عماد أبو غازي: "المثقف الأرستقراطي" يحرس الهوية المصرية
كيف أسهم الإرث العائلي والأرشيفي لوزير الثقافة المصري الأسبق، عماد أبو غازي، في تشكيل رؤيته للهوية المصرية ودور الثقافة في حماية الذاكرة الوطنية؟ وكيف يقرأ الفارق بين حكم المماليك والاحتلال العثماني لمصر؟
لم يرحّب بوصفه المؤرّخ عماد أبو غازي، رغم شهوة تصيب كثيرين لكيل المديح المجاني للذات. لكنّ سيف الأمانة والدقة العلمية لديه أمضى.
قال إنّ كلمة "مؤرّخ" "كبيرة أوي عليَّا"، مؤْثراً أن يصف نفسه بـ"الباحث في مجال التاريخ والوثائق، وهذا يتضمّن الوضع الأكاديمي"، كونه يمارس مهنة التدريس في كلية الآداب في جامعة القاهرة على مدار 43 عاماً، بل إنه يطالب مضيفيه في أيّ وسيلة إعلامية بأن يقولوا له "عماد وبس" تواضعاً وقرباً، فهو لا يزال باحثاً يعيش بين الناس، ويصل إلى الجامعة عبر المواصلات العامّة. إنه الدكتور عماد أبو غازي، الذي تولى وزارة الثقافة في الحكومة المصرية بعد ثورة يناير 2011.
المثقف الأرستقراطي
-
عماد أبو غازي
أبو غازي، أستاذ الوثائق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وباحث متخصص في التاريخ المصري، مع تركيز خاص على عصر المماليك. إذ تتضمّن أعماله دراسات معمّقة في الأرشيفات التاريخية، وقد أسهم في تحقيق ونشر وثائق مملوكية تتعلّق بالوقف والأملاك والحيازة الزراعية، فيما قدّم بحثاً واحداً عن قصور الأمراء في عصر المماليك، وألقى محاضرتين عن كيفية الاستفادة من وثائق عصر المماليك في استكمال خطط القاهرة في المرحلة التالية لخطط المقريزي حتى سقوط دولة المماليك.
يوصف أبو غازي بـ"المثقف الأرستقراطي"، ليس لانتمائه الطبقي، بل لكونه واحداً من النخبة التي تخدم الدولة، معتمدة على الأدوات العلمية والإدارة الحديثة، علاوة على أنه حفيد المثَّال المصري العظيم، محمود مختار، وابن وزير الثقافة، خلال عصر أنور السادات، بدر الدين أبو غازي.
ينتمي عماد أبو غازي، بحكم الميلاد، إلى جيل ثورة تموز/يوليو 1952، ومشروعه يقدّم لنا الشخصية المصرية الخالصة كامتداد لجيل "مصر للمصريين".
لذا لم يكن غريباً اختياره وزيراً للثقافة بعد اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011، فقد كانت مصر تبحث لها عن "تكنوقراط" في كلّ ميدان من ميادين الحياة التي رجّتها الثورة، وكان هو واحداً من الكفاءات في الإدارة الثقافية.
أبو غازي، الأستاذ الجامعي ومؤرّخ الحركة التشكيلية في عصر النهضة، مطلع القرن الــ 20، والباحث ومنتج المعرفة - قبل الوزارة وبعدها - هو نفسه الشخص الذي لم تغيّره المناصب، بل يمكن أن نصفه بـ"الزاهد في المنصب الوزاري" الذي شغله فقط لــ 8 أشهر، فلم يكن "عبداً للكرسي"، لكنّ رغبته كانت منصبَّة على خدمة المؤسسة الثقافية، التي تولاها من قبل والده، وإن اختلفت الظروف السياسية والاجتماعية لمصر.
حارس الهوية
ورث عماد عن أبيه، بدر أبو غازي، أرشيفه الذي تجمّع لديه منذ طفولته، أرشيفه الدراسي والأسري وأرشيف كتاباته في القانون والنقد التشكيلي والإدارة، إضافة إلى أرشيفه الذي كوّنه من عضويته في جمعيات أهلية ولجان ومجالس ثقافية.
من هنا كانت قيمة التاريخ لديه في أوجها، فهو يقول لنا كيف كان الماضي، ليس من أجل النظر إليه من عَلٍ، ولكن لاستحضاره في الحالي، ووضعه موضع الجينات في التركيبة الثقافية للمصريين، حفاظاً على الهوية، وتنشيطاً للذاكرة المؤسسية والوطنية، وتنظيم وتسهيل عمل الباحثين.
حسم المصطلحات
مال عماد أبو غازي لتبنّي مصطلح "احتلال" عند حديثه عن "الاحتلال العثماني لمصر" بدلاً من استخدام "الفتح" أو "الغزو"، فقد رأى المصطلحَين الأخيرَين إيجابيَّين على السواء، معتبراً العثمانيين سلطة أجنبية "احتلَّت" مصر، بينما اعتبر أنّ حكم المماليك لا يمكن أن يكون احتلالاً.
