جيلٌ ينتظر... القلق يقوض الثقة بالمستقبل؟

لماذا يزداد قلق الشباب من المستقبل رغم أنّ فرصهم وأدواتهم اليوم أوسع من تلك التي امتلكتها الأجيال السابقة؟

كان أبوه في الــ 30 عندما اشترى بيتاً صغيراً: غرفتان، شرفة ضيّقة، وشجرة أمام النافذة كبرت ببطء كما كبر الأطفال. لم يكن الأب غنياً، ولا كان زمنه خالياً من الحروب والأزمات والبطالة، لكنه كان يعرف، على نحو تقريبي، شكل السنوات المقبلة. كان يمتلك تصوّراً منطقياً للمستقبل: وظيفة قابلة للاستمرار، راتباً يرتفع مع الخبرة والجهد، ومنزلاً يُسدَّد قرضه على مهل ليصبح حاضنةً لعائلة تكبر في المكان.

هو الآن في الثلاثين أيضاً. يحمل شهادة أعلى من شهادة أبيه، ويتقن لغتين أو 3، ويملك في هاتفه عالماً من المعرفة لم تكن تملكه مكتبة مدينة كاملة قبل جيل. يستطيع أن يعمل لشركة في قارة أخرى، وأن يستعين بآلة تكتب وتترجم وتحلّل وتبرمج خلال ثوانٍ. لكنه لا يملك شجرة ولا نافذة، والأهمّ أنه لا يعرف أين سيكون بعد عامين.

ربما تبدأ هنا أزمة الشباب المعاصرة. من المسافة الغريبة بين اتساع الإمكانات وضيق اليقين. فهذا الجيل يرى المستقبل، بل ربما يراه أكثر مما ينبغي، بكلّ احتمالاته ومخاطره وانهياراته الممكنة، لكنه لم يعد يعرف أيّ مستقبل منها سيكون مستقبله. 

وإذا كان هذا حال الشباب الواعين، المستقرين نفسياً، الراغبين في أن يسيروا في حياتهم بمسؤولية، فكيف تبدو الصورة لدى من يملكون قدراً أقل من الاستقرار والقدرة على الاحتمال؟

هذه المفارقة لا تختصرها مقارنة بسيطة بين جيلين، لأنّ جيل الأب لم يكن محصّناً من الخوف، لكنه كان يملك مساراً يمكن تصوّره، فيما يملك الابن أدوات أكثر ومسارات أكثر، لكنه يفتقد نقطة الارتكاز التي تسمح له بأن يحوّل الإمكان إلى خطة حياة.

ولهذا تبدو عبارة "أزمة الصحة النفسية لدى الشباب" صحيحة، لكنها لا تقول كلّ شيء. فالمشكلة ليست مجرد عنوان نفسي، بل شبكة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والمهنية التي تجعل المستقبل أقل قابلية للتنبؤ.

الأرقام مخيفة

في تقريرها عن الصحة العقلية للأطفال والشباب والبالغين في القرن الــ 21، خلصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD" إلى أنّ تدهور الصحة النفسية لدى الشباب ليس ظاهرة بدأت مع جائحة "كورونا"، بل مسار سابق عليها تفاقم في السنوات الأخيرة. 

ولا يضع التقرير مواقع التواصل الاجتماعي وحدها في قفص الاتهام، بل يضيف إليها انعدام الأمن الاقتصادي، والضغوط الدراسية، والفقر وعدم المساواة، والقلق المناخي، والحروب والاضطرابات الدولية.

وفي ورقة بعنوان "المخاطر التي تهم الناشئة"، المبنية على بيانات من 27 دولة، قال 69% من المشاركين بين 18 و29 عاماً إنهم قلقون بشأن أمنهم المالي في الأجل القصير، فيما تراوحت نسبة القلق المرتبط بالسكن بين 64 و68%، وبلغ القلق من فقدان الوظيفة أو الدخل نحو 29%.

الشجرة صغيرة جداً. لكنها تقول شيئاً لا تستطيع الجداول الاقتصادية قوله، وهو أن ما يبحث عنه هذا الجيل ليس الثراء وحده. إنه يبحث عن مكان يستطيع أن يغرس فيه شيئاً، ويثق بأن العالم سيظل ثابتاً بما يكفي ليراه يكبر.

