من النقوش إلى الرسوم الصخرية: رحلة البحث عن قصر غمدان المفقود

هل صنعت الروايات والأساطير شهرة قصر غمدان في اليمن؟ ولماذا لا يزال هذا القصر حاضراً بقوة في الوعي اليمني والعربي بوصفه أحد أعاجيب العمارة القديمة؟

في قلب العاصمة اليمنية صنعاء، حيث تتشابك خيوط التاريخ بالأسطورة، يبرز اسم قصر غمدان بوصفه واحداً من أشهر المعالم المعمارية في الذاكرة اليمنية القديمة، وأيقونة هندسية سحرت الرحالة والمؤرخين عبر العصور.

غير أن هذا الصرح، الذي تربّع في الوجدان اليمني رمزاً للسيادة والحضارة، بات اليوم مادة خصبة لجدل علمي وأثري واسع، بين مرويّات إخبارية ترفعه إلى حدود المعجزة، ودراسات نقشية وميدانية تحاول تلمّس أساساته المادية وسط الركام والنسيان.

تفتح "الميادين الثقافية" ملف قصر غمدان، مستندة إلى أحدث الطروحات الأكاديمية والرسمية لفك شفرة هذا المعلم التاريخي الفريد.

بين دفّتي التاريخ والمدوّنات القديمة

  • نقش أثري
    نقش أثري

ارتبط قصر غمدان في الوعي الجمعي بإدارة بلاد اليمن القديم وإقامة ملوكها، وكان من أشهر من ارتبط اسمه به الملك الحميري، سيف بن ذي يزن. وقد حظي القصر باهتمام استثنائي من الرحالة والمؤرخين؛ إذ عدّه عدد من أصحاب المدونات القديمة من أعاجيب بلاد العرب، وجرى تقديمه في الأدبيات التراثية بوصفه من أقدم القصور الشاهقة التي عرفتها الجزيرة العربية قبل الإسلام، لما عكسه من فخامة السلطة وعلوّ المكانة السياسية للممالك اليمنية القديمة.

وفي الأدبيات اليمنية، خلّده لسان اليمن، الحسن بن أحمد الهمداني، في الجزء الثامن من كتابه الشهير "الإكليل"، مبهوراً بارتفاعه الشاهق، إذ قال:

قصر غمدان يسمو إلى كبد السماء مصعداً
عشرين سقفاً سمكها لا يقصر

وتتفق الروايات الإخبارية القديمة على أن القصر بُني من أحجار البوفير والغرانيت والمرمر، وأن مسافات كبيرة فصلت بين طبقاته. كما تذكر أن مجلس الملك كان في الطابق الأعلى، وأن سقفه صُنع من المرمر الشفاف، أو الألباستر اليمني، بما يسمح للجالس فيه برؤية الطيور وهي تحلق في السماء.

إذا صحت قراءة الرسم الصخري المكتشف في "سقف قروى"، فإن غمدان لم يكن مجرد قصر شاهق، بل مجمعاً ملكياً محصناً، يجمع بين الدفاع والطقس والسلطة والهندسة، ويكشف وجهاً أكثر تعقيداً للعمارة اليمنية قبل الإسلام.

أما هوية باني هذا الصرح، فقد تباينت حولها الروايات. فبعضها ينسبه إلى الملك السبئي "إل شرح يحضب"، وبعضها يذهب بالقصة إلى أبعاد أسطورية بنسبته إلى سام بن نوح، الذي ترتبط به بعض الروايات القديمة عن نشأة صنعاء. 

ويسرد الهمداني قصة طائر اختطف خيط الميزان، أو "المقرانة"، من يد سام، وطار به إلى سفح جبل نقم، ثم طرحه على "حرة غمدان"، فاعتبرها سام إشارة لبناء القصر واحتفار بئره، التي أصبحت لاحقاً ساقية لمسجد سام بن نوح. 

وفي روايات أخرى، يذكر ابن كثير أن الباني هو يعرب بن قحطان، وأن وائل بن حمير بن سبأ أتمّ بناءه من بعده.

أما في الشواهد النقشية، فترد الإشارات إلى غمدان في نقوش سبئية وريدانية من القرنين الثاني والثالث الميلاديين، حيث يظهر اسمه مقروناً بقصر سلحين في مأرب، بوصفهما من القصور السيادية في اليمن القديم. 

