيط بين المواطن والدولة". وتتمثّل أولى المهام لتحقيق الولاء الوطني في "تحرير الوظيفة من القيود الطائفية"، وفقاً للمادة 12 من الدستور، الأمر الذي ينجم عنه تعزيز فاعلية الإدارة وزيادة إنتاجيتها، ولا سيما في القطاع التربوي.
على الرغم من انجدال العلاقة بين السلطة والطائفية، الناجم عن التطوّر الداخلي للمناطق اللبنانية، فإنّ نصّار لا يعتبر الطائفية قدراً محتوماً، فهي بنت عوامل التاريخ وتزول بزوال تلك العوامل.
أما الوسيلة الثانية فهي "تحرير الأحوال الشخصية من الأنظمة الطائفية"، سبيلاً إلى تقارب اللبنانيين. ويمثّل عنده "التشريع المدني للأحوال الشخصية الدعامة الرئيسية لتوحيد قاعدة الدولة" [27].
ولا يكتفي نصّار بالدعوة إلى المجتمع العلماني، بل يرغب في إضافة صفة أخرى إليه، هي "العلمية"، بوصفها مكمّلة للعلمانية وأساساً لها. ويعرّفها بأنها، أولاً، صفة عقلية ينتج الحكم فيها من "منطق العقل المتكوّن من مبادئ العينية وعدم التناقض والسببية والحجة الكافية"؛ وثانياً، صفة منهجية تتقيّد بقواعد ووجهة معيّنة؛ وثالثاً، صفة موضوعية، أي تستند إلى الواقع لا إلى الذات [28].
وإذ يتوقّع أن تزول الطوائف السياسية في المجتمع العلماني، فإنه يؤكد أنّ "الطوائف لا تزول حتماً" [29]. ويدرك أنها ستضعف، ويتوقّع أن يمرّ الدين بأزمة نتيجة تفكّك النظام الطائفي، وانتشار الروحية العلمية المستندة إلى النقد وإعادة النظر في التقاليد والموروثات [30].
ويعطي نصّار التربية والتعليم أهمية عظيمة في "المجتمع العلمي العلماني"، لأنهما يتيحان بروز مواهب الأفراد ونمو شخصياتهم. كما يؤسس هذا النظام التربوي للتمايز الاجتماعي بعيداً عن الاعتبارات الوراثية أو المالية [31].
لم ير نصّار وجهاً إيجابياً للطائفية، وكان حاسماً وقاطعاً [32] في رفضه لها. وقد أملى عليه ذلك الجدال والنقاش مع المؤيدين لها وتفنيد حججهم، وأبرزهم كمال يوسف الحاج (1917 - 1976)، الذي وصفها بأنها "بنّاءة" [33]، في صلة وثيقة بنظريته في "القومية اللبنانية" ودفاعه عن النظام السياسي اللبناني.
ويأخذ نصّار على الفيلسوف الحاج قصور رؤيته إلى التاريخ والمجتمع، اللذين يشيران، في نظره، إلى أنّ "الطائفية هدّامة ولا يمكن أن تكون بنّاءة" [34]، إذ تقف حاجزاً بين اللبنانيين.
ويأخذ عليه كذلك ابتعاده عن الطريق الملكي للفلسفة، إذ إنّ مهمتها لا تقوم على التبرير، بل على التفسير والتغيير. كما تتمثّل مهمة الفلسفة في "إيقاظ الوعي بالنقد والسؤال"[35].
ولأنّ نصّار واقعي جداً، فهو يدرك بُعد المجتمع اللبناني عن "آفاق الدولة العلمية الكلية"، ويعزو ذلك إلى قوة المؤسسة العائلية والمؤسسة الدينية. ويراهن على أنّ تطوّر العائلة اللبنانية وحاجاتها سيكون له تأثير في المجتمع وتقدّمه [36].
ارتباط الدولة بالطوائف أفقدها القدرة على تأكيد استقلالها تجاهها، وإدامة انقسام اللبنانيين أدّت بدورها إلى إضعاف الدولة، ما جعل "الشعور بالتمايز الطائفي أقوى من الشعور بالوحدة الوطنية".
لذلك يحتاج المجتمع اللبناني، في رؤيته، إلى "إعادة نظر في وضعيّته الكيانية كلّها"، بل يحتاج إلى ثورة، أو بتعبير أدقّ إلى "إصلاح ثوري". والحاجة أمسّ إلى "ثورة سياسية تنصر الديمقراطية على الطائفية" [37].
