من المقاومة إلى الرقمنة.. تحولات الأغنية الوطنية في مصر

من "بلادي بلادي" إلى "بشرة خير". كيف بدأت الأغنية الوطنية في مصر وأين أصبحت؟

لم تكن الأغنية الوطنية منذ أكثر من قرن من الزمان رفاهية، بل كانت سلاحاً وسؤالاً مركزياً.  وبعد أن جاءت ثورة يوليو عام 1952، شهدت صناعة الأغنية الوطنية تحولاً كبيراً من مرحلة التأسيس والمقاومة وإيقاظ الوعي، إلى مرحلة بناء الدولة.

أغنية المقاومة

  • سيد درويش
    سيد درويش

اتسمت الأغنية الوطنية المصرية في الفترة الممتدة من أواخر القرن الــ 19 حتى عام 1952 بفكرة إيقاظ الحس الوطني بهدف مقاومة الاحتلال البريطاني، الذي بدأ عام 1882.

وبرز في هذه الفترة المنتج المسرحي الشيخ سلامة حجازي، ثم الشيخ سيد درويش، ملحن النشيد الوطني المصري "بلادي بلادي"، الذي كتب كلماته محمد يونس القاضي، إلى جانب أغنية "قوم يا مصري"، التي حرضت الشخصية المصرية على فهم قيمتها والوعي بمحيطها. وقد أصبحت "بلادي بلادي" النشيد الوطني الرسمي لمصر عام 1979.

كان الميكروفون بندقية، وكانت تلك من المرات الأولى التي تعلن فيها الموسيقى في مصر أن لدى المصريين قضية، هي الاستقلال ومقاومة الاحتلال.

يقول الناقد الموسيقي أشرف غريب لـ"الميادين الثقافية": "وُلدت الأغنية الوطنية المصرية لا للتعبير عن حب الوطن فقط، بل للتعبير عن الأزمة التي تعيشها البلاد في ظل سطوة المحتل الإنكليزي، الذي بدأ عام 1882".

في العصر الرقمي، لم يعد الوطن في الأغنية مشروع دولة فقط، بل أصبح أيضاً محتوى سريع التداول. فقد انتقلت الأغنية من الإذاعة إلى "فيسبوك" و"تيك توك" و"يوتيوب"، وتحولت بعض الأعمال من قضايا سياسية ممتدة إلى رسائل بصرية وصوتية قصيرة، من دون أن تختفي الأغاني التي تحمل مضامين اجتماعية أو سياسية عميقة.

في ذلك الوقت كانت الحياة النيابية والصحافية والسياسية محدودة وخاضعة لقيود الاحتلال، فكان لا بد من وسيلة تصل إلى الشعب، وتمثلت هذه الوسيلة في المسرح والشارع والمقهى. وقام بدور التثوير الشعبي شعراء الزجل وملحنو المسرح ومطربو الشعب.

يضيف غريب: "كان هؤلاء مندوبين للحديث مع الشعب الذي لم يكن أغلبه يجيد القراءة والكتابة، لذا لم تكن الأغاني تُصنع للرقص عليها والاستمتاع بها في أوقات الفراغ فقط، بل كانت تُستخدم للتنبيه واليقظة من الموات في قبضة المحتل، حتى إن سيد درويش نفسه قال: "أنا بغني للشعب عشان يفهم"".

كانت كلمات الأغنية في تلك الفترة تحمل طابع السخرية والمباشرة، وكان الشيخ سلامة حجازي ممثلاً ومغنياً وملحناً، بحسب غريب، يقدم على المسرح أداء تمثيلياً، ثم يغني للجمهور في أثناء العرض وصلة وطنية.

كما أسهم سيد درويش في تطوير المونولوج والنشيد والمسرح الغنائي، وقدم ألحاناً قصيرة وكلمات سهلة الحفظ، كان من الممكن أن تنتشر سريعاً وتُغنّى في المظاهرات والتجمعات الشعبية.

وغلبت العامية المصرية على كثير من الأغنيات الوطنية، لكي تصل الرسالة إلى مختلف طبقات الشعب، من دون أن يعني ذلك اختفاء الفصحى، التي حضرت أيضاً في عدد من الأناشيد الوطنية.

