اهتم بالرسالة فهي أهم من المرسِل

قد تُصاغ الكفاءة الغائرة خارج الأسوار الرسمية. والمنهج يُتعلَّم. والرياضة الفكرية تُربَّى. بل إنّ أول من علّمني في أكسفورد لم يكن يحمل إلا الدرجة الجامعية الأولى. فاللقب تبع، والعمل هو الأصل.

  • عدد جريدة فلسطين بتاريخ 1 حزيران/يونيو 1949، وهي جريدة سياسية إخبارية مصورة تأسست عام 1911 على يد عيسى داوود العيسى
    عدد جريدة فلسطين بتاريخ 1 حزيران/يونيو 1949، وهي جريدة سياسية إخبارية مصورة تأسست عام 1911 على يد عيسى داوود العيسى

مهمة المثقف العام لا تكمن في التنافس على جذب الانتباه، بل في تحويل وفرة المعلومات إلى فهم نقدي رصين، ولا سيما بالنسبة للفلسطينيين الساعين إلى استعادة روايتهم الخاصة في ظل "العرقبادة" والدعاية والتبعية الفكرية.

شخصي أنا، كاتب هذه السطور، قليل الشأن في الميزان. فلست بريد وقائع من ساحة الوغى، ولا شريكاً في صخب السياسة. ولست من أهل الحكم ولا من منظّمي الهتاف، ولا محترفاً حزبياً، ولا رسولاً لنظام أو سلطان. 

إنما يعنيني أمر أهدأ صوتاً، وأبعد مدىً في ظنّي: تشييد الفكرة، ونحت المصطلح حيث تضيق العبارة، وترتيب المعرفة وحملها إلى الناس بما قد ينفع.

فلسنا في زمن شحّت فيه الأنباء، بل في زمن شحّت فيه أدوات نظمها وفقهها. ويتّسع خطر هذا الشحّ اليوم، إذ يُصنع أمام أعيننا تاريخ الإنسان عامة، وتاريخ الأمة العربية، والشام، وغرب آسيا خاصة، على نحو قلّما اتفق للعصور. 

فالمقول أخطر من القائل، إذا صلح المقول وكان فيه غَناء. بهذا أفقه رسالتي: أكاديمياً أولاً، ومثقفاً (جماهيرياً) عمومياً من بعد. فإن الأكاديمي إذا خرج إلى الناس لم يجز له أن يظلّ رهين المنبر الجامعي أو المجلة المحكمة.

ولا يجوز للمعرفة أن تكون حليةً، أو نقداً يُتداول في سوق المهنة، أو منبراً يُسترق للولاء. 

المهمة أن يُحمَل المنهج من الحرم الضيّق إلى الساحة الرحبة: أن نجلو لا أن نلقّن، وأن نفضّ عُقَد الكلام لا أن نؤجّج النار، وأن نعين الخلق على إدراك ما يدور بهم، لا أن يقفوا عند ظاهر الحدث، بل أن يبلغوا علّته، والقوى التي تسوقه، وما يتمخّض عنه من عواقب نائية.

وليس المثقّف العمومي نائباً عن السياسي، ولا سابقاً إلى الخبر يطلب السبق، ولا طالباً صفقاً. مقامه غير هذا. فنحن، إن صدقنا الوظيفة، مفصل بين العلم المنظوم والجمهور نضع في الأيدي مفاتيح الفهم، ولا نحبسها خلف أسوار الدار. 

وتشتدّ هذه الأمانة حين تختلط الحقيقة باللغط، والمأساة بالدعاية، ودمعة الثكلى بدم الشهيد. وهي أشد لزوماً في زمن جرائم "العرقبادة"، وأعني بها اقتران ما بين جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، في قطاع غزة وفي الإقليم من حوله.

وليس في هذا إعلاء لشأن الأكاديمي. بل عكس ذلك. يصغر شأن الفرد لأن المهمة الفكرية تعظُم. وقد تشكّل إسهامي في هذه المهمة من عمر علمي تشعّبت دروبه بين الثقافات والقارات، ومن إلمامٍ بعدّة ألسنة: العربية والعبرية والإنكليزية، إلى لغات أوروبية أخرى وأفريقية غيرها.

كما تشكّل من كوني عربياً فلسطينياً: وُلدت على محور هزيمة 1967، ونشأت في ظل الاحتلال، وتلقيت العبرية منذ العهد الأول، ثم حُملت إلى بريطانيا وقلعتها الأكاديمية، كريمة فاضلة في حين، وخانقة قاتلة في حين.

ومن نحو ربع قرن يدفع الطلاب الأجور الغالية ليتعلموا على يدي في الجامعات البريطانية، بدءاً من كامبريدج عام 2003. غير أن المعرفة إذا غادرت الحرم إلى الناس اكتسبت ذمة أخرى. فما ادُّخر في المؤسسات ينبغي، حيث أمكن، أن يُردّ طليقاً إلى الخير العام.

ولست أستدعي فلسطينيتي زهواً بالنسب أو المكان. فالأرض كلها فسحتنا، وبلاد العرب أوطاني، وفلسطين كلها بلدي: من جليل المسيح الناصري إلى غزة هاشم. ومسقط الرأس يافا، عروس البحر، التي كانت تُتوَّج ببساتين الحمضيات حتى جُرحت وأُضرمت.

لكن السيرة لا تُحمد إلا إذا أمدّت الفهم بأدواته. ومن سكن لغاتٍ وعوالم شتى ملك أن يقرأ الحركة السياسية من أكثر من مطلّ: فيصل الجغرافيا والديموغرافيا بالاقتصاد السياسي، ويفحص مواطن القوة، ويقابل الرواية بالرواية، ويقرأ السياق من داخله ومن خارجه في آن. 

