عندما يصبح المنفى وطناً بديلاً.. المنفيّ و"الإثم الكنعاني"

يعيش المنفيّ بديلاً عن وطنه، فيزداد التصاقاً به في منفاه، من دون أن يدرك الواقع الذي يخلقه الزمن. بمعنى أن ذاكرة المرء سلاحه، تاريخه الذي ينير له مستقبله، نقطة الأمل التي تحفظ له توازنه، وتبقيه على صلة بأمسه وغده.

  • (إينيز فروهليش)
    (إينيز فروهليش)

في مقدمة كتابه "أوراق المنفى" للروائي السوري حيدر حيدر يقول: "يوم تناثر الحلم واختصمت مع الوطن، رنت تحت الضلوع ساعة الرحيل. آنذاك قلت للسفر: كن رياحي التي تحملني على أمواج الجنون، وانثرني في العراءات الغريبة والمنافي التي لا عودة منها". 

وقد لخص الكاتب سمير الزين في مقالته "المنفى الذي لا يُعيد إلى وطن" رأي حيدر قائلًا "لا تسأل المنفيّ عن مكان عيشه، اسأله عن المكان الذي جاء منه، لتعرف أن هذا البائس الذي أمامك قد ترك الجنة وراءه في البلاد التي غادرها" إلى أرض اللايقين!

لكن إلى أين الرحيل؟ سؤال كان يخالج أعداداً من المنفيين غير المسرورين من المنفى. عموماً يتقبل المنفيّ مرارة منفاه. غالباً ما يولّد المنفى شعوراً داخل المنفيّ بوجود منفى جديد يكبر مع الأيام، خاصة عندما يزداد سوء الفهم بين المنفيّ والواقع الجديد. ولهذا فالمنفيّ يبقى يعاني في منفاه. وقد سبق أن صوّر هذه المعاناة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب مبكراً في قصيدته "غريب على الخليج" عام 1953، رغم قصر فترة منفاه، قائلًا:" وأنا المسيح يجر في المنفى صليبه". هكذا يبقى المنفى صليباً، وأغلب المنفيين يعيشون بهذه الصورة.

لقد فاضلَ الفيلسوف اليوناني سقراط بين الموت والمنفى أثناء محاكمته. ليست مفاضلة تبني اختلافاً، وإنما للتأكيد على أنهما واحد؛ تجربة حسّية وجماليّة واحدة، تشويه للحياة وتشويش لها. المنفى تمويهٌ للموت لكن بأدواته، أو أنَّ المنفى موتٌ بوسائل أخرى، إذ ثمة تَرادفٌ مُضمَرٌ في التجربة: تعيش ميتاً كالمنفيّ أو تموت وتعيش منفياً في نفوس الأحياء، والأخيرة بمعنى أن تبقى ذكراك مُصانة في قلوب الآخرين.

كان مصطلح "أدب المنفى" قد دخل إلى تاريخ الأدب العالمي لأول مرة أثناء الحكم النازي لألمانيا حيث اضطرت مجموعات من الكتاب والأدباء الألمان للعيش في المنفى. وجرت في ما بعد متابعة أعمالهم وأنشطتهم ودراستها ضمن ظرفها وشروطها التاريخية.

واقترن مفهوم المنفى بالعربية منذ البدء بالعقوبة وبالخروج عنوة من مكان اعتاده الإنسان إلى مكان آخر، لكن مأساة المنفى لا تكمن، في معاناة المنفيين واللاجئين فقط، إنما في خلفية ظاهرة المنفى أساساً، فحينما يقال: إن الكتّاب والمثقفين من البلدان العربية يشكلون اليوم ظاهرة منفى، هذا يعني أن ثمة شيئاً غير طبيعي حدث ويحدث. وهذا يعني أن الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والدينية لا تسير في أجواء، ولا تخضع لمبدأ احترام الرأي والرأي الآخر الذي يفترض وجود نقيضين أو أكثر في الحياة لكي تتطور، بغض النظر عن وجهة التطور هذه. 

