من الوطن إلى اللامكان: سوسيولوجيا الرحيل المغربي الكبير نحو سبتة
هل كانت أحداث سبتة المغربية مجرد عبور جماعي نحو أوروبا، أم أنها تكشف عن أزمة أعمق في معنى الوطن والحدود والحق غير المتكافئ في الحركة؟
في رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، لا يؤدي البحر وظيفة جغرافية محايدة، ولا يظهر باعتباره مجالاً طبيعياً يصل بين ضفتين، بل يتشكل كجزء من نظام سياسي يوزع الحريات بصورة غير متساوية.
ثمة من يستطيع مغادرة المكان والعودة إليه، وثمة من يتحول السفر بالنسبة إليه إلى امتياز بعيد، أو مخاطرة جسدية، أو محاولة أخيرة للخروج من وضع مغلق.
تكمن قوة الرواية في أنها لا تفصل حرية الحركة عن طبيعة السلطة؛ فالسجن لا يبدأ دائما من الزنزانة، بل قد يبدأ من مجتمع يصبح فيه البقاء مفروضاً، ويغدو الخروج منه مشروطاً بالمراقبة والوثيقة والخوف.
بعد عقود من صدور الرواية، لا يزال البحر المتوسط يحتفظ بهذه الوظيفة السياسية، وإن تغيرت أدوات المنع والفرز.
هكذا تتيح موجة العبور الجماعي، التي بلغت ذروتها عند حدود سبتة يومي الـ 30 والـ 31 من تموز/يوليو 2026، استعادة هذا السؤال ضمن سياق مختلف. خاصة أن المنطقة نفسها شهدت عام 2024، موجة أقل عدداً شملت توجه آلاف الشباب إلى مدينة الفنيدق استجابة لدعوات انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية، قبل أن تعلن السلطات المغربية إحباط جميع محاولات الاقتراب من الحدود، وتؤكد أن نحو 3 آلاف شخص شاركوا فيها. أما "واقعة" تموز/يوليو 2026، فقد شهدت عبوراً فعلياً واسعاً نحو سبتة براً وبحراً، ولم تقتصر على محاولة أُحبطت قبل الوصول إلى المدينة.
فقد تحرك عشرات الآلاف، وغالبيتهم من الشباب المغاربة، باتجاه الحدود، وشارك في الحركة أيضاً قاصرون ونساء ومهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
ووفق تقدير أعلنته وزارة الداخلية الإسبانية في الـ 4 من آب/أغسطس 2026، دخل نحو 72 ألف شخص إلى سبتة خلال الموجة، قبل أن يغادر المدينة أو يعود إلى المغرب نحو 70 ألفاً منهم. وبذلك، لم يكن المشهد مجرد تحرك لمجموعات محدودة من الشباب، بل اندفاعاً جماعياً واسعاً فاق، من حيث حجمه، محاولات العبور السابقة.
ولم تكن الشبكات الرقمية مجرد وسيلة لتداول صور العبور بعد وقوعه، بل أسهمت مباشرة في توسيع الحركة وتحويلها من محاولات محدودة إلى اندفاع جماعي. فقد انتشرت مقاطع تزعم أن من يصل إلى سبتة سباحة أو براً لن يكون من الممكن إعادته إلى المغرب، استناداً إلى تفسير خاطئ لحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في تموز/يوليو 2026.
كان الحكم يمنع الإعادة الفورية للأشخاص الذين يُعترضون في البحر، في غياب ترتيبات وإجراءات قانونية محددة، لكنه لم يمنع إعادتهم لاحقاً وفق الإجراءات المعمول بها. كما انتشرت معلومات مغلوطة عن قرب انتهاء برنامج إسباني لتسوية أوضاع بعض المهاجرين، إلى جانب مقاطع أظهرت أشخاصاً وصلوا إلى سبتة وهم يحتفلون، وهو ما شجّع أعداداً متزايدة على تكرار المحاولة.