اتسع مفهوم الوطن في أغاني مرحلة القومية، فلم يعد مقتصراً على مصر، بل أصبح مرتبطاً بالعروبة والوحدة وعدم الانحياز. وتحولت الأغنية إلى أداة للتعبئة وبناء الوعي الجمعي، تجمع بين اللحن الطويل والأوركسترا والكورال، وتمنح المستمع شعوراً بأنه جزء من مشروع وطني وقومي أكبر.

وجاء النموذج الأبرز، سيد درويش، بالتزامن مع ثورة 1919، ليقدم أغنية "قوم يا مصري"، من كلمات بديع خيري وألحان سيد درويش، في سياق ثورة 1919 ونفي الزعيم سعد زغلول.

واعتمدت كلمات الأغنية فعل الأمر "قوم"، وجاء لحنها حماسياً وقريباً من إيقاع المارش العسكري، فكانت الدلالة أن الوطن تجسد في أمّ تنادي أبناءها لتحقيق الاستقلال.

عصر القومية

  • من المقاومة إلى الرقمنة.. تحولات الغناء الوطني في مصر

شهدت المرحلة من عام 1952 حتى عام 1973 سمات خاصة للأغنية الوطنية المصرية، فقد كان هدفها بناء الدولة الجديدة عقب ثورة يوليو، ثم تبني البعد القومي العربي في مرحلة جمال عبد الناصر والتعبئة للحرب.

ومثلت تلك المرحلة قلب الأغنية الوطنية المصرية، وكانت الأغنية الجماهيرية الطربية الطويلة يشارك فيها الكورال والأوركسترا.

وكان من أمثلة ذلك أغنية "والله زمان يا سلاحي" التي غنتها أمّ كلثوم عام 1956، وكانت بمثابة بيان عسكري مصري، إذ كتبها الشاعر صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل وقت العدوان الثلاثي على مصر.

أصبحت هذه الأغنية النشيد الوطني الرسمي لمصر عام 1960، وظلت كذلك حتى استبدالها بنشيد "بلادي بلادي" عام 1979.

يقول الناقد أشرف غريب: "في هذه المرحلة صار الوطن مشروعاً، وصارت الأغنية أشبه بوزارة، وإن كانت المرحلة السابقة أغنية مقاومة، فهذه المرحلة كانت أغنية دولة".

أما بعد 23 يوليو 1952، فلم يعد المطلوب فقط طرد المحتل، بحسب غريب، بل أصبح المطلوب بناء بلد، وكان هذا يتطلب صوتاً يوحد ملايين المصريين.

بعد ثورة تموز/يوليو عام 1952، لم يعد المطلوب فقط مقاومة المحتل، بل بناء دولة جديدة. هكذا تحولت الأغنية الوطنية من فعل فردي ثوري إلى مشروع قومي تدعمه الدولة وتنتجه الإذاعة، ويكتبه كبار الشعراء ويلحنه كبار الموسيقيين، بينما صار الكورال تعبيراً عن صوت الجماعة والمطرب قائداً للمعركة المعنوية.

هكذا تحولت أغنية الوطن من فعل فردي ثوري إلى مشروع قومي تدعمه الدولة وتنتجه الإذاعة، ويكتبه كبار الشعراء ويلحنه كبار الموسيقيين وتغنيه أصوات بارزة.

وتابع غريب: "تحولت كلمات أغاني تلك المرحلة من فئة "يا إنجليزي يا غاشم" إلى "يا أمة عربية واحدة"، إذ اتسع مفهوم الوطن، فلم يعد مصر فقط، بل صار العروبة والقومية وعدم الانحياز".

وصار الشاعر، كاتب تلك الأغاني، من أمثال صلاح جاهين، وعبد الرحمن الأبنودي، مشاركاً في صناعة المعنى القومي. 

كما صارت الألحان طويلة لدعم التعبئة المعنوية، وأصبح الكورال معبراً عن صوت الجماعة والشعب، وتحول المطرب إلى صوت يقود المعركة معنوياً.

