بركة الساحة

يا ليت البركة تبقى تحت عيوننا، لتبقى لنا ذكريات الأهل، وحجار العز.                                                        

  • صورة تعبيرية
    صورة تعبيرية

ليت أيام البركة ترجع في القرى، وتعود الضحكات والقهقهات تسكن الحجارة القديمة، ونص الساحة، وقلوب البشر.

ليت الذكريات الطيبة تبقى للأجيال، ولا تموت مع حامليها. ليت أبناءنا بعدنا يفهمون كلام الحجارة المباركة، الحجارة التي فيها أرواح جدودنا.

فالحب نثره أهلنا على حافات البركة، وحملوه لنقط الماء وللسماء، فلهم مع كل نقطة ماء دمعة فرح، ومع كل "طرطشة" بحر مرح. حبهم أبيض لا يموت، وقلبهم أخضر يسع الدنيا ولا يضيق.

وحجارة البركة لها قصص وقصص تؤنس الروح، فهي مرايا السنين السالفة، فالحجر الكبير يحكي حكاية الحاج "أبو محمد"، "أبو النخوة" كيف قطعه من مقلع "الدبشة" وكيف نحته وكيف أتى به ليكون الحجر الأول في بناء البركة. 

وذاك يشهد لزينب "أخت الرجال". وذاك الآخر يبتسم لحب جمع بين عاشقين، حيث حفرا عليه اسميهما. وذاك وذاك يصدح بزغاريد الصبايا اللواتي يهززن الكون. 

والبركة كانت المورد في غياب المطر، فالنساء كنّ يقصدنها ليغسلن الثياب، ولينظفن الأواني المنزلية الصفراء والبيضاء ("فاللكن" النحاسي كان يعكس الشمس شمسين، و"الصينية" الفضية كانت قمر البركة)، وليملأن منها الجرار لسقي الدواب، ولسقي مشاتل الدخان، ومساكب النعناع والمردقوش والخبيز الأحمر.

والبركة كانت المسبح لنا في أوقات الحرّ، فكنا نبترد بمائها، وكنا ننقي القلوب بنقائها، ونطهر الأرواح من طهرها، وكنا نسابق بعضنا البعض ونقطف ثمار السعادة الفجة.

والبركة كانت جارة المسجد، حيط حيط، تقوم مع الفجر على صوت آذان الحاج نعمة، وتنام على حكاية جارها الشيخ حسن.

أما الساحة فلها أمجاد وأمجاد، فيها كان التحدي والمبارزات، فالجرن يقر ببطولة الرجال الرجال، وفيها كانت اللقاءات والعنتريات ودعاء الحجاج بالصولات والجولات، والافتخار بالذكريات، وفيها مقاعد الحجارة (هذا باسم أبو محمود، وهذا باسم أبو رامز، وهذا باسم أبو حسين). وفيها الضحك الذي ما أزال أسمع رناته إلى اليوم.

والساحة فيها الآبار التي تدل على النسب، فيها "بير بيت عسيلي"، و"بير بيت جفال" و"بير" الحب، و"بير" كل العالم. 

لله ما كان أطيب أيامها! ولله ما كان أجمل العيش في أجوائها! فيا ليت البركة تبقى تحت عيوننا، لتبقى لنا ذكريات الأهل، وحجار العز.                                                        

اخترنا لك