وتصبح الصورة أكثر وضوحاً عند الانتقال إلى مجتمع بعينه. ففي استطلاع للشباب البريطاني شمل 2,039 شاباً وشابة بين 16 و29 عاماً، جاءت المخاوف المالية في المقدمة بنسبة 37%، ثم ضغوط العمل بـ23%، والخوف من البطالة أو انعدام الأمن الوظيفي بـ20%. أما وسائل التواصل الاجتماعي فجاءت عند 14%، وتغيّر المناخ عند 10%.

وتكشف هذه النسب أنّ مصادر القلق الأكثر حضوراً ليست هامشية أو عابرة، بل تمسّ أسس الحياة اليومية: الدخل، والسكن، والعمل. لذلك تبدو الأزمة النفسية متصلة مباشرة بدرجة الأمان التي يشعر بها الشاب تجاه الأشهر والسنوات المقبلة.

لا تعني هذه النتائج أنّ الهاتف غير مؤذٍ، أو أنّ وسائل التواصل لا تؤثّر في النوم والصورة الذاتية والقلق. لكنها تقول إنّ الشاب لا يستيقظ قلقاً لأنّ شاشة هاتفه مضيئة فقط، بل لأنّ العالم الذي تعرضه الشاشة نفسه غير مطمئن. المشكلة، في جانب مهم منها، ليست في المرآة بل في الواقع الذي تعكسه.

السلّم يفقد درجاته الأولى

كان المستقبل المهني، في المخيّلة الاجتماعية للقرن الــ 20، يشبه سلّماً واضح الدرجات: تدرس، تجد وظيفة، تخطئ وتتعلّم، تكتسب الخبرة، تتقدّم، ثم تشتري بيتاً على قدر الحال، وتتزوج، وتواصل حياتك إذا أحسنت الالتزام والجهد.

لم يكن هذا السلّم متاحاً للجميع، ولم تكن درجاته متساوية، لكنه منح المجتمع ترتيباً متخيّلاً وواضحاً للحياة. اليوم لا يزال السلم موجوداً، لكنّ درجاته الأولى تهتز. عقود مؤقتة، عمل عبر المنصات، شركات تعيد الهيكلة، انتقال متكرّر بين الوظائف، ومهارات تقصر دورة حياتها. 

لم تعد الوظيفة لدى قطاعات متزايدة من الشباب مكاناً يصل إليه الإنسان، بل محطة لا يعرف موعد مغادرته منها. وهذا لا يتعلق بالدخل وحده، فالوظيفة مصدر طمأنينة واستقرار قبل أن تكون مجرد راتب.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي. هذه المرة لم تدخل الآلة المصنع وحده، بل دخلت المكاتب والمهن المعرفية أيضاً، وأصبحت قادرة خلال ثوان على إنجاز جزء من عمل احتاج صاحبه سنوات لتعلّمه.

الخوف يكمن في البداية. فالخبير لم يولد خبيراً. كان في يوم ما موظفاً صغيراً كتب تقريراً سيئاً. تلك المهمات البسيطة لم تكن ذات قيمة كبيرة للمؤسسة، لكنها كانت ذات قيمة هائلة للإنسان. كانت المدرسة السرية التي تصنع الخبرة. الآن، إذا تولت الآلة البدايات، فمن أين سيأتي الخبراء؟

وقدّرت "منظمة العمل الدولية" أن واحداً من كل 4 عاملين في العالم يعمل في مهنة لديها درجة ما من التعرض المحتمل لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، وترتفع النسبة إلى 34% في الاقتصادات مرتفعة الدخل. وكانت الأعمال المكتبية والإدارية من الأكثر تعرضاً، إلى جانب بعض الوظائف المعرفية شديدة الرقمنة.

لكن التعرض لا يعني الاختفاء. فالأرجح، وفق المنظمة، أن تتحول الوظائف أكثر من أن تُستبدل بالكامل، لأن معظم المهن تتألف من مهمات متعددة لا تزال أجزاء كثيرة منها تحتاج إلى الإنسان.

