اليمن: كيف تحوّل "النكف القبلي" من شبكة أمان محلية إلى وسيلة لإسناد المقاومة؟
كيف تحوّل "النكف القبلي" من وسيلة محلية لنصرة المظلوم إلى نداء لإسناد فلسطين وغزة ولبنان، متجاوزاً حدود القبيلة والجغرافيا؟
في التاريخ الاجتماعي لليمن، حيث شكّلت الطبيعة الجبلية والبدوية الوعرة تحدياً أمام استقرار سلطة مركزية دائمة في الأطراف، لم تعش المجتمعات المحلية في حالة من الفراغ الأمني أو الفوضى العرفية.
بدلاً من ذلك، أنتجت البيئة اليمنية إحدى أكثر أدوات التكافل والضبط الاجتماعي أصالة وصرامة، وهي ظاهرة "النكف القبلي" التي تُعد من أبرز وأرقى وسائل التضامن والاستنفار الجماعي في منظومة التقاليد القبلية.
ويُعرّف "النكف" في المنظومة العرفية بأنه نفير عام وتعبئة جماعية شاملة يعلنها شيخ قبلي أو شخصية اعتبارية بارزة في الظروف الاستثنائية والخطيرة، مثل التعرض لظلم بيّن، أو انتهاك صارخ للعرف، أو الاعتداء على الأعراض والممتلكات، أو مواجهة خطر خارجي يهدد الأرض والسلم.
والنكف يمثل حالة استنفار تستجيب لها القبيلة، ويشارك فيها، بحسب أعراف كل قبيلة وظروف القضية، القادرون على المساهمة في الحشد أو الإسناد، ليكون بمثابة "قانون طوارئ" أهلي تنظمه الأسلاف والتقاليد الصارمة.
غير أن "النكف" لا يُعد إعلاناً للحرب بالضرورة، بل هو أداة ضغط قصوى لإظهار القوة والتضامن، بهدف إجبار الطرف الآخر على الخضوع للحق وإنصاف المظلوم، حيث يظل الخيار العسكري الملاذ الأخير بعد فشل جهود الوساطة والصلح.
الجذور التاريخية
-
النكف يمثل حالة استنفار تستجيب لها القبيلة
لم ينشأ "النكف القبلي" من فراغ، بل وُلد في رحم بيئة جغرافية واجتماعية قاسية ومتعددة الانقسامات. ففي الفترات التي ضعفت فيها الدول المتعاقبة عبر العصور التاريخية والإسلامية، وجدت القبيلة نفسها قائمة على حماية أرضها ووجودها. ولم تكن القبيلة مجرد تجمع سياسي طارئ، بل حلفاً استراتيجياً أمنياً واقتصادياً يُنظر فيه إلى الفرد كجزء لا يتجزأ من "شرف" الجماعة ومكانتها.
وفي حديث خاص لـ"الميادين الثقافية"، تؤكد الدكتورة سكينة أحمد هاشم، نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية لشؤون خدمة المجتمع بجامعة صنعاء، أن "النكف القبلي" يعد من أعمق الأعراف تجذراً في البنية الاجتماعية والتاريخية لليمن.
لم يعد النكف مجرد استدعاء لعصبية ضيقة أو ثأر محلي، بل أعيد تكييفه في الوعي المعاصر ليتقاطع مع القضايا الكبرى والوطنية والإنسانية، مثل التضامن في الأزمات الكبرى، والإغاثة الطارئة، أو مواجهة التحديات المصيرية، كما في غزة وفلسطين ولبنان.
وتشير هاشم إلى إمكان مقاربة النكف ضمن تاريخ أوسع من الأحلاف والتعبئة الجماعية في اليمن القديم، بما في ذلك ما عرفته ممالك سبأ وحِمْيَر وقتبان وحضرموت من تنظيمات اجتماعية وسياسية لحماية المصالح المشتركة، وتأمين طرق التجارة والدفاع عن الأراضي.
شواهد المؤرخين ودهشة الرحالة: دساتير شفاهية غير مكتوبة
-
كان الداعي يبعث برسائل مشخصة أو رموز دالّة
تناولت مصادر تاريخية وأدبية يمنية موضوع القبائل والأحلاف والنفير، ومن أبرزها مؤلفات الهمداني ونشوان الحميري. كما قدّم بعض الرحالة والكتّاب أوصافاً للمجتمع القبلي اليمني في فترات مختلفة؛ فقد زار كارستن نيبور اليمن في القرن الــ 18، بينما كتب أمين الريحاني عن رحلته إلى اليمن في القرن الــ 20.