وفي أمري ينبغي أن يخدم هذا الكدح أولاً أرض فلسطين المعذبة المتروكة وأهلها. وقد عشت وعملت بين علماء غير عرب في الغرب، وفي النفس توقير عميق للبحث الرصين والمنهج العلمي. فلا يُزهَد في هذه المنجزات، ولا يُلاذ بإقليمية فكرية ضيّقة. غير أنّ الانفتاح ليس إذعاناً. فلست مفتوناً بالخواجات، ولا مأخوذاً بمن يتقدّم من وراء البحر ليستولي على قصتنا من دوننا. 

لنا أن نقدّر من رام فهم بلائنا، ولنا أن نرحّب بالنصرة. لكنّ في الأمر اختلالاً بيّناً إذا جُعل المفسّر الغريب، بحكم غربته، أولى بالكلام من أهل التاريخ والسلب والكفاح. فليتكلموا. ولنصغِ. ولتَسرِ المعرفة عبر الحدود حرّة. 

أما الحكاية فلا نسلّمها. وإلا دخل العربي ضرباً عجيباً من الأسر العقلي: يضعف وثوقه بقدرته على تفسير العالم، ويتعلّق بكل صياغة واردة كأنها وحي منزل. وليس هذا دعوة إلى العزلة، إنما هو دعوة إلى السيادة الفكرية، وها هنا جوهر المعضلة، لقد فاضت المعلومات، الكتب والدراسات والمقالات والدفاتر والأفلام والخزائن مبذولة على نحو لم يخطر للسابقين، وكثير مما نطلبه قائم في مكتبة أو ساربٌ في الشبكات. 

وصعوبتنا لم تعد، على التزايد، بلوغ الخبر، بل ما نطيق أن نصنع به بعد بلوغه. يبدأ العمل الحق إذا حُصّلت المعلومة: في الفصل بين الصادق والكاذب والمضلِّل، وفي فضّ الحجّة إلى أجزائها، وفي كشف مقدماتها، وفي إنزالها في حقل تاريخي ونظري أوسع، وفي وصل باب من العلم بباب ثم في صياغة نموذج متماسك للفهم من تلك الشظايا. 

وهذا التفكيك النقدي لا غنى عنه إن أريد للناس أن يفقهوا بواعث ما يجري حولهم، ومعنى الحوادث ومقدارها. ومن دونه يوافينا التاريخ موكب تنبيهات. عنوان يزيح عنواناً، ونازلة تتبع نازلة. نلتهم الكِسَر، ونعيدها، ونغضب لها أو نفزع، ويسهر الليل بنا بسببها، من غير أن نزداد قدرة على تفسير البنية التي تلدها. 

عندئذ تلد المعلومات قلقاً وأرقاً ووهناً في الأعصاب، لا علماً يُقام عليه فكر أو عمل. المعلومة الغُفل تُتداول ميسورة، أما الصنعة التي تحيلها فهماً فقلّما تُبذل بمثل يسرها. ولذلك يقف أكثر الناس عند الشظايا، لا يحوّلونها إلى إدراك منظوم، ولا إلى طاقة على الاستعمال والموازنة والنقد. وهنا يبقى للمتقنين من أهل الاختصاص، وللمعلمين الجادين، وللمفكرين الصادقين، موضعهم.

ففي أحسن حالهم يملكون إطاراً نظرياً، ومنهجاً منضبطاً، وعيناً على الأنماط، وفقهاً للحدود والاستثناءات، وقدرة على وصل حقل بحقل. غير أن هذا كلّه ليس حكراً على حملة الألقاب، فقد تُصاغ الكفاءة الغائرة خارج الأسوار الرسمية، والمنهج يُتعلَّم، والرياضة الفكرية تُربَّى. بل إنّ أول من علّمني في أكسفورد لم يكن يحمل إلا الدرجة الجامعية الأولى. فاللقب تبع، والعمل هو الأصل.

إذاً رخصت الأنباء، أما الفهم المنظوم ونسج المعرفة فبقيا عزيزين نادرين، ومن ثم ثمينين. والاختصاص يعين عوناً عظيماً، لكنه ليس الشرط الأوحد. الشرط الأول كدح المنهج: التحليل والتركيب والمقابلة والتفكيك النقدي. 

هذا ما أرى المثقّف العمومي مديناً به للناس: لا صوتاً جديداً يطلب حصته من اللغط، بل محاولة أن يُجعل اللغط مفهوماً. أما فلسطين، فسيشتدّ لهذا الفرق خطره مع الأيام.

لقد خدمت وسائل التواصل فلسطين خلال ربع القرن المنصرم خدمات ليست باليسيرة، ولا سيما منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر عام 2000. فكسرت احتكار الصورة والشهادة، وأذنت للفلسطيني أن يتكلم عبر الحدود، وأن يقيّد ما كان يُطوى، وأن ينازع الرواية الرسمية، وأن يعرض كِسَر عيشه على الملايين. 

لكن التداول ليس علماً. وستحتاج العقود التي تلي جرائم "العرقبادة" إلى أكثر من القدرة على جعل فلسطين مرئية. ستحتاج إلى أن ينشئ الفلسطينيون معرفة بما نزل بهم، ويرتّبوها ويصونوها، وأن ينحتوا مفاهيمهم ويساءلوا التصنيفات المفروضة عليهم، وأن يصلوا التاريخ بالاقتصاد السياسي والشريعة واللغة والديموغرافيا والسلطان، وأن يحولوا دون أن يصير غيرهم الكاتب الأول لمعنى فلسطين. 

أعانت وسائل التواصل فلسطين على إبلاغ الرسالة. أما إنتاج المعرفة فسيعين أهلها على أن يظلوا مالكيها. وذلك، لا الرسول، هو ما يُعتدّ به.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك