حرب البحر والتوابل: القصة الخفية للصراع بين المماليك وأوروبا

كيف تحوّل البحر المتوسط من مكان للتبادل التجاري إلى ساحة للصراع والقرصنة؟ وكيف تعامل سلاطين المماليك مع خطر القرصنة الأوروبية؟

عبر العصور، لعب البحر المتوسط دور الوسيط الجغرافي بين الأمم والبلدان التي تطل عليه، خاصة حينما أصبح بحيرة تسيطر الإمبراطورية الرومانية على سواحله، حتى بزوغ حركة الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي التي أدت إلى انتقال أجزاء واسعة من سواحل الحوض الشرقي للبحر المتوسط إلى الحكم الإسلامي.

وما إن هدأت موجة الفتوحات حتى تهيأت الظروف لعملية التبادل التجاري عبر البحر المتوسط بين الشرق الإسلامي والغرب اللاتيني. وخلال الجزء الأكبر من القرون الوسطى، تميز البحر المتوسط بشبكة كبيرة من الطرق البحرية، وإن كانت في مجملها محاذية للسواحل، إلا أنها شكلت حلقة الوصل بين المدن التجارية الأوروبية وشرق المتوسط، ما أدى إلى ازدهار النشاط التجاري وفتح الباب أمام التفاعل الحضاري [1].

وقد ظل نصيب الغرب اللاتيني من هذا التبادل التجاري ضئيلاً، إلى أن بدأ ميزان القوى في شرق المتوسط يتغير خلال القرن الــ 11، ثم أدى قيام الإمارات والممالك الصليبية في بلاد الشام في أواخر ذلك القرن إلى تعاظم الوجود السياسي والبحري والتجاري اللاتيني في المنطقة.

هكذا يخبرنا ابن خلدون: "ولم يكن سلطان الفرنج على غرب المتوسط بأقل منه على شرقه، فلقد ملكوا به الجزائر، وقويت تجارتهم، وكثرت فيه أساطيلهم، وتراجعت قوة المسلمين فيه لضعف الدول ونسيان عوائده، وصار المسلمون فيه كالأجانب إلا قليلاً من أهل بلدان السواحل" [2].

تداخلت التجارة بالحرب، والمصالح الاقتصادية بالصراع السياسي والديني، كما تداخلت القرصنة الخاصة بالعمليات البحرية التي كانت تحظى أحياناً بدعم أو تفويض مباشر أو غير مباشر من دول وحكام أوروبيين.

وإن كان الاتصال التجاري بين الشرق والغرب قد سبق عصر الحروب الصليبية، لكن ليس هناك شك في أن استقرار الأوروبيين في الشام واحتكاكهم بالمجتمع الإسلامي قرابة قرنين من الزمن، تسبب في ازدهار حركة التجارة بين الشرق والغرب، كما نعرف من ابن جبير عن العلاقات المتداخلة التي جمعت بين مسلمي بلاد الشام ومسيحيي أوروبا زمن الحروب الصليبية، وما أعطوه من أولوية للنشاط الاقتصادي برغم ما هم عليه من صراع وتقاتل، بقوله: "واختلاف القوافل على بلاد الفرنج غير منقطع، لا يمنع أحداً ولا يعترض، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال، لا تعترض الرعايا ولا التجار، والأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال، سلماً أو حرباً" [3].

ذلك أن تجارة العصور الوسطى، منذ بدايتها، نشأت تحت تأثير التجارة الخارجية، التي أوجدت طبقة من التجار المحترفين الذين كانوا العامل الرئيسي للاتصال بين الشرق والغرب خلال القرون الوسطى. إذ منحتهم التجارة ذات المسافات البعيدة الدافع لاستمرار النشاط التجاري عبر المتوسط، وكانت التوابل أول مطالب هذه التجارة، ولم تتوقف التوابل عن إحراز المكانة الرئيسية بين سلع تلك التجارة حتى النهاية، ولم تتسبب التوابل في ثراء المدن الإيطالية التجارية فحسب، بل في ثراء وازدهار موانئ غرب البحر المتوسط وأعالي أوروبا [4].