مرحلة "الانفتاح"

كانت الفترة من عام 1974 حتى عام 2010 تمثل مرحلة احتفاء بالنصر في حرب أكتوبر 1973، ثم التعبير عن الاستقرار والتنمية وتحولات المجتمع في "عصر الانفتاح".

وجاءت الأغنية الوطنية في كثير من الأحيان أقصر وأكثر ملاءمة للإذاعة والتلفزيون، كما شهدت هذه المرحلة انتشار الفيديو كليب.

هكذا قدم محمد منير أغنية "الليلة يا سمرا" بصوت يحمل هوية شعبية ووجدانية، وإن لم تكن الأغنية من النماذج المباشرة للأغنية الوطنية الرسمية. كما غنت شادية "عبرنا الهزيمة" عقب انتصار أكتوبر 1973، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدي.

وفي العقود التالية بدأ التناول السياسي المباشر يتراجع في بعض الأغنيات، لصالح مفاهيم التنمية والاستقرار والاحتفاء بالمناسبات الوطنية.

الأغنية الرقمية

منذ عام 2011 حتى الآن، لم تعد الأغنية الوطنية المصرية تسير في اتجاه واحد، بل ظهرت أغنيات احتجاجية وثورية ذات مضمون سياسي واضح، إلى جانب أغانٍ رسمية ومناسباتية وأعمال شبابية تعبر عن قضايا الحرية والعمل والهجرة والعدالة الاجتماعية.

كما انتشرت أنماط المهرجانات والراب والبوب، واعتمد كثير منها على الإيقاع الإلكتروني والإنتاج السريع والمنصات الرقمية. ومن الأغنيات التي حققت انتشاراً واسعاً "بشرة خير" و"تسلم الأيادي".

وقد مثلت الأغنيتان نموذجاً للأغنية الوطنية المباشرة والمناسباتية ذات الدلالات السياسية الواضحة. إذ ارتبطت "تسلم الأيادي" بالمؤسسة العسكرية وأحداث عام 2013، بينما ارتبطت "بشرة خير" بالانتخابات الرئاسية عام 2014 والدعوة إلى المشاركة في التصويت.

وفي الوقت نفسه، ظهرت أغانٍ أخرى تعبر عن هموم الشباب، مثل البحث عن وظيفة أو الزواج أو الهجرة، وهو ما وسع مفهوم التعبير الوطني ليتجاوز الأغاني الرسمية.

في هذا الشأن يقول غريب إن المرحلة السابقة، إذا كانت قد تصدرتها أغنية "والله زمان يا سلاحي"، فإن مرحلة الأغنية المعاصرة يمكن أن يختصرها عنوان "نزلت الأغنية الساعة 12".

لم تكن الأغنية الوطنية المصرية مجرد تعبير عن حب الوطن، بل وُلدت في قلب الأزمة، حين كانت البلاد ترزح تحت الاحتلال البريطاني. وفي ظل القيود المفروضة على الصحافة والسياسة، تحولت المسارح والمقاهي والشوارع إلى فضاءات للمقاومة، وصار الشعراء والملحنون والمطربون صوتاً لشعب كان أغلبه لا يجيد القراءة والكتابة. 

وتابع أن الوطن لم يعد في الأغنية الوطنية المعاصرة مشروع دولة فقط، بل صار أيضاً محتوى رقمياً، ولم تعد الإذاعة تتصدر المشهد الغنائي وتتحكم فيه، بل أصبحت المشاركة على "فيسبوك" و"تيك توك" و"يوتيوب" من أهم وسائل الانتشار.

وجاء التحول الأكبر في طريقة صياغة الكلمات وتلقيها، فإلى جانب الأغنيات السياسية والاحتجاجية، انتشرت شعارات مباشرة، مثل "تسلم الأيادي" و"بشرة خير" و"تحيا مصر"، تُستخدم مقاطع منها في الفيديوهات القصيرة والمنشورات الرقمية.

هكذا تحول الوطن، في جانب من الإنتاج الغنائي المعاصر، من قضية سياسية ممتدة إلى رسالة بصرية وصوتية سريعة التداول، من دون أن يعني ذلك اختفاء الأغنيات ذات المضمون السياسي أو الاجتماعي العميق.

اخترنا لك