كيف ينظر المثقف اليمني إلى المعركة الدائرة اليوم؟
هل أصبحت القصيدة والمقالة في اليمن جزءاً من معركة الوعي والمواجهة إلى جانب الميدان في ضوء المعركة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"؟
لم يعد مصطلح "وحدة الساحات" في الوعي اليمني مجرد غرفة عمليات عسكرية مشتركة، بل تحول إلى "وحدة وجدانية" صلبة أسقطت الحدود الجغرافية التي رسمتها اتفاقيات الاستعمار القديم في مخيلة الأجيال.
من قلب صنعاء التي تخوض غمار "معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس"، يبرز صوت الأديب والأكاديمي والمحلل اليمني ليشكل "غرفة عمليات ثقافية" تترجم انجازات الميدان إلى هوية وجودية عابرة للحدود.
هكذا يبرز المثقف والأديب اليمني كشريك أصيل في الميدان، محولاً الحبر إلى مادة متفجرة، والقصيدة إلى صاروخ عابر للقارات الوجدانية، ليصيغ مع رفاقه في طهران وبيروت وبغداد سردية جديدة تعلن بوضوح: "زمن الهيمنة قد ولى، وما نراه اليوم هو خريف الإمبراطورية".
من لغة المظلومية إلى منطق الاقتدار
-
حسن المهدي
تبدأ حكاية هذا الالتحام من "الكلمة". تلك التي يصفها الشاعر، حسن المهدي، الملقب بـ "بلبل النصر"، بأنها القوة القادرة على ردم المسافات الشاسعة بين صنعاء وبيروت وطهران.
ويعتبر أن القصيدة ليست ترفاً، إنما شريك فعلي في "وحدة الساحات"، تعبر عن روح التضامن الإسلامي في مواجهة غطرسة القوة.
بالنسبة للمهدي، فإن الشاعر اليمني اليوم ليس مجرد راصد للأحداث أو واصفٍ للدمار. إذ أصبح جندياً يسخر قوافيه لتجاوز العوائق الجغرافية، حيث أضحت القصيدة اليمنية شريكاً حقيقياً في "وحدة الساحات"، وتعبيراً عن روح التضامن المصيري بين شعوب المنطقة.
لم يعد مفهوم "وحدة الساحات" مجرد تنسيق عسكري، بل تحوّل إلى وحدة وجدانية تتجاوز الحدود الجغرافية وتعيد تشكيل الوعي الجمعي لشعوب المنطقة.
ويشرح المهدي التحول الجذري في بنية القصيدة اليمنية بعد انتقال استراتيجية المحور من "الصبر الاستراتيجي" إلى الضربات المباشرة والحاسمة في قلب كيان الاحتلال، وهو ما انعكس على اللغة الشعرية، حيث انتقلت من لغة المظلومية إلى نبرة الاقتدار والثقة العالية بالمواجهة، وأصبحت النبرة أكثر صرامة، واستبدل الشاعر صور "المظلومية" بصور "الاقتدار"، واستدعاء مفردات هجومية قاسية تعكس التحام الكلمة بالفعل العسكري.
"إرادة واعية"
-
عبد الملك محمد عيسى
يقدم الخبير في الشأن الإيراني وأستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء، عبد الملك محمد عيسى، قراءة في حالة التخبط و"الارتباك الاستراتيجي الأميركي" نتيجة اصطدام مشروع الهيمنة بـ "إرادة واعية" لا تخضع للحسابات المادية بنظر الأديب والمثقف اليمني.
ويؤكد أن المعركة ليست عابرة، بل هي معركة هوية ومستقبل. لذا، فإن "الارتباك الأميركي" في نظر المثقف اليمني هو نتيجة اصطدام مشروع الهيمنة بواقع جديد تشكل فيه وعي مختلف لدى قوى المقاومة، مما جعل أدوات الضغط التقليدية (عسكرية، اقتصادية، إعلامية) تفقد تأثيرها.
ويضيف الخبير في الشأن الإيراني أن صمود طهران في وجه العقوبات، وثبات المقاومة اللبنانية في الميدان، واستبسال المقاومة في غزة، هو "فعل إعجازي" حطم أسطورة "التفوق التكنولوجي"، مؤكداً أن "هذا الانكسار مقدمة لزوال المركزية الغربية، حيث بدأ الإنسان العربي والمسلم يستعيد ثقته بقدرته على مواجهة أساطيل كانت توصف بأنها قوة لا تُقهر".
"جغرافية المقاومة" في مواجهة مشاريع التجريف الثقافي
من جهتها، تؤكد رئيسة "الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان"، ابتسام المتوكل، أن "المعركة الحقيقية هي معركة وعي. فالعدو ينفق مليارات الدولارات لتجريف وعي شعوب المنطقة ومحو طبيعة الصراع، محاولاً تقديم نموذج التطبيع كخيار وحيد، بينما يجهد في شيطنة محور المقاومة".