  • ميناء جنوة والأسطول الجنوي
    ميناء جنوة والأسطول الجنوي عام 1597 (متحف جنوة)

ومع سقوط الممالك الصليبية الشامية في نهاية القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، تولدت أفكار جديدة لدى كل من الطرفين المملوكي والإفرنجي، أدت إلى ظهور نمط جديد من العلاقات، لم ينهِ الصراع السياسي والعقائدي القائم بين العالمين الغربي المسيحي والشرقي الإسلامي، لكنه أبرز أدوات جديدة لتلك العلاقات؛ حيث تطورت العلاقات السلمية بين الطرفين من حيث طبيعتها ودوافعها مع نهاية الحروب الصليبية التقليدية، وأخذت دفعة متزايدة نحو العلاقات الدبلوماسية [5].

وشهد القرن الــ 15، قبل سقوط القسطنطينية وبعده، تشدداً متزايداً في السياسة التجارية المملوكية، ولا سيما في تجارة الفلفل والتوابل. ففي عهد السلطان الأشرف برسباي (1422-1438م) فرضت الدولة منذ عشرينيات القرن الــ 15 قيوداً متزايدة على تجارة التوابل عبر البحر الأحمر، وسعت إلى إحكام سيطرتها عليها وزيادة ما تحققه منها من موارد. وتشير الدراسات إلى اتخاذ إجراءات مهمة في هذا الاتجاه منذ عام 1425م، أي قبل سقوط القسطنطينية بنحو 3 عقود.

ثم أدى التوسع العثماني وسقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين عام 857هـ / 1453م إلى إعادة تشكيل جانب من شبكات التجارة في شرق المتوسط والبحر الأسود، وأثر بصورة خاصة في المصالح والمراكز التجارية الجنوية. 

إلا أن ذلك لا يعني أن العثمانيين قطعوا فجأة جميع الطرق البرية للتجارة الشرقية أو أن وصول السلع الهندية أصبح مقتصراً بصورة كاملة على طريق البحر الأحمر، حيث استمرت أشكال من التجارة بين القوى الأوروبية والعثمانيين، في الوقت الذي تقلّص فيه تدريجياً النفوذ التجاري الجنوي في البحر الأسود.

وفي ظل هذه المنافسة التجارية، وما صاحبَها من قيود وضرائب واحتكارات ونزاعات سياسية ودينية، تكررت الاعتداءات البحرية الأوروبية على السفن والممتلكات المملوكية. غير أن هذه القرصنة لم تكن نتيجة مباشرة لسقوط القسطنطينية، بل ظهرت قبل ذلك بمدة طويلة، كما يتضح من الهجمات الجنوية والكتالونية على السفن والموانئ التابعة للمماليك منذ أواخر القرن الــ 13 وخلال القرن الــ 14 والنصف الأول من القرن الــ 15.

كانت التوابل أول مطالب هذه التجارة، ولم تتوقف التوابل عن إحراز المكانة الرئيسية بين سلع تلك التجارة حتى النهاية، ولم تتسبب التوابل في ثراء المدن الإيطالية التجارية فحسب، بل في ثراء وازدهار موانئ غرب البحر المتوسط وأعالي أوروبا. 

وهنا يجب التفرقة بين نوعين من النشاط البحري الذي كان يوصف بالقرصنة. الأول هو القرصنة بالمعنى الدقيق (Piracy)، ويقصد بها أعمال النهب والاعتداء البحري التي يقوم بها أفراد أو جماعات لمصلحتهم الخاصة من دون تفويض قانوني من سلطة سياسية معترف بها [6]. 

أما النوع الثاني فهو نشاط القراصنة المفوضين أو الـCorsairs/Privateers، الذين كانوا يعملون بتكليف أو ترخيص من دولة أو حاكم، ويهاجمون سفن خصوم تلك الدولة وممتلكاتهم في إطار صراع سياسي أو عسكري. ولم تكن الحدود بين النوعين واضحة دائماً خلال العصور الوسطى، إذ كان النشاط الذي تعتبره دولة عملاً مشروعاً قد تصفه الدولة المتضررة بأنه قرصنة [7].

التنافس التجاري وبداية أعمال القرصنة

  • استقبال الوفد البندقي في دمشق عام 1511
    استقبال الوفد البندقي في دمشق عام 1511

كانت مدينة جنوة الإيطالية، التي أقامت تجارة واسعة في مستعمراتها على شواطئ البحر الأسود، أقل نشاطاً في موانئ مصر وبلاد الشام الخاضعة لسلطان المماليك، وإن كنا لا نجد من بين القوانين الجنوية في القرن الــ 14 قانوناً يحرّم بصفة عامة التجارة مع المماليك [8]، إلا أن العلاقات التجارية بين الطرفين كانت في حالة توتر شديد منذ عام 1287م. 

ثم جاء استيلاء المماليك على مدينة طرابلس الشام عام 1289م بمثابة الضربة القاضية لنشاط جنوة التجاري في بلاد الشام، وبدأ الجنويون ممارسة القرصنة تحت ذريعة قوانين الكنيسة الخاصة بحظر التجارة مع المماليك، ومهاجمة أي سفينة أوروبية مبحرة صوب الشرق [9].

كما بدأت جنوة عمليات قرصنة موسعة شملت سفن المسلمين في شرق المتوسط، وأسرت من بها من التجار ونهبت ما بها من بضائع، نتيجة حنق الجنويين الشديد بعدما استطاعت مدينة البندقية تعزيز موقعها التجاري داخل مصر وبلاد الشام [10].

وفي عام 1305م "جار على بيروت تعميرة للفرنج، ثم توجهوا إلى صيدا، ونهبوا منها شيئاً كثيراً بعد أن قتلوا منها جماعة"، كما وجهوا ضرباتهم نحو مراكز البندقية داخل الموانئ المملوكية، وفي عام 1334م "حضرت شواني فرنج جنوية إلى بيروت قاصدين أخذ قرقون (سفينة تجارية)، وقصد المسلمون منع الجنوية من أخذ القرقون، فقاتلوهم قتالاً شديداً وفي الآخر أخذوا القرقون، ولم يقدر المسلمون على منعهم".

لما يزيد على قرن لم تسلم موانئ بلاد الشام ومصر من هجمات الجنويين، وتكبد سلاطين المماليك وحلفاؤهم خسائر ضخمة، حتى باتت القرصنة تشكل تهديداً على سلامة دولتهم وشغلت جهدهم.

وفي عام 1403م تعرضت طرابلس وبيروت لهجمات بحرية ضمن حملة فرانكو-جنوية قادها المارشال الفرنسي جان لو مينغر، المعروف باسم بوسيكو (Boucicaut)، وكان حاكماً لجنوة في تلك الفترة. 

وقد استهدفت الحملة كذلك المصالح التجارية البندقية في الموانئ المملوكية، ونهبت "بهاراً لفرنج البنادقة بقيمة 10 آلاف دينار" [11]. وتشير الدراسات الحديثة بالفعل إلى الغارات التي شنها الأسطول الفرنسي- الجنوي بقيادة بوسيكو على طرابلس وبيروت عام 1403م.

ولما يزيد على قرن لم تسلم موانئ بلاد الشام ومصر من هجمات الجنويين، وتكبد سلاطين المماليك وحلفاؤهم خسائر ضخمة، حتى باتت القرصنة تشكل تهديداً على سلامة دولتهم وشغلت جهدهم. 

ففي عام 1382م حضر الجنويون بأسطولهم إلى صيدا ونهبوا ما فيها من متاجر، ثم توجهوا نحو قبرص، ثم عادوا بعد أيام قليلة لمهاجمة بيروت، واستولوا على سفينتين كانتا ملكاً للبنادقة [12]. ما دفع السلطان برقوق في 1384م إلى بناء سفن لصد هجمات الجنويين، وبالفعل استطاع الأسطول المملوكي قتل عدد كبير منهم وأسر نحو 35 منهم على مقربة من مدينة دمياط عام 1385م.

