بالأبيض والأسود
يكفيني أن أعرف أنّ الزمن بكل ما يملكه من قسوة، لم يستطع أن ينتزع من روحي رائحة الطابون، ولا خشونة الحجر، ولا دفء يد جدي، ولا ذلك الغبار الذي علق بحذاء طفل صغير، وما زال، بعد 55 عاماً، يرفض أن يسقط.
-
حلحول، فلسطين، 1940
كلما حاولت أن أتذكّر قريتي، تختفي الألوان أولاً. لا أدري إن كان الزمن هو الذي سرقها، أم أنّ ذاكرتي خبّأتها في مكان لا تصل إليه اليد. أغمض عيني فأرى البيوت، والأزقة، والوجوه، والأشجار لكنني أراها كلها بالأبيض والأسود، كأنّ أحداً التقط لطفولتي صورة قديمة ثم نسي أن يعيد إليها ألوانها.
كنت في السادسة من عمري، ولا أعرف لماذا أشعر، بعد 55 عاماً، أنني لم أزر القرية يوماً بل هي التي مرت بي مرور الحلم، وتركت في قلبي ما يكفي لأقضي بقية العمر أبحث عنها.
أتذكّر الطريق إليها أكثر مما أتذكّر الطريق منها. كان الغبار يركض خلف السيارات، ثم يعود إلى الأرض مطمئناً كأنه يعرف أنه لن يغادرها أبداً، وعلى جانبي الطريق كانت الحقول تمتد بلا استعجال، بينما كنت ألصق وجهي بزجاج السيارة، أحاول أن أحفظ كلّ شيء، من دون أن أعرف أنني سأحتاج تلك التفاصيل بعد عمر كامل.
كان أول ما يستقبلني بيت جدي، أو لعلها الصنوبرة الضخمة التي كانت تظلله، وحتى اليوم لا أستطيع أن أفصل بينهما. كنت أظنّ أنّ البيت نبت تحتها، وأنّ جذورها تمتد في جدرانه كما تمتد في الأرض. كانت تلقي ظلها على الساحة الحجرية فيبرد النهار قليلاً وتغدو الجلسة تحتها عيداً صغيراً لا يحتاج إلى مناسبة. أجلس عند جذعها، أرفع رأسي حتى تتشابك الأغصان مع السماء، وأشعر ببراءة الأطفال أنّ الأشجار الكبيرة تعرف أسراراً لا تقولها إلا للعصافير.
حول البيوت كان الصبار يقف في صمت. لم أفهم يوماً لماذا اختاره الناس سوراً لمنازلهم. كنت أراه جاراً طيباً أكثر منه حارساً يقف في مكانه منذ سنوات لا يحصيها أحد. يعرف الداخلين والخارجين ويكتفي بأن يزهر مرة كل عام، ليؤكّد أنّ الصبر إن طال لا يخلو من مكافأة.
وفي وسط الساحة كانت شجرة توت عجوز، تتدلى من أحد أغصانها أرجوحة صُنعت من حبلين ولوح خشبي. كنت أركض إليها كلّ صباح وأدفعها بقدمي حتى تكاد تلامس السماء. وفي كل مرة ترتفع بي، كانت القرية تبدو أصغر، والبيوت أقرب إلى بعضها، والناس كأنهم عائلة واحدة خرجت لتستنشق الهواء.
أحياناً كنت أغمض عيني وأنا أتأرجح، ولم أكن أعرف أنني أتدرّب، من حيث لا أشعر على السفر الطويل بين الحضور والغياب.
في المساء امتلأت الساحة بالناس، وقالوا إنّ هناك عرساً. لم أفهم معنى العرس يومها لكنني فهمت الفرح. كانت الدفوف تدقّ كأنها قلب القرية، وكانت الأقدام تضرب التراب فينهض الغبار راقصاً معهم، والنساء يطلقن زغاريدهن، والرجال يشبكون أيديهم في الدبكة.
أما أنا فكنت أدور بين الوجوه مأخوذاً بذلك السر الذي يجعل الناس يبتسمون جميعهم في اللحظة نفسها. لا أتذكّر وجوه العروسين، لكنني ما زلت أتذكّر أنّ الليل للمرة الأولى، بدا لي مضيئاً بلا قمر.
وفي الصباح كانت رائحة الطابون توقظ الأزقة قبل الناس. كانت الرائحة تعرف الطريق وحدها. تخرج من بيت جدتي، وتمر على الجيران، ثم تختلط برائحة الحطب والدقيق، حتى يُخيّل إليّ أنّ القرية كلها كانت رغيفاً واحداً يتنفّس.
وإلى جوار الدكان الصغير، كان جدي يجلس بهدوئه الذي يشبه جذوع الزيتون. لم يكن الدكان كبيراً، لكنه كان يتسع لكلّ شيء. أكياس القمح، صفائح الزيت، حبات السكر الملوّنة، أحاديث الرجال، وضحكات الأطفال. كنت أدخل إليه فأشعر أنّ العالم كله يمكن أن يوضع على رفوف خشبية متواضعة.
وبالقرب من الدكان كانت معصرة الزيت، وإلى اليوم إذا لامست أنفي رائحة زيت جديد، رأيت الحجر الضخم يدور ببطء، ورأيت الزيت الأخضر ينساب كما لو أنّ الأشجار تذيب أعمارها في إناء صغير. أما مطحنة القمح، فما زلت أسمع هديرها كلما ساد الصمت. كان صوتها يشبه نبضاً عميقاً يخرج من قلب الأرض.
الغريب أنني لا أتذكّر يوم الرحيل، أبحث عنه فلا أجده، كأنّ أحداً مزّق الصفحة الأخيرة من ذلك اليوم وأبقى لي الصفحات التي قبلها فقط. لا أذكر أنني ودّعت الصنوبرة، ولا الأرجوحة، ولا الصبار، ولا دكان جدي، ولا الطابون، ولا الأزقة الترابية التي كانت تحفظ وقع أقدامنا. ربما لأنّ طفلاً في السادسة لا يعرف أنّ بعض الأبواب إذا أغلقت قد تحتاج عمراً كاملاً كي تفتح.
55 عاماً مرّت كبرت خلالها مدن واختفت أخرى وتبدّلت وجوه كثيرة. أما قريتي فما زالت في السادسة من عمرها. ما زالت تنتظرني عند ظل الصنوبرة وتترك الأرجوحة تتحرّك قليلاً كأنّ طفلاً نهض عنها قبل لحظة.
وكلما أغمضت عيني أمشي في أزقتها من جديد. لا أسأل إن كانت البيوت لا تزال قائمة، ولا إن كانت الأشجار لا تزال تورق. يكفيني أن أعرف أنّ الزمن بكلّ ما يملكه من قسوة، لم يستطع أن ينتزع من روحي رائحة الطابون، ولا خشونة الحجر، ولا دفء يد جدي، ولا ذلك الغبار الذي علق بحذاء طفل صغير، وما زال، بعد 55 عاماً، يرفض أن يسقط.