كيف أسهمت مصر والمغرب وإيران في انتشار الصورة الشعبية للإمام علي؟

كيف انتقلت الصورة الأيقونية للإمام علي من الفن القاجاري والمنمنمات، إلى المطبوعات الشعبية المصرية والمغاربية والسجاد التشخيصي الإيراني؟

لا يوجد تاريخ محدد لنشأة الفن الشعبي في العالم العربي الإسلامي، فقد نشأ بوصفه إبداعاً عفوياً ممتداً عبر العصور، داخل المجتمعات التقليدية. ويُعرَّف بأنه نتاج ثقافي يتوارثه المجتمع، ويعتمد على الإبداع الفطري المرتبط بالحياة اليومية.

يتضمن هذا الفن مظاهر وتعبيرات متنوعة، منها الحرف اليدوية، مثل صناعة السجاد والفخار، وفنون الأداء الحركي والغنائي، مثل "الدبكة" في بلاد الشام، ورقصة "العرضة" في الخليج، وفنّي "الموال" و"التنورة" في مصر.

وقد اعتُمد مصطلح "الفنون الشعبية" للدلالة على تعبير بصري يمزج بين الهوية الثقافية والتراث. وبرز هذا الفن بوصفه تياراً حديثاً خلال ستينيات القرن الماضي، ثم عاد إلى الظهور والانتشار بقوة مع تطور التقنيات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.

يُعرَّف الفن الشعبي عادة بأنه تعبير تلقائي يعكس ثقافة المجتمع وعاداته وتاريخه. ويُنتَج محلياً، وغالباً بصورة يدوية، على أيدي أفراد من عامة الشعب. كما يتخذ طابعاً وظيفياً أو تزيينياً، ويهدف إلى خدمة الحياة اليومية ونقل القيم والهوية من جيل إلى آخر.

  • لوحة زيتية ضخمة عن مأساة كربلاء تعود إلى القرن الــ 19 ومحفوظة في متحف
    لوحة زيتية ضخمة عن مأساة كربلاء تعود إلى القرن الــ 19 ومحفوظة في متحف "تروبينموزيوم" في أمستردام. يؤرخ لها المتحف بين عامي 1800 و1899

هكذا، فإن جميع العناصر التي تؤدي إلى تكوين "رسم شعبي" حاضرة في الرسم العقائدي ذي الاستلهامات الدينية الشيعية، وفي مقدمتها الطابع المأسوي لقصص آل البيت، واختلاط الوقائع التاريخية بما هو أقل واقعية، بل بالفانتازيا الشعبية أحياناً.

فمنذ حروب الإمام علي مع معاوية، ومقتله على يد ابن ملجم، لم تتوقف الأحداث والحروب الدرامية التي جعلت مصائر أئمة الشيعة فاجعة. وقد انحفرت هذه الأحداث في ذاكرة المتشيعين جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى يومنا هذا.

ومن الأمثلة على ذلك لوحة زيتية ضخمة الحجم تتناول مأساة كربلاء، رُسمت في القرن الــ 19، وهي محفوظة في متحف "تروبينموزيوم" في أمستردام. ويؤرخ المتحف اللوحة بين عامي 1800 و1899م، أي خلال الفترة القاجارية التي شاع فيها استخدام الرسم الزيتي.

يمثل التصوير على السجاد الإيراني وغيره من سجاد المنطقة نمطاً مراوغاً من الرسم الشعبي الساعي إلى بلوغ فن آخر. وتؤدي أعمال كرمان التشخيصية، في حالات كثيرة، دور اللوحة الحديثة، مع احتفاظها بصلات بعيدة بالفن الشعبي.

وتضم اللوحة مشاهد متعددة من واقعة كربلاء ومقدماتها، إلى جانب صور معيارية مختلفة للإمام علي بن أبي طالب والإمام الحسين وغيرهما. وهي لوحة بانورامية نادرة بالنسبة إلى تلك المرحلة، ويُرجح أن ضخامة حجمها كانت تهدف إلى إبهار المشاهدين. وبسبب حجمها، لا تتوافر صورة فوتوغرافية واضحة بما يكفي لجميع تفاصيلها، ولذلك أُعيد تأطير صورة المتحف، مع استمرار بعض الصعوبات في إظهار العمل كاملاً.