وتشير المتوكل إلى أن "عشرية العدوان على اليمن قد أسهمت بصورة كبيرة في خلق حالة ذوبان للحدود، منتجة جغرافيا مقاومة لا تعترف بالمسافات التي صنعها الاستكبار، بل تتشكل بالوعي وتتجلى في الكلمة والقصيدة واللوحة واللون".
تحوّلت القصيدة من لغة المظلومية إلى لغة الاقتدار، لتصبح الكلمة شريكاً في الفعل، تعكس الثقة بالمواجهة وتواكب التحولات الميدانية.
وتلفت رئيسة "الجبهة الثقافية لمواجهة العدوان"، إلى أن "رغبة العدو في تجزئة الساحات نابعة من إدراكه لخطورة تجذر ثقافة الجهاد، وهو ما دفعه لشيطنة قيادات المحور وبث ثقافة التطبيع والانبطاح".
هكذا تدعو المتوكل النخب الثقافية والأكاديمية إلى "بذل جهد مضاعف لجلاء الحق، وملء المشهد بالصور الحقيقية لطبيعة المعركة، ومواجهة الحملة التضليلية التي تحاول تصوير قوى المقاومة بصورة شيطانية، بينما يتورط نموذج التطبيع في جرائم أخلاقية وإنسانية كشفتها ملفات دولية مشبوهة (ملفات إبستين)".
"الانكسار" الأطلسي في مرآة الأدب اليمني
-
عادل بشر
ينظر الأديب اليمني اليوم إلى "الانكسار" الأطلسي أمام صمود إيران ومحور المقاومة بوصفه "حتمية تاريخية" طال انتظارها.
هكذا يؤكد الروائي والقاص، عادل بشر، إيمان المثقف اليمني بـ "وحدة الجرح والرد"؛ فالطفل تحت أنقاض صنعاء هو ذاته طفل غزة ولبنان وإيران.
ويرى بشر أن "الكلمة الصادقة هي التي تمنح الرصاصة معناها الأخلاقي، وهي التي تضمن خلود الانتصار بعد صمت المدافع. هذا التكامل جعل من الجبهة الثقافية اليمنية خندقاً متقدماً يدافع عن رواية المقاومة ويمنع اختراق الوعي الشعبي من قبل الماكينة الإعلامية المعادية.
ويضيف: "المقالة الأدبية اليوم في اليمن لا تكتفي بوصف الانفجارات في عمق الكيان الصهيوني، بل تحلل كيف استعاد المواطن العربي والمسلم هيبته أمام العالم، وكيف تحول الرد الحاسم إلى أيقونة ثقافية تدرس للأجيال القادمة معنى السيادة الحقيقية".
ويشرح أن ما يجري في اليمن اليوم، بلسان مثقفيه وشعرائه وأكاديمييه وروائييه، هو إعلان صريح عن فشل مشروع "العزل الثقافي" للمنطقة، وقد نجح المثقف اليمني في تحويل كل غارة وكل حصار إلى وقود لنهضة فكرية ترفض التبعية وتؤمن بوحدة المصير مع كل شبر في محور المقاومة.
شمس الوعي التي لا تحجبها الطائرات
-
من مليونية تضامنية في اليمن مع إيران
إن الأحداث الجارية اليوم، من استهداف مباشر لعمق كيان الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى الحصار البحري اليماني المطبق على الملاحة الإسرائيلية، "ليست إلا تجلياً ميدانياً لهذا الوعي المشترك".
ويرى المثقف اليمني اليوم في "رد الوعد الصادق" الإيراني، وفي صمود لبنان الأسطوري، امتداداً لكرامته الشخصية.
لقد كسر هذا المحور مفهوم "الدفاع السلبي" وانتقل إلى الهجوم الاستراتيجي، وهو ما ترجمه الوعي اليمني بتحويل العدوان الأطلسي من مصدر "رعب" إلى موضوع "سخرية وتحليل لتهاوي الإمبراطورية".
لم تعد المعركة عسكرية فقط، بل هي معركة وعي، حيث تسعى الجبهة الثقافية إلى حماية الرواية ومواجهة محاولات التضليل وتجريف الهوية.
إن كل غارة صهيونية على اليمن أو إيران أو لبنان، تقابلها وحدة وجدانية تزداد تماسكاً، محولةً الدماء إلى وقود لنهضة فكرية شاملة ترفض التبعية وتؤمن بحتمية النصر، وتعلن ولادة نظام عالمي جديد. نظامٌ لا تُكتب فصوله في واشنطن، بل تُصاغ أبجديته بحبر العزة في صنعاء، وبدماء الشهداء في فلسطين ولبنان، وبثبات الموقف في طهران.
