مآل الحداثة
لم يتكشف لي مأزق الحداثة في تعثر أدواتها الأخلاقية بقدر ما تجلى في المنطق الذي أقيمت عليه بنيتها الأخلاقية منذ البداية، حين أزيح المعنى لصالح منظومات الضبط.
-
(إدوارد مونك، 1894-1896)
مآل الحداثة خدعة مركبة؛ لأنها تنقل الأخلاق من الأصالة إلى القيد، والأخلاق التي لا تأتي بالأصالة لا أمان لها، ولا يعوّل عليها.
لا يُراد من هذا النص محاكمة الحداثة بوصفها فكرة مجردة أو خطاباً واحداً متماسكاً، ولا إنكار ما انطوى عليه مسارها من تنوع ومحاولات جادة للمراجعة والنقد. غير أن ما يعنيني هنا هو تفحص مسار بعينه حين يتحول من فكرة إلى واقع يعمل، لا كما يعرف في الكتب، بل كما يستقر حين ينجح. فالسؤال الذي يفرض نفسه، بعيداً من النوايا والشعارات، هو عما يؤول إليه هذا المسار حين تستكمل شروطه، وتتحول أدواته إلى نظام فعّال يُدار به العالم.
قبل مدة، جرت بيني وبين أحد الأصدقاء الغربيين نقاشات مطولة استمرت لأشهر، تنوعت بين الفلسفة والدين والأخلاق، وأمور أخرى أقل منها أهمية. وكان ممن خاضوا مساراً طويلاً في التفكير والجدل، لا بوصفه باحثاً طارئاً عن فكرة، بل بوصفه من استقر عليها بعد تجربة.
ولم يكن انقطاع تلك الصلة لاحقاً انقطاعاً عارضاً، ولا نتيجة فتور في الحوار، بل خلاصة اختلاف جذري في منطق النظر إلى الإنسان والأخلاق، بعد أن استنفد النقاش مداه. وقد شكلت تلك النقاشات، بما انكشف فيها من تصورات حية وممارسة فعلية للفكرة، فرصة أتاحت لي فهم الحداثة بصفتها فلسفة حياة كما تعاش، لا كما قدمت في الأدبيات النظرية التي اطلعت عليها من قبل.
ما بدا لي في تلك التجربة أن المعرفة، حين تختزل في صورتها النظرية، تظل حبيسة تمثيلها؛ أما حين تختبر في الواقع، فإنها تكشف حدود المفهوم نفسه، لا صحته فحسب.
والمثير في الموضوع تعمق فكرة الحداثة في طرحه، كما كان يتبدى لي في كل لقاء بيننا، خصوصاً حين ربط بين الأخلاق وإيجاد الحلول لضمان صيانتها من سوء استغلال البشر، عبر التقنين بتوسل أفضل الضمانات، باستخدام خوارزميات رياضية تقدم بوصفها ضمانة للتعامل الآمن والسلس بين الناس، لا بالمفهوم المالي فحسب، بل بما يشمل مختلف المعاملات بين البشر.
وكان من صلب محاولته لإقناعي تصوره أن العالم اليوم بات محكوماً بقيود التحويلات المالية التي تفرضها قوى مسيطرة، لا تتحكم في حركة الأموال فحسب، بل في مصائر البشر والأنظمة معاً، بحيث غدت هذه القيود أداة ضبط شاملة تقيد بها العلاقات بين الناس قبل الاقتصادات.
ومن هذا المنطلق، رأى أن التحرر من تلك القيود شرط لازم للانتقال إلى مرحلة أرقى من الحداثة؛ مرحلة تستعاد فيها الحرية بوصفها ضمانة للعدل بين الناس، ويعاد فيها ضبط التعامل ضمن إطار أخلاقي مقيد، لا يقوم على الثقة الإنسانية الهشة، بل على نظام يمنع الانحراف ابتداء.