ولهذا نعتقد، أن زعم الباحثة الفيلسوفة البلغارية الفرنسية والناقدة الأدبية، جوليا كريستيفا، بأن المنفى "في حد ذاته شكل من أشكال الانشقاق، ما دام منهمكاً في اجتثاث شخص ما من عائلته، بلده أو لغته، وأكثر من ذلك، هذا الفهم للمنفى كحالة تمرد وقطيعة مع الماضي (تبدو مفروضة) وكمعاناة، يُسمح لنا بالنظر إلى المنفيين على أنهم يشكلون حالة خاصة لها أبعادها النفسية والاجتماعية والدينية والسياسية والوجودية والإنسانية متكررة الحدوث في تاريخ البشرية. إنها حالة تمثل الطرف الآخر من الواقع البشري، بوجهه الأكثر معاناة ومأسوية. وهي شاهد حي على سوء التفاهم بين الناس، وبينهم وبين السلطة من جهة، ودليل على سيادة التفكير والممارسة أحادية الجانب".

قبل أكثر من عقد، كان المنفى قائماً ولا يزال. عندما كان على المنفيّ أن ينتظر طويلاً قبل أن تصله جريدة تحمل من أخبار البلد ما سمحت به الرقابة. لكن عن أيّ منفى نتحدث الآن في زمن الهواتف المحمولة والفضائيات والإنترنت؟

يمهّد الألماني كريستوف بيترز لمجموعته "استئناس الغربة" بجمل قصيرة عن الغربة يقول فيها: "غرباء خارج أوطاننا/غرباء في أرضنا وديارنا/ وأينما نحلّ.. سنبقى غرباء"، في إشارة إلى الغربة الملتصقة بروح الإنسان في حلّه وترحاله وكيف أنه يبقى مسكوناً ومقيّداً بها، وكأنّها قدره أو رفيقة دربه وراسمة مصيره بحيث ليس أمامه سوى الانصياع لها ومحاولة تكييف نفسه وفق شروطها. من جهته يكتب الشاعر العراقي سعدي يوسف، في قصيدته "منفيون" عن المستفيدين من المنفى المتاجرين به: 

"أجمل ما في فكرة المنفى

أنْ يُصبح المنفيّ سلطاناً

"يُنَظم" العملةَ

والسائحات 

ويُلْبس الثورةَ قفطاناً".

سيواجهنا الكثير من المؤرخين والباحثين بإحصائيات وتفاصيل عن المنفى، وعن هروب النخب المثقفة من الحرب والموت، وبحقائق عن انعدام إمكانية العودة، وكوارث بلادنا وفقرنا وأزمة الحريات الشخصية وعنصرية المستقبِلين وصعوبة الحياة في المهجر. 

هكذا يعيش المنفيّ بديلاً عن وطنه، فيزداد التصاقاً به في منفاه، من دون أن يدرك الواقع الذي يخلقه الزمن. بمعنى أن ذاكرة المرء سلاحه، تاريخه الذي ينير له مستقبله، نقطة الأمل التي تحفظ له توازنه، وتبقيه على صلة بأمسه وغده. الذاكرة تبقي ارتباط الإنسان بأرضه وأهله وعاداته وتقليدها، وهو الأمر الذي أشار إليه الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته، رسالة من المنفى: "مَا قِيمَةُ الإنْسَانِ/بِلا وَطَنٍ/بِلا عَلَم/وَدُونَمَا عُنْوَان/مَا قِيمَةُ الإنسان؟".

أي أن الإنسان يستمدُّ قيمته من أرضه ووطنه ورموز دولته، فهي التي تمْنح الشَّرعية الوجودية له، وهي التي توفّر له المشروعية الأخلاقية ككائنٍ حي وحرّ، قادر على الحياة والتَّفكير والإبداع. وهو الأمر الذي يذكرنا بمقولة المفكر أنطون سعادة في كتابه القيم "نشوء الأمم" عن "الإثم الكنعاني". في إشارة إلى أن الكنعانيين من بين جميع شعوب التاريخ القديم، كانوا أول شعب مشى على قاعدة محبة الوطن والارتباط الاجتماعي.

اخترنا لك