الوشق

زمجر الذئب متمتماً بصوت حاد كنصل السيف: "نحن نحرس الجمر لا اللهب، يا وشق… متى أزف وقت الإيقاد؟ الجمر لا يحتاج سوى هبّة ريح".

  • من كتاب كليلة ودمنة
    من كتاب "كليلة ودمنة"

تنويه: هذا العمل خيالي رمزي، وأي تشابه بين شخصياته أو أحداثه وأي واقع حقيقي هو من باب المصادفة الأدبية لا غير.

**

ارتقى الوشق أعلى التلة، رفع رأسه ونظر بحزم إلى الحشود التي اجتمعت أمامه، تمعّن الوجوه المكفهرة والعيون الشاخصة الناظرة إليه، ميّز بعضها ولكنه جهل السواد الأعظم، يبدو أنهم أتوا من غابات مختلفة، قريبة وبعيدة، تحمحم ثم خطب فيهم: "أيها القوم، لا يختلف فيكم اثنان أن الخنازير التي تعيث في البلاد فساداً، وتستبيح حمانا وتفتك بإخوتنا تقتيلاً وتشريداً وتجويعاً، لا يختلف اثنان أنها ما كانت لتفعل ما تفعله لولا الحمير التي تحكم الغابة، فهي التي تركت لها الحبل على الغارب، ولم تحرك ساكناً لوقفهاً، وكل ما تمادت الخنازير لا يرتفع غير قفزها ورفسها ولا يعلو سوى صوت نهيقها. وإن آخر شاهد كان في الغابة حاضرة البحر حين هجمت الخنازير على حين غرة، فاجتمعت الحمير بعد أسبوع في قصر منيف، تحدثت ونهقت ثم تعشت ونامت!". 

تمتم الجمع ولوّحوا برؤوسهم ، تهامسوا حتى تزايد الهمس وتحوّل إلى ضجيج وعلا صوت يصرخ من المنتصف: "نعرف كل هذا، ما الجديد، الحمير تحكمنا بيد من حديد!" ، قاطعه الوشق بنبرة حادة، "الحمير لا تحكمنا إلا بأنفسنا، من يراقبنا ويسترق السمع ويوصله لهم؟ أليس الغراب؟ من يقضي النهار مادحاً ومطبّلاً لهم، أليس القرد؟ وإذا غضب الحمار الحاكم، من يسلط عليكم؟ أليس الكلب؟ الغربان والقرود والكلاب كلها منا وفينا، ليست قادمة من عالم آخر أو من غابة أخرى".

ساد الصمت من جديد، ترقّب الوشق وأوجس خيفةً، فهو يرى الكلاب والقرود أمامه، تماماً كما كان يحس بالغراب يسترق النظر ليلة البارحة، حين كان يجهز خطابه. أخذ نفساً مضطرباً ثم تجرّع وشجّع نفسه، لا مجال للعودة الآن، لسان حاله يقول له: هما طريقان إما أن تقتلني الخنازير مغدوراً أو تحبسني الحمير فأموت تعذيباً، لا بأس كلا الطريقين يلتقيان في الموت، وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جباناً. 

نظر الوشق في عيون الكلب المتجهم وحاوره متحدياً، "أنت تعلم أن الحمار سيستبدلك بكلب آخر في أي لحظة، مهما وفيت له ومهما نبحت وعويت وهززت له ذيلك، ستبقى في النهاية كلباً، ذمة صاحبك ليست مثل ذمتك مهما صدقت"، امتعض الكلب ونظر إلى الوشق باشمئزاز، تركه الوشق ثم التفت إلى القرد الذي كان مستغرقاً في الغناء والتطبيل للحمار: "سيدي وحاكمي الحمار، كبيرنا وحامي الديار، بسيفه البتار يحارب الأشرار، بنى وزاد في الإعمار، وشق في الغابة الأنهار، كالشمس في النهار، إذا نطق فرحت الطيور والأزهار وإن عطس عمّ الخير والأمطار، سيدي الحمار سيد الحكمة والبصيرة والأفكار! سيدي الحماا.. "(طااخ). لطمة مفاجئة من الوشق دوّت في الساحة! 