ثقل ملحمة "خاوران نامه" في الرسم الديني والشعبي في العالمين العربي والإسلامي

  • عمل من مدرسة بخارى يعود إلى القرن الــ 15 ومحفوظ في
    عمل من مدرسة بخارى يعود إلى القرن الــ 15 ومحفوظ في "متحف رضا عباسي" في طهران، يظهر فيه فرس الإمام مرقّطاً وفق تقليد تصويري شائع في منمنمات تلك الفترة

كتاب "خاوران نامه"، أو "خوران نامه"، ملحمة دينية خيالية مصورة، كُتبت شعراً باللغة الفارسية عام 830هـ، الموافق 1426م، بقلم الشاعر ابن حسام الخسفي.

ويُعد هذا العمل من أشهر نماذج "الولايات نامه" في الأدب الإيراني، وهي منظومات تشيد ببطولات الإمام علي، وتتناول المعارك والحروب الأسطورية التي خاضها الإمام في بلاد الشرق، أو "خاوران"، بمرافقة مالك الأشتر.

وتسرد القصائد مواجهاته مع ملوك وقادة مثل "قباد ملك الشرق" و"طهماسب شاه"، وتمزج بين شخصيات حقيقية، مثل عمرو بن أمية، ومعدي كرب، وشخصيات أخرى أسطورية. ويستهل الشاعر منظومته بالثناء على الله، ومدح النبي محمد، والإشادة بأهل البيت. كما يذكر أنه نظم هذه القصيدة استناداً إلى كتاب أصلي باللغة العربية.

وتقدم رسوم "خاوران نامه" أمثلة واضحة على تأثير هذه الملحمة في الرسم الديني والشعبي في العالمين العربي والإسلامي. ففي مشهد "الإمام علي يقتل التنين"، يظهر التنين بوصفه عنصراً أساسياً، في حين أن الرسم الشعبي العربي غالباً ما يستخدم صورة "رأس الغول" بدلاً منه.

ويرتبط التنين بالثقافات الفنية في آسيا الوسطى والصين، بينما لا يظهر في المشرق العربي إلا من خلال أصداء أدبية، وأحياناً فانتازية وخرافية. ويبدو أن رسّام المنمنمة تعرّف إلى هيئة هذا الحيوان من خلال اطّلاعه على الرسم الصيني والآسيوي.

يرى بعض الباحثين أن أيقونة "الفارس الذي يطعن الوحش" امتداد لرموز مصر القديمة، ولا سيما مشهد الإله حورس وهو يطعن التمساح. وقد انتقل هذا الرمز من الفن الفرعوني إلى المخيال القبطي ليعبر عن انتصار الخير.

لا نعرف حتى الآن النسخة من "خاوران نامه" التي تنتمي إليها هذه المنمنمة. ويُرجح أنها من نسخة طهران، وأن رسامها هو فرهاد شيرازي. وقد نُقلت الصورة عن كتاب بابادوبولوس "الإسلام والفن الإسلامي"، الصادر في باريس عام 1976 باللغة الفرنسية.

كما يوجد عمل مشابه جداً من مدرسة بخارى، يعود إلى القرن الــ 15 الميلادي، ومحفوظ في متحف رضا عباسي في طهران، إيران. وقد يعني التشابه بين العملين أن المنمنمة الحالية نسخة محدثة من ذلك النموذج. ويتميز العمل بقيمة لونية رفيعة، ويظهر فرس الإمام مرقّطاً، وفق عُرف تصويري وتاريخي شائع في عدد كبير من منمنمات تلك الفترة.