إذاً، لم يكن المشهد مجرد تكرار لمحاولات الهجرة غير النظامية المألوفة، بل كشف عن قابلية الرغبة الفردية في الرحيل للتحول سريعاً إلى فعل جماعي. لقد أصبحت الحدود، خلال تلك اللحظة، نقطة تجميع لإحباطات متفرقة، وفضاء تُختبر فيه، بصورة مباشرة، العلاقة بين الفرد والدولة والوطن وإمكان الحركة.
الدولة التي تطلب من مواطنيها البقاء، من دون أن تمنحهم القدرة على الحركة الاجتماعية، أو الاعتراف، أو أفقاً مفتوحا للمستقبل، تتحول تدريجياً إلى فضاء يُعاش بوصفه مكاناً للإقامة القسرية، لا للاختيار الحر.
غالباً ما يجري تفسير مثل هذه الأحداث باستدعاء البطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي. ولا شك في أهمية هذه العوامل، لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما حدث. فليس كل فقير مهاجراً، كما أن الرغبة في الرحيل لا تقتصر على الفئات الأشد حرماناً. والمخاطرة بالاعتقال، أو الإصابة، أو الغرق، لا يمكن تفسيرها فقط بحساب اقتصادي بسيط يقارن بين الأجور في المغرب وأوروبا. ما يظهر في سبتة هو تحول أوسع في معنى الهجرة ذاتها: لم يعد الرحيل مجرد استراتيجية لتحسين الدخل، بل أصبح، لدى فئات من الشباب، وسيلة للخروج من حالة اجتماعية يطغى عليها الشعور بالمُراوحة، وضيق الممكن، وتعطل القدرة على بناء مسار شخصي قابل للتوقع.
في العالم المعاصر، لم تعد الحركة مجرد انتقال مادي بين مكانين، وإنما باتت قيمة اجتماعية في ذاتها. غير أن هذا الوعد الكوني بالحركة يصطدم بنظام عالمي شديد التراتب. فالجوازات لا تمنح أصحابها الحقوق نفسها، والحدود لا تستقبل الأجساد بالطريقة ذاتها، والانتقال الذي يُسمّى سفراً بالنسبة إلى فئة يصبح "تسللاً" أو "تهديداً أمنياً" عندما تقوم به فئة أخرى.
من هنا، ينبغي عدم فهم حدود سبتة كخط يفصل بين السيادة المغربية والسيادة الإسبانية؛ فهي جهاز لفرز الأفراد وفق جنسيتهم، وموقعهم الطبقي، وقابليتهم القانونية للحركة.
تكشف الحدود بذلك عن تفاوت أساسي في قيمة الحيوات: هناك حياة تُحاط بإجراءات الحماية والتأمين، وحياة أخرى يُطلب منها أن تثبت باستمرار أنها تستحق الانتقال والنجاة والاستقبال. وعندما يتعرض المهاجر للخطر، يُنظر إليه تارة بوصفه شخصاً انتهك الحدود، وطوراً كضحية تستدعي التعاطف، من دون الاعتراف به، في الحالتين، فاعلاً اجتماعياً يطالب بنصيبه من الحركة والمستقبل.
غير أن العنف الحدودي لا يقتصر على اللحظة التي يلتقي فيها الجسد بالسياج أو بعناصر الأمن. إنه يسبق الوصول إلى سبتة، ويتكون داخل تفاصيل الحياة اليومية: طول الانتظار قبل الحصول على عمل، وانخفاض قيمة الشهادة، وهشاشة الدخل، وصعوبة الاستقلال عن الأسرة، وانسداد إمكان الترقي الاجتماعي، والشعور بأن الزمن يمر من دون حدوث تحول فعلي في الحياة. هكذا تنزل الحدود من الخرائط إلى التجربة العادية، وتتحول من حاجز خارجي إلى إحساس داخلي بالعجز عن التحرك.