وتجلّت هذه الظاهرة في المدونات التاريخية عبر مسارات متعددة؛ فقد ظهر النكف بمسميات مترادفة، مثل الاستنصار، والنفير العام، والتقاتد، والاستجابة لداعي الحلف.
وكان الداعي يبعث برسائل مشخصة أو رموز دالة، كقطع قماش أو طلقة رصاص أو عُرف رمزي، لتجتمع القبائل في مواقع تُعرف بالمطارح أو المرازيق.
يتجلى "النكف القبلي" في اليمن، لا كأثر غابر من حفريات الماضي، ولا كمجرد طقس صحراوي عابر، بل كمنظومة قيمية حية وقانون اجتماعي راسخ أثبت قدرة استثنائية على التكيف والاستمرار عبر العصور.
ويشير بعض الكتابات عن المجتمع القبلي اليمني إلى قدرة القبائل على التعبئة السريعة عند وقوع خطر أو صدور نداء للنصرة.
وتضيف هاشم أنه مع مجيء الإسلام وتأسيس الدول المتعاقبة، استمرت القبيلة كمؤسسة أهلية شبه مستقلة لحماية رعاياها في الأرياف والبوادي، حيث ظل العُرف القبلي، أو أسلاف القبائل، هو المرجع التشريعي والأمني الحاكم، وظهر مصطلح "النكف" بآلياته المحددة ليكون الأداة القانونية العرفية لردع المعتدي واستعادة التوازن الاجتماعي.
الضوابط والأدوار
-
كانت القبائل المستجيبة تتحقق أولاً من عدالة القضية
ولم يكن النكف مجرد حشد عسكري، بل أُطّر بأعراف أخلاقية قاسية. إذ تثبت المراجع أنه لم يكن يُشرع إلا في قضايا تمس الشرف والعرض والأرض وحريم الجوار، أو ما يُعرف بالعيب الأسود أو الأحمر.
وكانت القبائل المستجيبة تتحقق أولاً من عدالة القضية، فإن تبيّن أن الداعي ظالم، يُثنى عن دعوته ويُحاسب على تجاوز الأعراف.
كما كان المتخلف عن تلبية النداء يوصم بالعار الاجتماعي، وتُفرض عليه عقوبات مادية قاسية تعرف بالغرائم، أو يتم إسقاط الحماية عنه. إضافة إلى ذلك، تتضمن بعض مواثيق الشرف والأعراف القبلية قواعد لحماية الأطفال والنساء والجرحى والمسافرين والأسواق والممتلكات.
ولم تقتصر وظيفة النكف على البعد الدفاعي، بل امتدت لتشمل أدواراً أمنية واجتماعية واقتصادية متكاملة. فقد أسهم في توفير الضبط الأمني عبر الاحتكام إلى الأسلاف والأعراف، لردع المعتدي وحماية المستضعفين وصون الاعتبار الجمعي.
كما عمل كشبكة أمان تكافلية تضمن عدم مواجهة أي وحدة عائلية للمخاطر بمفردها، من خلال فرض التضامن الإجباري، وارتبط بنيوياً بنظام الرفد الاقتصادي لتقديم العتاد والمؤن والموارد المادية، مما أدى إلى توزيع الأعباء الاقتصادية على نطاق واسع ومنع الانهيار المالي لأي قبيلة.
مع التحولات التاريخية، تطورت وظيفة النكف، فبعد أن كان في العصور التقليدية صمام أمان للدفاع عن الأرض والهوية، وأداة تفاوض ضد تجاوزات السلطات الحاكمة، تحوّل في السياقات المعاصرة إلى ورقة ضغط سياسي واجتماعي، وآلية أهلية لملء الفراغات الأمنية الحادة.
وقد أثبت النكف قدرة عالية على الصمود والاستمرار كمؤسسة بديلة ذات كفاءة، مستنداً إلى استقلالية منظومته القانونية الشفهية والمكتوبة في الذاكرة الجمعية، التي مثّلت دستوراً مجتمعياً يعوّض غياب الدولة، إضافة إلى منظومة الضبط الاجتماعي الصارمة والتكافل المادي المتبادل.
وقد مكّنه ذلك من أداء بعض الوظائف المحلية، كالفصل في النزاعات الكبرى، وتأمين الطرق والأسواق، وحماية المستجيرين والنازحين أو من يدخلون في جوار القبيلة.