نماذج من التأثيرات البيزنطية في تكوين الصور الشعبية للإمام علي قاتل التنين 

  • يمينا: مار جرجس: صورة في دير الأنبا أنطونيوس St. Antony's Monastery دير الأنبا أنطونيوس. يسارا: القديس جورج والتنين، رسم مأخوذ من كتاب صلاة قبطي قديم.
    يميناً: مار جرجس: صورة في دير الأنبا أنطونيوس
    يساراً: القديس جورج والتنين، رسم مأخوذ من كتاب صلاة قبطي قديم

يمثل القديس جورج، أو مار جرجس  المعروف بــــ "أمير الشهداء"، أحد أبرز رموز الفن والوجدان القبطي في مصر. ويظهر في الأيقونات القبطية فارساً دينياً يمتطي فرساً أبيض يرمز إلى النور الذي يخترق الظلام.

ويُصوَّر عادة حاملاً رمحاً يطعن به تنيناً يرمز، في العقيدة المسيحية، إلى هزيمة الشر وقوى الوثنية. أما الفتاة التي تظهر في الخلفية، وهي ابنة الملك، فترمز إلى الكنيسة والدفاع عن الإيمان.

ويرى بعض الباحثين أن أيقونة "الفارس الذي يطعن الوحش" امتداد لرموز مصر القديمة، ولا سيما مشهد الإله حورس وهو يطعن التمساح. وقد انتقل هذا الرمز من الفن الفرعوني إلى المخيال القبطي ليعبّر عن انتصار الخير.

رُسم مار جرجس باستخدام تقنيات الألوان التقليدية على الخشب، كما في أعمال "مدرسة المطرية" الشهيرة، التي تعود إلى القرن الــ 17 الميلادي. وبرع الفنان الشعبي كذلك في تجسيده على الخزف، والمشغولات الخشبية، والمعادن، والحلي الذهبية.

وتُعد صورته على صهوة جواده من أكثر الرسوم انتشاراً في الوشم المسيحي في مصر بعد الصليب. كما يحظى بمكانة كبيرة في التراث القبطي، ويتجلى ذلك في الاحتفالات السنوية، مثل "مولد القديس مار جرجس بالرزيقات" في الأقصر، الذي يجمع بين الطقوس الدينية والاحتفالات الشعبية.

وتظهر إحدى الصورتين أعلاه صورة لمار جرجس في دير الأنبا أنطونيوس، وهو دير قبطي أرثوذكسي يقع جنوبي محافظة السويس، في الصحراء الشرقية في مصر، بين جبال البحر الأحمر، على مسافة تقارب 334 كيلومتراً جنوب شرقي القاهرة.

وتأسس الدير على أيدي أتباع أنطونيوس الكبير، أحد الرهبان المسيحيين الأوائل، ويُعد من أبرز الأديرة في مصر.

ووُلد القديس أنطونيوس لعائلة ثرية في مصر السفلى نحو عام 251م. وتأتي معظم المعلومات المعروفة عنه من كتاب "حياة أنطونيوس" لأثناسيوس الأول.

وتصور هذه السيرة أنطونيوس رجلاً أمياً ذا قداسة، استطاع من خلال حياته في البيئة البدائية أن يحقق ارتباطاً مطلقاً بالحقيقة الإلهية. أما الصورة الأخرى فتمثل القديس جورج والتنين، وهي مأخوذة من كتاب صلاة قبطي قديم.

مسعى للانسلاخ من المعيار القاجاري الشعبي لصورة الإمام علي

  • لوحة للرسام آغا مصطفى من العصر القاجاري، محفوظة في متحف مجلس الشورى الإسلامي.
    لوحة للرسام آغا مصطفى من العصر القاجاري، محفوظة في متحف مجلس الشورى الإسلامي، يظهر فيها الإمام علي جالساً مع الإمامين الحسن والحسين

في القرن الــ 19 نفسه، ظهرت محاولات لتقديم تصوير مختلف للإمام علي، من الناحيتين التكوينية واللونية، عن معيار التصوير القاجاري، وصولاً إلى النموذج الأيقوني المعياري السائد حالياً.

