حين تستيقظ النكبة في خلايانا
أنا الفلسطينية ولدتُ بذاكرة جينية مكتملة، فحين حانت لحظة الخطر لم أكن أتصرّف كابنة هذا العصر، بل استيقظت في داخلي فطرة أجدادي الذين عاشوا النكبة والنكسة.
أتاحت لي هذه الهدنة، وإن كانت مليئة بالخروقات ولا يزال سفك الدماء مستمراً بوتيرة أقل، التفكير بأحداث الحرب، وكأني كنتُ مغيّبة عنها وقتها. فقد اكتشفت أنّ تفكيري خلالها كان مقتصراً على توقّع مستوى بشاعة الأحداث المقبلة؛ فدائماً كنت أتوقّع الأسوأ لأهيّئ نفسي له فلا أُصدم إن حدث. لكنني الآن أدرك بأني بهذا الفعل كنت أبسّط الأهوال، فلا أعي بأنها مصائب كارثية؛ كنتُ أفرغ الويلات من معانيها كي أتجاوزها بسرعة.
قبل فترة، خلال حوار مع أحدهم قال من دون أيّ تمهيد: "أنا مش مصدّق أنو كل هذا صار النا!"، فسألته: "كيف؟" فأجابني: "هو حقيقي الدبابات كانت وراء خيمتي بخمس خيم؟".
صدقاً، هل كلّ ما حدث كان جدّياً؟ كنتُ معه في الحدث الذي يقصده، ولا أنا ولا هو نعرف كيف أتقنا طريق الهرب. كيف اقتنعنا وقتها بأنّ في الهرب سلامة ونحن أهل المواجهة؟ نحن الذين لم نتعامل مع مثل هذا الحدث من قبل، ولم نرَ شكل الدبابة من قبل!
لو سئلت قبل الحدث: "لو كانت دبابة الاحتلال خلفك ماذا ستفعلين؟"، لأجبت: "سأبقى متجمّدة في مكاني، لا أعرف وظيفة قدمي". لكنك ستتفاجأ مني بعد أسبوع، حين تراني مع أول صوت لجنازير الدبابة ركضتُ لألمّ بعض حاجياتي، وبأنني أتقنتُ "البروتوكول الشعبي الفلسطيني للطوارئ"؛ الذي لم أسمع عنه طوال حياتي، لكني وجدتُ نفسي أحفظ كلّ بنوده.
أسهبتُ بالتفكير لأفهم فوصلتُ لثلاثة احتمالات، كلها مترابطة، لكني لم أجد بعد الاحتمال الذي يشرح تماماً ما حدث. أولها، وهو أضعفها ولا أدري كيف أقوّيه، هو أنني بفعل الأصوات المنذرة بالخطر وركض الناس الهاربين في الشارع فعلتُ مثلهم، لكن في تلك الفترة كانت الأصوات يومياً تنذر بالخطر بفعل قرب المنطقة الحمراء، وعويل الناس كان أقلّ الأصوات سمعاً وقتها.
أما الاحتمال الثاني، فكان أكثرها تفسيراً، حيث اعتمد على كوني سمعتُ سابقاً عن مثل هذه الأحداث، فخزّن عقلي تجربتهم، ووقت تجربتي، وبفعل أوامر تلقائية من الدماغ، قمتُ بأفعال شبيهة بأفعالهم، لكني أدركت بأنني سمعتُ من الإعلام الجزء الأول من قصتهم والجزء الأخير الذي يختصرونه بوصولهم لـِ "منطقة آمنة"، أما الجزء الثاني التفصيلي لتصرّفهم أثناء الحدث فلم أسمعه.