الخوف الحقيقي قد يكمن في البداية. فالخبير لم يولد خبيراً، بل كان في يوم ما موظفاً مبتدئاً يكتب تقريراً سيئاً ويتعلم منه. تلك المهمات البسيطة لم تكن دائماً مهمة للمؤسسة، لكنها كانت مدرسة تصنع الخبرة. فإذا تولت الآلة البدايات، فمن أين سيأتي الخبراء؟ وما الذي سيحدث للمجتمع إذا فقد الممر الذي يعبر منه المبتدئون إلى الخبرة؟

في تقرير بعنوان "وظائف المستقبل 2025"، قدّر "المنتدى الاقتصادي العالمي" أن التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية والخضراء قد تخلق حتى 2030 نحو 170 مليون وظيفة، في مقابل إزاحة نحو 92 مليوناً، أي زيادة صافية تقديرية قدرها 78 مليون وظيفة. إذاً ليست المسألة نهاية العمل، بل نهاية بعض أشكاله القديمة، وإعادة توزيع الأمان داخله.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة هذه التحولات بوصفها نبوءة بانهيار سوق العمل. فالتقنية قادرة أيضاً على خلق مهن جديدة وزيادة الإنتاجية، لكن القلق ينشأ من سرعة الانتقال نفسها، ومن احتمال ألا تكون المسارات الجديدة واضحة بالقدر الذي كانت عليه المسارات القديمة.

حلم السكن

البيت كلمة صغيرة لشيء بات ثقيلاً. في طفولتنا كنا نرسمه ببساطة: مربعاً، سقفاً مثلثاً، نافذتين، باباً، شجرة وشمساً. لم يرسم أحد سعر المتر.

اليوم، أول ما يخطر في البال هو سعر المتر، والقسط، والفائدة، والأعباء الشهرية. أصبح البيت مخرجاً رقمياً من آلة حاسبة معقدة تتداخل فيها مصالح البائعين والسماسرة وأرباب العمل والدول، بينما يكون المشتري الحلقة الأضعف.

وسائل التواصل تؤثر في النوم والصورة الذاتية والقلق؛ لكنها تقول أيضاً شيئاً آخر لا يقل أهمية: إن الشاب لا يستيقظ قلقاً لأن شاشة هاتفه مضيئة فقط، بل أحياناً يقلق لأن العالم الذي تعرضه تلك الشاشة نفسه غير مطمئن.

لكن أزمة السكن ليست أزمة عقار فقط، بل أزمة استقلال. ذلك أن المنزل ليس نهاية الرحلة الاقتصادية، بل المكان الذي تبدأ منه رحلات أخرى. من دونه يتأخر الخروج من منزل الأسرة، وقد يتأخر الزواج، ويصبح إنجاب الأطفال أكثر كلفة، ويتباطأ تكوين الثروة. وهكذا تمتد الأزمة إلى العائلة والمجتمع وتركيبته ومستقبله.

ويصبح امتلاك المنزل، في هذا السياق، أكثر من مسألة مالية. إنه علامة على القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل، وعلى الشعور بأن الإنسان لم يعد عالقاً في مرحلة انتقالية لا تنتهي. لذلك فإن صعوبة السكن تضغط على قرارات أخرى يفترض أنها شخصية، لكنها تتأثر مباشرة بالبنية الاقتصادية.

الانكفاء عن الإنجاب

هنا يظهر جرح آخر في فكرة التقدم. يحمل الشاب اليوم شهادة أعلى من شهادة أبيه، ويعمل في وظيفة لم يكن أبوه يستطيع تخيلها، لكنه لا يستطيع شراء البيت الذي اشتراه أبوه.

وبالنتيجة، يسكن أطفاله المستقبليون مع وقف التنفيذ. سيأتون عندما يتحسن الراتب، أو بعد شراء المنزل، أو انتهاء العقد المؤقت، أو بعد الترقية، أو حين تنخفض الفائدة، أو عندما يصبح العالم أكثر وضوحاً. ثم تتحول كلمة "لاحقاً" إلى تأجيل مفتوح.