ومع التحولات التاريخية، تطورت وظيفة النكف، فبعد أن كان في العصور التقليدية صمام أمان للدفاع عن الأرض والهوية، وأداة تفاوض ضد تجاوزات السلطات الحاكمة، تحوّل في السياقات المعاصرة إلى ورقة ضغط سياسي واجتماعي، وآلية أهلية لملء الفراغات الأمنية الحادة.
وحدة البناء القبلي وخصوصية النموذج اليمني
-
الشيخ ضيف الله رسام
في قراءته لآلية تنفيذ "النكف القبلي"، يبيّن الشيخ ضيف الله رسام، رئيس مجلس التلاحم القبلي، أن النكف يمثل عرفاً معروفاً لدى عدد كبير من القبائل اليمنية، مع احتمال اختلاف تفاصيله ودرجة إلزامه من قبيلة ومنطقة إلى أخرى.
وبحسب وصفه، تسبق النكف خطوات عرفية تبدأ بطلب الحق، ثم إتاحة المجال للوساطات، ثم مرحلة "الدفير" لطلب الحق وإنصاف المظلوم، فإن تعنّت الطرف الآخر أمكن اللجوء إلى النكف.
و"الدفير" معناه قيام قبيلة أخرى بالوساطة وتقديم الطلب، فإن أبدت الجهة الأخرى تعنتاً ورفضاً لإحقاق الحق، تبرز حينها الضرورة القصوى لإعلان النكف. والمخوّلون بإدارة هذا المسار هم زعماء القبيلة وشيوخها وحكماؤها، بالتشاور مع أبنائها.
وما زالت هذه الأعراف حية وملموسة ومطبقة بشكل يومي في أوساط القبائل اليمنية حتى يومنا هذا، كصمام أمان للعدالة والإنصاف. وهناك حالة أخرى، هي الاعتداء والمساس بالعرض، حيث يأتي النكف تلقائياً.
لم تقتصر وظيفة النكف على البعد الدفاعي، بل امتدت لتشمل أدواراً أمنية واجتماعية واقتصادية متكاملة. فقد أسهم في توفير الضبط الأمني عبر الاحتكام إلى الأسلاف والأعراف، لردع المعتدي وحماية المستضعفين وصون الاعتبار الجمعي.
ويضيف رسام أن ما يميز النكف اليمني عن أشكال التعبئة القبلية في مجتمعات عربية أخرى هو صفته الملزمة والصارمة. إذ لا يستطيع أي فرد التخلف عن تلبية الداعي متى ما كان النداء مشروعاً، بينما تعرضت البنى القبلية في مجتمعات أخرى للتهميش والاختراق.
ويقول: "ظلت القبيلة اليمنية محتفظة بصلابتها، مستندة إلى وازع ديني وأخلاقي، وإلى قيادة متمثلة بأعلام الهدى من أهل البيت، الذين وجّهوا طاقات القبيلة لنصرة قضايا الأمة ومقارعة المعتدين".
من العصبية المحلية إلى الضمير الجمعي العابر للحدود
-
جرت "أدلجة" العُرف لينتقل من وظيفة الثأر المحلي إلى "طقس تضامني وطني وعقائدي" عابر للحدود
وعن التحول السوسيولوجي في وظيفة النكف، يفسر علم الاجتماع، وتحديداً سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، الانتقال المذهل للنكف من إطاره المحلي الضيق إلى فضاء التضامن القومي والإنساني الواسع، نصرةً لغزة وفلسطين، باعتباره نموذجاً حياً لإعادة إنتاج الرموز الثقافية التقليدية في خدمة القضايا الكبرى.
وتوضح سكينة هاشم أن هذا التحول قام على مرتكزات عدة، أبرزها توسيع حدود الجماعة المرجعية، حيث لم يعد "الجار" أو "المظلوم" محصوراً في حدود القبيلة المجاورة، بل امتد ليتسع ويشمل الأمة والدم العربي والإسلامي والإنساني.
لا يُعد "النكف" إعلاناً للحرب بالضرورة، بل هو أداة ضغط قصوى لإظهار القوة والتضامن، بهدف إجبار الطرف الآخر على الخضوع للحق وإنصاف المظلوم، حيث يظل الخيار العسكري الملاذ الأخير بعد فشل جهود الوساطة والصلح.
كما جرت "أدلجة" العُرف لينتقل من وظيفة الثأر المحلي إلى "طقس تضامني وطني وعقائدي" عابر للحدود. وتتقاطع قواعد الشرف القبلي مع المبادئ الإنسانية في عقيدة "حماية الدخيل والمستجير"، حيث وجد الوجدان اليمني نفسه أمام داعي استغاثة كوني إثر استباحة غزة، إلى جانب الرمزية البصرية والصوتية الموحدة، كالزوامل والنفير، التي ترجمت القضايا القومية الكبرى إلى لغة شعبية جامعة.