ما حدث يمثل مدخلاً لفهم تحول إقليمي يشمل مجتمعات شمال أفريقيا وشرق المتوسط، حيث لم تعد أزمة الشباب مقتصرة على ندرة الموارد، بل صارت تتصل أيضاً بعدم المساواة في توزيع الحركة.
المأساة لا تكمن في أن شباب ما يُعرف بــ "الجنوب العالمي" يريد الوصول إلى أوروبا، بل في أن النظام العالمي أقنعه أولاً بأن الحركة هي الشرط الطبيعي للحياة الكاملة، ثم وزّع هذا الحق توزيعاً غير متكافئ، فحوّل التنقل إلى امتياز جيوسياسي تحدده قوة الجواز أكثر مما تحدده إرادة الإنسان.
لقد باتت القدرة على المغادرة جزءاً من تعريف الحرية، في حين صار البقاء، عندما يكون مفروضاً ولا يرتبط بإمكان الاختيار، تجربة للحرمان السياسي والاجتماعي. ولذلك، لا يبحث المهاجر عن مورد للعيش فحسب، إنما عن مجال يستطيع داخله تعديل مساره والخروج من هوية اجتماعية يشعر بأنها حُددت مسبقاً.
إن السؤال الذي تطرحه الواقعة ليس لماذا يريد بعض الشباب المغربي مغادرة بلده فحسب، لكن لماذا أصبحت الحركة شرطاً لتصور حياة أخرى. بهذا المعنى، يغادر الفرد الوطن من دون أن يصل بالضرورة إلى مكان بديل؛ يدخل فضاء معلقاً بين السيادات والتصنيفات، حيث يفقد صفته بوصفه مواطناً من دون أن يكتسب بعد صفة المقيم. ومن الوطن إلى هذا اللامكان، تظهر الحدود لا بوصفها نهاية الرحلة، بل كمؤسسة تعيد إنتاج الحاجة إليها.
من اقتصاد الحاجة إلى ثقافة الحركة
-
تنشأ الرغبة في الهجرة داخل تناقض بنيوي: اندماج رقمي واسع يقابله انسداد محلي في القدرة الفعلية على الحركة
"إسبانيا تمنحك فرصة لصنع مستقبلك، بخلاف المغرب... أريد فقط فرصة". بهذه الكلمات عبّر طالب مغربي يبلغ من العمر 21 عاماً، بعد وصوله إلى سبتة، عن الدافع الذي حمله على المشاركة في العبور الجماعي.
وأضاف أنه أمضى سنوات طويلة في الدراسة، لكنه لا يرى أمامه في المغرب سوى العمل لساعات طويلة مقابل أجر محدود.
لا تختزل هذه الشهادة موقفاً سياسياً مباشراً من الدولة بقدر ما تكشف عن تصدع عاطفي في العلاقة بين الفرد والوطن. وحين يقول الشاب إنه "يريد فقط فرصة"، فهو يصف خبرة يومية يشعر فيها بأن المؤسسات لا تراه، وأن الزمن الاجتماعي لا يعمل لصالحه، وأن وجوده لا يتحول إلى فرصة أو قيمة.
هكذا تنشأ الرغبة في الهجرة داخل تناقض بنيوي: اندماج رقمي واسع يقابله انسداد محلي في القدرة الفعلية على الحركة. يستطيع الشاب أن يرى العالم، لكنه لا يستطيع الوصول إليه؛ يتابع الجامعات والمدن وفرص العمل وأنماط الاستهلاك والعلاقات، لكنه يصطدم بجواز سفر ضعيف، وتأشيرة صعبة، وتعليم لا يضمن الترقّي، وسوق عمل ينتج الهشاشة والانتظار. إنه متصل بالعالم من حيث الصورة، لكنه مستبعد منه من حيث الإمكان.
