سيكولوجية المقابلة الشفهية: بين انكشاف الراوي وتأثير المحاور
المقابلة عملية إحيائية، لا تنتمي إلى عمل وظيفي، بل عمل يصب في عمق التجربة البشرية، تمتزج فيها حيوات كثيرة، تتداخل فيها الذاكرة الفردية والهوية الجمعية.
-
(Xiao He)
عن المقابلة في التاريخ الشفهي المتعلّق بسير الشهداء
**
يُفهم التراث الشفوي عموماً بوصفه كياناً من المعرفة الثقافية بما فيها من معتقدات وقيم وطرائق عيش، إذ يقوم على محادثات مفتوحة استكشافية مصمّمة لتوثيق التجارب الشخصية والذكريات الفردية والجماعية، مرتكزة على الأصوات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي أو المهمّشة.
ويعرّف قاموس "روبير" التراث الشفوي بأنه "انتقال غير مادي للمذاهب والممارسات الدينية والأخلاقية المتوارثة من عصرٍ إلى آخر بواسطة الكلمة المنطوقة". إذاً، تعدّ المقابلات بمنزلة الوتد الذي يقوم عليه إنتاج التاريخ من خلال جمع رؤى ثاقبة ومفصّلة حول حياة الناس ومعتقداتهم ورحلة في كيان الإنسان نفسه وعوالمه المفقودة كجزء من الأساليب الأثنوغرافية والأنثروبولوجية وغيرها من العلوم الإنسانية.
تتمحور سيكولوجية المقابلة الشفهية حول تفاعل الباحث والراوي، لتشمل الجوانب النفسية المتعلقة بكليهما، من خلال بناء علاقة ثقة وفهم المشاعر والتعامل مع الجوانب غير اللفظية كلغة العيون، إشارات اليد، ملامح الوجه، إلخ.
إن سبر أغوار "إنسان" من خلال المقابلة الشفهية مع ذويه هو اقتحام إنساني عميق واستدعاء لحياة بكاملها من عالم النسيان إلى عالم الوجود مجدداً، ولكن عبر منظور الراوي ومشاعره ورؤاه. هذه الرحلة هي أشبه بعملية النحت في عالم مليء بالمشاعر والاعتقادات والآراء والسلوكيات المتوارثة، ليكون الناتج النهائي هو "الصورة" كما تشكلت في قلب وذاكرة من يحبونه.
الراوي: الانكشاف والتجلّي
حين تتكثّف حياة كاملة بمختلف أنواع التجربة الإنسانية من تحديات ونجاحات وهزائم وصراعات.. فإنها تظهر على شكل "لقطات" مفكّكة يتم ربطها في حكاية، وكأنها إعادة إنتاج لها بطريقة سردية متكاملة، فيأتي انكشاف الراوي في سياق كيفية اختياره لهذه اللقطات وتسلسلها وكيفية التعبير عنها، مع زجّ رؤيته الكونية حول الكثير من محطّاتها، وطريقة التفاعل معها.
إن استدعاء التجربة الحياتية بكل مكوّناتها من عمق الذاكرة ومحاولة إنتاجها عبر فعل التذكّر وتسييلها في شريط متسلسل ومترابط من الذكريات تتطلب جهداً ثقيلاً أشبه بالمخاض، وكثيراً ما بدت في العيون المتجمرة ورجفة اليدين التي يحاول الراوي إخفاءها.
هذه الولادة الجديدة للذكريات عندما تتكشّف في ذهن الراوي ومشاعره (خاصة عندما يكون جزءاً من الرواية) تحيله إلى ذاك الزمن، وكأنه يعيشها من جديد، فيعيش الألم والمعاناة والحزن والفرح ونشوة النصر والخيبة والحنين، وتظهر في دموع عينيه وابتساماته وصمته حيناً، وتدفّق كلامه أحياناً!
صحيح أن مكان الذكريات هو في قاع الذاكرة، إلا أنها عبارة عن جسور متصلة بين الماضي والحاضر، بين ما كنا وما صرنا إليه. لذا، فإن التنقيب فيها وإخراجها إلى السطح يستدعيان جهداً خلّاقاً متعلّقاً بجوهر الإنسان، يلامس صورته وحالته الباطنية العميقة، فيصبح الراوي أمام مرآة إنسانية تعكس أصدق حالاته وأكثرها حقيقة، إذاً يملك الإنسان هوية سردية قادرة على استخدام الزمان وتدوينه.
أثناء المقابلة، يعيش الراوي حالة من الصراع العاطفي العميق، ويقع تحت وطأة شعورين متطرّفيْن، بين الفخر بالبطولة والتضحية، والعاطفة الجياشة المترافقة مع ألم الفقد الغائر، فيطفو هذا الصراع على السطح، وقد تبدأ الأم حديثها بابتسامة تتذكر من خلالها طفولة ولدها الراحل، ولحظات احتضانه، ثم تنفجر بالبكاء في لحظة حنين خاص، وأحياناً، قد تجتمع البسمة والدمعة في لحظة شعورية متوهجة.
