حضور الأماكن.. كيف يخلّد الإبداع جغرافيا مصر؟
من "الجمالية" و"زيزينيا" إلى "عمارة يعقوبيان".. كيف تحوّل المكان في الإبداع المصري من خلفية للأحداث إلى بطل يحمل ذاكرة المجتمع وتاريخه؟
لم تظهر الأماكن في الإبداع المصري كـ"خلفية" أو "ديكور"، بل ربما كانت "بطلاً" على شكل ذاكرة ترصد حيوية العمل الفني، من رواية إلى فيلم سينمائي أو حتى أغنية. فمن أزقة "الجمالية" عند نجيب محفوظ، إلى قصور "زيزينيا" عند أسامة أنور عكاشة، إلى سطح "عمارة يعقوبيان"، حتى ميدان "باب اللوق" في أغنية مصطفى رزق.
تاريخ موازٍ
-
ظهرت الحارة المصرية كبطل في ثلاثية نجيب محفوظ
الأعمال الفنية المصرية صنعت تاريخاً موازياً للأماكن، حتى كأنها بدت شخوصاً هي الأخرى وليست جغرافيا تحتوي الأحداث فقط، فقد تحوّلت بعض الشوارع إلى أيقونات غير منفصلة عن هوية العمل الفني.
فمثلاً نجد الحارة المصرية تظهر كبطل في ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين - قصر الشوق - السكرية"، إذ لم تكن الجمالية مجرّد حيّ، بل كانت المُربِّي والحاكم والقاضي. البيت المغلق على "أمينة"، والقهوة التي يجلس فيها "السيد أحمد عبد الجواد"، والمدرسة التي تربَّى فيها "كمال".
يقول الناقد الفني، أشرف غريب إنّ: "نجيب محفوظ لم يكتب عن أشخاص فقط، بل عن عقد اجتماعي كامل اسمه الحارة المصرية.. فلو نزعنا المكان وروحه من الرواية قد تنهار الشخصيات ككلّ".
المصري لا يغنّي للمكان حبّاً في الجغرافيا لذاتها، بل يغنّي له لأنه جزء من جسده وهويته. فانتزاع الأماكن من إبداع المصريين يُفقده نصف الروح ونصف التاريخ.
وأضاف: "مثلاً الإسكندرية التاريخية.. بدا حيّ زيزينيا في المسلسل الشهير الذي أبدع في كتابته أسامة أنور عكاشة، شاهداً على عصر كامل، إذ كانت الإسكندرية من 1914 إلى 1952 هي البطل الحقيقي.. قصور، ترام، بحر، جناين.. المكان هنا يحتضن صورة كأنه وثيقة لتحوّل مصر من عصر الملكية إلى عصر الثورة.. فالخواجات والباشاوات والثوّار كلهم اجتمعوا في فيلا واحدة، أو حيّز مكاني واحد".
وتابع "غريب" لـ"الميادين الثقافية": "زيزينيا لا يمكن نقلها إلى القاهرة في هذا العمل الفني، لأنّ رطوبة البحر ولهجة الإسكندرانية جزء من الحكاية. جزء من لحمها ودمها. المكان هنا هو الزمن الذي يتضمّن الحكاية بأكملها".
ملحمة "حرب كرموز"
-
لقطة من فيلم "حرب كرموز" (2018)
في فيلم "حرب كرموز"، إنتاج 2018 والمصنّف سينمائياً كــ "أكشن"، يبدو لنا المكان ملحميّاً، إذ تدور أحداث الفيلم في قصة درامية مستوحاة من فترة الاحتلال البريطاني لمصر خلال أربعينيات القرن العشرين، حيث تتعرّض فتاة للاغتصاب على يد مجموعة من الجنود الإنكليز، فيثأر لها 3 من الشباب المصريين، ويموت أحدهم، ويحتجز الجندي الإنكليزي الحيَّ في قسم شرطة كرموز، وهو واحد من أقدم أحياء الإسكندرية، يقع في قلب المدينة ويتميز بطابعه الشعبي والتجاري.
ويرأس القسم الجنرال يوسف المصري، وهو شخصية خيالية ضمن أحداث الفيلم، وليست شخصية تاريخية موثّقة، ويطالب الجنرال آدمز بتسليم القسم إليه، لكن يوسف يرفض، ويحرّك الجنرال جنوده لمحاصرة قسم الشرطة، فيدخل في مواجهة شرسة مع الجنرال يوسف وبقية الجنود المصريين.
في رواية علاء الأسواني، "عمارة يعقوبيان"، تحوّلت العمارة كمبنى إلى "مصر مصغّرة"، فكلّ دور بالعمارة يمثّل طبقة، وكلّ شقة تطرح قضية، والسطح يعلن عن فضيحة.
يتميّز حيّ كرموز بشوارعه الضيّقة، وقد استخدم المخرج ضيق الشوارع في المواجهات التي جرت ضمن الأحداث، فبدا المكان مثل "فخ" صنعته الطبيعة، وجغرافيا الزمن، ضدّ الجنود الإنكليز، كذلك منعت تلك الشوارع الضيّقة تحرّك الدبابات والعربات المدرّعة، مما كشف جنود المحتل الذين أُجبروا على الترجُّل، فيسهل حينئذٍ اصطيادهم، كما أدّت أسطح البيوت المتلاصقة دوراً في تلك الملحمة. إذ بقيت كخطوط إمداد للمقاومة، أما الحارات المتداخلة فقد سهّلت الكرّ والفرّ، فالمقاوم يعرف كلّ مدخل ومخرج، فهو ابن من أبناء المكان، أما الجندي الغريب فيتوه ويفقد ميزة كبرى خلال المواجهة، ما يعني أنّ جغرافيا كرموز أعطت الأفضلية لأهلها المقاومين.