وتظهر بيانات "OECD" أن متوسط معدل الخصوبة في دول المنظمة انخفض من 3.3 أطفال لكل امرأة عام 1960 إلى 1.5 عام 2022، وهو أدنى بكثير من مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1.

ومن الخطأ تفسير هذا الانخفاض بسبب واحد. فتعليم النساء، والتحضر، وانتشار وسائل منع الحمل، وتغيّر معنى الزواج، وارتفاع تكلفة عناية وتنشئة الأطفال، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، وتحولات القيم الفردية، كلها عناصر أساسية. لكن إلى جانبها عامل يصعب قياسه بجدول واحد: الثقة بالغد.

فالطفل ليس قراراً يخص الحاضر فقط، بل تعهد طويل للمستقبل. قرار الإنجاب يفترض قدراً من الثقة بأن الدخل والعمل والمجتمع ستكون قابلة للإدارة سنوات طويلة. لذلك قد يكون تراجع الإنجاب، في جزء منه، أكثر من ظاهرة ديموغرافية، وقد يكون استفتاءً صامتاً على المستقبل.

ربما تبدأ أزمة الشباب المعاصرة من المسافة الغريبة والمظلمة بين اتساع الإمكانات وضيق اليقين بالأثر والجدوى. والمشكلة التي تتخذ شكل المفارقة، هي أن هذا الجيل يرى المستقبل، بل لعله يراه أكثر مما ينبغي، بكل احتمالاته ومخاطره وانهياراته الممكنة، لكنه لم يعد يعرف أيّ مستقبل منها سيكون مستقبله.

هنا ينشأ نوع خاص من الألم النفسي: أن تفعل كل ما طُلب منك ثم لا تصل. لا تكفي اللغة الطبية وحدها لفهم القلق، لأن جلسة العلاج النفسي لا تخفض إيجار المنزل، وتمرين التنفس لا يحول عقداً لــ 6 أشهر إلى وظيفة دائمة، وكتاب تطوير الذات لا يضمن أن المهارة التي تعلمتها اليوم ستظل مطلوبة بعد 10 سنوات. وهذا ما يجعل القلق سؤالاً عن القدرة على بناء حياة مستقرة، لا مجرد استجابة نفسية لضغط عابر في الحاضر.

استخدم عالم الاجتماع، زيغموند باومان، قبل عقود صورة "الحداثة السائلة" لوصف عالم تفقد فيه المؤسسات والعلاقات والعمل شيئاً من صلابتها القديمة. بدت الاستعارة فلسفية آنذاك، أما اليوم فقد صار لها عقد عمل، وسعر متر، وقسط شهري. فالإنسان، مهما أحب الحرية والحركة، يحتاج إلى شيء صلب يبني عليه حياته.

والمفارقة أن البشرية لم تكن يوماً أكثر قدرة على التنبؤ. نتوقّع مسار إعصار، ونحاكي انتشار وباء، وننمذج اقتصاداً، ونبني آلة تتنبأ بالكلمة التالية في جملة لم تكتمل. ومع ذلك، أصبح الفرد أقل قدرة على التنبؤ بحياته.

في المساء يعود الشاب إلى غرفته، يفتح الحاسوب: رسالة من العمل، إعلان عن شقة لا يستطيع شراءها، خبر عن شركة أعادت هيكلة موظفيها، تحديث جديد لنموذج ذكاء اصطناعي، وصورة لصديق يحمل طفله الأول. يغلق الشاشة، ويصمت العالم قليلاً. أمامه ورقة بيضاء، يرسم مربعاً صغيراً، سقفاً، نافذتين، باباً، ثم يتردد لحظة ويرسم شجرة.

الشجرة صغيرة جداً، لكنها تقول ما لا تستطيع الجداول الاقتصادية قوله: إن ما يبحث عنه هذا الجيل ليس الثراء وحده، بل مكان يستطيع أن يغرس فيه شيئاً، ويثق بأن العالم سيظل ثابتاً بما يكفي ليراه يكبر.

اخترنا لك