صدمة الحداثة
لم يكن لجوء بعض الحداثيين إلى التصوف تعبيراً عن تقاطع فكري بين المشروعين، بقدر ما كان انعكاساً لفراغ خلفته القطيعة مع التدين التقليدي؛ فاستدعي التصوف هنا في صورة روحانية مخففة، تبقي على اللغة والمعنى الشعري، وتتحرر من الإلزام والحقيقة.
-
محمد أركون
يتقاطع هذا المقال مع الذي سبقه "مآل الحداثة" في قراءة الحداثة بوصفها مساراً ينفصل فيه المعنى عن الأخلاق، غير أن هذا المقال ينصرف إلى كيفية تلقي هذا المسار في وعي تشكل قبل انكشاف مآلاته.
ويتجلى هذا المسار بوضوح حين ينتقل من حيز الفكرة إلى حيز التلقي الاجتماعي؛ فحين تفرض الأفكار على مجتمع قبل أن تتكون له أدوات فهمها، لا تتلقى بوصفها مساراً قابلاً للفهم والتدرج، بل تربك وعيه ويعايشها كصدمة ثقافية. وفي هذا الجو، تشكل وعي ما يمكن تسميته بالجيل الأول من المتلقين للحداثة الفكرية في البحرين عبر صدمات ثقافية متعاقبة، لم يتح لهم أن يستوعبها في سياقها التاريخي والمعرفي، وذلك في ظل أفق معنوي صاحب المدّ الإسلامي، وفر إطاراً أخلاقياً وتفسيرياً سبق تلقي الخطاب الحداثي.
هكذا يمكن فهم هذا التشكل بوصفه حصيلة تلك الصدمات، أعادت في كل مرة ترتيب العلاقة بين الهوية والمعنى والأخلاق، في ظل انتقالات متسارعة لم تسمح بالتدرج ولا بالاستيعاب. ولا يعني ذلك أن هذه كانت أول مواجهة بحرينية مع الحداثة. فقد عرفت البحرين أشكالاً مبكرة من التحديث الاجتماعي والثقافي، غير أن هذه التجربة كانت الأولى التي استقبلت فيها الحداثة بوصفها خطاباً فكرياً يناقض أفقاً معنوياً سابقاً مكتملاً، لا مجرد نمط حياة يتشكل تدريجياً.
كانت الصدمة الأولى مع المد الإسلامي الذي أعقب الثورة الإيرانية وإرهاصاتها نهاية السبعينيات، حين وجد بعض الشباب في الخطاب الديني التعبوي إطاراً يمنحهم يقيناً ومعنى وموقفاً أخلاقياً واضحاً داخل مجتمع كان قد عرف في السبعينيات قدراً واسعاً من الانفتاح الاجتماعي. ولم تكن هذه الصدمة قطيعة مع ذلك الانفتاح بقدر ما كانت استجابة نفسية لفراغ في المعنى، لا مشروعاً فكرياً مكتملاً.
وقد شكل الانتقال إلى جامعة البحرين، في الثمانينيات وبدايات التسعينيات من القرن الماضي، الصدمة الثانية في مسار هذا التشكل، لا على مستوى المعرفة فحسب، بل على مستوى التجربة الاجتماعية والمعيشية. فبعد تجربة مدرسية اتسمت بالفصل بين الجنسين، داخل إطار تربوي واجتماعي منضبط تشكل في ظل خلفية دينية تقليدية معبأة، وجد كثير من الطلبة أنفسهم في بيئة جامعية منفتحة، تختلط فيها العلاقات قبل الأفكار، وتسبق فيها التجربة الاجتماعية التكوين المعرفي.
في هذا المناخ، تلقوا خطاباً حداثياً نقدياً مثيراً للافتتان، على الأخص في قسم اللغة العربية، استثمر أدوات التفكيك النقدي كلغة مساءلة للنصوص، أكثر من كونه مدخلاً لفهم مآلات الأفكار حين تتحول من حيز القراءة إلى حيز الواقع. ولم يكن هذا الاصطدام محايداً نفسياً؛ إذ بدا هذا التلقي السطحي وكأنه طريقة غير ناضجة للتكيف مع معرفة لم يتح فهم سياقها ولا مآلاتها، وقد تعزز هذا الوهم المعرفي بغواية اللغة النقدية ذاتها. إذ أنتج شعور بالفهم عبر امتلاك المصطلح قبل اختبار المعنى، وتضخمت الثقة المعرفية قبل إدراك المآلات.
ومع أن هذا الوصف ينطبق على شريحة واسعة من ذلك الجيل، فإن درجات التلقي لم تكن واحدة. وعلى نحو خاص، لم يكن عنصر الانبهار حاضراً في تجربتي، بوصفي جزءاً من شريحة أخرى. إذ إن معايشتي المبكرة للانفتاح، وعدم تعرضي للصدمة الثقافية نفسها التي وقع فيها آخرون عند تلقيهم الحداثة، أتاحا لي مراقبة المشهد من مسافة واعية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أثر اللقاءات المباشرة مع المشتغلين بالخطاب الحداثي، كما حدث مع زيارة محمد أركون إلى البحرين في بدايات الألفية. فقد شكلت تلك الزيارة لحظة تماس حيّ بين خطاب حداثي باهر، آت من خارج السياق المحلي، ووعي شبابي لم يكن قد استقر بعد، ما أفضى إلى تلقي أفكاره في حالة انبهار لم تخل من الغواية. وقد تعزز هذا التلقي بالتلهي باللغة النقدية ذاتها، حيث جرى الإعجاب بالخطاب بوصفه أفقاً لغوياً محرراً، من دون التوقف طويلاً عند مآلاته.
