لو لم تكن القدس في فلسطين: هل كانت الصهيونية ستنجح؟
ستبقى القدس في قلب الصراع؛ لأنها ليست فقط مدينة تتنازعها المشاريع السياسية، بل نقطة تتقاطع فيها الذاكرة مع السيادة، والتاريخ مع القانون، والرواية مع الحقيقة. فالسياسة قد ترسم الخرائط، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحوّل القوة إلى حق.
-
القدس لم تكن يوماً مجرد مساحة أمنية أو دبلوماسية، إنما مركز لصراع أعمق حول الهوية والتاريخ والشرعية
قد تستطيع السياسة أن تبحث عن أرض، لكنها لا تستطيع أن تصنع لها تاريخاً. ولذلك، لم يكن السؤال الأساسي في المشروع الصهيوني فقط: أين يمكن إقامة وطن قومي؟ بل أي أرض تستطيع أن تمنح هذا المشروع رواية تتجاوز حدود الجغرافيا؟
تخيّلوا مشروعاً صهيونياً يقام في أرض أخرى، في أوغندا مثلاً، حيث لا تحمل الأرض الطبقات التاريخية والدينية والسياسية نفسها التي تحملها فلسطين. كانت تلك الأرض قادرة على توفير مساحة لإقامة كيان سياسي، لكنها لم تكن قادرة، بالضرورة، على إنتاج المعنى الرمزي الذي احتاج إليه المشروع كي يقدّم نفسه بوصفه "عودة" لا انتقالاً، واسترداداً لا تأسيساً جديداً.
لهذا، لم تكن فلسطين بالنسبة إلى الحركة الصهيونية مجرد موقع جغرافي، بل كانت عنصراً أساسياً في بناء روايتها السياسية. فالقدس لم تصنع الصهيونية، لكنها منحت المشروع رمزاً مركزياً ساعده على تحويل الارتباط التاريخي والديني إلى خطاب سياسي قادر على التعبئة.
اليوم، بعد أكثر من قرن على انطلاق المشروع الصهيوني، تعود القدس إلى واجهة الأحداث مجدداً. فالاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، والدعوات المرتبطة بتغيير الوضع القائم داخله، والتصريحات السياسية التي تتحدث عن فرض وقائع جديدة، تكشف أن "الصراع" لم يعد فقط حول إدارة مدينة، بل حول من يملك حق تعريف معناها وروايتها.
من هنا يعود السؤال: لو لم تكن القدس في فلسطين، هل كان المشروع الصهيوني سيحمل القوة الرمزية نفسها التي ساعدته على ترسيخ روايته السياسية؟
القدس: أكثر من مدينة
قد تبدو التطورات المتكررة في المسجد الأقصى مرتبطة بالظرف السياسي الراهن، لكن استمرارها يكشف أن القدس لم تكن يوماً مجرد مساحة أمنية أو دبلوماسية، إنما مركز لصراع أعمق حول الهوية والتاريخ والشرعية. ذلك أن المعركة على القدس ليست فقط معركة على السيطرة المادية، لكن أيضاً على معنى المكان. فمن ينجح في فرض روايته عن المدينة يقترب من فرض تصوره لشرعية وجوده فيها.
ولهذا، لا يمكن قراءة محاولات تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من صراع طويل على الرمزية السياسية للمدينة. فالقدس تمثل نقطة التقاء بين الدين والسياسة والهوية، والمكان هنا لا يعمل فقط بوصفه جغرافيا، بل كرمز يمتلك القدرة على تشكيل التصورات السياسية.
أوغندا 1903: حين كشفت الجغرافيا حدودها
يقدّم "مشروع أوغندا" عام 1903 لحظة كاشفة في تاريخ الحركة الصهيونية. فقد طرحت بريطانيا إمكانية إقامة وطن قومي لليهود في شرق أفريقيا، ووجد الاقتراح من اعتبره حلاً عملياً للمسألة اليهودية. لكن المشروع انهار أمام معارضة واسعة داخل الحركة الصهيونية نفسها.
لم يكن السبب أن أوغندا غير صالحة لإقامة مشروع سياسي، بل لأنها لم تكن قادرة على حمل الرواية التي احتاج إليها المشروع. فقد كانت تستطيع أن توفر أرضاً، لكنها لم تكن قادرة على إنتاج الإحساس التاريخي الذي جعل فلسطين تظهر في الخطاب الصهيوني بوصفها "عودة" إلى "وطن" قديم.
وهنا تظهر خصوصية فلسطين. ليست مجرد خيار جغرافي بين خيارات متعددة، بل المكان الذي امتلك قدرة رمزية على الربط بين الماضي والهوية والمشروع السياسي الحديث.