وتؤكد هذه الإشارات أن غمدان لم يكن مجرد صورة أسطورية في الذاكرة، بل كان اسماً حاضراً في المدونة النقشية الجنوبية، وإن ظل تحديد زمن بنائه الأول ومساحته وموقعه الدقيق مسائل تحتاج إلى مزيد من البحث الميداني.

غمدان في ميزان الأثر: غياب التنقيب الميداني

  • نقش أثري يصور قصر غمدان
    نقش أثري يصور قصر غمدان

لمعرفة الواقع الحالي للقصر من المنظور الرسمي، التقت "الميادين الثقافية" مدير الآثار في الهيئة العامة للآثار والمتاحف اليمنية، عادل الوشلي، الذي وضع نقاطاً فاصلة بين الخيال الروائي والواقع الأثري الميداني.

يستهل الوشلي حديثه بالقول إنه: "بالرغم مما نُسب إلى القصر من روايات تاريخية عن ضخامة بنائه، لا توجد حتى اللحظة أدلة أثرية أو معمارية قائمة تدل بشكل قاطع على مكان وجوده الفعلي. كما أن المعلم نفسه لم يحظَ بدراسات أو تنقيبات أثرية ميدانية كافية لتتبّع بقاياه أو الكشف عن أساساته المعمارية المطمورة تحت الأرض".

ويضيف موضحاً موقف الهيئة: "في ما يتعلق بأي رواية تاريخية، فإن الهيئة لا تعتمد المرويات الإخبارية من دون فحص، ولم تتبنَّ رواية محددة، نظراً إلى عدم تمكنها حتى الآن من إجراء تنقيبات أو دراسات علمية ميدانية محكمة تحسم الجدل".

وحول التسلسل الزمني، يشير الوشلي إلى أن الإشارات النقشية المعروفة تعود إلى مراحل مبكرة من العصر السبئي والريداني، ولا سيما في القرنين الثاني والثالث الميلاديين. ويؤكد أنه "فيما يخص البداية الفعلية لزمن بناء القصر، لا تتوافر حتى الآن أدلة قطعية".

وعن الترف المعماري الموصوف في الروايات، مثل تنوع ألوان واجهات القصر بين الأسود والأبيض والأحمر والأصفر والأخضر، وتماثيل الأسود عند زواياه الأربع، يرى الوشلي أن هذا الوصف وضع غمدان في مصاف عجائب البناء اليمني القديم، بما تميز به من ارتفاع ونمط زخرفي وتنوع في الأحجار.

تكمن قوة غمدان اليوم لا في جدرانه الغائبة، بل في حضوره الرمزي. فقد تحول من قصر مفقود إلى استعارة يمنية كبرى عن السيادة والعلوّ والفرادة العمرانية، وعن حضارة سبقت عصرها في فهم البناء العمودي.

ويشير إلى أن العمارة اليمنية مزجت، عبر تاريخها، بين الوظيفة الدفاعية والجمال البيئي. وهذا ما يفسر نشوء العمارة العمودية، سواء الطينية في حضرموت وشبام، أو الحجرية متعددة الطبقات في المرتفعات الوسطى وصنعاء القديمة، بوصفها فلسفة عمرانية يمنية أصيلة حافظت على الأراضي الزراعية المحيطة، ووفرت في الوقت نفسه حصوناً ومدناً آمنة خلال الحروب والصراعات.

ويكشف مدير الآثار عن عوائق حقيقية تمنع إدراج القصر كمعلم مستقل في قائمة التراث العالمي لمنظمة "اليونسكو"، موضحاً أن الاعتبار الأول هو اندثاره المادي شبه الكامل، أما الاعتبار الثاني فهو غياب الدراسات التنقيبية والمجسّات الأثرية العلمية. 

كما يقرّ بوجود قصور في المناهج الدراسية في إبراز هذا المعلم، رغم التعديلات الأخيرة، مؤكداً سعي الهيئة مستقبلاً إلى التعاون مع وزارة التربية والتعليم لتلافي هذا الغياب وإظهار هذه المعالم الحضارية.

وعن الواقع الميداني الحالي في ظل الظروف السياسية، يقول الوشلي لـ "الميادين الثقافية": "تواجه الهيئة صعوبات كبيرة نتيجة الحرب والحصار وشحّ الإمكانات المالية، الأمر الذي أوقف مشاريع التنقيب والمجسّات الأثرية. ويقتصر دورنا حالياً على منع وتتبّع حالات الحفر العشوائي والنبش والتدمير الممنهج للمواقع، ومكافحة تهريب القطع الأثرية والمتاجرة بها في المزادات الدولية غير المشروعة".