ارتدّ القرد إلى الخلف ممسكاً خدّه بذهول، ضحك الجمع ضحكةً متردّدة بين الخوف والدهشة، كأنهم تذكّروا للحظة أن للحقِّ صوتاً آخر غير النهيق، تقدّم الوشق خطوةً إلى الأمام، وصرخ هادراً: "لقد سئم الجميع من هذه الأغاني التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فهؤلاء إما جائع أو عاطل أو عائل، وكثيرون جمعوا الصفات الثلاث. إخرس أيها القرد فلو كان من تتغنى به، كما قلت، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، الغابة تحتاج أفعالاً لا أشعاراً"، ضجّ الجمع تهليلاً وتكبيراً وتحوّل الهدوء إلى هرج ومرج.

وسط هذا الصخب، انطلق الغراب ناعقاً يضرب جناحيه في الهواء وهو يشقّ طريقه نحو قصر الحمار، تبعته النظرات وخفقت القلوب بين خوف وترقب، صاح فيهم الوشق بصوت جهوري غاضب: "ابقوا مكانكم، اثبتوا! هذا يومكم". لكن الجمع انشغل بنفسه عازماً على الهرب وهامّاً بالرحيل. وسط الزحام والمعمعة لم يبارح الأسد المسنّ مكانه، ظل واقفاً شامخاً رغم انحناءة جسده، ينادي أتباعه ويحرّضهم على الثبات. أتاه الوشق وسأله عن صحبه فأجابه بصوت متعب غاضب: "الحمير الأخرى حبست كلّ الأسود والذئاب، ولم يبق إلا القليل… أسود مسنّة، متعبة، مريضة."  

صاح الوشق محتجاً: "بل هناك مئات الأسود في هذه الغابة والغابات القريبة"، زأر الأسد المسن في وجهه بصوت يحمل ألم الغابة كلها: "تلك أسود مخنثة! ليس كل من وضع لبدة أسد، كلها بيادق في يد الحمار يصرفها كما يشاء في خدمته".

أطرق الوشق رأسه، ولوّح بإيماءة حزينة، ثم مضى لا يدري إلى أين تأخذه قدماه. كانت أفكاره تتقافز في رأسه كشرر يتطاير من نار شقية. نفسه تحدّثه: الغابة لا تقتل القدوات الأقوياء والشجعان، بل تحبسهم وتنكل بهم؛ لتجعل منهم عبرةً لكلّ من أراد أن يقتدي بهم. مضى والريح خلفه تحمل صدى نعيق الغراب، كأنها تذكّره بأن الطريق أمامه ما زال طويلاً… طويلًا جدًا!

من بعيد، لمح الوشق فيلين ضخمين يتصارعان على ضفاف النهر، اقترب منهما وحاول جذب انتباههما إليه، هيا! توقفا! ليس هذا وقت عراك! ولما لم ينتبه أي منهما قفز وحط على خرطوميهما المتشابكين، هدآ لوهلة وتوقفا "ما بكما؟ لم كل هذا؟" تكلّم كلّ منهما بسرعة، كل منهما يشكو الآخر ويتّهمه بأكل حقّه وأخذ نصيبه، صرخ فيهم "على ماذا تتشاجران!" قال الفيل الأكبر بصوت غليظ يتهدّل منه الكبرياء: "على كيس التوت، أهدانا إياه سيدي الحمار، كان يحوي 7 حبّات، وبما أنني الأكبر فيحقّ لي أن آخذ 4!"، قاطعه الفيل الأصغر بحدة غاضبة: "بل أنا من يستحقّ الأربع، لأنّ سيّدي الحمار أعجب بأنيابي العاجية، وطلب منّي أن أذهب إلى قصره لقطعها وإهدائها لضيوفه! أنيابي أجمل، ومنزلتي عنده أعلى، والحبّة الرابعة لي!".

عبس الوشق، وانكمش صدره ضيقاً. رمقهما باستياء وقال بصوت متهدّج كمن فقد الأمل: "أغربا عن وجهي"، قفز عن خرطوميهما وابتعد بخطوات ثقيلة. سار مبتعداً عن النهر الهادر، والماء خلفه يضطرب كصدره، يتموج بالمرارة. مدرك أن الغابة لا ينقصها عدوّ خارجي، فقد أكلها جشعها وجهلها من الداخل.

مشى الوشق وخطواته تسابق أفكاره حتى وصل إلى قرية الماعز، تلك التي عرفت بالجرأة والأنفة والشجاعة، وكان يظنّها آخر معاقل العزم في الغابة وآخر ما تبقّى من كبرياء لم تطأه أقدام الذلّ. 

الريح هنا تفوح برائحة الجبال، والوجوه التي كانت يوماً شامخة كصخورها بدت له الآن متعبةً، باهتة القسمات، رفع رأسه وأسنده للخلف قليلاً، أبطأ في مشيه ودخل القرية. لكن، ما إن توغّل في الأزقّة حتى وجد الماعز منحنية الرؤوس، تتحدث همساً، وتبيع ما تبقّى من لبنها بأبخس الأثمان. 