وكان يقدم هذا المشروع بوصفه سبيلاً لتحرير العالم من قيود القوى المهيمنة، غير أن هذا الادعاء نفسه بدا لي امتداداً للمنطق ذاته، حيث يعاد تعريف التحرر بوصفه انتقالاً من هيمنة مرئية إلى ضبط أكثر تجريداً وكفاءة. وفي هذا المعنى، لا يظهر هذا الوعد قطيعة مع مآلات الحداثة بقدر ما يبدو استكمالاً لها بلغة جديدة تبقي السؤال الأخلاقي معلقاً.
ولم يكن حديثه عن هذا التصور بوصفه نتاجاً بشرياً قابلاً للإصابة والخطأ، أو تجربة تاريخية يمكن مراجعتها ونقدها، بقدر ما كان حديث من تشبّع به حتى غدا إطاراً نهائياً لرؤية العالم. فقد بدا لي، مع امتداد النقاش، أنه لا يرى خارجه أفقاً ممكناً، ولا يتخيل للبشرية خلاصاً إلا من داخل منطقه. ولأنه غارق في هذا التصور إلى حد لا يسميه، فقد غدا عنده مسلّمة وجودية، لا تطرح بوصفها خياراً، ولا تناقش بوصفها تصوراً، بل يقاس بها الصواب، ويعاد تعريف الأخلاق في ضوئها. وهو ما بدا لي متجسداً بوضوح في الخطاب السائد في الفكر الأميركي المعاصر، حيث لا تناقش هذه المسلّمات بوصفها خيارات حضارية، بل تتلقى باعتبارها أفقاً نهائياً للفعل الإنساني.
وكانت ثمة لفتة لا يمكن إغفالها في حديثه، تمثلت في تحمسه لفكرة أن حرباً كونية شاملة باتت، في نظره، حقيقة لا مجال لدفعها، بل فرصة سانحة ليبدأ العالم من جديد وفق تلك الخوارزميات. كان يتحدث عن ذلك ببرود لافت، وكأن الدمار الشامل الذي سيعم العالم مجرد كلفة عابرة لتحقيق فكرته عن العدل وسيادة الأخلاق، متعاملاً مع مصائر البشر كما لو أن الحياة قابلة لإعادة التشغيل، أشبه بالضغط على زر "إعادة الضبط" في جهاز إلكتروني، حيث يُمحى كل شيء ليعاد ترتيب العالم وفق منطق أكثر كفاءة، لا أكثر إنسانية.
ولكي يقرب فكرته أكثر، ضرب مثالاً باستخدام خوارزميات رياضية في معاملات يومية تشمل التعاملات التجارية، وأخرى لا تنتمي إلى المجال التجاري المباشر، كتنظيم التزامات شخصية أو تعاقدات بسيطة بين أفراد، بحيث تبرم وتنفذ تلقائياً من دون الحاجة إلى الثقة المتبادلة أو التعويل على النوايا. فالمسألة، في طرحه، لا تتعلق بالمال بقدر ما تتعلق بإخراج الإنسان من دائرة التقدير الأخلاقي، واستبدال ذلك بمنظومة تحقق خوارزمية تضمن الالتزام، لا لأن الطرفين اختارا الوفاء، بل لأن النظام لا يتيح لهما غير ذلك.
وقلت له حينها: إذا كانت هذه الخوارزميات تمنع سوء الاستخدام، فهل تمنع أيضاً تحويل الأعلام إلى أدوات تشهير، أو استخدامها في الترويج لأمور غير أخلاقية؟ أم أن هذا النوع من الأسئلة يظل خارج نطاقها، مهما بلغت دقتها؟ فكان رده أن الأمر ليس بتلك الأهمية؛ إذ إن الناس، كلما تمرسوا بهذا الأسلوب، انعكس ذلك على سلوكهم العام، ومن ثم تنضبط أخلاقهم تبعاً له.
في المقابل، كان تركيز ردودي ينصرف إلى أن الأصالة في الأخلاق لا تقوم على المنع ولا على الضبط، بل على محاولة الوصول إلى المعنى، بحسب المفهوم الشرقي، حيث تفهم الأخلاق بوصفها سعياً دائماً إلى المعنى قبل أن تكون امتثالاً لقيد.
