المعجزة
حملتني أمي وضمتني طويلاً، ثم نظرت في وجهي وهي تبكي، ثم همست: "ليتك تعلم يا حبيبي أي معجزة أنتَ، وأي معجزة أتيتنا بها".
-
هيوز ميرل، 1864
استشهد أبي. سمعتهم يخبرون أمي بعد أن حاولوا تخفيف الخبر عليها، فهي حامل... بي (جنين أنا عمري 5 أسابيع)، لكنها ذكية ولمّاحة، عرفت ما إن بدأ أعمامي بالكلام، بكت ونادت بأعلى صوتها باسمه.
طلبوا منها أن تهدأ لأجلي، ارتعبت جدتي لأبي ورجتها أن تهدأ من أجل جنينها، أما أنا فقد تعلقت بحبل السّرة وبكيت... أجل، بكيت، فليس أمراً هيناً أن تعرف أنك ستأتي إلى الدنيا يتيم الأب.
لكنني وبعد أن سمعت من أعمامي حكاية استشهاد والدي مفقود الأثر، شعرت بالفخر، لأنني سأكون ابنه وحامل إرثه من طيب الذكر والسمعة. تمسكت هذه المرة بحبل السّرة، لا لأبكي، بل كي لا أسقط قبل أواني، فتفقد أمي كلينا، أبي وأنا.
أحاطتها نساء العائلة بعناية خاصة، فهي حامل بنطفة شهيد، ويجب أن يولد ابنه ليكمل مسيرة مقاومة ما زلنا نتوارثها أباً عن جد، منذ أن استباح الكيان الغاصب جنوبنا الحبيب.
يا لهنّ من نساء قويات... صابرات... محتسبات. لا أطيق صبراً إلى أن ألقاهنَّ، جداتي، عماتي، وخالاتي.
لي أيضاً 4 أعمامٍ وخالان. عائلة كبيرة سأحبها حتماً، فهم مسبقاً يحبونني وينتظرون قدومي.
قبل أن يبلغ حمل أمي أسابيع كافية ليصبح بإمكان طبيبتها أن تحدد جنس الجنين، حصلت معجزة أكرمني الله بها، رغم أنني حتماً سأنساها بعد ولادتي، لكن لا شك سيخبرونني بجزء منها عندما أكبر.
لقد زارني أبي وحمّلني رسالة إلى عمي الكبير!
ساعدني ملاكي الحارس بأن أزور عمي بينما هو غاف فوق العشب، وقد تولى صديقه زمام رمي الصواريخ بدلاً منه.
أبصرني عمي في نومه طفلاً رضيعاً أمشي، أصابه العجب وصاح: "أإنسٌ أم جنٌّ أنت أيها الرضيع؟".
فقلت: "بل إنسٌ يا عماه... أنا ابن شقيقكَ الشهيد حسين... وأحمل لكَ رسالة منه".
بسمل من دهشته، ثم قال: "لا أصدق".
فقلت: "بل صدّق... وسأعطيك علامة... سأرشدك إلى مكان رفاته، وهناك ستجد رسالة في بقايا بدلته يذكر فيها أنه يريد أن يُطلق عليّ اسم علي الطاهر".
وشرحتُ له المكان بالتفصيل...
لشدة حماسي ولدت "ابن سبعة أشهر"، وأعلنت الطبيبة أنني مكتمل النمو ولا حاجة بي للحضّانة.
حملتني أمي وضمتني طويلاً، ثم نظرت في وجهي وهي تبكي، ثم همست: "ليتك تعلم يا حبيبي أي معجزة أنتَ، وأي معجزة أتيتنا بها".
ابتسمت في وجهها، لحظتها كنت ما أزال أذكر تماماً المعجزة التي حصلت، فالحياة لم تغرقني بعد بضجيجها. ضحك الجميع من حولي بحنان لما رأوا ابتسامتي، أما أمي فضمتني إلى صدرها وهي تقول: "له نفس ابتسامة حسين".