في هذا السياق، تشكلت أوروبا في المخيال الشبابي العربي، لا بوصفها جغرافيا اقتصادية غنية فحسب، بل اسماً للحركة. ولا تعني قوة هذا المتخيل أن الشباب يجهل العنصرية أو هشاشة المهاجر أو صعوبة الحياة الأوروبية، بل تعني أن المخاطر الموجودة في الخارج تبدو، أحياناً، أقل قسوة من يقين الثبات في الداخل.
فالمهاجر لا يقارن بين حياة آمنة في وطنه وحياة خطرة خارجه، لكن بين خطر يمنحه احتمال التحول وثبات لا يعده إلا باستمرار الوضع نفسه. لذلك، قد يختار المغامرة، لا لأنه يتوهم ضمان النجاح، بل لأن الفشل المتحرك يبدو له أكثر احتمالاً للحياة من انتظار لا ينتج شيئاً.
تقول اللغة المتداولة إن المهاجر "غامر بحياته"، أو "اختار الطريق غير النظامي"، أو "ألقى بنفسه في البحر". وتبدو الدولة، عبر هذه الصياغات، خارج المشهد، كأن البحر وحده قتل، وكأن السياج مجرد منشأة جامدة، وكأن غياب الطريق الآمن لم يكن قراراً سياسياً.
تساعد سوسيولوجيا العواطف على فهم هذه المسافة بين حب الوطن والشعور بأنه لا يبادل أبناءه الحب. فالغضب والمهانة والاختناق وفقدان الثقة ليست آثاراً نفسية منفصلة عن السياسة، بل هي طرق يعيش بها الأفراد عدم المساواة.
يتكون الإحساس بالنبذ عبر احتكاكات عادية: مسابقة عمل بلا نتيجة، وإدارة لا تستجيب، وشهادة تفقد قيمتها، وفضاء عام يشعر فيه الشاب بأنه مراقب أكثر مما هو معترَف به. لا يغادر الشاب لأنه توقف عن حب وطنه، بل لأنه لم يعد يجد في هذا الحب علاقة متبادلة تمنحه الكرامة والاعتراف والمستقبل.
لذلك، تكشف شهادة "أريد فقط فرصة" عن أزمة أوسع في المنطقة العربية: أزمة أوطان تطلب الولاء من شبابها، لكنها لا تمنحهم دائماً ما يجعل البقاء اختياراً حراً، لا إقامة مفروضة.
على حدود الحياة والموت: سبتة وسياسات العبور في المتوسط
-
تبدو الدولة كأن البحر وحده قتل وكأن السياج مجرد منشأة جامدة
لا تفصل سبتة بين المغرب وإسبانيا فحسب، بل تكثّف نظاماً متوسطياً يوزّع الحق في الحركة والحماية والتعرّض للخطر وفق تراتبية سياسية للأجساد. وبذلك، لا يكون الاختلاف بين حركة مشروعة وأخرى غير مشروعة اختلافاً قانونياً محضاً، بل تقسيماً بين أجساد تُحمى رحلاتها وأجساد لا تستطيع الانتقال إلا عبر المخاطرة بحياتها.
لا تعمل سياسة الموت هنا من خلال أمر مباشر بالقتل، لكن من خلال بناء بيئة يصبح فيها الموت ممكناً، ومتوقعاً، وقابلاً للتبرير. تُغلق الطرق القانونية، ويُرفع السياج، وتُكثف المراقبة، فتنتقل الحركة إلى مسارات أشد خطورة؛ ثم يُفصل الموت عن الشروط التي أنتجته، ويُقدّم بوصفه نتيجة قرار فردي.
تقول اللغة المتداولة إن المهاجر "غامر بحياته"، أو "اختار الطريق غير النظامي"، أو "ألقى بنفسه في البحر". وتبدو الدولة، عبر هذه الصياغات، خارج المشهد، كأن البحر وحده قتل، وكأن السياج مجرد منشأة جامدة، وكأن غياب الطريق الآمن لم يكن قراراً سياسياً.