إلا أن الجنويين ما لبثوا أن عادوا إلى أعمال القرصنة واستولوا على سفن السلطان المشحونة بالرقيق المقاتلة، كما أسروا عدداً من أقارب السلطان، فانتقم بحبس جميع التجار والقناصل الأوروبيين في بلاده [13]. لكن الجنويين عادوا من جديد في 1401م إلى طرابلس، واستطاعوا الاستيلاء على سفينتين محملتين بالبضائع كانتا في طريقهما إلى دمياط [14].

في ظل هذه المنافسة التجارية، وما صاحبها من قيود وضرائب واحتكارات ونزاعات سياسية ودينية، تكررت الاعتداءات البحرية الأوروبية على السفن والممتلكات المملوكية.

ومع مطلع القرن الــ 15 استمرت الاعتداءات البحرية ذات الطابع القرصني والعسكري على الموانئ والمصالح التجارية في بلاد الشام. وكان من أبرزها أحداث عام 1403م، التي ألحقت أضراراً كبيرة بالتجارة في بيروت وطرابلس، بما في ذلك تدمير كميات كبيرة من المنسوجات القطنية والتوابل وإحراق مراكز ومخازن تابعة للبنادقة. وكان لا بد من ثمن للمصالحة مع السلطان الذي غرّمهم 30 ألف دوكة تعويضاً عن خسائر تجّاره، وظل تجّار جنوة بعد هذه الأحداث عرضة للغرامات التي تُفرض عليهم في حال حدوث أي أعمال قرصنة [15].

وهو ما دفع حكومة بلادهم إلى إرسال سفارة عام 1411م للتأكيد على احترامها لممتلكات سلاطين المماليك، وإظهار تقربها إلى السلطان بالتصدي للقراصنة، وهو ما نجده في نص رسالتهم: "إننا كنا خلصنا في المدة الماضية من الحرامية 25 نفراً من المسلمين، ليكون دليلاً عند مولانا السلطان على صدق الولاء والتمسك بالصلح، والمسؤول من الصدقات الشريفة الإقبال على التجار الجنوية الذين عند مملكته، وكف أسباب الضرر عنهم" [16].

سياسات سلاطين المماليك وتزايد أعمال القرصنة

  • جان لو مينغر
    جان لو مينغر "بوسيكو"

لم يقتصر نشاط القراصنة الكتالونيين ضد مصر وبلاد الشام على منتصف القرن الــ 15، بل كان واضحاً منذ أواخر القرن الــ 14 وبدايات القرن الــ 15، واتخذ بعضهم من قبرص ورودس وقواعد أخرى في شرق المتوسط منطلقاً لعملياته. 

وقد أصبح القراصنة الكتالونيون من أبرز الجماعات التي هددت الملاحة والسفن والمصالح المملوكية في شرق المتوسط. وكانوا يهاجمون السفن التابعة للسلطان، وكذلك بعض السفن الأوروبية المتجهة إلى بلاده، وعلى رأسها سفن البندقية: "فإذا ظفروا بالمسلم أخذوا ماله، وأحيوه، وباعوه، أو استخدموه، وإذا ظفروا بالفرنجي، أخذوا ماله وقتلوه" [17].

ويشير هايد إلى أنهم كانوا من أشد أعداء التجارة، وأن "القطالونية قراصنة هذه الأمة"، وقد بلغت شدة غاراتهم في بعض الأحيان حد إثارة غضب سائر الأمم الأوروبية التي عملت أحياناً على مهاجمة السفن الكتالونية طلباً في رضى السلطان [18].

كما هاجم القراصنة الكتالونيون أيضاً سفناً بندقية وفرنسية ورودسية وغيرها. ففي عام 1417م، على سبيل المثال، استولى القرصان الكتالوني Nicolau Sampier على سفينة نقل بندقية قبالة بيروت، ثم استولى على سفينتين أخريين قبالة عكا.