تفاجأ وجحظت عيناه. سأل أول من صادفه بصوت مشوب بالاستغراب: "أين جرأتكم يا معيز الجبل؟ أين صياحكم الذي كان يوقظ الغابة؟"، فأجابه شيخ ماعز نحيل وقد ذبلت عيناه وانحنى ظهره: "ذهب الصوت مع الريح، يا وشق، فالخراف التي كنّا نؤويها وتعمل عندنا، جلست على الكراسي، وصارت تأمر وتنهى وتسعّر اللبن والصوف والجبال." تلفّت الوشق فرأى الخراف في المكاتب، تحصي، وتدير، وتصدر القرارات، بينما الماعز تنتظر في الطوابير.  

وفي زاوية السوق، رأى خروفاً سميناً جالساً خلف طاولة التوظيف، ينهر ماعزاً هزيلاً جاء يسأله عن عمل، صرخ فيه الخروف: "أما شبعت رتعاً في الجبال؟ مكانك هناك، لا هنا بين الكراسي"، خفض الماعز رأسه وغادر بصمت، بينما اشتعل صدر الوشق ناراً كادت تحرق الغابة وتودي به لافتراس الكبش السمين! لكن حكمته وبصيرته كانتا أكبر من ذلك. كان صوت يصيح في داخله "الغابة لا ينقصها عدوّ خارجي، فأهلها قابلون للعبودية"، كبح جماح غضبه، وكظم غيظه ومضى، وقد ازدادت خطواته ثقلاً، كأنّ الأرض نفسها تخجل من حملِ هذا الخذلان. 

كان قلب الوشق حزيناً متعباً، وروحه يائسة مثقلة؛ أراد أن يرفعها لترتفع به. صعد الجبل وهو يجرّ نفسه، تلاحقه أنفاس الغابة الغارقة في التعاسة. كلما ارتقى، خفّ صخب الوادي واشتدّ عويل الريح بين الصخور، كأن الجبل نفسه يتهيّأ لسرّ يوشك أن يكشف. ولما اقترب من القمة، لمح مغارةً غامقة الفم كوجه عجوز كثّ الحاجبين؛ يتسلّل من عينيها ضوء خافت كوميض قديم يحتضر لكنه لم يمت بعد. 

اقترب، فوجد في داخلها الدبّ العجوز جالساً متربّعاً كجبل داخل الجبل، إلى جانبه نسر أشيب يقلب جناحيه في سكون، وذئب رماديّ ضخم يحرس المدخل بعينين لا تنامان. 

قال الوشق بدهشة لم تمكنه من إخفاء بهجته برؤية المجموعة: "ظننتكم خالدين، إمّا في جنّة ضاعت مفاتيحها، أو في سجنِ الحمار". رفع الدب رأسه، ورسم على وجهه ابتسامةً صفراء؛ تنهد ثم قال بصوت أجشّ: "نحن الذين بقينا على ما نحن عليه، حين ظنّ الجميع أن الغابة ماتت".

أضاف النسر وهو يرمق الوشق بعينين أرهقهما الانتظار: "أطير كل يوم فوق الغابة، وأرى الخنازير تطغى، والحمير تركع، والكلاب تنهش والقرود تغنّي، وكلما اقتربت حاول الغراب اللعين اللحاق بي والوصول إليّ، فآثرت الصمت ولذت بهذه المغارة مع الدبِّ والذئب… حتى يجيء من يقودنا فنصطفّ خلفه".

زمجر الذئب متمتماً بصوت حاد كنصل السيف: "نحن نحرس الجمر لا اللهب، يا وشق… متى أزف وقت الإيقاد؟ الجمر لا يحتاج سوى هبّة ريح".

تقدّم الوشق بخطوات ثابتة إلى الداخل والظلال تتراجع من حوله كأنها تفسح الطريق لولادة النور، رفع رأسه وقال بصوت جهوريّ واثق يهدر كالرعد: "الوقت الآن… الآن". لحظات من الصمت المفعم بنشوة الحماس، والشرر يتقد في عيون الأربعة؛ كلّ ينظر إلى الآخر بعزم يحدوه الأمل وبثقة تصنع المستحيل. وفجأة، انكسر الصمت برفرفة جناحي الغراب وهو يغادر فم المغارة!

اخترنا لك