من ناحية أخرى، ينظر بعض الرواة إلى المقابلة على أنها فرصة لتفريغ مشاعر مكبوتة، فيصبح المحاور بمنزلة "الكاهن" الذي يسمع اعترافاتهم، والصديق الذي يتقبّل حزنهم أو مشاكلهم من دون الحكم عليهم. وقد تكون هذه العملية التفريغية علاجية للراوي، تطلقه من قيد الإخفاء إلى المكاشفة بأريحية.
أما من ناحية تاريخية، فتسجّل المقابلة كيف عاش الإنسان العادي اللحظة التاريخية، كيف تأثّر بها، وكيف شارك في صنعها بتضحيته، فتصبح قصة الأم التي تروي كيف ربّت شهيداً مثلًا جزءاً من التاريخ لا يقل أهمية عن تقرير عسكري عن معركة.
هنا تكمن أهمية المقابلة الشفهية، فهي توثّق "كيف كان الشعور؟" بينما يوثّق التاريخ الرسمي "ماذا حدث؟"، تحدّث الرواية كيف كانت رائحة الأرض في القرية، طعم الخبز الذي كان يتناوله المجاهد، نبرة صوته وهو يودع أهله.. هذه التفاصيل الحسية هي التي تعطي التاريخ شكله الإنساني وتحوّل الأحداث المجردة إلى تجارب معاشة.
لذا، تعدّ الذاكرة في المقابلة الشفهية مصدراً تاريخيّاً غنيّاً ومعقّداً؛ فيها طبقة الحدث نفسه، وطبقة تجربة الراوي المباشرة، وطبقة تفسير الراوي اللاحق للأحداث، وطبقة التأثير الثقافي والاجتماعي المحيط. إن قراءة هذه الطبقات معاً تمنحنا فهماً أعمق للحدث التاريخي.
المحاور.. فنّ الاستماع والتأثر
في المقابل، لا يمكن اعتبار المحاور آلة تسجيل محايدة، بل هو يمثّل طرفاً فاعلاً في خلق المعنى، وتأثيره على هذه العملية الاستنطاقية مهم جداً، فعندما ينكشف الراوي بمشاعره وألمه وتجربته الحياتية، فإنه يسلّم جزءاً من كينونته إلى المحاور، فلا يعد المحاور كمراقب خارجي بل شريكاً في فعل التذكر وإعادة البناء.
إنّ المقابلة الناجحة ليست عملية جمع معلومات فقط، بل هي تجربة إنسانية عميقة تترك أثراً في نفس المحاور أيضاً، فقد تغيّر من نظرته للحياة، والموت، والتضحية، والحب.. وقد يصبح المحاور شاهداً على الشهادة، محمّلاً بمسؤولية أخلاقية لنقل هذه القصة بأمانة، وهنا، يشعر المحاور بثقل المسؤولية تجاه الراوي والموضوع: هل استطعت أن أمنحه المساحة الآمنة للحديث؟ هل استطعت أن أعثر على كل الإجابات التي تملأ العوالم المفقودة؟ هل استطعت أن أنصف الحكاية؟
إذا كان الموضوع شخصية استثنائية (شهيد مثلاً)، فإن تعدد التجارب الحياتية التي يسمعها المحاور في رحلة الجمع تضعه أمام تساؤلات شخصية عميقة تساعده على إعادة ترتيب ذاته بعد كل مقابلة، وتخلق لديه مساحة من التأمل والتفكير في إعادة تشكيل حالته الروحية مع كل ملامسة جديدة لسير الشهيد الباطني والظاهري (يعيد فهم معنى التضحية والعطاء، القرب الحقيقي من الله، فهم العلاقة مع الموجودات..).
هذه المعاينة عن قرب، تساعده على تشكيل مفاهيم جديدة ونظرة كلية يفهم من خلالها المسارات المشتركة لدى الشهداء، والعناصر الحقيقية التي ساهمت في الوصول إلى أهدافهم الكبرى، وتصبح المقابلة الشفهية برنامجاً عملياً في عملية السير والسلوك عند المحاور، من خلال الملاحظة والمراقبة للنفس وتصحيح المسار الحياتي والروحي، واليقظة المستمرة من خلال تراكم الحكايا التي تُظهر النماذج الاستثنائية المصقلة بالقيم العالية.
بعد المقابلة، نستطيع أن نقول إن الراوي والمحاور كليهما في عملية إعادة تشكيل للذات، هما يولدان بنظرة جديدة للحياة، للأحداث، للذكريات، للقيم.. وكلاهما ينفتحان أمام مساحة جديدة للأسئلة الحياتية المعقدة والسهلة، وبذلك فإن المقابلة تسهم في خلق سلوك جديد أكثر نضجاً وعمقاً وفهماً للحياة.
لذا، يمكن اعتبار المقابلة عملية إحيائية، لا تنتمي إلى عمل وظيفي، بل عمل يصب في عمق التجربة البشرية، تمتزج فيها حيوات كثيرة، تتداخل فيها الذاكرة الفردية والهوية الجمعية، يتفاعل طرفاها (الراوي والمحاور) في حالة تناغم نفسي عال جداً في رحلة سبر أعماق الوعي الإنساني، وهي عبارة عن حوار دائم وحيّ حول معنى الوجود والزمن والهوية.