وأوضح في حديث مع "الميادين الثقافية" أنه رغم كون المماليك والعثمانيين "أجانب" سواء بسواء، فإنّ مركزية مصر في الحكم كانت النقطة الفارقة بينهما، إذ إن تاريخ مصر منذ الاحتلال الفارسي عام 526 قبل الميلاد، حتى خمسينيات القرن الماضي، وقع بالكلية تحت حكم الأجانب، لكنّ الفارق كان في شكلين من أشكال الحكم، فإما أن تتحوّل مصر لولاية تابعة لإمبراطورية أكبر، مثل الفرس والرومان والبيزنطيين و"الخلافة الإسلامية" بمراحلها المختلفة، والعثمانيين، وإما حكام أجانب يتخذون من مصر مركزاً للحكم، مثلما حدث أيام البطالمة والطولونيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك وأسرة محمد علي.
ويوضح أنه في الحالة الأولى يتحوّل فائض الثروة إلى الخارج، كما فعل الاحتلال العثماني، الذي نقل ثروات مصر - كمحصول القمح مثلاً - إلى إسطنبول والحجاز، مما أدّى إلى تغيّر نمط غذاء الفلاح المصري، وبالتبعية انتشار أمراض سوء التغذية بين غالبية المصريين لاعتمادهم الذرة بديلاً أفقر وأقل.
يقول أبو غازي إنه رغم كون المماليك والعثمانيين "أجانب" سواء بسواء، فإن مركزية مصر في الحكم كانت النقطة الفارقة بينهما.
أما في الحالة الثانية، أي حالة المماليك، فإنّ هذا الفائض كان يعاد تدويره داخل مصر، التي شهدت في العصر المملوكي نهضة فنية ومعمارية وفكرية بالغة الأهمية.
يقول أبو غازي إنّ الاحتلال العثماني لمصر قطع أيضاً الطريق على مصر لتتحوّل نحو النهضة الحقيقية، ففي أواخر عصر المماليك كانت الدولة تبيع أراضي مملوكة لها، وكان هذا يعطي فرصة لخلق قوى اجتماعية تمتلك مصادر الثروة، ومن بينها قوى مصرية خالصة، لولا وقوع مصر تحت الاحتلال العثماني، الذي أخَّر هذا التحوّل إلى العصر الحديث نحو 3 قرون، بقيت مصر خلالها تعيش النمط الإقطاعي نفسه.
الهوية بين الجد والحفيد
يمثّل عماد أبو غازي، بوصفه مدرسة إدارة ثقافية، التصوّر الراسخ باستقلالية الهوية المصرية، وتمايزها عن محيطها، تماماً كما تصوَّر جدّه مختار، رائد النحت المصري الحديث، الذي مزج هوية مصر برؤية تجمع بين عراقة الحضارة المصرية القديمة وروح ثورة 1919، متخذاً الفلاحة المصرية والبيئة الريفية رموزاً للوطن، للتعبير عن إرادته في النهوض والاستقلال عن المحتل الإنكليزي.
ينتمي عماد أبو غازي، بحكم الميلاد، إلى جيل ثورة تموز/يوليو 1952، فهو من مواليد 3 كانون الثاني/يناير عام 1955، ومشروعه يقدّم لنا الشخصية المصرية الخالصة، كامتداد لجيل "مصر للمصريين"، فهو صاحب منجز أكاديمي عبر كتاباته في حقل الأرشيف المصري واستخدامه، فضلاً عن دراسات عن دولة المماليك وأرشيفها، وتركَّز جهده في السنوات الأخيرة على القرنين الــ 19 والــ 20، وذلك بتحقيق مذكرات النفي لمصطفى النحاس، عبر كتاب "1919.. حكايات الثورة والثوّار".
يوصف أبو غازي بـ"المثقف الأرستقراطي"، ليس لانتمائه الطبقي، بل لكونه واحداً من النخبة التي تخدم الدولة، معتمدة على الأدوات العلمية والإدارة الحديثة.
نذكّر أيضاً برسالته للماجستير بعنوان "وثائق السلطان الأشرف طومان باي: دراسة وتحقيق ونشر لبعض وثائق الوقف والبيع والاستبدال" عام 1988، ثم رسالة الدكتوراه "دراسة دبلوماتية في وثائق البيع من أملاك بيت المال في عصر المماليك الجراكسة مع تحقيق ونشر بعض الوثائق الجديدة في أرشيفات القاهرة" عام 1995، ثم مجموعة دراسات وأبحاث وكتب منشورة، منها كتاب "طومان باي السلطان الشهيد" عام 1999، و"في تاريخ مصر الاجتماعي: تطور الحيازة الزراعية زمن المماليك الجراكسة" عام 2000، و"1517.. الاحتلال العثماني لمصر وسقوط دولة المماليك" عام 2019.
هذه الدراسات تركّز على التخصص الأساسي لعماد أبو غازي بوصفه باحثاً متمكّناً من قراءة مواد الأرشيف المصري واستخراج نتائج بحثية مهمة في تفكيك هذا التاريخ عبر التركيز على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، منطلقاً من قراءة المجتمع ككلّ، ولا يقع في فخ القراءة السطحية بالتركيز على طبقة الحكم، وفيما هو غارق في التاريخ مهموم بالواقع، فلا يعيد إنتاج تاريخ المماليك في قوالب حديثة، بل إنه يطرح أسئلة مع المصادر القديمة والمواد الأرشيفية تنطلق من محاولة فهم الحاضر عبر استقراء الماضي.