بين الرواية والأسطورة والنقش، يقف قصر غمدان على الحد الفاصل بين الذاكرة والبرهان. فالمصادر القديمة ترفعه إلى مصافّ الأعاجيب، بينما يصر علم الآثار على انتظار الدليل الميداني الذي لم يُكشف بعد.

ويضيف أن الهيئة استصدرت تعاميم قضائية، بالتنسيق مع الجهات العدلية، تمنع بيع وشراء وتأجير الأراضي المجاورة للحرم الأثري للمواقع التاريخية بهدف حمايتها، بانتظار تفاعل أقوى من السلطات المحلية لتنفيذ هذه التعاميم والحد من الاعتداءات. 

كما يشير إلى غياب خطة حالية لإعداد مجسّم تخيلي ثلاثي الأبعاد للقصر، مع إمكانية تحقيق ذلك مستقبلاً بالتعاون مع القطاع الخاص، وعرضه في معارض مؤقتة.

رسم "سقف قروى" الصخري: قراءة تشريحية جديدة

  • رسم تقريبي لقصر غمدان
    رسم تقريبي لقصر غمدان

على المقلب الآخر من البحث الأكاديمي، يقدم أنور الحاير، أستاذ الآثار والنقوش بجامعة صنعاء والباحث المتخصص في القصور اليمنية قبل الإسلام، قراءة بحثية مغايرة تستند إلى شواهد مادية غير مألوفة.

يكشف الحاير، عبر "الميادين الثقافية"، عن دراسة أنجزها استناداً إلى رسم صخري نادر اكتُشف في منطقة "سقف قروى" بخولان، شرق صنعاء. 

ويرى الحاير أن الرسم يصوّر قصر غمدان بتحصيناته وبعض تفاصيله المعمارية، بما ينقل القصر، في تقديره، من خانة التخمين الروائي إلى خانة التوثيق البصري المحتمل المعاصر لزمنه.

ويشرح الحاير التخطيط المعماري للمجمع، استناداً إلى هذا الرسم الصخري، مقسّماً إياه إلى ثلاث مجموعات إنشائية:

البوابات والتحصينات الدفاعية

يُظهر الرسم بوابة معقودة بعقد نصف دائري، يحيط بها برجان دائريان مخصصان للحراسة، يقف عندهما جنود يحملون السيوف والدروع. ولم تخلُ البوابة من اللمسة الرمزية والعقائدية، إذ زُينت بتماثيل لحيوان الوعل، الذي ارتبط بالمعبودات اليمنية القديمة، مثل عثتر وإلمقة، لأغراض دينية وزخرفية في آن واحد.

القصور الشاهقة ونظام الارتداد

تكشف اللوحة الصخرية، بحسب قراءة الحاير، أن غمدان لم يكن مبنى واحداً منفصلاً، بل ضم 3 مباني شاهقة متجاورة، محاطة بسور غير منتظم وفناء واسع تتوسطه شجرة نخيل كبيرة. 

وتتميز هذه المباني بتقنية الارتداد الهندسي، حيث يضيق البناء ويتناقص حجمه كلما ارتفع إلى الأعلى، بهدف تخفيف الأحمال وتحقيق التوازن الإنشائي. وتربط بين هذه المباني قناطر معقودة، أو جسور هوائية معلّقة، تتيح الانتقال بينها من دون الحاجة إلى النزول إلى الفناء.

المعبد والملحقات السرية

تشمل المجموعة الثالثة بوابة أخرى ملحقة بمبنى مستطيل الشكل، يرجّح الحاير أنه كان معبداً تابعاً للمجمع الملكي. كما يكشف التحليل الهندسي للرسم، بحسب قراءته، عن ابتكارات تقنية لافتة، مثل وجود ما يُعتقد أنها ساعة مائية، أو قطّارة، لحساب الوقت، ونظام سراديب سرية تحت الأرض، فضلاً عن مداخل وهمية صُممت لتضليل المهاجمين وإيقاعهم في الفخاخ أثناء الحصار.