والدولة عنده يجب أن تكون سيدة في نطاقها بصورة شاملة، وإلا فلا تكون دولة. ولا يمكن أن يبقى الوضع قائماً على انقسام "السيادة بين الطوائف والدولة" [38]. وتقود رؤية نصّار لحركة التاريخ إلى تأكيد ضرورة الانتقال من الجماعات الدينية إلى المجتمع العلماني، ومن الدولة الجزئية إلى الدولة التامة [39].
المصادر والمراجع
[1] نجيب عيسى، اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية: جدلية الخارج والطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2025. للمقارنة يمكن مراجعة: مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي المعاصر: خارج القيد الطائفي، بيروت، دار النهار للنشر، 2022.
[2] الدكتور ناصيف نصّار (1940)، فيلسوف لبناني معروف بمحاولته التنظير لتحقيق الاستقلال الفلسفي للفكر العربي المعاصر بالمعنى القومي، وبالتنظير للعلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا ولمفاهيم السلطة والحرية والأمة والحضور التاريخي.
[3] ناصيف نصّار، نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي، بيروت، الطبعتان الأولى والثانية، 1970؛ الطبعة الثالثة، 1977؛ الطبعة الرابعة، 1981؛ الطبعة الخامسة، 1995. واعتمدنا هنا الطبعة السادسة الصادرة عن "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت عام 2016، ص 9.
[4] المصدر السابق، ص 10.
[5] المصدر السابق، ص 7.
[6] المصدر نفسه، ص 13.
[7] د. باسكال لحود، "التفكير على الشفير: مسألة الطائفية في فكر ناصيف نصّار"، ضمن كتاب ناصيف نصّار: علم الاستقلال الفلسفي، مجموعة من الباحثين، بيروت، الجامعة الأنطونية، 2008، ص 163، سلسلة "اسم علم".
[8] نصّار، نحو مجتمع جديد، مصدر مذكور، ص 110-111.
[9] المصدر نفسه، ص 112.
[10] المصدر نفسه، ص 113.
[11] المصدر نفسه، ص 113.
[12] المصدر نفسه، ص 114.
[13] المصدر نفسه، ص 115.
[14] المصدر نفسه، ص 116.
[15] المصدر نفسه، ص 117.
[16] المصدر نفسه، ص 118.
[17] بعد اتفاق الطائف عام 1989، عُدّلت المادة 95 بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 أيلول/سبتمبر 1990. وأصبحت تنص على أن يتخذ مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية، وفق خطة مرحلية، وأن تُشكّل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. وتتولى الهيئة دراسة الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية واقتراحها وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. وفي المرحلة الانتقالية:
أ. تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.
ب. تُلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويُعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة، وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى وما يعادلها. وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، من دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة، مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.
[18] نصّار، نحو مجتمع جديد، مصدر مذكور، ص 119.
[19] المصدر نفسه، ص 119.
[20] المصدر نفسه، ص 123.
[21] المصدر نفسه، ص 125.
[22] المصدر نفسه، ص 127.
[23] المصدر نفسه، ص 129-130.
[24] المصدر نفسه، ص 131.
[25] المصدر نفسه، ص 132.
[26] ناصيف نصّار، منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر، بيروت، دار أمواج، 1995، ص 221.
[27] نصّار، نحو مجتمع جديد، مصدر مذكور، ص 134.
[28] المصدر نفسه، ص 193-194.
[29] المصدر نفسه، ص 205.
[30] المصدر نفسه، ص 206.
[31] المصدر نفسه، ص 210.
[32] انظر مقالة د. ربيع الدبس، "هو واضح وحاسم إلى درجة القسوة"، نشرة أفق، شهرية تصدر عن "مؤسسة الفكر العربي" في بيروت، العدد 86، 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.
[33] كمال يوسف الحاج، الطائفية البنّاءة أو فلسفة الميثاق الوطني: بحث فلسفي لاهوتي سياسي حول الطائفية في لبنان على ضوء الميثاق الوطني، بيروت، الرهبانية المارونية، 1961.
[34] ناصيف نصّار، نحو مجتمع جديد، مصدر مذكور، ص 68.
[35] المصدر نفسه، ص 79.
[36] المصدر نفسه، ص 212.
[37] المصدر نفسه، ص 218.
[38] المصدر نفسه، ص 182.
[39] المصدر نفسه، ص 186. ويمكن الاستئناس ببحث د. أدونيس العكرة، "فكرة العلمانية عند ناصيف نصّار"، ضمن أوراق فلسفية، العددان 74-75، 2021، ص 5-16، وهي دورية يشرف عليها د. أحمد عبد الحليم عطية، جامعة القاهرة، وتصدر بالتعاون مع كرسي "اليونيسكو"، فرع جامعة الزقازيق.