يبقى الاحتمال الثالث، وهو أكثر الاحتمالات غرابة وأسعى لتقويته وبنائه على أسسس متينة لا على الشعور فقط؛ وينصّ على أنني كفلسطينية، ولدتُ بذاكرة جينية مكتملة، فحين حانت لحظة الخطر، لم أكن أتصرّف كابنة هذا العصر، بل استيقظت في داخلي فطرة أجدادي الذين عاشوا النكبة والنكسة؛ فوجدتُ نفسي أتعامل مع الشدائد وكأنني أنا من عشتُ تلك الويلات سابقاً لا هم. وأكّد تمييزي السريع لصوت الدبابات، الذي لم أسمعه مرة، بأنّ هذا الاحتمال يحمل يقيناً ما؛ كأنّ خلاياي كانت تعرف هذا الصوت مسبقاً.
أشكر جسدي على تعامله السريع مع الموقف، سواء بفطرة متسرّبة لخلاياه أو من دونها، المهم أنه لم يترك لعقلي مجالاً ليعمل على فهم المأساة جيداً، لأنه كان سيُجن ويدخلني في هستيريا من البكاء على الهواء الممزوج بالبارود الذي أتنفّسه منذ الصغر.
إضافة لكلّ هذا، كيف لي وأنا القارئة لما بين السطور أن أحزن بفعل أحداث مأساوية تعرّضت لها شخصيات خيالية روائية، ألا تذرف عيني دمعة واحدة حين سمعتُ أنّ "فلان" لم يجدوا أي شيء يدل عليه؟ فقط وجدوا أشلاء مبعثرة في أنحاء موضع نومه؛ أشلاءه وأشلاء عائلته. كيف استوعب عقلي هذه الكلمة؟ وفلانٌ رأيته أكثر من 20 عيداً، وفلانٌ آخر قُطع رأسه، ذو الوجه المفعم بالبراءة واللطافة، دُفن من دون رأس!
أنا الآن لا أصدّق بأنني بعد سماعي لتفاصيل قتل المحتل "جواً" لأناس أعرفهم، بيننا أفراح وأحزان، كيف لا يزال عقلي سليماً؟ ولماذا حين اشتدت وتيرة الحرب وأصبحت المجازر متسارعة، لماذا صرتُ وقتها أقرأ بطريقة أقرب للعادية بأنّ أبناء شعبي يوضع لهم وزن افتراضي ويُجمعون كأشلاء في كيس طحين ليدفنوها في قبر "محمد"؟ والأشلاء تعود لمحمد ومحمود وأحمد وحمد.
لم أعد أتوقّع عدد الشهداء الذين تبخّرت أجسادهم واحتضنتهم الغيوم؟ لماذا صرتُ أمر بين ركام المنازل من دون أن أفكّر بالأجساد الباقية تحت أنقاضها؟ لماذا ما عدتُ أشعر بأرواحها التي تئن فوق الركام ولم تنل كرامة الميت؟ أيعقل بأنني لم أعد أشعر وأفكّر بمن تحت الأنقاض لكثرتها في بلادي، أم أنّ الفترة الأخيرة من الحرب كانت تحدّي بقاء وجودي، فقد تضاعفت أسباب الموت من المجاعة إلى لقمة العيش إلى التهجير؟ فما عدتُ أهتم سوى ببقائي حيّة؟ أين كنتُ أنا بمشاعري، بتفكيري بالكلمات؟
لماذا اختارت نفسي، من دون الرجوع إلي، إيقاف الكثير مما يجعلني "أنا"؟ وهل هي راضية عن إرجاعي لنفسي إلى الواجهة الآن؟ وإن عادت الحرب ولم أستطع استيعاب شيء، هل ستلومني على هذا؟ لكني أفضّل ألا أستوعب على أن أكون ممثّلة للاستيعاب بينما أنا مغيّبة عن معنى الحقائق.
الكثير من علامات الاستفهام في رأسي لم أستطع تحويلها إلى نقطة، فأنا أحاول فهم كلّ الأشياء بداية من عام 2023، وبما أننا على مشارف عام 2026، أتمنى أن يكون عاماً خالياً من الصدمات، لأفكّر بكلّ الصدمات التي مضت. ثم أسأل نفسي عن حالها، فأجد جواباً حقيقياً، لا جواباً خلفه ملايين من التساؤلات عن مأساتي.
