الوطن في حافلة
حاولت بكل قوة إخراج علبة الكبريت من جيب سترتي وإشعال عود الثقاب لكي أرى، حاولت ذلك عدة مرات، لكن شخصاً ما صاح باسمي من الخلف وبصوت أبح: التزموا الصمت أرجوكم، كفاكم إزعاجاً لنا، نحن في مقبرة جماعية.
-
الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
لم يكن الباص حافلة لنقل الركاب وحسب، كان أشبه بوطن صغير يسير بنا من مكان إلى آخر، وبين زقاق وزقاق يمر العمر سريعاً مثل ومضة برق في ليلة حزينة من ليال تشرين الباردة، أو شريط سينمائي تاركاً خلفه الكثير من الذكريات المبعثرة، كالأشجار حين يهزها الخريف بيده، تتناثر أوراقها وتملأ الطرقات والممرات التي تحتفظ بوجوهنا وأصواتنا نحن الكادحين.
بمرور الأيام تحولت الحافلة إلى عائلة واحدة، يعرف بعضها بعضاً من طبقة واحدة يجمعها البؤس والعمل معاً وأحياناً الفرح والسعادة، وهذا ما فرضه علينا الاحتلال من حصار خانق حيث يصعب عليك العيش بسهولة.
اعتدنا على مشاهدة وجوهنا، والشخص الذي يغيب عنا نحاول التواصل معه لعله يحتاج إلى المساعدة. ما يثير إعجابي وإعجاب الجميع هو السائق حيث شعاره الدائم: عدم التدخين في الحافلة والنظافة أولاً.
لم تغيّر الحاجة أم محمود مقعدها، ما زالت تحتفظ به منذ ركوبي الحافلة، تجلس خلف السائق على مهل من جهة النافذة، إلى جوارها حفيدتها سمية ذات السبعة أعوام بعيون زرقاء تحيي المارة بيديها مع ربطات الخبز الذي تبيعه في سوق الزاوية.
بعد الصباحات المتبادلة تنفتح شهيتنا نحو الحديث فكل منا يدلو بدلوه، وتستمر القصص والنكات مثل زقزقة العصافير في صباح شتوي ممطر وبارد، فما أن توقّف الراديو عن بثّ برامجه المعتادة حتى سمعنا صوت الملثم أبو عبيدة وهو يتلو علينا بياناً آخر، يسرد لنا البطولات والانتصارات في الجبهات مع العدو، ومن الأخبار المفرحة.. دخول لبنان والعراق واليمن كجبهات إسناد، ولأنّ العدو مصاب بهيستيريا الفشل والهزيمة في الميدان، أخذ يقصف الأبراج السكنية والمستشفيات محاولاً قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء، لكسر عزيمة الشعب والمقاومة.
التفتت إلينا الحاجة أم محمود وهي تعيد ذاكرتها الذائبة في الماء، وبعد صمت رهيب تشابكت أصابع يديها.. انهمرت الدموع من عينيها مثل مطر خفيف وهي تقول: "نزحت أكثر من مرة، ومع كل قصة نزوح مرارة وفقد، خسرت أبنائي ولم يبق لي في هذه الحياة سوى أحفادي وزوجة ولدي الشهيد، للأسف البعض ينظر إلينا أرقاماً في نشرات الأخبار، لكنّ الحقيقة مؤلمة وقاسية جداً، تخيّل وأنت في السبعين من عمرك، ثم في لحظة ما يسرق منك كل شيء، الفرح والسعادة، يتلاشى حلمك وتموت ابتسامتك إلى الأبد، هذه المشاعر لا يشعر بها أحد غيرك، أنت وحدك تموت ووحدك تشيّع نفسك، لا أحد يبكي عليك، وكأنّ بينك وبين هذا العالم ثقب أسود يبتلع كل أحزان الفلسطينيين".