حقيقة العشرين طابقاً ولغز الاندثار

في قراءته النقدية للمرويّات، يطرح أنور الحاير رؤية تصحيحية للأرقام المتداولة حول ارتفاع القصر. فبالرغم من تواتر الروايات التي تتحدث عن وصوله إلى 20 طبقة، يرى الحاير أن التحليل البصري للرسم الصخري، ومقارنته بالنقوش المسندية المعاصرة، يشيران إلى أن عدد طبقاته الفعلي ربما راوح بين 6 و 7 طبقات فقط.

ويفسّر الحاير هذا الاختلاف قائلاً: "إن وصف القصر بــ 20 سقفاً قد يعود إلى الارتفاع الشاهق والمسافات الرأسية الكبيرة الفاصلة بين الطبقات، والتي قُدّرت بــ 40 ذراعاً في بعض الروايات. وقد يكون أيضاً نتيجة مبالغات أو تحريفات لدى النسّاخ والمتأخرين. فالصعود اليومي المتكرر إلى 20 طبقة بارتفاعات قديمة شاهقة يمثّل مشقة لا تنسجم مع الوظيفة الإدارية اليومية للقصر الملكي، ما يجعل القراءة الرمزية للروايات أكثر ترجيحاً".

وبحسب الحاير، فقد اعتمد البناء على أحجار ضخمة ملساء جرى تركيبها بتقنية التعشيق الهندسي، بما يعكس مستوى متقدماً من المعرفة المعمارية. كما جُعلت الطبقة الأرضية مرتفعاً ومصمتاً، خالياً من النوافذ، بوصفه استراتيجية دفاعية تمنع اختراقه. 

لم يكن قصر غمدان مجرد بناء حجري في قلب صنعاء القديمة، بل كان صورة مكثفة عن سلطة اليمنيين القدماء، وجرأتهم المعمارية، وقدرتهم على تحويل الجبل والحجر والفراغ إلى رمز سياسي وحضاري لا يزال حاضراً رغم اندثاره. 

ويبرز في الرسم أيضاً رمز النسر المجنّح، بوصفه دلالة على قوة المملكة وسيادتها، إلى جانب مشهد معركة بين نسر وثعبان، قد يرمز بصورة غامضة إلى صراعات سياسية أو عسكرية قديمة شهدتها المنطقة.

أما عن اندثار القصر وتحديد موقعه اليوم، فتشير الروايات والدراسات إلى أن نهايته جاءت تدريجية، بدءاً من حريق كبير إبان الغزو الحبشي لليمن في القرن السادس الميلادي، ثم هدم أجزاء منه في صدر الإسلام، وصولاً إلى انهياره أو إزالة ما تبقّى منه في مرحلة لاحقة، لأسباب ربطها بعض المصادر باعتبارات عسكرية وسياسية هدفت إلى إنهاء رمزيته السيادية القديمة.

غمدان في الوعي المعاصر: رمزية تتجاوز الردم

  • رسم توضيحي لقصر غمدان المفقود
    رسم توضيحي لقصر غمدان المفقود

يختتم عادل الوشلي حديثه مع "الميادين الثقافية" بإطار قراءة حديث للمعْلَم، يتجاوز فقدانه المادي، قائلاً: "إذا أردنا قراءة قصر غمدان اليوم خارج الأطر التاريخية التقليدية، فإنه يتلخّص في الوعي اليمني المعاصر بوصفه رمزاً وتجسيداً للقوة الحضارية والتفرد العمراني للإنسان اليمني. إن روحه الهندسية لا تزال حيّة في موروثنا العمراني القائم في مدينة صنعاء القديمة، وشبام كوكبان، والعديد من الأبنية التاريخية".

ويبقى قصر غمدان، كما أورده عدد من المؤرخين والأدباء في مصنّفاتهم، واحداً من أعاجيب العمارة اليمنية القديمة، وشاهداً رمزياً، ولو عبر الروايات والنقوش والرسوم الصخرية، على عظمة هندسة عمودية سبقت عصرها بقرون.

لقد تحول هذا الإرث الفريد إلى استعارة ثقافية وصورة ذهنية تختصر هوية يمنية ووعياً جمالياً عميقاً. وهو اليوم ينتظر التفاتة علمية جادة، ودراسات أثرية منظّمة، وتعاوناً مع الجهات المحلية والمنظمات الدولية المعنية بالتراث، لإخراجه من ظلمات الردم والنسيان إلى فضاء البحث والاستكشاف، وصولاً إلى رؤية بصرية أكثر واقعية وعمقاً لهذا المعلم الاستثنائي.

اخترنا لك