وفي السياق ذاته، يؤكد الشيخ ضيف الله رسام أن النكف "حافظ على أصالته مع اتساع دلالاته، لأنه مفهوم مرن ومتجدد بجذوره القيمية، إذ لم يكن يوماً محصوراً في النزاعات الصغيرة، بل كان دائماً وسيلة للدفاع عن الأرض والعرض والدين".
وحين اتسعت دائرة التهديد لتشمل القضية المركزية في فلسطين، استدعى النكف جذوره القرآنية ليمتد إلى التضامن الإنساني، تجسيداً لثقافة نصرة المظلوم وردع الظالم.
كما ينطوي النكف على مسارين: مسار داخلي لدفع الظلم عن القبيلة، ومسار أوسع لنصرة المظلومين في أي مكان، كأبناء الشام والعراق وفلسطين وغزة.
"النفير" الرقمي
-
لم يعد النكف مجرد استدعاء لعصبية ضيقة أو ثأر محلي، بل أُعيد تكييفه في الوعي المعاصر ليتقاطع مع القضايا الكبرى والوطنية والإنسانية
وفي عصر الثقافة الرقمية والعولمة، التي تُعلي شأن الفردانية وتستهلك الخصوصيات الثقافية التقليدية، يبدو لافتاً كيف استطاعت ظاهرة عريقة، كـــ "النكف القبلي" في اليمن، الاحتفاظ بحيويتها وجاذبيتها، وكيف انخرط الجيل الجديد فيها بحماسة.
فلم تنكفئ هذه الظاهرة على الماضي فحسب، ولم تذب في قوالب الحداثة العابرة، بل خضعت لعملية "تكيّف رقمي وثقافي واعٍ" ضمنت لها البقاء والصلابة.
كما لم يعد إطلاق النكف مقصوراً على صرخات الجبال أو إرسال الرسائل الورقية والرموز التقليدية فحسب، بل استثمر الجيل الجديد مواقع التواصل الاجتماعي لإطلاق "النداء الافتراضي" وبث الزوامل الحماسية والمقاطع المرئية العالية التأثير.
هذا التحول الرقمي جعل النكف يتجاوز العوائق الجغرافية بسرعة فائقة، مستقطباً تضامن الشباب المغتربين والمنتشرين في المدن وخارج البلاد.
ولم يعد النكف مجرد استدعاء لعصبية ضيقة أو ثأر محلي، بل أُعيد تكييفه في الوعي المعاصر ليتقاطع مع القضايا الكبرى والوطنية والإنسانية، مثل التضامن في الأزمات الكبرى، والإغاثة الطارئة، أو مواجهة التحديات المصيرية.
هذا الإطار الواسع منح الجيل الجديد شعوراً بالبطولة والمعنى الجماعي الذي تفتقده المجتمعات الفردية المعاصرة، التي تعزز العزلة والاغتراب النفسي.
وللحفاظ على هذا الإرث، يرى الشيخ ضيف الله رسام ضرورة "إطلاق مشروع وطني شامل يتجاوز الجمع السطحي للصور أو التسجيل العابر للزوامل، ليغوص في الذاكرة القبلية الميدانية عبر مسارين: مسار أكاديمي وبحثي يشجع الجامعات على إعداد دراسات موسوعية حول الأسلاف وتاريخ النكف، ومسار ثقافي وإعلامي يحوّل هذه الذاكرة إلى أعمال وثائقية ودرامية تعزز القيم الجوهرية، كإجارة المستجير ونصرة الجار".
ويختتم الشيخ رسام بالإشارة إلى أن الرسالة التي يحملها النكف اليمني اليوم إلى العالم "تتلخص في رفض تحويل الظلم أو الغزو إلى أمر طبيعي. فهي رسالة عزة مفادها أن الشعوب المرتبطة بقيم الدين وأعلام الهدى لا تكسرها أطماع المستكبرين، وأن اليمن سيبقى ملاذاً للمظلومين وثابتاً على نداء الواجب المقدس في نصرة الشعب الفلسطيني في غزة".
هكذا يتجلى "النكف القبلي" في اليمن، لا كأثر غابر من حفريات الماضي، ولا كمجرد طقس صحراوي عابر، بل كمنظومة قيمية حية وقانون اجتماعي راسخ أثبت قدرة استثنائية على التكيف والاستمرار عبر العصور.