غير أن ما كان يثير حيرتي في هذا الطرح، أن هذا الاطمئنان المتزايد إلى النظام بوصفه ضامناً للسلوك، كان يقابله تراجع واضح في السؤال عن الإنسان نفسه. فكلما جرى تحصين التعامل بقيد أشد إحكاماً، بدا أن الحاجة إلى الأصالة الأخلاقية تتضاءل، لا بوصفها قيمة، بل بوصفها مخاطرة. عند هذه النقطة تحديداً، بدأت أرى أن ما يقدم بوصفه تحرراً من القيود إنما يعيد إنتاج القيد في صورة أخرى، وينقل الأخلاق من مجال المسؤولية الداخلية إلى مجال الإلزام الخارجي، حيث يصبح الالتزام نتيجة استحالة المخالفة، لا ثمرة اختيار أخلاقي حرّ.
في تلك اللحظة من النقاش، لم يكن ما انكشف لي مجرد اختلاف في الوسائل، بل تحولاً في منطق الأخلاق نفسه. إذ إن الأنظمة التي تبنى على افتراض عدم الثقة بالإنسان لا تنتج عدلاً بقدر ما تنتج امتثالاً، وتستبدل الضمير بالتحقق، والاختيار بالاستحالة التقنية. وبهذا، لا تصان الأخلاق بوصفها فعلاً إنسانياً حراً، بل تعلق على دوام النظام وقدرته على المنع، بحيث يغدو ما يقدم بوصفه تحرراً من قيود السلطة خضوعاً أعمق لقيد لا يناقش ولا يساءل.
فعندما تسقط الأخلاق بوصفها قيمة ومعنى، يكون المآل توحشاً بلا حدود ولا قيود، لتغدو الليبرالية المتوحشة، بوصفها أحد تجليات الحداثة، واقعاً مريراً.
وعلى هذا الأساس، لا يصعب تلمس هذا المنطق حين ينتقل من المجال الأخلاقي إلى الممارسة السياسية. وعند النظر إلى هذا المنطق في الواقع السياسي الراهن، يتضح أنه لا يبقى حبيس النقاش الأخلاقي أو التقني، بل يجد ترجمته العملية في الهيمنة الأميركية على البلدان الأخرى، حيث يفرض منطق الانضباط باسم النظام والاستقرار، بينما تعلق المعايير ذاتها حين يتعلق الأمر بحلفائها.
وفي هذا السياق، يصبح غضّ الطرف عن الجرائم المرتكبة بحق فلسطين، وبحق دول وشعوب أخرى، مثالاً صارخاً على أخلاق مقننة انتقائياً؛ تشدد حين تخدم ميزان القوة، وتعطل حين تهدده. هنا لا تُقاس الأخلاق بعدالتها أو إنسانيتها، بل بمدى توافقها مع منطق الهيمنة القائم، فيتحول القانون إلى أداة ضبط، وتغدو القيم لغة تستدعى أو تغيب بحسب الحاجة.
لم يتكشف لي مأزق الحداثة في تعثر أدواتها الأخلاقية بقدر ما تجلى في المنطق الذي أقيمت عليه بنيتها الأخلاقية منذ البداية، حين أزيح المعنى لصالح منظومات الضبط.
وخلصت، في ضوء ذلك، إلى أن الحداثة، في مآلاتها الراهنة، لم تعد مجرد إطار فكري أو مشروع تاريخي، بل غدت منظومة مكتملة تقنن سلوك الإنسان وتخضعه لمنطق الانضباط باسم العقل والضرورة. وحين تنزع الأخلاق من معناها الذي يحفظ للإنسان قيمته، لا تعود هي الحاكمة، بل يُدار الإنسان باسم القيم الإجرائية، ضمن منظومات ضبط قسرية، قد تبيح أقصى أنماط السلوك الإنساني، مهما بلغت درجة انحلالها، متى استوفت شروط الانضباط الإجرائي.
وفي هذا التحول، تقيد الحرية بصرامة أشد مما عرفته الأديان التي قدّمت الحداثة نفسها بديلاً عنها، ليغدو السؤال عن التحرر منها مؤجلاً.