كانت أولى محاولات الانسلاخ من المعيار القاجاري لا تزال تحتفظ بالمفاهيم البصرية والإكسسوارات التقليدية، مثل الثياب والعمامة القاجارية. إلا أن الإمام علي بدأ يظهر جالساً مع سيفه، ومحاطاً بالإمامين الحسن والحسين، في هيئة جلوس ذات طابع عربي واضح.

توجد عشرات التنويعات لهذا المشهد، ويظهر فيه حضور الملائكة أحياناً. وتعود أقدم النماذج الجديدة إلى أوائل القرن الــ 19، ومنها نموذج منفذ بالألوان المائية غير الشفافة واللون الذهبي على الورق.

وتحمل الهالات المحيطة بالرؤوس طابعاً قاجارياً واضحاً، بينما يبدو حضور الملائكة أقل أناقة، وهو ما يقرّب العمل من الفن الشعبي. أما السمات الشكلية لوجه الإمام علي، ولا سيما العينان والحاجبان، فتقرّب الصورة من النموذج المعياري المنتشر جماهيرياً، أكثر مما تقرّبها من نماذج أخرى تعود إلى الفترة القاجارية نفسها.

الإمام علي في الرسم الشعبي العربي: مصر

  • أعلاه: رسم متعدّد الألوان polychrome ألوانه حائلة، إلى يمين الإمام منظر لمسجد المدينة المنورة. طُبع لدى الجندي (ناشر أو مطبعة أو مكتبة) في القاهرة. أدناه:
    أعلاه: رسم متعدّد الألوان polychrome ألوانه حائلة، إلى يمين الإمام علي منظر لمسجد المدينة المنورة. طُبع لدى الجندي (ناشر أو مطبعة أو مكتبة) في القاهرة
    أدناه: "الإمام علي وابناه الحسن والحسين"، طباعة حجرية ملونة (ليثوغراف) منجزة في القاهرة

عند العودة إلى مصر، نرى أن رسمها الشعبي، منذ نهاية القرن الــ 19، قد ألقى بظلاله على مختلف أقطار العالم العربي.

ويُرجح أن الصور الشعبية التي تمثل الإمام علي وإلى جواره الحسن والحسين كانت ابتكاراً مصرياً. وقد جرى تقليد الرسم نفسه في بلدان المغرب العربي، مع إضافة بعض الإشارات المحلية. فعلى سبيل المثال، وضعت مطبعة "المنار" التونسية علماً تونسياً بين عناصر الرسم الذي أعاد عمالها إنتاجه.

وتوجد دلائل كثيرة على الأصل المصري لهذا الرسم. وتأتي أولى هذه الدلائل من داخل العمل نفسه؛ فالمستوى الثالث من الصورة، خلف علي والحسن والحسين، يقدم على الأرجح مشهداً لنهر النيل، كما يظهر في مئات الرسوم واللوحات منذ القرن الــ 18.

كما يظهر أطفال يلعبون بالقرب من النهر، وربما تظهر امرأة أيضاً، إلى جانب أشجار النخيل وكثافة واضحة في العمارة. ولا يوجد نهر مماثل بهذا الحضور البصري في بلدان المغرب العربي.

جميع العناصر التي تؤدي إلى تكوين "رسم شعبي" حاضرة في الرسم العقائدي ذي الاستلهامات الدينية الشيعية، وفي مقدمتها الطابع المأسوي لقصص آل البيت، واختلاط الوقائع التاريخية بما هو أقل واقعية، بل بالفانتازيا الشعبية أحياناً.

كما يستجيب إخراج المشهد ووضعيات الأشخاص فيه للتحولات التي شهدتها مصر في إنتاج الصور وأعمال الفرجة خلال فترة طباعة هذا النموذج. وشمل ذلك إخراج المسرحيات المحلية، ومشاهدة الأفلام الأجنبية، ثم إنتاج الأفلام الصامتة عام 1923.