ولهذا، يشير آرثر هرتزبرغ إلى أن قوة الصهيونية لم تكن فقط في تنظيمها السياسي، لكن في قدرتها على الجمع بين مشروع قومي حديث ورموز تاريخية ودينية، وفّرت لها قدرة واسعة على التعبئة.
كيف تتحول الذاكرة إلى شرعية سياسية؟
تكشف تجربة أوغندا أن المشاريع السياسية الكبرى لا تقوم على الجغرافيا وحدها، إنما تحتاج إلى قصة تمنحها المعنى. وهنا يبرز مفهوم "الجماعات المتخيلة" عند بنديكت أندرسون، الذي يوضح أن الأمم لا تُبنى فقط على الحدود والمؤسسات، بل على سرديات مشتركة تمنح أفرادها شعوراً بالانتماء إلى تاريخ ومصير واحد.
كما يشرح إريك هوبزباوم، في مفهوم "اختراع التقاليد"، كيف تعيد الحركات القومية الحديثة توظيف رموز الماضي وتقديمها باعتبارها امتداداً طبيعياً للحاضر. وفي هذا السياق، أصبحت القدس عنصراً مركزياً في المخيال الصهيوني، ليس لأنها صنعت المشروع، بل لأنها وفّرت له رمزاً تاريخياً ودينياً ساعد على بناء رواية سياسية ممتدة.
لكن انتقال الذاكرة من المجال الرمزي إلى المجال السياسي يفتح سؤالاً أساسياً: هل يمنح الارتباط التاريخي أو الديني بمكان ما حقاً سياسياً مطلقاً؟
الأقصى اليوم: استمرار معركة الرواية
لم تبقَ الرواية التاريخية في حدود الهوية منتقلة إلى المجال السياسي. فقد وثّق والتر لاكوير استخدام الخطاب التاريخي والديني في تطور الحركة الصهيونية، خصوصاً في مخاطبة القوى الكبرى مثل بريطانيا، وتقديم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين باعتبارها استعادة لحق تاريخي.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى أداة تمنح طرفاً حق السيطرة على حساب شعب يعيش على الأرض نفسها. فالقانون الدولي الحديث لا يبني شرعية الدول على الروايات التاريخية وحدها، بل على حقوق الشعوب والسيادة ومبادئ القانون الدولي. ولهذا، فإن الارتباط الرمزي بمكان، مهما كان عميقاً، لا يمكن أن يلغي وجود مجتمع قائم أو يحسم وحده قضايا الأرض والسيادة.
من هنا، يؤكد رشيد الخالدي أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في تنافس بين روايتين تاريخيتين، بل هي أيضاً قضية شعب له وجود تاريخي واجتماعي على أرضه.
القدس اليوم: معركة على المعنى قبل المكان
تكشف التطورات الجارية في القدس أن الصراع على المدينة لم ينتهِ بتغيّر الظروف السياسية. فكل محاولة لإعادة تعريف مكانة المسجد الأقصى أو فرض وقائع جديدة داخله تعيد طرح السؤال نفسه: من يملك حق تفسير التاريخ وتحويل هذا التفسير إلى واقع سياسي؟
فالقدس ليست فقط مدينة مقدسة لدى أتباع الديانات المختلفة، بل مركزاً لصراع سياسي حول الهوية والسيادة. والقضية ليست في وجود روايات متعددة حول المدينة، فهذا أمر طبيعي في مكان يحمل هذا الثقل التاريخي، بل في استخدام إحدى هذه الروايات لتبرير مشروع سياسي يؤدي إلى انتقاص حقوق شعب قائم على أرضه.
حين تصطدم الرواية بواقع الأرض
قد تمنح الروايات المشروعات السياسية لغة تبرر وجودها، وقد تساعدها على حشد الدعم، لكنها لا تستطيع إلغاء حقائق الواقع. ولهذا، فإن سؤال: "لو لم تكن القدس في فلسطين، هل كانت الصهيونية ستنجح؟"، لا يتعلق فقط بماضٍ افتراضي، كاشفاً أن قوة المشروع لم تكن في العثور على أرض فقط، لكن في العثور على قصة تمنحه قدرة رمزية على الاستمرار.
إلا أن التاريخ لا يُكتب بالرموز وحدها، بل بحياة البشر الذين عاشوا على الأرض وصنعوا ذاكرتها. فالقدس ليست مجرد فكرة سياسية، وفلسطين ليست مجرد رواية متنافسة، بل مكان يحمل وجود شعب وحقوقه وتجربته التاريخية.
ولهذا، ستبقى القدس في قلب الصراع؛ لأنها ليست فقط مدينة تتنازعها المشاريع السياسية، بل نقطة تتقاطع فيها الذاكرة مع السيادة، والتاريخ مع القانون، والرواية مع الحقيقة. فالسياسة قد ترسم الخرائط، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحوّل القوة إلى حق.