قال العم أبو إسماعيل وهو يخلع نظارته الطبية.. يحدّق في زوايا الحافلة، وفي صوته نبرة حزن كبير: "أنت تقدّمين لنا وللآخرين درساً من العطاء والتضحية يا أم محمود، هذا هو حال شعب فلسطين يناضل ويكافح من أجل أن يعيش بكرامة وطوفان الأقصى أعاد إلينا بصيصاً من الأمل، لقد فقدت في الحرب السابقة ساقي واليوم لدي ساق اصطناعية، أعتقد أنها تفي بالغرض". أما أبو أيوب فلم يتمالك نفسه وهو أسير محرر؛ قام من مقعده في آخر الحافلة وراح يقبل رأس الحاجة أم محمود. قال لها: "كل من في الحافلة هم أولادك وأحفادك".
جلس أمامها وأخذ يحدّثها عن الأسر ومعاناته، وأنّ "طوفان الأقصى" هو صرخة ألم لكلّ فلسطين من شمالها إلى جنوبها وأنّ العالم تغيّر لم يعد صامتاً كالسابق، فالشعوب التي تخرج وتحمل علمنا وتتظاهر في العواصم، والمسيرات التي تنطلق من لبنان والعراق، والصواريخ التي تدك الصهاينة من اليمن.. هو إنجاز عظيم.
ورغم شراسة الحرب لكننا شعرنا بفرح غامر، لأنّ كلّ من في الحافلة هم على قلب رجل واحد. حتى السائق العنيد الذي لا تكسر قراراته سمح لنا بالتدخين.
أكثر ما يشغلني الآن ليس مزاج السائق المتقلّب، ولا القصف العشوائي أو تأخيري عن العمل، بل لأنّ الليلة عيد ميلاد ابنتي مريم، حيث ستدخل الليلة عامها السادس، وطلباتها لا تعدّ ولا تحصى؛ من ملابس "سانتا كلوز" إلى بطاقات الدعوة إلى الأهل والأصدقاء وشراء كلّ مظاهر الفرح والزينة.. أصرّت على المجيء معي، لذا علي أن أطلب رخصةً أو استراحةً من صاحب المكوى. عندما عرف الحاضرون بعيد ميلادها الليلة قدّموا لها أطيب التهاني والأمنيات، قبل أن نصل سوق الزاوية بلحظات اشتد القصف وأحاط بنا الدخان من كلّ جانب، قالت الحاجة أم محمود: "لماذا لا نعود إلى البيت؟"
لكنّ أبو إسماعيل كان له رأي آخر حيث قال: "كل واحد يموت بيومه".
اتفق الجميع على الذهاب نحو العمل، وبعد مشاهد الهلع وسيارات الإسعاف وهي تخرج من السوق، ساد الحافلة نوع من الذعر والهلع. حضنتني مريم وهي تردّد: "أنا خائفة يا أبي".
وأنا أقول: "لا تخافي نحن بخير". ثمّ اجتاحنا دخان كثيف عقبه صوت انفجار هائل، شاهدت مريم ترتفع عني أمتاراً، حاولت التمسّك بها، لكني فشلت، شعرت أنّ يديها فقط بيدي.
الليلة نعيش بصمت رهيب وظلام دامس بالكاد ترى أصابع يديك، أسمع صوتاً متقطعاً للمذياع، شيء ما يقترب مني، عندما تحدثت معي عرفتها من صوتها، ابنتي مريم: "المكان ضيّق ومخيف، أين نحن؟".
أخبرتها أني لا أعلم.. لقد تجمّد جسدي من شدة البرد، ثم عادت لتسألني مرةً أخرى: "هل سنحتفل الليلة، أين الكيك.. الشموع والبالونات؟"
قلت لها: "لا تقلقي سنحتفل". حاولت بكلّ قوة إخراج علبة الكبريت من جيب سترتي وإشعال عود الثقاب لكي أرى، حاولت ذلك عدة مرات، لكنّ شخصاً ما صاح باسمي من الخلف وبصوت أبح: التزموا الصمت أرجوكم، كفاكم إزعاجاً لنا، نحن في مقبرة جماعية.