لم تكن الحدود بين القرصنة والنشاط البحري المفوض واضحة دائماً خلال العصور الوسطى، إذ كان النشاط الذي تعتبره دولة عملاً مشروعاً قد تصفه الدولة المتضررة بأنه قرصنة. 

ويخبرنا ابن إياس أن "مراكب فيها فرنج يتعبثون بالمسافرين" عام 1472م، وأنه في هذه السنة "أحضر إلى القاهرة جماعة من الفرنج، كانوا يعبثون بسواحل البحر المالح، فلما عُرضوا على السلطان، أمر بسجنهم" [19].

ورغم ذلك لم تتوقف أعمال القرصنة والتخريب على طول الشواطئ في مصر وبلاد الشام، "وتزايد شرهم، وكثر تعبثهم بالناس في البحر الرومي"[20]. بل وصل الأمر إلى خطف مراكب السلطان وأسر كبار تجاره عام 1475م، فما كان من السلطان إلا أن أمر بالقبض على جميع تجار الفرنج من مجمل السواحل، وأبلغ قناصلهم بأن حريتهم مرهونة بإعادة التجار المسلمين، وألزمهم مراسلة ملوكهم لإطلاق سراح التجار المسلمين، مع دفع تعويض مالي [21].

وبعث ملك القطالون كتاباً للسلطان، معلّلًا فيه أعمال القرصنة بسبب إلزام تجار بلاده شراء الفلفل من المتجر السلطاني بأسعار مرتفعة [22].

شهد القرن الـ15 تشدداً متزايداً في السياسة التجارية المملوكية، ولا سيما في تجارة الفلفل والتوابل، إذ سعت الدولة إلى إحكام سيطرتها عليها وزيادة ما تحققه منها من موارد.

كانت تجارة التوابل من أهم مصادر الدخل التي سعى بعض سلاطين المماليك إلى إخضاعها لسيطرة الدولة، ولا سيما في القرن الــ 15، لكنها لم تكن المورد الوحيد للخزينة المملوكية. وتظهر سياسة الأشرف برسباي بوضوح حجم التدخل السلطاني في تجارة التوابل، إذ فرضت الدولة منذ عشرينيات ذلك القرن إجراءات متزايدة لتنظيم هذه التجارة والاستفادة من عائداتها.

ولم تدفع أعمال القرصنة سلاطين المماليك إلى التخلي عن سياساتهم التجارية، وبدلاً من ذلك لجأت السلطات المملوكية في مناسبات متعددة إلى حبس التجار الأوروبيين ومصادرة أموالهم وحجز القناصل، لحين تعويض الأضرار المالية الناتجة عن أعمال القرصنة وتحرير من وقع في أسر القراصنة [23].

ثم وصل الأمر في نهاية العصر المملوكي إلى مصادرة أموال كنائس الفرنج، إلا أن ذلك لم يمنع الأوروبيين من أعمال القرصنة، و"زاد تشويشهم على التجار في البحر المالح، وصاروا يخطفون البضائع من المراكب" [24]، حتى كادت حركة المسلمين في البحر المتوسط تنقطع تماماً.

  • مخطوطة مملوكية من القرن الــ 15 (مورتيل)
    مخطوطة مملوكية من القرن الــ 15 (مورتيل)

ويشير ابن إياس إلى مجموعة من التجار المغاربة التابعين للسلطان كانوا قد استقلوا سفناً فرنسية في آذار/مارس عام 1509م، وقد وقعوا في أسر فرسان رودس، انتقاماً لما فعله المماليك من أسر سفينة لهم ومن عليها كانت تعبث بالشواطئ المملوكية [25].

هكذا تكشف أعمال القرصنة في شرق البحر المتوسط خلال العصر المملوكي عن صورة أكثر تعقيداً من مجرد استمرار المواجهة بين العالمين الإسلامي والمسيحي بعد انتهاء الحروب الصليبية التقليدية. 