"عمارة يعقوبيان".. مرآة وطن
-
عادل إمام وياسمين صبري في لقطة من فيلم "عمارة يعقوبيان"
في رواية الكاتب المصري، علاء الأسواني، "عمارة يعقوبيان"، تحوّلت العمارة كمبنى إلى "مصر مصغّرة"، فكلّ دور بالعمارة يمثّل طبقة، وكلّ شقة تطرح قضية، والسطح يعلن عن فضيحة.
الرواية، والفيلم المأخوذ عنها، بطولة الممثل المصري عادل إمام، يقولان إنّ العمارة ليست مبنى حجريّاً، بل مرآة للتناقضات الاجتماعية والسياسية، كما بدا مبناها كالبطل الصامت، والمؤرخ، والقاضي.
وإذا نظرنا إلى تقسيم العمارة ومدلول ذلك التقسيم البنائي ووقعه على التقسيم السياسي والاجتماعي، نرى المدخل الرخامي والشقق الفخمة تتوازى مع شخصيتي "زكي باشا" و"حاتم رشيد"، وهما اجتماع السلطة والمال الفاسد، أو الواجهة البراقة التي تخبئ كوارث اجتماعية وأخلاقية.
نجد الحارة المصرية تظهر كبطل في ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين - قصر الشوق - السكرية"، إذ لم تكن الجمالية مجرد حي، بل كانت المُربِّي والحاكم والقاضي. البيت المغلق على "أمينة"، والقهوة التي يجلس فيها "السيد أحمد عبد الجواد"، والمدرسة التي تربَّى فيها "كمال".
أما الشقق متوسطة الحال، فترمز إلى الطبقة المثقفة التائهة بين المبادئ والواقع، فيما "السطوح" والعشش وسكانها ترمز إلى مصر المهمّشة.
كذلك تظهر رمزية الزمن والفكر، فمبنى عمارة يعقوبيان أنشئ في قلب القاهرة على الطراز الفرنسي في أربعينيات القرن العشرين، وهو مداعبة "حلم الحداثة الغربي" لمصر ما قبل الثورة.
"باب اللوق"
-
المطرب الشعبي محمد عبد المطلب
احتلّ المكان في الأغنية المصرية أيضاً مكانة بارزة، فالمطرب الشعبي، محمد عبد المطلب، طرح أغنيته الشهيرة "ساكن في حي السيدة"، التي يربط فيها صاحبها بين الحب وطقوس المكان، ويذكر أيضاً أن تلك المسافة بين حي السيدة وحي الحسين في مصر تمثّل بالنسبة له "رحلة عشق كاملة". كذلك نجد أغنية "يا رايحين الغورية" للمطرب الشعبي المصري، محمد قنديل، التي يربط فيها عادات المصريين وشراءهم الهدايا والتذكارات بتلك الأماكن التاريخية التي تمثّل روح مصر الأصلية.
الأعمال الفنية المصرية صنعت تاريخاً موازياً للأماكن، حتى كأنها بدت شخوصاً هي الأخرى وليست جغرافيا تحتوي الأحداث فقط، فقد تحوّلت بعض الشوارع إلى أيقونات غير منفصلة عن هوية العمل الفني.
وهنا نطرح نموذجاً آخر أكثر حداثة في تعامله مع عنصر المكان بالأغنية المصرية، وهي أغنية "باب اللوق"، اسم منطقة في وسط القاهرة قريبة من ميدان التحرير، تلك التي طرحها المطرب، مصطفى رزق، في ألبوم غنائي يحمل اسم الأغنية نفسها، وهي تمزج بين موسيقى البلوز والجاز بإيقاع مصري، كتبها الشاعر مصطفى الجارحي، وتدور كلماتها حول شاب يجلس على مقهى في منطقة باب اللوق ينتظر حبيبته التي لم تأتِ. تقول بعض كلمات الأغنية:
"في باب اللوق.. في باب اللوق
قعدت أستنى جيّتها وباتمرجح بحبل الشوق
وناس تيجي وناس ماتجيش
وناس علي عينها قافلة الشيش...
على يميني شباب بيغني للثورة
على شمالي مظاهره جايه من شُبرا
عجوز يصرخ يقول والله سنين غَبْرة
يضيع صوته في كومة قَشْ كما إبْرة..."
يقول الناقد أشرف غريب إنّ: "صدى تلك الكلمات الراصدة لحدث يبدو شديد العادية مُحاط بتأريخ لحدث أكبر عبر شذرات من مشاهد مبعثرة، تنادي باسم الثورة والتحرّكات الشعبية خلال أحداث ثورة يناير 2011، فيما الحدث ككلّ مُغلَّف بروح منطقة وقفت على بُعد خطوات كمؤرّخ يدوِّن حياة كاملة تتأرجح بين اللحظة الخاصة واللحظة العامة".
ويختتم بقوله: "إنّ المصري لا يغني للمكان حبّاً في الجغرافيا لذاتها، بل يغني له لأنه جزء من جسده وهويته. فانتزاع الأماكن من إبداع المصريين يُفقده نصف الروح ونصف التاريخ".