وقد تطلبت هذه الفنون إتقان الوقفات المُمسرحة، مثل وقفة الحسن والحسين في الرسم. أما تعبير وجه الإمام علي، فعلى الرغم من طابعه المصري، يظل منقولاً عن نموذج أولي سابق وصل إلى مصر عبر المنمنمات العثمانية.

كما أنتجت المطابع المصرية رسماً آخر يحمل سيناريو محلياً للموضوع نفسه. ومع ذلك، ظل الرسم محتفظاً بالروح البصرية ذاتها. وهو عمل متعدد الألوان، لكن ألوانه حائلة لسبب غير معلوم. ويظهر إلى يمين الإمام منظر لمسجد المدينة المنورة.

الإمام علي في الرسم الشعبي في المغرب العربي

  •  أعلاه طبعة مغربية وفق نموذج مصري، وأدناه قد تكون طبعة جزائرية أو مغربية وفق النموذج نفسه.
    أعلاه: طبعة مغربية وفق نموذج مصري
    أدناه: قد تكون طبعة جزائرية أو مغربية وفق النموذج نفسه

أعاد الفنانون الشعبيون في المغرب العربي إنتاج الصورة الأيقونية للإمام علي، وغالباً ما ظهر برفقة الحسن والحسين.

وتوجد بطاقتان بريديتان يُرجح أنهما آتيتان من المملكة المغربية أو مطبوعتان فيها وفق نموذج سابق.

وتمثل البطاقة الأولى طبعة مغربية وفق نموذج مصري، بينما قد تكون الثانية طبعة جزائرية أو مغربية مستندة إلى النموذج نفسه.

ومن أسباب انتشار هذا النموذج، إضافة إلى ثقله الأيقوني المتوارث في مصر وبلاد المغرب، أن السادة العلويين، إلى جانب عدد كبير من رواد الطرق الصوفية، ينتسبون إلى الإمام الحسن بن علي، لا إلى الإمام الحسين.

السجاد التشخيصي: إيران في القرن الــ 19 مثالاً

  • أعلاه: سجادة كرمان رافر منفذة بالحرير على القطن ويُرجح أنها تمثل آدم وحواء في الجنة. أدناه: سجادة مصورة من الربع الأول من القرن الــ 20 وتجمع ثيمتها بين الفن الأخميني والفن الشعبي
    أعلاه: سجادة كرمان رافر منفذة بالحرير على القطن ويُرجح أنها تمثل آدم وحواء في الجنة
    أدناه: سجادة مصورة من الربع الأول من القرن الــ 20 وتجمع ثيمتها بين الفن الأخميني والفن الشعبي

يستحق النموذجان اللذان تقدمهما تركيا وإيران في طريقة الوصول إلى رسم "حديث"، بعد تاريخ طويل من ممارسة نمط الرسم الإسلامي المعروف، تأمل المهتمين بتطور الفن العربي الحديث.

وتستحق بلاد فارس عناية خاصة في هذا السياق. فقد قدمت منسوجات كرمان أمثلة مهمة منذ منتصف القرن الــ 19، حين بدأت تتضمن تكوينات يمكن وصفها بالحديثة، وأسهمت بذلك تدريجياً في تغيير الوعي البصري للجمهور.

كان مركز النسيج في كرمان، الواقعة وسط بلاد فارس، مركزاً مرموقاً لإنتاج السجاد ذي التصاميم المستوحاة من البلاط، منذ فترة الرعاية الملكية للسلالة الصفوية. وكانت منتجاته تضاهي المنسوجات التصويرية في تبريز وكاشان.

وتقع كرمان في الصحراء الكبرى في جنوب بلاد فارس، وكانت مركزاً تجارياً مهماً ومركزاً لصناعة النسيج. كما كان سجاد كرمان من أوائل أنواع السجاد الفارسي العتيق التي وصلت إلى أوروبا والولايات المتحدة.

تأثر نسّاجو كرمان بالثقافة الأوروبية، وابتداء من القرن الــ 16 الميلادي طوروا أسلوباً رشيقاً يجمع بين عناصر سجاد البلاط الفارسي الكلاسيكي والألوان والتصاميم الموجودة في المنسوجات الفرنسية.