هكذا تتسلل الحدود إلى الكلام اليومي: تتحول بنية الإكراه إلى مغامرة، والمطاردة إلى ضبط، والإعادة القسرية إلى إجراء، والموت إلى حادث. ولا تصف اللغة الواقع فقط، بل تعيد توزيع المسؤولية داخله، فتنقلها من المؤسسات التي صنعت الخطر إلى الجسد الذي اضطر إلى مواجهته.
تكمن فاعلية هذا النظام في أنه لا يحتاج إلى إعلان بعض الحيوات غير جديرة بالحماية؛ يكفي أن يعامل خسارتها باعتبارها متوقعة وعادية. بهذا الانتقال من الاسم إلى الرقم، ومن السيرة إلى الإحصاء، تفقد الحياة قابليتها للاعتراف العام والحداد السياسي. والسيادة، هنا، لا تظهر في القدرة على قتل الأفراد مباشرة فقط، لكن في القدرة على تعيين المجالات التي يمكن أن يموتوا فيها من دون أن يتحول موتهم إلى اتهام كامل للنظام.
تنشأ الرغبة في الهجرة داخل تناقض بنيوي: اندماج رقمي واسع يقابله انسداد محلي في القدرة الفعلية على الحركة. يستطيع الشاب أن يرى العالم، لكنه لا يستطيع الوصول إليه؛ يتابع الجامعات والمدن وفرص العمل وأنماط الاستهلاك والعلاقات، لكنه يصطدم بجواز سفر ضعيف، وتأشيرة صعبة، وتعليم لا يضمن الترقي، وسوق عمل ينتج الهشاشة والانتظار. إنه متصل بالعالم من حيث الصورة، لكنه مستبعد منه من حيث الإمكان.
وتكشف سبتة مفارقة الجنوب داخل النظام المتوسطي: تُفتح الأسواق أمام السلع، وتُحمى حركة الاستثمار، وتُكلَّف دول الجنوب بحراسة المجال الأوروبي، في حين تبقى حركة مواطنيها موضع شك ومراقبة.
تصبح هذه الدول مسؤولة عن تثبيت سكانها داخل أقاليمهم، وعن منعهم من تحويل الاتصال بالعالم إلى حق فعلي في دخوله. وهكذا، تُنتَج حدود أوروبا جزئياً داخل الجنوب نفسه، عبر الشرطة، والإدارة، واتفاقات الإعادة، والخطابات التي تحوّل مطلب الحركة إلى مشكلة أمنية.
لذلك، لا تمثل سبتة هامشاً للمتوسط، بل مركزاً مكثفاً لنظام يقرر أي حركة تُحمى، وأي حركة تُعاقب، وأي حياة يمكن دفعها إلى الخطر، ثم وصف مصيرها باعتباره نتيجة لاختيارها الخاص.
الرحيل لغة الانتماء الجديدة
-
الشباب لم يعد يقيس حياته بالماضي الوطني أو بتاريخ التحرر، بل يقيسها بزمن عالمي متسارع، وبقدرته على الحركة، وعلى اختيار المكان الذي يريد أن يعيش فيه
أخطأت دول ما بعد الاستقلال طويلاً في فهم معنى الهجرة، لأنها واصلت النظر إليها بوصفها نتيجة للفقر، أو البطالة، أو الاختلالات الاقتصادية، بينما كانت التحولات العميقة تجري في مكان آخر.
لم يعد الوطن، بالنسبة إلى هذا الجيل، الإطار الوحيد الذي تُبنى داخله الحياة، ولم تعد الدولة المصدر الوحيد للهوية أو المستقبل. وللمرة الأولى منذ الاستقلال، لم يعد السؤال المركزي لهذا الجيل: كيف أعيش داخل وطني؟ بل: أين يمكن أن أعيش حياة تستحق أن تُعاش؟
هنا تكمن القطيعة الكبرى. فقد بُنيت الدولة الوطنية العربية على وعد تاريخي مفاده أن الاستقلال سيضمن الاندماج الاجتماعي، وأن التنمية ستجعل البقاء داخل الوطن خياراً عقلانياً وأخلاقياً.