ومع هذا التلقي، اختزل بعضهم الحداثة في مظاهرها الأوضح؛ فانصب الاهتمام على قضايا كاللباس، وأنماط علاقات الصداقة بين الرجل والمرأة، بوصفها علامات تحرر وحداثة. غير أن هذا الانتقال الشكلي إلى المظاهر عوض غياب الفهم العميق بالاكتفاء بالرمز والسلوك وحدهما، فلم تعش الحداثة كسؤال فكري وأخلاقي، بل جرى التعامل معها كهوية ظاهرة.
ومع محدودية هذا الاختزال، وما كشفه من عجز عن إنتاج معنى أخلاقي متماسك، بدأ يتبدى أثر أعمق للصدمات المتعاقبة؛ إذ مع تآكل الأطر المعنوية ذات الطابع الديني تحت وطأة هذه الصدمات، ومن دون أن يتشكل في المقابل بديل معرفي أو أخلاقي متماسك، لم يكن لجوء بعض الحداثيين إلى التصوف تعبيراً عن تقاطع فكري بين المشروعين، بقدر ما كان انعكاساً لفراغ خلفته القطيعة مع التدين التقليدي؛ فاستدعي التصوف هنا في صورة روحانية مخففة، تبقي على اللغة والمعنى الشعري، وتتحرر من الإلزام والحقيقة.
وجرى تقبل ممارسات أخرى كاليوغا والريكي وما يسمى بعلم الطاقة، لا بوصفها أنساقاً معرفية متماسكة، بل أدوات تهدئة نفسية تعوض غياب المعنى، وتستخدم لتبرير أنماط من التحرر اختيرت سلفاً. والمفارقة أن هذا الانجذاب جرى باسم العقل والتحرر من "الخرافة"، فيما هو في جوهره تعبير عن توتر غير محسوم في علاقة الحداثة بالعقل، حين يُختزل العقل في نقد الموروث التقليدي.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت تتشكل مجموعات ثقافية ارتبطت بالحداثة بوصفها هوية وانتماء؛ فاستدعيت اللغة لتؤدي وظيفة رابطة رمزية، وبلغ الأمر حد ابتكار مصطلح "شقيق" على نسق "رفيق" في التجربة اليسارية، تعبيراً عن فراغ خلفته القطيعة مع الأطر السابقة.
وجاء السابع من أكتوبر، وما تلاه من إبادة جماعية في غزة، بوصفه الصدمة الرابعة في هذا المسار. صدمة الاختبار الأخلاقي والإنساني الأقصى، إذ لم يتجل المأزق في العنف وحده، بل في الصمت الواسع الذي قابلته به المرجعيات الحداثية الغربية التي طالما قدمت نفسها حارسة للقيم وحقوق الإنسان.
وتعزز هذا الانكشاف لاحقاً مع فضيحة إبستين، لا بوصفها حادثة أخلاقية معزولة، بل مفصلاً كاشفاً على مستوى البنية ذاتها،حيث ظهر كيف تعمل آليات الحماية والصمت المؤسسي في قلب المنظومة، بحيث لا يعود الانحراف استثناء، بل نتيجة ممكنة ما دام النظام قائماً ويعمل بكفاءة.
وقد بدت هذه اللحظة، في أثرها النفسي والفكري، شبيهة بما أصاب اليسار بعد سقوط الاتحاد السوفياتي؛ إذ انقسم بعض الحداثيين بين من تشبث بالحداثة بوصفها خياراً نهائياً، ومن انقلب على كل السرديات حتى تاهت لديه المعايير الأخلاقية ذاتها.
في الخلاصة، ومع تراكم هذه الصدمات، لم تعد التجربة البحرينية مع الحداثة قابلة للقراءة بوصفها حالة محلية، بل بوصفها صدى متأخراً لمسار سبق أن عاشته مجتمعات عربية أخرى في مراحل سابقة، حين استقبلت الأفكار الحداثية بوصفها جواباً نهائياً لا سؤالاً يراجع، قبل أن يتكشف مآلها الأخلاقي لاحقاً.
وعند هذا الحد، لم تعد الحداثة تُعاش كفكرة قابلة للمساءلة، بل كمنظومة تعمل وتنتج واقعها الخاص. ولم يكن الإشكال في الأفكار بوصفها مجرد أطروحات، بقدر ما كان في منطقها حين تنفصل عن أي إطار جامع للمعنى الأخلاقي، فتتحول إلى صيغ تنظيمية تضبط السلوك وتحد الاختيار باسم العقل والضرورة. وهنا اتضح أن الحداثة لا تحرر الإنسان، بل تعيد إنتاج القيد الفكري بلغة أكثر تجريداً.
والمفارقة أن هذا الانكشاف لم يأت من داخل التجربة البحرينية ذاتها، بل تبلور في حواضر الحداثة الغربية نفسها، حين وضعت القيم موضع الاختبار الإنساني الكاشف في صمت واسع إزاء الإبادة في غزة، وفي انكشاف بنيوي مثّلته فضيحة إبستين.