وفي أوائل القرن الــ 19، وخلال فترة الحرب الأهلية، تعرضت مدينة كرمان للنهب والحرق. وهرباً من الدمار، انتقل عدد من أمهر نسّاجي السجاد إلى قرية لافر، أو رافر، الواقعة شمال كرمان، حيث نصبوا أنوالهم من جديد. ويعود تاريخ صناعة النسيج هناك إلى عام 1866.

هكذا صنع النسّاجون في لافر قطعاً منسوجة دقيقة باستخدام صوف ذي ملمس حريري على أساس قطني. وأصبح أرقى أنواع سجاد كرمان العتيق يُعرف باسم "لافر كرمان". وكان محمد أرجمند من أشهر نسّاجي السجاد في كرمان.

من الناحية التشكيلية، تعود شهرة سجاد كرمان جزئياً إلى تميز مصممي الرسوم المهرة، الذين كانوا يُعرفون باسم "أوستاد"، أي أستاذ، وحافظوا على التقاليد الفنية الموروثة.

يُعرَّف الفن الشعبي عادة بأنه تعبير تلقائي يعكس ثقافة المجتمع وعاداته وتاريخه. ويُنتَج محلياً، وغالباً بصورة يدوية، على أيدي أفراد من عامة الشعب. كما يتخذ طابعاً وظيفياً أو تزيينياً، ويهدف إلى خدمة الحياة اليومية ونقل القيم والهوية من جيل إلى آخر.

وتكشف أنماطهم أحياناً عن تأثير غربي. ففي بداية القرن الــ 20، موّل مستوردو السجاد الأثرياء ورشاً عمل فيها الأساتذة على تكييف رسومهم بما يتلاءم مع الأذواق الغربية.

وكانت عائلة شاهروخي، أو شاهرخي، من رواد تصميم سجاد كرمان. أما تصميمات "Sabzikar" و"Pictorial" و"Afshan"، فقد استلهمت موضوعاتها التصويرية من أدب حافظ، وقصة مجنون ليلى، وأشعار الخيّام، وبعض القصص الإسلامية والتاريخ الفارسي القديم.

أما التوقيع الموجود على بعض أقدم قطع سجاد كرمان، وهو "ميلاني كرمان"، فقد لا يشير إلى شخص محدد اسمه ميلاني، بل إلى ورشة ميلاني للنسيج.

  • سجادة يدوية من الطراز الممتاز ترمز الى صورة الامام علي (متحف الكفيل)
    سجادة يدوية من الطراز الممتاز ترمز إلى صورة الإمام علي (متحف الكفيل)

ومن أقدم الإشارات المعروفة إلى "ميلاني كرمان" تلك الموجودة على سجادة تجريدية مؤرخة بعامي 1875 و1876، بيعت في مزاد "سوذبيز" بتاريخ الـ 26 من تشرين الأول/أكتوبر 2022. كما توجد سجادة تجريدية أخرى مؤرخة بعامي 1917 و1918، بيعت في مزاد "كريستيز" بتاريخ الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2010.

ويمثل التصوير على السجاد الإيراني وغيره من سجاد المنطقة نمطاً مراوغاً من الرسم الشعبي الساعي إلى بلوغ فن آخر. وتؤدي أعمال كرمان التشخيصية، في حالات كثيرة، دور اللوحة الحديثة، مع احتفاظها بصلات بعيدة بالفن الشعبي.

ويتكرر ظهور صورة الإمام علي في فن النسيج الشعبي في العالم الإسلامي، سواء بأسلوب تشكيلي متقن، أم بأسلوب رسم بسيط، أو وفق أساليب تقع بين النمطين.

وعلى الرغم من أن التمثيل منفّذ بإتقان نسبي، فإنه يتضمن جميع عناصر الفن الشعبي، ومنها خلفية المنظر الطبيعي ورؤوس الملائكة التي تبدو ذات ملامح نسائية.

اخترنا لك