غير أن الشباب لم يعد يقيس حياته بالماضي الوطني أو بتاريخ التحرر، بل يقيسها بزمن عالمي متسارع، وبقدرته على الحركة، وعلى اختيار المكان الذي يريد أن يعيش فيه.
في العالم المعاصر، لم تعد الحركة مجرد انتقال مادي بين مكانين، وإنما باتت قيمة اجتماعية في ذاتها. غير أن هذا الوعد الكوني بالحركة يصطدم بنظام عالمي شديد التراتب. فالجوازات لا تمنح أصحابها الحقوق نفسها، والحدود لا تستقبل الأجساد بالطريقة ذاتها، والانتقال الذي يُسمّى سفراً بالنسبة إلى فئة يصبح "تسللاً" أو "تهديداً أمنياً" عندما تقوم به فئة أخرى.
ولذلك، فإن المأساة لا تكمن في أن شباب ما يُعرف بــ "الجنوب العالمي" يريد الوصول إلى أوروبا، بل في أن النظام العالمي أقنعه أولاً بأن الحركة هي الشرط الطبيعي للحياة الكاملة، ثم وزّع هذا الحق توزيعاً غير متكافئ، فحوّل التنقل إلى امتياز جيوسياسي تحدده قوة الجواز أكثر مما تحدده إرادة الإنسان.
من هنا، فإن سبتة ليست حادثاً حدودياً، إنما مرآة لمستقبل المنطقة بأسرها. إنها تكشف أن الأزمة لم تعد أزمة تنمية فقط، بل أزمة في العلاقة بين الدولة وشبابها. فالدولة التي تطلب من مواطنيها البقاء، من دون أن تمنحهم القدرة على الحركة الاجتماعية، أو الاعتراف، أو أفقاً مفتوحاً للمستقبل، تتحول تدريجياً إلى فضاء يُعاش بوصفه مكاناً للإقامة القسرية، لا للاختيار الحر.
حين يصبح الأفق السياسي للوطن هو المغادرة، لا البقاء، فإن الأزمة لم تعد أزمة حدود، بل أزمة معنى الوطن نفسه. والسؤال الذي يواجه المنطقة اليوم لم يعد كيف تمنع شبابها من الرحيل، بل كيف تجعل البقاء مرة أخرى فعلًا حرًا، لا نتيجة لعجز عن الحركة.
ولعل أخطر ما تكشفه أحداث سبتة هو أن جيلاً كاملاً في المنطقة العربية لم يعد مسكوناً بحلم الثورة كما كان جيل آبائه، ولا بحلم الإصلاح كما راهنت عليه نخب تسعينيات القرن الماضي، بل أصبح مسكوناً بحلم الرحيل. لم تعد الهجرة استثناء في السيرة الذاتية، بل جزءاً من المخيال الاجتماعي، ومن تعريف النجاح، ومن اللغة اليومية التي يتبادل بها الشباب أحاديثهم عن المستقبل.
هذا التحول ليس تفصيلاً ثقافياً عابراً، بل هو مؤشر على تصدع عميق في العقد الذي قامت عليه دول ما بعد الاستقلال. فحين يصبح الأفق السياسي للوطن هو المغادرة، لا البقاء، فإن الأزمة لم تعد أزمة حدود، بل أزمة معنى الوطن نفسه. والسؤال الذي يواجه المنطقة اليوم لم يعد كيف تمنع شبابها من الرحيل، بل كيف تجعل البقاء مرة أخرى فعلاً حراً، لا نتيجة لعجز عن الحركة.
