ثلاث محطات قبل الوصول
الآن أصبح كل ما يتراءى له منه يده الرهيفة التي لوّح له بها، وهو يخرج له لسانه ذاهباً عنه، بعد أن زجّ به في أكبر سجون البسيطة. فقد عقد له المأذون على حبيبته منذ عام وأصبح أباً.
-
ويليام باول فريث، "محطة القطار"، 1862
ثلاث محطات قبل الوصول:
اليوم عندك ذلها وحديثها
وغداً لغيرك الكف والمعصم
**
- قبل السفر: وقفتُ أمسح دموعها بإبهامي وأنظر ملياً في عينيها، كانت تقول لي أشياء عن ألم الفراق وكنت مشغولاً بدمعها أكفكفه بإبهامي داخل منديلي. عند قيام القطار وضعتُ المنديل داخل جيب قميصي بجوار القلب.
- أثناء الغياب: كانت خطاباتها أول الأمر تصلني لتشعل النار التي خبتت في البعد وتستعجل الوقت والمال، ثم فترت خطاباتها، ثم جاءت خطابات شقيقها تتهدد وتتوعد ثم جاءت خطابات أخرى تشرح وتفنّد لكن لم أقتنع.
- محطة الوصول: لم تسكن العين على الرغم من أن الأيدي تهاوت للتسليم والأذرع للأحضان والأفواه للقبلات ثم تهاوت الأيدي مرة أخرى لحمل الحقائب، تأبّط أخي ذراعي وأرغمني علي مواصلة السير إلى بيتنا وأخرج من جيبه "دبلة" أعرفها، وضعها في كفي وأطبق أصابعي عليها... فسكنت العين وغمض الجفن.
- باب النجار: لمدة 3 أشهر كان ينوي كل يوم إصلاح باب بيته، خاصةً عقب كل مشادة تقوم بينه وبين زوجته صباحاً عندما تعايره بباب البيت المعطوب، وأنه يهتم بدكانه أكثر من بيته وإلاّ ما صنع له بيده باباً جديداً متيناً، وأن هذا لا يليق به.
اليوم قرر أن يذهب إلى دكانه ويحضر أدواته لإصلاح باب البيت، وعندما أشرف على الوصول إلى الدكان هاله التجمع الكبير من أهل المنطقة حول باب الدكان، وعندما وصل لأول الواقفين من الجمع، بادره بالسؤال من خلفه. "هو فيه إيه؟"
أجاب: "فش" اللصوص كسروا باب الدكان وسرقوا العدة كاملة ولم يكتفوا بذلك بل خلعوا الباب وأخذوه معهم. فما كان منه إلا أن حمل فأساً من دكان جاره واستدار قاصداً باب منزله.
- أكبر سجون البسيطة: كان يعلم جيداً أن للحب جولة في الفلسفة لا تهمه ظروف الأزمنة ولا الأمكنة، والآن أصبح كل ما يتراءى له منه يده الرهيفة التي لوّح له بها، وهو يخرج له لسانه ذاهباً عنه، بعد أن زجّ به في أكبر سجون البسيطة. فقد عقد له المأذون على حبيبته منذ عام وأصبح أباً.