"ولم يكن سلطان الفرنج على غرب المتوسط بأقل منه على شرقه، فلقد ملكوا به الجزائر، وقويت تجارتهم، وكثرت فيه أساطيلهم، وتراجعت قوة المسلمين فيه لضعف الدول ونسيان عوائده"

فقد تداخلت التجارة بالحرب، والمصالح الاقتصادية بالصراع السياسي والديني، كما تداخلت القرصنة الخاصة بالعمليات البحرية التي كانت تحظى أحياناً بدعم أو تفويض مباشر أو غير مباشر من دول وحكام أوروبيين. 

وفي الوقت نفسه ظلت المصالح التجارية المتبادلة تدفع الأطراف نفسها إلى عقد المعاهدات وإرسال السفارات واستئناف التجارة بعد فترات الصراع، وهو ما جعل العلاقة بين المماليك والقوى الأوروبية في البحر المتوسط، تقوم بصورة متزامنة على التنافس والصراع والتبادل التجاري والدبلوماسي.

المراجع

[1] سمير الخادم: الشرق الإسلامي والغرب المسيحي عبر العلاقات بين المدن الإيطالية وشرقي البحر المتوسط 1450-1517م، لبنان، 1989م، ص26.

[2] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر، بيروت، 1981م، ج1، ص316-317.

[3] ابن جبير: رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك، بيروت، د.ت، ص234-235.

[4] هنري بيرين: تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ترجمة وتحقيق عطية القوصي، القاهرة، 1996م، ص137-138.

[5] نادية محمود مصطفى: العصر المملوكي: من تصفية الوجود الصليبي إلى بداية الهجمة الأوروبية الثانية (642-923هـ / 1258-1517م)، القاهرة، 1996م، ص38.

[6] ف. هايد: تاريخ تجارة الشرق الأدنى في العصور الوسطى، القاهرة، 1985م، ج3، ص345-346.

[7] ناجلا عبد الغني: القرصنة اللاتينية في حوض المتوسط على عصر سلاطين المماليك، مجلة المؤرخ العربي، مارس 2001، العدد 9، ص56.

[8] هايد: تاريخ تجارة الشرق، ج2، ص265.

[9] سهير محمد نعينع: الحروب الصليبية المتأخرة، القاهرة، 2002م، ص86.

[10] عفاف صبره: العلاقات بين الشرق والغرب: علاقات البندقية بمصر والشام في الفترة من 1100-1400م، القاهرة، 1983م، ص117.

[11] صالح بن يحيى: تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتريين من بني الغرب، بيروت، 1927م، ص34، 39، 101.

[12] ناجلا عبد الغني: القرصنة اللاتينية، ص59.

[13] حكيم أمين: قيام دولة المماليك الثانية، الجمهورية العربية المتحدة، 1966م، ص150-151.

[14] عبد العزيز عبد الدايم: الصراع بين القوى المسيحية ودولة المماليك الجراكسة في مياه البحر المتوسط، بحث منشور في كتاب مصر وعالم البحر المتوسط، القاهرة، 1986م، ص208.

[15] هايد: تاريخ تجارة الشرق، ج3، ص346-347، 353.

[16] القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة، 1912-1922م، ج8، ص124-125.

[17] القلقشندي: صبح الأعشى، ج8، ص50.

[18] هايد: تاريخ تجارة الشرق، ج3، ص362.

[19] ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، 1984م، ج3، ص75، 79.

[20] ابن إياس: بدائع الزهور، ج4، ص192.

[21] نعيم زكي: طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب "أواخر العصور الوسطى"، القاهرة، 1973م، ص64-65.

[22] هايد: تاريخ تجارة الشرق، ج3، ص344.

[23] نعيم زكي: طرق التجارة، ص327.

[24] ابن إياس: بدائع الزهور، ج4، ص331.

[25] ابن إياس: بدائع الزهور، ج4، ص146.

اخترنا لك